أخبار عاجلة

المخاطر الزلزالية وتخفيف آثارها

الأرض كوكب عجيب غني بالظواهر التي تشير الى النشاط والحركة التي ساعدت على نشوء واستمرار الحياة عليها، فمن هذه الظواهر ما هو مفيد كالحقل المغناطيسي الأرضي والغلاف الجوي، ومنها ما هو ضار كالعواصف والزلازل. فالزلازل ظاهرة طبيعية تنتج عن النشاط الدائم لكرتنا الأرضية، وهي تعبير عن وجود قوى داخلية تعمل في باطنها تنتج عن النشاط الحراري الأرضي وتؤدي الى حركات المثل (الماغما) المنصهرة والصخور الصلبة فوقها. يمكن القول أنه لولا هذا النشاط الحراري والحركات المرافقة لكانت الأرض خامدة هامدة (كالقمر مثلا) ولما تولد حقل مغناطيسي حول الأرض ليحميها من الأشعة الكونية القاتلة والتي إن تسربت الى جو كوكب ما لقضت على الحياة فيه ولما وجدت الغازات التي تشكل هواء الغلاف الجوي. لقد مرت الأرض خلال تاريخها الطويل بمراحل مختلفة من النشاط، فمن مراحل نشاط بركاني وزلزالي شديد الى أخرى أقل نشاطا والى فترات من الهدوء النسبي.

إن أحد أهم أسباب حدوث الزلازل هو حركة الصفائح التكتونية على سطح الأرض، إذ يقسم هذا السطح الى عدد من الصفائح المتحركة، تتألف الصفيحة من قشرة قارية أو محيطية أو كليهما وتتراوح سماكتها بين 60 و 120 كم. وتتصرف وكأنها كتلة مستقرة تجري الحركة على طول حدودها الخارجية. من هذه الصفائح الصفيحة العربية التي تشمل شبه الجزيرة العربية وحدودها الغربية هي البحر الأحمر وغور الإنهدام في فلسطين والفالق السوري اللبناني الذي يمر بين جبال لبنان الشرقية والغربية الى منخفض الغاب والروج في سوريا الى فالق شرقي الأناضول في تركيا وحدودها الشمالية هي جبال طوروس وحدودها الشرقية جبال زغروس والخليج العربـي (شكل 6).

يبدو أن النشاط الزلزال حول الصفيحة العربية يزداد، فمن زلازل اليمن الى زلزال القاهرة الى زلزال العقبة فزلازل قبرص على الحدود الغربية للصفيحة، الى تلك التي حدثت على الحدود الغربية للصفيحة في تركيا وإيران. فزلزال تدمر في سوريا داخل الصفيحة، وزلازل اسكندرون في الثاني والعشرين من كانون الثاني 1997. يقودنا هذا الى التساؤل عن المخاطر الزلزالية وآلية حدوث الزلازل، وخاصة في المنطقة المحيطة بنا وهي الصفيحة العربية. سنتناول هذه المواضيع بشكل منفصل في سلسلة من المقالات نبدأها بموضوع المخاطر الزلزالية وتخفيف آثارها ثم أسباب وكيفية حدوثها وأخيرا التنبؤ بها.

المخاطر الزلزالية:

إن المخاطر الزلزالية متعددة ونتيجتها متغيرة حسب المكان والزمان. ولعل أخطر ما حدث كان عام 1979 إذ ذهل العالم لحصيلة وفيات العام التي بلغت حوالي 650000 نسمة، منها 23000 نسمة ضحية زلزال الرابع من شباط في غواتيمالا، و 1000 نسمة ضحية زلزال السادس من أيار في إيطاليا، وحوال 6000 نسمة ضحية زلزال الخامس والعشرين من حزيران في اندونيسيا، و 600000 نسمة ضحية زلزال الثامن والعشرين من تموز في تانشان في الصين، ثم 2000 نسمة ضحية زلزال آب في القلبين، ثم 4000 نسمة ضحية زلزال الرابع والعشرين من تشرين الثاني في تركيا. لقد حدثت زلازل غواتيمالا والصين وايطاليا أثناء الليل والناس نيام في مساكنهم غير المقاومة للزلازل، كما أن مناطق وقوع هذه الزلازل مزدحمة بالسكان مما أدى الى هذه الأعداد المرتفعة من الضحايا، بينما بلغ عدد ضحايا زلزال السابع والعشرين من آذار 1964 في الاسكا 131 نسمة بالرغم من أن مساحة المنطقة التي أصابها الزلزال بلغت حوالي 2000كم2.

يتم تقييم المخاطر الزلزالية بناء على عدد ضحايا الزلازل والخسارة المادية الناجمة عنها، ويساعد على ازدياد الخسائر البشرية والمادية وازدياد عدد السكان وانتشارهم في المنطقة المنكوبة. نلخص فيما يلي المخاطر التي ترافق حدوث الزلزال.

إن أكثر الزلازل حدوثا هي تلك الناتجة من حدوث صدوع (فوالق) أو تجدد النشاط مثل صدوع قديمة في مناطق ضعف القشرة الأرضية كما حدث عام 1906 على طول 450 كم في صدع سان أندرياس في كاليفورنيا. إن المخاطر الزلزالية الرئيسية في هذه الحالة هي:

1- اهتزاز الأرض بما فيه استقرار الأرض التفاضلي (أي اختلاف حركة واستقرار الصخور حسب نوع الصخر أو التربة) وتميع التربة وانزلاق الأرض والوحل وميلان الأرض وانهيارات الصخور.

2- الانزلاق على طول الصدع.

3- فيضان مياه السدود وانهيار الحواجز المائية وحدوث الأمواج الشاطئية (تسونامي) الناتجة عن الزلازل تحت البحرية التي تضرب السواحل بسرعة كبيرة وارتفاعات هائلة (قد تبلغ 30مترا).

4- الحرائق التي تتبع الزلزال.

إن أخطر ما ذكر هو اهتزاز الأرض الذي يؤدي لسقوط الأشياء وانهيار المنشآت جزئيا أو كليا (شكل 2) نتيجة لتأثر التربة والأساسات تحتها إذ أن معظم خراب المنشآت ناتج عن انهيار الأرض واستقرارها التفاضلي، كما حدث في زلزال سان فرانسيسكو عام 1906 وأحيانا تميل الأرض على مسار الطرقات والمجاري والسكك الحديدية وخاصة الأرض المنخفضة، مما يؤدي الى حدوث الشقوق (شكل 3) وتخلخل الأساسات. كما يؤدي الاهتزاز أحيانا الى انزلاق الصخور (شكل 4) والو حول كما حدث في زلزال 31 أيار 1970 في بيرو حيث حدث انزلاق ضخم من قمة جبل موسكارن وارتفاعه 6700 متر فدفنت مدينتا رانراهيركا ويونغي مما أدى الى طمر حوالي 2000 إنسان. وفي أمريكا أدى عدد من الزلازل الى انزلاق التربة كان أهمها أثناء زلزال مونتانا في السابع عشر من آب 1959 مما أدى الى انسداد مجرى نهر ماديسون وغرق 28 شخصا. أما في شمال غرب ايران فقد ضرب زلزال منجل في 21 حزيران 1991 مساحة 60000كم2 وأدى الى الخطر الآخر هو تميع التربة وخاصة التربة الرملية بحيث يؤدي الاهتزاز أثناء وقوع الزلزال الى تصرف في التربة والرمال المشبعة بالماء كالسوائل ونظرا لأن الرمال المشبعة بالماء واسعة الانتشار وخاصة في الأماكن المنبسطة حيث يكثر تجمح السكان، فقد لوحظت حالات تميع التربة بعد كل زلزال أصاب مثل تلك المناطق ففي زلازل 1811-1812 على طول نهر المسيسبيي في أمريكا لوحظ عد من الانزلاقات على طول ضفة النهر واختفاء عدد من الجزر وحدوث شقوق كبيرة في الأرض، وقذفت الرمال من الشقوق في الأراضي المستنقعية المجاورة لضفاف نهر سان فرانسيس بحيث ارتفع منسوب الماء في النهر حوالي تسعة أمتار، وكان التأثير عظيما على الناس الذين رأوا تميع التربة. والخطورة أيضا في أن هذا التميع قد يحدث على مسافة كبيرة من المركز السطحي (أي النقطة الواقعة على سطح الأرض فوق مركز الزلزال) للزلزال كما حدث في زلزال رومانيا في 4 آذار 1977 إذ حدث تميع التربة على ضفاف نهر الدانوب وعلى بعد 300 كم من المركز. هنالك خطر آخر محدود الامتداد وهو ما ينقب عن تصدع سطح الأرض استمرارا للصدوع العميقة إذ تتحطم المنشآت التي تتراكب فوق صفحة الصدع. برغم أنه من الممكن من الناحية النظرية بناء منشأة مقاومة لذلك في حال المعرفة بوجود الصدع لكنه من الأفضل عدم إشادة المنشآت فوق. هذه الصدوع مع أنه من المناسب أحيانا القيام بذلك لأن الصدوع غالبا ما تؤدي الى تشكل الوديان العميقة والضيقة التي قد تكون مناسبة جدا لاقامة السدود، لكن إقامة سد فوق مثل هذه الوديان قد يكون له خطر كبير على السد والمنطقة التي تقع تحته على مجرى النهر.

أما الأخطار الأخرى التي تنجم عن الزلازل فهي الما. والنار فقد حدثت كوارث عظيمة حول العالم نتيجة الأمواج الشاطئية (تسونامي) التي تضرب السواحل أحيانا بقوى هائلة وارتفاعات كبيرة مما يؤدي الى تدمير المنشآت الساحلية (الشكلان 5و6)، كما حدث في هاواي وعلى الساحل الشمالي الغربي لأمريكا أثناء زلزال الاسكا عام 1964. لهذا أقامت الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع بعض الدول نظام إنذار التسونامي بعد وقوع تسونامي اليوتيان في السادس من نيسان 1946 ويعمل هذا النظام ليلا ونهارا بحيث يعمم الانذار عند تولد تسونامي ونظرا لأن التسونامي بطينة نسبيا فيتاح المجال لاتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب دمار شامل للمناطق التي تضربها. أما الخطر الأكبر الذي يحدث بعد الزلازل فهو اندلاع الحرائق التي قد يكون لها مفعول أكبر مما يحدثه الزلزال من خراب إذ تقضي على الأخضر واليابس من مزروعات ومنشآت اقتصادية ومنازل وغير ذلك. كما ان خطر انهيار السدود قائم دوما إلا أنه لم يعط حقه من الاهتمام إلا منذ زمن قصير وخاصة بعد انهيار الجدار الداخلي لسد فان نورمان بعد زلزال سان فيرناندو عام 1971 في أمريكا.

تخفيف آثار المخاطر الزلزالية:

إن كانت الزلازل ظاهرة طبيعية تنتب عن النشاط الداخلي للأرض ولا يمكن منعها مهما بلفت مقدرة الانسان العلمية لكن يمكن بما أوتي من عقل تخفيف آثارها المدمرة عليه بالقيام بإجراءات وقائية احتياطية مسبقة أو تطوير فقدرته على التنبؤ بحدوث الزلازل في المناطق المعرضة لها ولكن ذلك يتطلب تضافرا لجهود العلماء والسلطات والمواطنين. نلخص فيما يلي الخطوات التي يمكن أن يقوم بها كل من الأطراف المذكورة:
العلماء

يمكن للعلماء المختصين في مجال الزلازل تطوير الأجهزة والتركيز على الأمور التالية:

1- تحديد المناطق المنكوبة بدقة علما بأن معظم هذه المناطق محاذاة الآن في دراسات العلماء.

2- تطوير أجهزة تسجيل الزلازل والمساعدة على نشر شبكات الرصد الزلزال في كل دول العالم. 3 – تطوير الطرائق والأجهزة الكفيلة بالتنبؤ بالزلازل (كما حدث في زلزال هيتشنغ في الصين عام 1975).

السلطات:

يقع على عاتق السلطات في أية دولة المسؤولية الكبيرة من هذا العمل الهام ويمكن تلخيص ذلك بما يلي:

1- نشر شبكات الرصد الزلزالي في الدولة وتسهيل تبادل المعلومات مع الدول المجاورة بشكل خاص والبعيدة بشكل عام.

2- وضع الخرائط الزلزالية للدولة بحيث تحدد قيمة النشاط الزلزالي في المنافق المختلفة.

3- وضم كود (مجموعة مباديء) تصميم المنشآت في المناطق المخلتفة للدولة.

4 – تصميم المنشآت الحديثة حسب الكرد الموضوع بحيث تزداد مقاومتها للزلازل.

5- تدعيم المنشآت القديمة لزيادة مقاومتها للزلازل.

6- توعية المواطنين للمخاطر الزلزالية والاستعداد الدائم لحدوث الزلازل وارشادهم الى كيفية التصرف أثناء حدوث الزلزال وبعده.

7- تدريب عناصر الدفاع المدني على عمليات الانقاذ بعد الزلزال.

8- إنشاء مركز وطني دائم لمواجهة الكوارث، بما فيها الزلازل.

المواطنون:

بعد قيام العلماء والسلطات بما يتوجب عليهم وخاصة فيما يتعلق بتوعية المواطنين يتكامل العمل بالتزام المواطنين بالمتطلبات الضرورية لمواجهة الزلزال قبل حدوثه وأثناء حدوثه وبعد انتهائه والتقيد قدر الامكان بالارشادات التي تقدمها وسائل الدفاع المدني عن كيفية مواجهة الكوارث وخاصة الزلازل.

خاتمة:

مما سبق نرى أن الزلزال ظاهرة عنيفة لا يمكن منعها لكن يمكن تخفيف آثارها الضارة للانسان إنما يحتاج الأمر الى وعي السلطات المسؤولة لأهمية هذه الظاهرة وبث الوعي لدى المواطنين

بكل ما يتعلق بها وتحضيرهم لكيفية مواجهتها وخاصة فيما يتعلق بتحضير المنشآت الاقتصادية الضخمة على مقاومة وتحمل الزلازل التي قد تضرب المنطقة كما يتطلب الأمر تفهم المواطنين لهذه الظاهرة والتعامل معها بحذر وجدية رغما عن غيابها أو عدم حدوثها لفترة من الزمن. والأهم هو معرفة كيفية التصرف أثناء وبعد حدوث الزلزال مما سيساعد على تخفيف آثاره اللاحقة التي قد تفوق آثاره الأولية.
 
 
جمال أبوديب (كاتب واستاذ جامعي من سوريا)  

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …