الماغوط وقصيدة النثر السورية

قصيدة النثر السورية ورثت تجربة إبداعية رائدة – هي تجربة محمد الماغوط, الثرية, المقابلة للحياة في  ازدحام  التجارب وإزدحام الشعر,  ومع أن الأجيال الجديدة  من شعراء قصيدة النثر في سوريا يعترفون  للماغوط  بالريادة  وبالتميز, إلا إنهم يطمحون  بإستمرار إلى كتابة قصيدة مغايرة.. قصيدة  يمكن أن تحمل نبض  الحياة  الجديدة, وتجاري في الوقت ذاته, ما حققته قصيدة النثر, العربية من تطور, خصوصا  في لبنان, الذي كان أرض الحوارات النقدية العاصفة – التي أسست لهذه القصيدة, والذي رفد الإبداع الغربي بعدد لا يستهان به من شعرائها, هذه المقالة تحاول رصد عدد من التجارب لشعراء قصيدة النثر السورية الجديدة والذين عرفنا  نتاجاتهم خلال  العقد الفائت – عقد التسعينيات من القرن الماضي, وهم هالا محمد, رشا عمران, رولا حسن, أنيسة عبود, انتصار سليمان, خليل صويلح, صالح دياب, خضر الآغا, علي سفر, جبران سعد, لقمان ديركي, عابد إسماعيل, وعبد النور الهنداوي.

الشاعرة هالا محمد, أصدرت ثلاث مجموعات شعرية, »ليس للروح ذاكرة«, »على ذلك البياض الخافت« (1997) و؛قليل من الحياة« (2001).

هالا محمد لا تبحث عن شعرية القصيدة إنطلاقا من نظرة نقدية, قدر بحثها عن التناقض في العادي من الأشياء اليومية, و العادي الذي يخبئ فجائع لا تبين بالعين المجردة وبالنظرة العابرة السريعة, في مجموعتها  الأولى ليس للروح ذاكرة, تميل هالا إلى قصيدة اللقطة, التي تنبني على مفارقة ما  حادة وسريعة, حتى في تلك القصائد الطويلة (نسبيا ) ثمة شيء من الحكاية, يبدو منطقيا في تسلسله, يمهد بمنطقيته لضربة المفاجأة الأخيرة,مفاجأة الأسى.

 والشاعرة في هذا تميل غالبا  إلى  استحضار  ذاكرتها إذ هي تكتب ما يجول  في خاطرها من هواجس  امرأة تعيش الوحدة في غياب الرجل, قوة هذا الاستحضار تبدو أكثر ما تبدو في التعبير الصادق  عن انثوية قلما عبرت عنها امرأة شاعرة, في زمن  تميل فيه  شاعراتنا إلى المراوغة  والقول  المبتور, مما يجعل من قصائدها قصائد امرأة, لا بالمعنى التقليدي الذي يقسم الابداع الشعري إلى نوعيه التقليديين, شعر رجال, وشعر نساء, ولكن بذلك المعنى الذي يمنح خصوصية تثير الإنتباه, لنتأمل قصيدة طويلة نسبيا حملت عنوان امرأة والتي تلمح فيها لمسات من درامية القص وشاعرية الأسى:

؛بعد زمن طويل من الغياب

عدت لبيتنا

كان اسمي

مايزال مكتوبا  بجوار اسمه

على بابنا

في الداخل

فردة حذائي

معطفي المعلق

مايزال معلقا

في مكان تعليق ثيابنا

تختنا

مازال في حالة فوضانا

خزانتي

بأثوابي

برائحتي

هو,

كل شيء كما كان

كان خارجا

يا إلهي!!

كيف استطاعت

أن تكون مثلي

أنا !!?

وبقدر ما تلمح بساطة التعبير, والابتعاد عن التكلف (الذي يتنافر مع هواجس الشاعرة وموضوعاتها الداخلية) نشير إلى نوع من التقطيع الذي يقارب الكتابة السينمائية, خصوصا  في تركيز القصيدة على الصور المتتابعة – والتي تكون كل واحدة منها جانبا  من صورة عامة هي القصيدة ذاتها, وفي حين تسهم عفوية الموضوعات والهواجس في قوة معظم قصائد المجموعة, تجعل من بعضها الآخر ينزلق بالقلم دون رقابة الفن الصارمة.

أما في على ذلك البياض الخافت المجموعة الثانية,فإن هالا محمد لا تكتب انطلاقا من حدقة امرأة مسكونة بما هو جامح من رغبة في إعادة تنظيم الأحزان, ترتيبها في خزانة أنيقة, فيما هي تدرك صعوبة  المحاولة, وارتطامها كل مرة بالمرارة.

قصائدها في هذه المجموعة تبدو حقيقية بالنظر إلى وشائجها العميقة, مع كل ما يسكن الروح الانسانية من لوعة, وما يعتمل  فيها من أسرار وخيبات, وحقيقيتها تتجلى  كأهم ما يكون في انعتاقها الكامل من زخرفية القصيدة النسائية – المشغولة – في العادة بطقسية الكلام  أكثر من انشغالها بانتباهات ذكية إلى ما يربط الأنوثة بوشائجها الانسانية,

كثير من هذه الملاحظات, سنراها كذلك في مجموعة الشاعرة, قليل من الحياة, حيث تذهب القصيدة إلى فضاء المشهد, وتعيد ترتيبه من جديد, في لغة واضحة, وتخييل يمكن استحضاره بسهولة من القارئ .

في اتجاه مختلف, تكتب رشا محمد عمران, قصيدة قصيرة, تحاول توصيل فكرة, هي في الغالب, أقرب إلى الذهنية, وهي مسألة تدفع قصيدتها في أحيان كثيرة إلى الوقوع في النثرية.

قادمة من أول الحريق

أدخل تائهة في جهات الوقت

جهة الانكسار

الحلم يتسرب من بين أضلاع الندى.

أما رولا حسن, فهي تكثف في قصيدتها عواطف المرأة العاشقة, في صور شعرية – تبدو ناقصة, مبتورة , تعف عن الكلام, وتنحاز بدل ذلك إلى دفع القارئ كي يحاور القصيدة ويحاول إكمالها.

– رولا حسن في مجموعتيها ؛شتاءات قصيرة« و؛حسرة الظل«, تبدو صوتا شعريا نسائيا له مذاقه الخاص, بلغتها المقتصدة, واعتمادها الدؤوب على قصيدة المناخ, أكثر من قصيدة الموضوع أي موضوع فالمتأمل  في قصائدها كلها, يلحظ انتباه الشاعرة إلى ما في المونولوج الذاتي من قدرات هائلة على تكثيف  مشاعر ورسم صور علاقات, بل رسم صور حياة  بأكملها:

غيري

من يدل الجداول

إلى أيامك

من يلفت انتباه  العصافير

إلى أشجار قميصك 

غيرك

من يعمر بيتي

بأحجار الغياب.

– ورولا حسن, إذ تكتب قصيدتها كخطاب يذهب في اتجاه الرجل, تؤسسها على رهافة العاطفة, ورهافة البنية الشعرية معا

تعالوا نتأمل مثلا  هذه القصيدة القصيرة  من مجموعتها الثانية »حسرة الظل« والصادرة  عام  1999:

لو جاء أيلول

سأخبره 

سيجت  بك قلبي

هديت العصافير

إلى الغابات

سأخبره :

قربك

وحدتي

يبست على الشرفات

قصائد  مجموعتي رولا حسن, تجربة شعرية جميلة في سياق قصيدة النثر  الشعرية السورية ,وإن كانت الشاعرة قليلة الإنتاج  في العموم.

أما أنيسة عبود, التي قدمت تجارب  لافتة, في القصة القصيرة, والرواية, فقد  أصدرت مجموعتين شعريتين (مشكاة الكلام 1994), و(قميص  الأسئلة 1999).

 أهم ما  يلاحظه قارئ قصائد أنيسة عبود , ميل الشاعرة إلى استقراء تصوراتها الخاصة عن العالم الخارجي , وفي الوقت ذاته, نقل هذه التصورات في سياقات سردية, تقترب  كثيرا  من روح القص, وإن افترقت عنه بعد ذلك في كثافة اللغة السردية, وفي اعتمادها اللامحدود على الصورة الشعرية, كركيزة أساس في تشكيل المشهد وإقامة معماره, إن أنيسة عبود, إذ تعيد تصوير الملامح الأخرى للواقع – وكما تتبدى من روحها هي, إنما تقصد أن تلامس تلك الحقيقة اللامرئية, اللاواقعية – في مظهرها الخارجي, والواقعية في اندياحها من الحساسية الشعرية التي تقدر, أكثر من عدسة الكاميرا, على تقديم القراءة الخاصة.

تجربة أنيسة عبود الشعرية إذ تتأمل في التفاصيل الصغيرة, تبدو كمن يسكن في هذه التفاصيل, حيث نلحظ إصرار الشاعرة على تجزئة هذه التفاصيل الصغيرة إلى جزئيات  وتفاصيل تعيد قراءة الواقع من خلال قراءة أدق مفرداته , بما في ذلك الجماد ذاته والذي نراه في القصيدة يكتسب صفات إنسانية.

جانب مهم في تجربة أنيسة عبود الشعرية هو من دون شك, إنشغالها بالأجواء -, والمناخات الحميمة, وذات العلاقة مع الآخر في حالاته العادية, والواقعية والمألوفة, فالحبيب الذي تتوجه إليه القصائد لا يتحول  إلى رمز  عاطفي مجرد, بل هو رجل من لحم ودم يعيش في قلب  الحياة الواقعية, ويحمل ملامحها وهمومها, والتي هي في الغالب هموم الشاعرة ذاتها, وقصائدها إذ تلامس تلقائية القول الشعري, بما فيها من بساطة – تنجح في أن تكون مشغولة بنسيج شعري فيه الكثير من التوتر, الذي تنتقل عدواه إلى القارئ و الشاعرة خلال ذلك تواصل دفع الصورة الشعرية وإسنادها بصور أخرى متلاحقة.

في فضاء روح المرآة العاشقة تحلق قصائد الشاعرة انتصار سليمان وإن تكن اكثر  إقترابا من حسية المشاعر, وهي تكتب إذ تكتب مسكونة برغبتها في صياغة مشهد شعري, يزدحم بالقلق, وتمور في تفاصيله رؤى, تبدو  أقرب في  صياغتها الشعرية إلى عوالم قصيدة التفعيلة, من حيث انضباطها لنظام معين, ومن حيث جملتها القصيرة, المبتورة, والنهائية في أحيان كثيرة,

أرى  الشمس

ترحل عن  حيهم

فيما أيها القلب المجرح

خذ حنيني بين يديك

وضعه بهدوء

تحت نافذة الحبيب.

لغة انتصار سليمان الشعرية – تبدو محايدة, بعيدة في أحيان كثيرة عن التوتر, بسبب من  إتكائها على بنية سردية, تقول خطابها وتمضي :

يخطر لي

أن أطويك طي شعاع

في ضباب  غربتي

قبل أن أنام

ومع ذلك فإن انتصار سليمان تنجح في منح قصيدتها كثيرا  من الشاعرية, من خلال اعتمادها الصورة والصياغات المكثفة, ورشاقة العبارة .

 في تجربة أخرى, يقدم خليل صويلح ثلاث مجموعات شعرية, لعل أهمها, الأخيرة (إقتفاء الأثر) والتي صدرت عام 1002.

 خليل صويلح في قصيدته النثرية يبدو أقرب الجميع إلى التلقائية في القول الشعري – وإن أخفت هذه التلقائية الظاهرة, تمكنا  فنيا أعلى من كثيرين كتبوا قصيدة النثر خلال العقد المنصرم, في مجموعته ؛اقتضاء الأثر« يقدم خليل صويلح ؛قصائد رعوية«, تنداح  من ذاكرة بدوية , تعلن عن دهشتها من المدينة,بل رفضها لهذه  المدينة, من خلال استعادة  الحياة الأولى في  البادية وهي استعادة شعرية  يتقن صويلح تقديمها في  إهاب فني على درجة عالية من السخونة  وفي  فنية لا تخفى.

كأننا لم نشرب ماء  الغدران

كأننا لم نأكل الثريد

في ليالي  العشائر العاصفة

بالخديعة والمكائد

كأننا لم نسر ق الدجاج كالثعالب

كأننا لم نصب بالجدري  والسل وفقر الدم والرمد

كأننا لم نصبغ أيدينا بالحناء

ونشم سواعدنا بالرماح والسيوف

كأننا لم نستنشق  رائحة الروث  عشرين حولا.

هذه  الصور المتلاحقة, إذ  تلاحق  وتستدرج  ذاكرة الشاعر الفردية  – تلاحق  وتستدرج ذاكرة وحياة جيل بأكمله, لا  أظن  خليل  صويلح  في  هذه القصيدة إذ يستعيد  صور  حياة البادية, يتوجه  بخطابه  الشعري لا بنائها فقط , قدر ما يشير إلى تحولات تصنعها المدينة الكبيرة عموما  بكل من يأتي إليها من البادية والمدن الصغيرة الريفية والقرى على حد سواء  .

خليل صويلح, في قصائده  يبدو  أشد  اهتماما  بالإصغاء إلى روحه الداخلية, حيث هناك تقبع مفردات القصيدة .

هو إذ يكتب يستخدم لغة على درجة  عالية من البساطة, ولكن على درجة عالية أيضا من الفنية – التي تستفيد من الثقافة عموما, ومن اللغة السينمائية خصوصا فنرى قصيدته في كثير من الأحيان التقطيع والاسترجاع وتك  ون بهما ومن خلالهما كيانها الفني :

هذه الشرفة  مطفأة

منذ الصيف الماضي

النبات ذبل

على درجات السلم

والستائر أبعدتها الريح

وحبل الغسيل

نسي الأصابع البيضاء والملاءات  والجوارب.

أما تجربة صالح دياب (قمر يابس يعتني بحياتي) فإنها  تفضي إلى حضور المشهد في حركية تتفاعل فيها عناصره كلها…. حركية درامية تشبه أن تكون مسرحا  من نوع خاص تتكثف  فوق خشبته فنون القول الشعري إلى الحدود القصوى, لتفت أمام القارئ بوابة الدخول مع الشاعر إلى لحظة القصيدة بانتباهاتها الصغرى والجريئة, والتي هي مجتمعه ومتفاعلة – كلية القصيدة التي  تتعمد الإلتباس  وتمضي  إليه  بقصدية واضحة ورغبة مسبقة على أمل الوصول بالقصيدة والقارئ معا إلى تخوم حالة أو مناخ أكثر مما هي تقصد سردية لها تسلسلها المنطقي أو سيرورتها المنسجمة الشعر في مجموعة صالح دياب الوحيدة حرث في  تربة شائكة فيها خليط من الحصى والرمال, وفيها ما فيها من تنوع الألوان بل وتناقضها, وفيها قبل ذلك كله لعبة زج الكلام في سياقات شعرية مختلفة, بل أنها تجد شاعريتها في تلك التركيبات  الجديدة, التي تزج متناقضات المفردات في صراع علاقات لغوية تتأسس من جديد لتأخذ في تأسسها هذا حالة الشعر, من التباس لا يغمض. قدر ما يدفع  إلى  التأمل  أو هو في غموضه الواضح ذاك يتقصد إقامة بنية شعرية يقوم المشهد الدرامي في ذروته, فيحضر من خلال صورة منسوجة من لغة بسيطة الكلمات, ولكنها مثقلة بالايحاء النابع مما تضمره الكلمات والمشاهد, أكثر مما تبوح به, في طلاقة قلما نعثر عليها المجموعة, لأن صالح دياب, يذهب – غالبا  – إلى المشهد الأخر الذي يقبع في المخيلة والذي يمكن أن تفضي إليه بوابات – القراءة المتأنية, المتأملة والمهمومة بالرغبة في المشاركة, وفي تأليف الصور وتشكيل المشاهد, ومن ثم في القبض على حالة الشعر ومناخه:

أن تزهر دمعة

في الدمعة

التي

تلي

لكن

اليدين مغمضتان

قصائد صالح دياب – تغامر بالانحياز إلى كثافة تؤكد حضور لغة شعرية قلقة, لا تشي بالقول حتى تغادره إلى مواقع جديدة, فتنجح في العموم, وإن لمسنا هنا وهناك وقوفا خجولا عند أبواب النثرية لا يسيء إلى تجربة أولى تبشر بصوت شعري جديد له نبرته الخاصة, أما زميله  خضر الآغا, فإنه, وفي مجموعته الأخيرة ( انوثة الإشارة) بالذات يذهب إلى كتابة قصيدة تناوش  الخراب في معانيه المختلفة في قصدية تستحضر شواهده ولكن في صورة غير مباشرة, فالشاعر الذي يرى بعينيه هذا الخراب, يفضل أن يزج مخيلته في أزقته كي تختار الصورة كما تتبدى من المخيلة, إنها صورة يمتزج خلالها, الشعر بما  هو تكثيف  للمرئيات وتكثيف للقول,  في مراهنة لا محدودة على موقع المناخ الشعري, ذلك الذي يتأسس في علاقات الصور المتلاحقة في تناقضاتها حينا, وفي لا معقوليتها أحيانا كثيرة :

كأنني أخبرتك

كان يجرحني الوضوح

وانشغال القهوة بالمرأة الضاجة

بالبنفسج

كان يبليني البيت المجاور

بخصره المسفوح في أعضائي

بغزالة الشرفة الآيلة للقلب

الذاهبة لما هناك .

من الواضح أن خضر الاغا  قد غادر لعبة  الموضوع التي دأبت على  السباحة في مياهها قصائد الشعراء السوريين من الأجيال السابقة, والتي لا تزال تجد لها امتدادات كثيرة في صفوف  شعراء جدد  في حين لا نراها في تجربته .

وبجمالية أعلى, ونضج أكبر, تبدو تجربة, الشاعر علي سفر, الذي يختار ؛سفر« عنوانا لمجموعته الاحداث فهو يعلن منذ القصيدة الأولى في المجموعة انشغاله بكتابة شعرية تعتني بالتعبير المكثف عن عالم شديد التركيب,, فيه الكثير من المناخات  المتداخلة والشواهد المتناقضة  والتي يجمعها الشاعر كي يحقق بما فيها من تناقصات حادة مشهده الشعري الأثير :

الراكضون إلى آبار مستحيلة

قبل المغيب

يلمون مطرا متأخرا

عفونة مرغت أنف التراب .

أهم ما في تجربة علي سفر الشعرية وقوفه الطويل عند تخوم التأمل, حيث تتحول الرؤية الشعرية إلى  استقرار من نوع مختلف, إستقرار يقدر أن يقدم نشيدا مختلفا له من الواقع بعض ملامحه وله من رؤية الشاعر تشكيلاته الخاصة,حيث يعمد سفر باستمرار إلى زج القصيدة في صدام مباشر مع الواقع:

الاخضرار على نمو حجر في ا لصمت

إرهاق سندان

الهبوب

تحت لون

تفاصيل  سواد

يمضي بأرجل حافيات على

قار كلام البحر

ومن بين تجارب قصيدة النثر السورية الجديدة تلفت الانتباه تجربة الشاعر الشاب جبران سعد, في مجموعته الشعرية (أشعار و 23 قصيدة ) والتي صدرت عام 1999, بما فيها من عودة إلى الطبيعة, أو إذا شئنا الدقة,  عودة إلى بدائيات, فيها الكثير من شغف القول المسكون  بالدهشة من كل الأشياء الصغيرة :

طفل مسكون

أغرته عصفورة النهر

بقشة

من حصيرة قلبها

فوقع غاشيا

بين الضفاف والصور,

بدائية جبران سعد تختلط بالثقافة, والنظر المتأمل  فتتحول إلى شعر فيه الكثير من البساطة, ولكن فيه الكثير من الجمال أيضا .

أطبع قصيدتي

على شقة البحار

لأفك الليل

من أسر النهار

وعلى خلاف واضح مع كل شعراء قصيدة النثر السوريين يكتب لقمان ديركي, في سياق مغامرة تجريبية لا تتوقف عند أية ضوابط, ولا تكبحها أية مقولات نقدية, إذ هو يقفز إلى لون لم يسبقه إليه  أحد, هو قصيدة النثر العامية, إذا جاز لنا أن نطلق هذا المصطلح.لقمان ديركي, في مجموعته الاحدث (وحوش العاطفة), يطلق  قصائده في فضاء الشغب, ولكنه الشغب الشعري. يلاحظ قارئ  مجموعته غياب العناوين عن القصائد فقد, تعمد لقمان أن يترك قصائده هكذا, وكأنه يقول للقارئ إنها وجدت كما تراها. موضوعات لقمان ديركي الشعرية أو بالأصح هواجسه التي يسردها  تختار لغة البساطة, لغة لا تحتمل الـتأويل أو الغموض بل هي تترك للبنانية الشعرية أن تفتح  باب التأويل.

اللغة هنا تكتفي  بأن  تكون  خطوطا  ترسم ملامح اللوحة وتحدد فضاءها في حين ينتبه ديركي أكثر ما يكون الانتباه إلى خلق حال , يمكن أن تنتقل عدواها  إلى القارئ من خلال ما تعكسه من ألم, ثمة حبيبة يتوجه إليها الخطاب, بل هي تطلق الخطاب أحيانا, وثمة مكان يعبر دوما عن التشرد خارج جدران البيوت والأماكن المستقرة, وبين هذين الحدين, الحبيبة والمقهى تقع أحداث لقمان ديركي الشعرية, أكاد أقول أحداثا  لأن قصيدة لقمان في وحوش العاطفة تعزف على أوتار عاطفة فيها الكثير من حضور درامي يؤسس في كل مرة مشهده وله أيضا أبطاله وشخوصه  في مكانهم وزمانهم وحتى في لا مكانهم ولا زمانهم.

إنه شاعر هامشي  ينتمي إلى رصيف الشعر بكل ما في الرصيف من قدرة على المشاكسة وممارسة الشغب الجميل الذي يقبض على الطفولة بشدة وينتقل بها من مقهى إلى مقهى ومن قصيدة إلى قصيدة,

في بار لا يشبه أيامنا

التقينا .. وتحدثنا كثيرا

بحماس … كما لو أننا نلتقي لأول مرة

وفي ذات البار

بعد زمن

إلتقينا

لم نحي   بعضنا البعض

ولم نتبادل النظرات أو نتحدث

كما لو أننا نلتقي لأول مرة,

أما عابد اسماعيل, الذي درس الأدب الأمريكي في الولايات المتحدة الأمريكية, وتتلمذ على هارولد بلوم, بل وترجم بعض كتبه إلى العربية فقد أصدر عددا  من المجموعات الشعرية المميزة, وتلفت الانتباه في قصائده الرغبة العارمة في إستقصاء  احتمالات المشهد الحياتي الصغير والعادي, إذ نرى القصيدة تذهب إلى  حدود رؤية الألم الإنساني في صورته الأخرى المتخيلة بل المحتملة, والشاعر في هذا الحال يكتب من خلال لحظة تأمل توازن فيها القصيدة بين حدي الرؤية الذهنية والإستجابة الابداعية العفوية, بما تتصف به كل واحدة منهما من مواصفات متعارضة, قصائده لوحات يظللها الأسود, في سطوة حضوره وقوة إيحائه وملامسته الخشنة لمشاعرنا, وهي لوحات, تعتمد في أساسها على الإبتعاد من الإطالة التي كان يمكن أن تبدو في مثل هذه القصائد عزفا نشازا وزائدا على أوجاع تحسن قول نفسها :

شموعا كثيرة أضاءت  لنا الريح

الريح السوداء

التي خرجت من الإبريق

وبدأت تحل خيطانها

البيضاء

والصفراء

والزرقاء

في بهو العيادة

أما الشاعر عبد النور الهنداوي فهو في مجموعاته الثلاث, وبالذات الأخيرة »أنا طويل جدا  وأخشخش بالورد« فيكتب قصيدة مختلفة كليا, أنه ينطلق من رؤية سوريالية, تجعله غالبا  خارج النقد, بل حتى خارج التداول, إلا في إطار نخب ثقافية ضيقة المساحة . كتابة الهنداوي الشعرية أثارت ولا تزال جدلا  في حدود ضيقة أيضا حول مشكلة التوصيل  والعلاقة مع المتلقي, إلى حدود  جعلت صدور مجموعته الشعرية الثالثة, ضمن منشورات اتحاد الكتاب العرب في سوريا حدثا  لافتا  إذ دأبت لجان القراءة في الإتحاد على رفض الموافقة على صدور أية مجموعة له في السنوات الماضية, خصوصا, أن تلك المجموعات كانت باستمرار تذهب ضحية, لجان قراءة من المتعصبين للشعر الكلاسيكي أو حتى شعر التفعيلة التقليدي. عبد النور الهنداوي, يواصل منذ ربع قرن ويزيد كتابة قصيدة شعرية, لا تقترب من الملتقي إلا لكي تشتبك مع ذاكرته الشعرية ومع ذائقته على حد  سواء مبادرا  بجملته الشعرية المتوترة, والمتحفزة إلى نقض وعيه, وإلى دفعه للإرتطام بجدار القصيدة إرتطاما حادا يشعل نقاشات فيها ما فيها من حضور أسئلة عن مآل الشعر مرة, وعن جنس ما يقرأ مرات, و في الحالتين ثمة تكرار وتكرار لصياغات شعرية تؤكد حضورها عبر الخلاص من أية تشابهات مع أية رؤى أو حتى عادات شعرية أخرى :

الأشجار

ماذا أقول لها

كي لا تنحني أمام الريح

ماذا أقول للشوارع

وهي تستقبل الفجر

والفجر?

بدوره يتخثر كضوء في ممر ?

قصيدة النثر السورية الجديدة, أهم ما يشغل شعراءها هو التجريب ومساحة, التجريب, تزدحم كل يوم بأسماء وتجارب جديدة, ولكننا نقدر بنظرة متأنية أن نضع اصبعا  على ما في الركام الضخم من نتاج جميل, يطل بين وقت وآخ
 
راسم المدهون
كاتب من فلسطين

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …