المسرحي التونسي عزالدين المدني المفكرون العرب لا يمتلكون الاحساس بالزمن كيف أواجه الألفية الثالثة وأنا حزين ووحيد ومفلس!!

لا يمكن الفصل بين المسرحي عزالدين المدني والتراث العربي والاسلامي, كما لا يمكنه أن يتنفس إلا في مدينة تراثية مثل تونس. لكن أسئلته الفلسفية والدرامية المعاصرة, دفعته إلى التنوع في الوسائل الابداعية, من أجل فهم السؤال الصعب, فهو مؤلف مسرحي وروائي, وكتب العديد من البحوث النظرية في جماليات المسرح والابداع العربي.

وفي كل منتج مسرحي يكتبه يحاول أن يجعل منه بيانا مسرحيا في كيفية استخدام الوسائل التراثية لإغناء التأليف والعرض المسرحي تقنيا وفكريا منذ أعماله الأولى مثل »رأس الغول« و»خرافات« و»الإنسان الصفر« ومسرحياته الأولى التي عالج فيها »خيبات الثورات« كمسرحية »ثورة الزنج« »ثورة صاحب الحمار«, الحلاج, وحتى مسرحية مولاي الحسن الحفصي, قرطاج, كتاب النساء, التعازي, رسالة الغفران, التربيع والتدوير, على البحر الوافر, الله ينصر سيدنا ومسرحيته الجديدة »ابن رشد« وغيرها. ترجمت العديد من أعماله المسرحية إلى لغات عديدة.

والآن وبعد عشرين سنة من شقاء الكتابة وسعادة الابداع ما زال عزالدين المدني يحلم بكتابة نص يسافر من جيل إلى جيل, ومن حضارة إلى أخرى, ومن زمن إلى آخر, وما زال يفكروا دائما بالتجريب على النص المسرحي, والواقع والتراث بوعي تاريخي ومعاصر ولا يتكامل هذا لدى عزالدين المدني إلا ان يمسك جمرة الجنون ليودعها نصه الكوني والمحلي. انه يبحث عن الفردوس المفقود ويدعو إلى (مملكة الكاتب المبدع القادر على خلق كون حقيقي من الخيال) وهذا سيكون محور كتابه النظري القادم- البعد الضروري- هذا الحوار هو ملامسة للمكونات الابداعية لعقل عزالدين المدني الدرامي.

* ما القيم الفكرية والفنية التي تحكم الكتابة المسرحية لديك ولا يمكن أن نجدها في نص الآخر?

– منذ عشرين عاما وحتى الآن كتبت عشرين نصا مسرحيا, وكانت هذه النصوص مختلفة في مستوياتها وأفكارها احدها عن الآخر, وكل منها كان متفردا بموضوعه وشكله وهدف كتابته, والسياق السوسيولوجي وكذلك الظواهر والمشاكل المعاصرة التي لا تهم الانسان التونسي, وانما العربي أيضا, فالكتابة بالنسبة لي أصبحت عادة يومية, بالرغم من انها مرهقة وتأخذ وقتا طويلا, أثناء انبثاق الفكرة والتأمل, واعادة تركيبها من جديد حتى الصيغة الأخيرة, فمسرحيتي الأخيرة »ابن رشد« مثلا أخذت مني 6 سنوات كتابة (اتركها وأعود إليها) في هذه السنوات كنت أحرث موضوعها في ذاكرتي, تتكامل فأقوم بتفكيكها من جديد ضمن تأملي المعاصر للواقع والحياة, أبذل جهدا في كل شيء, الشكل, البناء, اللغة… الخ, وبالتأكيد فان هذا ارهاق, لكن بهذا تكمن متعة الكتابة وكذلك الحال مع »رسالة الغفران« لانني كنت أقوم بعملية تفكيك الفكرة وبناء النص ببطء شديد, وأكون سعيدا اذا كتبت صفحة واحدة في اليوم.

ان حرث النص كما الأرض وفي كل مرة ينبثق من الأعماق شيء ما. وأنا لا أنظر للمسرحية, كنص واحد وانما هنالك نصوص متعددة في النص الواحد, وبهذا فانني أمنح المخرج رؤى فنية مختلفة.. ونصوصا مختلفة.

* تعني أفكار.. وتنوعات مختلفة… و…

– أعني نصوصا متعددة.. أنا لا أكتب نصا واحدا, المسرحية الواحدة فيها عدة نصوص ذات مستويات مختلفة لكنها متماسكة البناء.

* بعيدا عن الثرثرة التي يزخر بها الكثير من النصوص العربية.

– يعي شك (بالتونسية) نعم… فمن أجل هذا التماسك

وقفت منذ الستينيات ضد ما تسميه بثرثرة النص المسرحي العربي, ضد الكلمة والمعاني الساذجة التي ترد في الكثير من المسرحيات, أو الكلمة القاموسية القديمة.. حتى لا يحمل الجمهور قاموسه لفهم هذه الكلمات.. لهذا يجب أن تكون الكلمة مفهومة ومعبرة. بالنسبة لي أعمد الى تنقية نصي المسرحي من فائض الأفكار والكلمات حتى يكون نصا متماسكا. وإذا حذفت أو أضفت كلمة أو جملة يحدث خللا  في البناء الدرامي, وهذا ما اسميه بحوليات النص المسرحي.

إذن هذا.. الحرث وتنقية النص في كل مرة تدفعني إلى أن أكون ناقدا لنصي حتى أصل الى تماسكه.

فعملي على اللغة يأخذ جانبين:

الأول: هو اعتماد الكلمة الدرامية الفنية المؤثرة.

والثاني: هو التأويل.. بمعنى أن الكلمة الدرامية متعددة المستويات والمعاني.

* تعني التأويل العلاماتي?

– نعم.. وكل ما يقال أو يفعل على الخشبة هو علامة ودلالة سميولوجية, وهذا بالتأكيد يؤدي الى تعميق النص, وهذه الأسباب جميعها تدفعني لأن أصنع النص.

* ألا تعتقد بأن الكلمة يجب أن تتخلى عن جذرها الأدبي (إذا جاز التعبير) بحيث تتحول إلى جزء من صور الفضاء المسرحي?

– بحسب رؤية المخرج.. فمثلا في متن مسرحيتي »قرطاج« هنالك قصيد شعري بعنوان »الخيول الجامحة« كتبته على ايقاع الصور المكية في القرآن الكريم, لذا فان المخرج يمتلك حريته في الأخذ بها أو حذفها أو اقتباس ايقاعها فقط ….الخ.

الثرثرة في النص المسرحي العربي

* نعود الى الثرثرة.. ولا أعني بها في الحوار فقط, وإنما الثرثرة من خلال الفعل والحدث وهنالك شيء من ثرثرة العواطف والأفكار الساذجة متوفر بإفراط في المسرح العربي…. إذن كيف يتخلى المسرح والدراما العربية عموما عن هذه الثرثرة?

– لقد سبقتني, إذ كان بودي أن أطرح هذا الموضوع لان آلية التأليف هي الدراماتورجيا. ونوعية وجدية التأليف هي التي تحدد هذه الآلية. فالنص والاخراج المسرحي يجب أن يخضعا للدقة الميكانيكية, كالساعة الدقيقة التركيب, مكوناتها الداخلية مرتبطة احداهما بالأخرى.. كذلك التأليف من الضروري ألا تكون هنالك كلمة أو جملة, أو حدث فائض, وفي هذا المجال فان الفرنسيين يعمدون الى استخدام »المقص« مع الممثل الذي يحاول اضحاك الجمهور للتغلب على رداءته الفنية, فيعمد إلى زيادة الحوار والارتجال غير البناء مما يزيد من سذاجته, واستخدامهم للمقص من أجل أن يتغلبوا على الثرثرة الفائضة. ان تماسك الشكل والمضمون الفني لا يحتمل أية افاضة.

* بيتر بروك يدعوها الاختزال والتكثيف.

– نعم.. سماكة الأشياء من أجل تحقيق رسالة الخطاب حتى يفهم الجمهور ما يجري أمامه.

* ألا ترى بأن من مسؤولية المؤلف أن يكتب ما ندعوه بالنص البصري- بمعنى أن تتحول الكلمة الى فعل وصورة.

– كلا… هذا من مهام المخرج

* إن ما أعنيه هو أن المؤلف قادر على إعطاء الكلمة دلالاتها الفضائية بدون أن يتحول الفضاء المسرحي إلى حوار يعتمد على السمع, وإنما أن تكون الكلمة جزءا من مكونات الفضاء وتحمل تأويلها الحركي ومعناها الفلسفي.

– من الضروري ألا تكون الكلمة معقدة, وخشنة, قاموسية مهجورة, وأن يكون لها إيقاعها وموسيقاها.

) إذن أنت تنحت النص في مشغلك المسرحي حتى تصل الى نوع من الرضا الذاتي, لكن من خلال نقاشاتنا في ليل القاهرة الساحر, وعلى ضفاف النيل أو في صخب الضجيج نهارا, شعرت بأنك من نوع المؤلفين الذين لا يسمحون للمخرج بالحذف من النص… هل تغلق على نصك خوفا من حرية فكر المخرج.

– أنا أقدم نصي مملوءا بالأحداث والمشاهد المتماسكة, فمثلا أثناء العمل على نص »ثورة صاحب الحمار«.. حاول المخرج علي بن عياد, الحذف واختصار النص, لكن في كل مرة يحدث خللا في البناء الدرامي للنص.. نعم انني اميل إلى كتابة نص متقن الصنع دراميا, لكن في بعض الأحيان أقوم على الحذف والاضافة بعد محاورة المخرج. وفي مقابل هذا أطالبه أن يكتب فكره المسرحي من خلال رؤيته الاخراجية استنادا إلى النص التأليفي.. الأدبي.. أي اطالبه أن يكتب نصا للركح.. للعرض, لا أن يقدم نصي كما هو, بل أن يعيد الصياغة الدراماتورجية للنص, وفي هذا المجال فان المنصف السويسي كان يعمل على صياغة النص حركيا من جديد, وكنت أنا أسهل الأمر على الممثل من خلال تنقية النص وتأكيد وانتقاء الكلمة الدرامية التي تتناسب مع شغل الممثل حتى يستطيع النص أن يؤثر على الجمهور.

– ان سذاجة ونرجسية بعض المخرجين العرب تدفعهم الى تجاوز غير معرفي بل طفولي على عالم.. وعقل المؤلف وقواعد صنعته. والدعوات المتكررة التي تمجد المخرج غير الواعي, فتزيده غطرسة ودكتاتورية وتدفعه الى تشويه النص لشعراء المسرح المهرة مثل تشيخوف وشكسبير وغيرهم.. بحجة التجريب, وان المخرج هو مؤلف العرض المسرحي.

* اذا كيف ترى العلاقة بين المخرج والمؤلف في المسرح العربي?

– ليس هنالك صراع بينهما بل يجب أن يكون الهدف هو التكامل, إذا لم يعجب النص المخرج أو هو لا يفهمه عليه أن يختار نصا آخر, وبما أنه اختار نصي إذن عليه أن يحترم قوانيني كمؤلف والا سيقوم بتفكيك النص بدون دراية.

* لماذا تفترض هذا?

– لانني لا احترم المخرج العفوي والساذج, فليس هنالك اخراج عفوي.. أو رديء.. هنالك رؤية اخراجية فقط, عندما يكون المخرج فنانا مفكرا من طراز عال, أما الآخر فانه مخرج تابع ويقلد الآخرين. لذلك فانا اعطي نصي فقط للمخرج الفنان الملتهب, لانني متيقن بان رؤاه كالنار المستعرة وبهذا فقط يستطيع ان يثريني, وأستطيع أن أتفاعل معه, فعندما يحلق عاليا, سأحلق بجانبه إذا كان ملتهب الفكر والخيال, وبالتأكيد فان هذا سيدفعني إلى كتابة نص جديد أو إذا اقتضى الأمر سنكتبه سويا, ومع هذا المخرج فقط أستطيع الدخول في ورشة كتابة النص تأليفا واخراجا, الفن لا يموت وإن المسرح مغامرة وجودية. وقد تحقق هذا مع الطيب الصديقي في »رسالة الغفران« حيث كنا نثري بعضنا مما أوجد عرضا متفردا.

* حقا ان المسرح مغامرة.. ولكن إذا بليت أنت المؤلف بالمخرج الدعي والمسلح بالتكيف والجهالة.. أو المخرج الذي يكون شاغله ان يتصدر واجهات المهرجانات المسرحية الرسمية فقط والذي لا يفهم, الرؤية الاخراجية كونها تتم في البعد غير المرئي للنص?

– لا أعمل معه, يجب أن أحمي نصي ومغامرتي من الفانتازيا غير الواعية لمثل هذا المخرج.

النص البصري ضد الأدب

* لم يكن المؤلف العربي متمكنا أيضا في الكثير من تجاربه التأليفية في فهم القوانين الابداعية للعرض المسرحي من وجهة نظر سميولوجية.

– من خلال تجربتي الطويلة, فان القليل من المخرجين والمؤلفين يمكن أن يفهموا دور الدلالات والتحليل السميولوجي في المسرح, لكن هنالك دائما نخبة عربية مثقفة يمكن للمرء أن يثق بها في خلق المعادل التجريبي للفهم السميولوجي المعاصر, وهذا واضح الآن وبشكل مكثف في تونس, وفي السنوات الأخيرة بدأ يظهر فهما دلاليا للنص في العراق ومصر والمغرب.

* لم يعد النص المسرحي عالميا يكتب حسب قوانين التأليف الارسطوطاليسية, في تقديمه لامثولة ما أو تكديس أحداث على الورق, وانما أصبح هنالك حيز للرؤية البصرية فيه. هل أنت أو المؤلف العربي قادران على صياغة مثل هذا النص الذي أدعوه »بالنص الرؤيوي البصري« بحيث يتناسب مع متطلبات العرض المسرحي المعاصر?

– المخرج في الكثير من الأحيان ليس لديه الوقت لان يرى النص جيدا بهذا الشكل.

* لم يخطر ببالي مثل هذا المخرج.

– بالتأكيد فان المخرج المتمكن من صنعته يمتلك القدرة على الصياغة البصرية لهذا النص.

* اذن كيف تكتب أنت نصك البصري?

– اعتمادا على الصورة حيث يمكنني أن أكتب نصا بدون حوار ينبني على الصور, فالصورة هي التي تعبر عن الحدث, من هنا تأتي أهميتها, إن المؤلف المبدع لا يكتب حوارا, انما يكتب الصورة, فهي الأساس في عمله, وهي المركز وعندما تكون الصورة أصيلة ومعبرة.

– حية, نابضة لها وجود حي, تكون شمولية, ومن هنا تبنى العلاقة مع الجمهور, على هذا الأساس الصوري عمل كبار المخرجين مثل مايرهولد, اريان منوشكين, انتونين آرتو, فيتاس وغيرهم, ولكن بالرغم من هذا لم تتم دراسة الاستخدام الحقيقي والعميق للصورة كونها لغة مسرحية تعبيرية.

* هل ترى حجم الصورة وإيقاعها على الورق أم في العرض.

– في مخيلتي وفي العرض المسرحي.

* ويدخل هذا ضمن التحقق لمقولة مايرهولد عن بوشكين, بانه القادر على صياغة مستقبل العرض المسرحي, ومثل ما تدعوه أنت أن يكون المؤلف هو المحفز للمخرج.

– بالتأكيد وقد تم هذا بيني وبين الطيب الصديقي كما ذكرت سابقا. حيث يستطيع المخرج التعامل مع صور المؤلف الدرامية بحركية لانها مرنة.. ومتحركة وغير ساكنة. أنا أرى, الصورة دائما بحركيتها, وهذا ينعكس على حالتي النفسية أيضا أثناء الكتابة حيث يحصل نوع من التطابق بيني كمؤلف وبين ما أخلقه من أحداث وشخصيات.. فأثناء الكتابة أتحول إلى انسان مهلوس.

* تعني الهلوسة الابداعية.. والتداعي الحالم?

– نعم لان ما أكتبه يتلبسني.

* عمل انتونين آرتو على التخلي عن الأدب, بل الغائه تماما في العرض المسرحي, وتعويضه بلغة ووسائل بصرية ومشهدية, بالرغم من أنه كان معجبا  بأدب سينكا وخاصة أوديب. لكنه يقول فكرة مهمة لدرجة الخطورة وهي »ان المسرح هو الذي يجعلنا نحلم ونحن مستيقظون ويكفي ان يكون مسرحا إذا تخلى عن هذه الفكرة« ما رأيك بهذا?

– انه كلام مهم.. كلام من ذهب.. جواهر…

* لكن ليس له علاقة بالسسيولوجيا التي تبني عليها رؤيتك المسرحية.

– سمها ما تشاء… أنا أكتب عن مشكلات زمني ومجتمعي, لكن راي آرتو يمتلك معاصرته وفي ذات الوقت أنا بجانب الأدب المرتبط بمشكلة العصر, واستخدامه في المسرح.

ذائقة المؤلف المسرحي الجمالية

* ما هي مكونات ذائقتك التراثية والجمالية?

– تكونت ذائقتي التراثية والجمالية منذ الصغر, عندما وعيت الغنى الجمالي والتراثي المكثف في الأسواق والأحياء الشعبية في تونس. كنت مأخوذا بسماع الحكايات والأساطير والخرافات من الرواة والحواة حيث كانت متناثرة في الطريق والأماكن الشعبية المختلفة, ووجدتها في المسرح أيضا, عندما أخذني والدي وأنا مازلت صغيرا, وعندما كبرت وتعلمت المهنة احببته وقرأت المسرحيات كأنها إلهام غني ومتنوع. فأنا امتلك ثقافتين, عربية قديمة متأصلة وثقافة فرنسية حديثة وكذلك ما يترحم عن الثقافة الأوروبية, لكنني أفضل الكتابة باللغة العربية, وكان هنالك سؤال يقلقني دائما هو كيف أسرد حكايتي على المسرح للمتفرج العربي

* إذن كيف تروي حكايتك دراميا?

– سأحدثك عن بعض همومي الشخصية, أنا أفكر دائما بجماليات العمل الفني, أي المكونات الجمالية لمختلف أنواع الابداع, حيث كنت أكتب القصة القصيرة, فتعلمت أن الكاتب بالرغم من انه يخاطب القارئ ويطرح نماذج بشرية إلا ان الحكاية يجب أن ترتبط جذريا بذات المؤلف. نابعة من كيانه وروحه بحيث لا تكون ترجمة للواقع الخارجي..

وأقلقتني الأسئلة آنذاك.. ماذا أريد? .. كيف أكتب.. ماذا أكتب? كيف أبدأ, ما هي ضرورة هذه الفكرة? … الخ.

ففي الوقت الذي أخاطب شخصية وهمية هي ذات القارئ من خلال كتاباتي ومسرحياتي, فانني في ذات الوقت أخاطب المخرج أيضا, وعندما أقوم بتحليل المشكلة, فانني أقوم بتجربة عقلية فنية وجمالية وسسيولوجية, الزمن العربي الآن هو زمن معقد, لذلك فان مسرحي يحاول أن يكون شاملا, فاضافة الى الإنسان ومشاكله, أحاول أن أتناول كل مكونات الحياة والواقع, فمثلا أدخلت في مسرحي الحيوان والأشياء التي تأخذ صفات الانسان, وبهذا فان الكائنات المسرحية على الخشبة لها تاريخ وكيان في مسرحي, هذه العوامل والوسائل التي تخلق جماليات العمل الفني, لهذا فان النقاد والباحثين العرب لم ينتبهوا إلى هذه الجماليات التي تكو ن مسرحي مطلقا. فهي جزء أساسي من همومي المختبرية وتجريبيتي, وهذا يؤكد على أن الكلمة لا تشكل جوهر العمل الفني لوحدها, فإذا كان يمكن تعويضها بالفعل المسرحي فعلى الممثل أن يرفضها.. الفعل هو الجوهر.. وقد تعلمت هذا خارج الأدب والبلاغة العربية, لأن العمل المسرحي لا يعتمد على تكرار الفكرة أو المعنى وإنما على البناء الدرامي للحدث.

* هل أنت مؤلف نخبوي?

– نعم…..

ديناميكية الزمن وسكونية التراث

* لقد كتبت كثيرا عن استخدام التراث في المسرح, وعن جماليات النص التراثي, إذن ما هي العلاقة بنظرك بين الدعوة إلى المسرح التراثي والمتغيرات المعاصرة بما فيها العولمة?

– لا يشكل التراث الشيء الجوهري في حياتنا, وإنما موضوعة الزمن هي الأكثر أهمية, فالعرب لم يعالجوا أو يدرسوا مشكلة الزمن في الأدب أو المسرح, بعكس شكسبير حيث استوعبها بوعي معاصر, وخاصة في هاملت عندما وضع مسرحا بداخل مسرح, أي زمن ماض أثناء الزمن الحاضر.

كذلك الحال في معالجتي لمسرحيتي الجديدة ؛ابن رشد«, انه يعيش معك في الراهن, فعندما يكون على خشبة المسرح لا يشكل ماضيا, بل هو بطل معاصر, فهو في ذات اللحظة يعيش في الماضي والحاضر, ان سحر العرض المسرحي هو قدرته على أن يجعل من الحدث الحاضر أو الشخصية التاريخية مرتبطين بالحاضر (الآن) وهذا يعتمد على وعي المؤلف ذاته.

* تؤثر ؛الزمانية« بأبعادها وايقاعاتها المختلفة في العرض المسرحي وعلى الجمهور أيضا.

– لكن المشكلة هي أن المؤلف العربي لم يهتم بمسألة الزمن, لأنهم لا يمتلكون الاحساس بالزمن في الفن عموما وبالذات المسرح, فهم مرتبطون دائما بالماضي. بالرغم من وجود قلة منهم تشغلهم هذه المشكلة.

وبهذا يكمن الفرق بين المؤلف العفوي الساذج والتابع والذي يحس بالماضي أكثر من الراهن والمستقبل. وبين المؤلف الخلاق الذي يمتلك احساسه الزمني المعاصر ويعكسه في فنه. من هنا يأتي تعقيد المشكلة لانها مشكلة تراث, انها مشكلة الاحساس الزمني كما هو موجود في الفكر والفلسفة الأوروبية.

الشيء الجوهري هو »اليوم وغدا« أو »الآن وهنا«, ولكن هذا لا يعني أن العرب عليهم أن »يهدروا« ماضيهم في الفكر العربي المعاصر ليس هنالك مفكر عربي يمتلك الحساسية ازاء مشكلة الزمن, وليس هنالك دراسة ما حول الزمن وإحساس الانسان والمفكر العربي به.

* هل هذه الفكرة الأخيرة للنشر.

– نعم…

* من الضروري التفكير بديناميكية التراث ورفض سكونيته, لذلك فان كتابة النص التراثي الآن تقتضي الاهتمام بمكونات فضاء العرض وحيز الرؤية بحيث تلعب دورا أساسيا في مخطط المؤلف.

– عند مشاهدتي لمنمنمات يحيى الواسطي, لم أرها ساكنة وانما كانت تتحرك, وعندما كتبت أبوحيان التوحيدي, أنا رأيته في حركة المنمنات وليس في الكتب فثمة ربط بين أبوحيان وفكره وحركية المنمنمات, فوقع لي ما يشبه الامتلاء أو الانفجار الداخلي, وأنا مهووس بهذه الحكايات وهذا التراث المتحرك.

* في السنوات الأخيرة من حياة سعدالله ونوس شعر بانه فشل في تحقيق مشروعه الفكري عموما والمسرحي خاصة, الذي تبناه مع النهوض القومي العربي في الستينيات, هل هذا هو قدر الفنان العربي الذي يعيش في واقع سكوني وخواء فكري?

– ان علاقة مسرح سعدالله ونوس المبني على التحليل الايديولوجي والسياسي مرتبط بالظروف الاجتماعية والتحولات السياسية للواقع العربي. وأنا احترم مشروعه المسرحي هذا, لكن طريقي المسرحي يمس الواقع الاجتماعي والسياسي من جوانب أخرى, فأنا أتناول تلك المواضيع التي تؤدي الى اقلاق المتفرج من خلال مناقشة وتحطيم ثوابت حياته المرتبطة بالثوابت الاجتماعية.

– ان مسرحي مبني على السؤال المحي ر المقلق والمزعج بالنسبة الى الجمهور, فمن خلاله يبدأ الشك في هدوئه الحياتي ومن الممكن أن تتولد إشكالية في حياته وواقعه.

جماليات المسرح العربي

* ما الأسس التي من خلالها يمكن أن تمتلك الدراما العربية كنص وعرض مسرحي لها تفردها وخصوصيتها?

– لقد كتبت الكثير من المقالات حول جماليات المسرح العربي, أكدت فيها على الرؤية الفنية العربية وعلى اختلاف الجماليات حتى من وجهة نظر السميولوجيا. فمثلا اذا اخذنا حكاية شعبية أو حكاية من ألف ليلة وليلة.. أو شخصية أبوحيان التوحيدي المأخوذة من كتب التاريخ والتراث النخبوية.. فاننا نرى أن هذه الحكايات تختلف جماليا عن الحكايات التي اعتمد عليها شكسبير أو رابليه, فليس هنالك أي تشابه أو علاقة.. لهذا فان مهمتي هي إعادة صياغة عصرية لهذه الحكايات التراثية… وهنا يمكن التأكيد على التفرد والخصوصية, فشهرزاد مثلا وبالرغم من انها كحكاية وشخصية مبنية على الكثير من الرموز التي لها دلالاتها المعاصرة الا انها جزء من وجدان وتاريخ الجمهور, ولهذا فانه يفهم الكلمة وسياقها وكذلك الرمز والايماءة والاشارة, بدون أن يحتاج الأمر الغرض التعليمي البرشتي الذي يمسك مسماره ليطرق أدمغة البشر.. ويقوم بعملية التكرار لذات الموضوع ويثرثر بتعليميته.

* هل ترى موت برشت مسرحيا في الأفق المستقبلي القريب?

– نعم.

* لكنه كان واعيا للبعد الزمني, أي انه لم يعالج الايديولوجيا والجانب السياسي فقط. وإنما عالج البعد الفكري والإنساني والفلسفي الشمولي.

– من هذا الجانب يمكن لمسرحه وبعض أفكاره ونصوصه ذات الموضوعة الانسانية الشاملة, ان تمتلك استمراريتها. لكن الجانب الايديولوجي التعليمي الضيق كان هو المهيمن على أعماله جميعها تقريبا حتى أن الكثير من الكتاب العرب تأثروا بهذا الجانب, فوقعوا في الكثير من الأخطاء.. من هنا تصبح القضية في المسرح العربي صعبة بل شائكة. فالمؤلف العربي مسكين حقا, لانه من السهل أن يتأثر باتجاهات وموضات أخرى.

* لكن الحوار والتبادل الثقافي التكاملي بعيدا عن الغزو المطلق الأحادي الجانب لاحدى الثقافات شيء ضروري الآن.

– أنا لم أعد أفكر بهذا الأمر لأنه لا يهمني بالرغم من أهمية هذا التلاقح الحضاري.. لانني امتلك طرحا آخر هو سلطة الابداع.. لان الابداع حر حيث لا يخضع الى انتماء لثقافة ما, وهو الذي يخلق الأصالة لذلك ليس هنالك مسرحي أوروبي »يكبر بعيني«.

* في وقتنا الحاضر.

– نعم… وغدا.

* وحتى الكلاسيكيات.. راسين, شكسبير.. المسرح الاغريقي?

– الجميع, بالرغم من تقديري لعبقريتهم, إلا أنني إذا فكرت بهم أو أقدسهم, فانني لا أستطيع أن أكتب شيئا مهما.. أتراني انسانا عنيدا والعناد من سمات الابداع.. وكذلك الغرور الابداعي والذاتية المفرطة, وكل هذا هو الذي يجعلني مبدعا, وهذا الأخير هو النواة الصلبة للفكر والثقافة, وهذا هو التفرد… الابداع.. ومثل هذا الموضوع يمتلك أهميته لانه طرح جديد فلم يعالج في الثقافة سابقا… لم يناقش أو يحلل كما ينبغي.. ان الابداع هو السلاح الجوهري للثقافة أيضا, انه التمنع.. الابداع هو طريقي.. استقلاليتي.. ذاتيتي من خلاله احفر درب المسرح الشاق.

* ألا يعتبر هذا تضخيما للذات, وضمن مقاسات نرجسية الكاتب?

– كلا.. انما هو مبغاة للخصوصية والتفرد الابداعي.

جدلية المسرح التونسي

* في تصوري هنالك اتجاهان في المسرح التونسي: الأول: المسرح المرتبط بالتراث التونسي والعربي لخلق مسرح تراثي معاصر يمتلك طريقه الخاص. والثاني: مسرح ينطلق من معاصرته محاولا الاقتراب من المسرح الأوروبي ومتأثرا به ضمن مفهوم مسرح الجسد والصورة أو مسرح الحداثة وما بعد الحداثة. والمزج بين هذين الاتجاهين هو الذي يخلق تفرد المسرح في تونس. هل يمكن الحديث عن مسرح تونسي يخط طريقا جديدا للمسرح العربي.

– هذا تحليل سليم.. فاضافة الى وجود بعض الاتجاهات الصغيرة الأخرى, إلا أن الاتجاه الطاغي في المسرح التونسي هو الاتجاه الثاني. لكني أود الحديث عن الاتجاه الأول. ان المسرح منذ الستينيات يعمل على التفرد من خلال التجريب على شتى الاتجاهات الاخراجية والتأليفية, وقد تراكمت التجارب بشكل كبير خاصة خلال مهرجان مسرح المغرب العربي في السبعينيات. واستطعنا أن نبلور الرؤى والوسائل التي تهم المؤلف والمخرج والممثل. ومثل هذه التجارب التي لها علاقة بتحقيق المسرح التراثي, كان هدفها الخروج من تأثير المسرح الأوروبي وان تتفرد بمسرحنا بوصفنا عربا وتونسيين, اذن تمايز الهوية هو شيء له علاقة بالوجود التاريخي ولا يمكن نكرانه.

فالتفكير السليم والتاريخي هو أن نمتلك وعينا التراثي والتاريخي وان ننتمي الى هذا العصر مع الحفاظ على كوننا عربا ونعيش على ضفاف الأبيض المتوسط أو ننتمي الى المغرب العربي الكبير, وهذا هو الوجود الحقيقي, فكتابتنا واخراجنا وتمثيلنا هو معاصر وتاريخي في السياق العام, ولا يمكن أن ننسلخ من هذا بحجة اننا عالميون.

إذن قضية الهوية شيء مهم, وتفردنا هو ان نعود الى تراثنا. وقد خضنا الكثير من النقاشات في الثمانينيات والتسعينيات لخلق البديل الذي يساعدنا على الابتعاد عن تقليد الثقافة والمسرح الاوروبي, فانا كمؤلف يجب أن أرفض التبعية.. أنا إنسان حر. والمسرح يعتمد على الحرية, والمشكلة دائما تكمن في كيفية أن يتحرر الإنسان من النماذج الثقافية المهيمنة في العالم.

* من الامبريالية الثقافية.

– نعم… أن نتحرر من التبعية الثقافية الأوروبية.. وفضائنا الثقافي والحضاري معروف وله جذوره, إذن ان أنتمي إليه.

* إذن أنت تدعو إلى النص والمسرح العربي المؤسسي…

– (مقاطعا) أنا لا أدعو الى شيء من هذا.. أنا لست ضد لغة الصورة في المسرح ولا لحركة الجسد.. أنا فقط ضد التقليد والمسخ والسذاجة, ان النص الأدبي ليس ضد استخدام الصورة, ولغة الصورة ليست ضد النص اللغوي.. لكن الكثير من العروض في المسرح العربي والتي تدعى بالتجريبية هي تقليد ونقل حرفي للمسرح الأوروبي, الذي تجاوز هذه الموضة.

* ألا تعتقد أن الوضع الثقافي بفعل الواقع السياسي لا يمتلك الحرية المطلقة في خلق استقلالية فكرية وثقافية وتفرد للمسرح العربي?

– لا يهمني هذا.. أنا عنيد وأية فكرة تخطر لي لابد من كتابتها مهما اختلفت مع الوضع العام.. فأنا أسبح دائما ضد التيار.. ومسرحي بعيد عن الايديولوجيا, لكن لدي أفكاري وتوجهي الخاص.

عزلة المبدع والخواء الثقافي

* لقد ذكرت في المائدة المستديرة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي- الدورة الأخيرة- بانك دخلت القرن الواحد والعشرين وأنت »حزين ووحيد ومفلس« هل تعني وحدة وتهميش الكاتب اذن إلى أين ستؤدي بنا هذه الحرقة والخذلان في ظل الانهيار الثقافي في مجتمع مهووس بالتعاويذ وتعدد الزوجات (بمعنى الحريم), وما زال يمارس فيه »ختان البنات«, ونسبة الأمية تشكل فيه 43% في أنظمة معظمها مازالت شمولية, إلى أين سيؤدي بنا هذا الطريق?

– الكاتب المبدع هو وحيد دائما, انه انسان معزول, لانه يعي ما يحيطه, وعليه أن يقول الحقيقة دائما, وسيكون رديئا هو وابداعه اذا فكر بنصفها, والافلاس هنا يعني افتقار الرصيد المسرحي الفكري العربي. فالمسرح الأوروبي يمتلك تاريخه منذ الاغريق حتى يومنا, أما المسرح العربي فلا يمتلك إلا تاريخا قصيرا مهملا ولم يؤرخ لهذا التراكم كما ينبغي, انه استهانة بالمسرح والكاتب العربي, استهانة بماضي المسرح العربي. بعكس الشعر العربي فهنالك تراكم للتجارب وتواصل منذ امرؤ القيس وشعراء الأندلس وحتى الشعر المعاصر.

الخطاب النقدي المرتجل

* ان هذا يحيلنا الى مهمة النقد الفني وعلاقته بالتحليل الهامشي للنص والخطاب الابداعي.

– نتيجة للتكوين الثقافي المدرسي وعدوى تقليد الثقافة النقدية الأوروبية المهيمنة.

* أو نتيجة للجاهزية الفكرية.

– نعم.. اضافة إلى غياب الاختلاف, فهنالك اتفاق كامل في الرأي ومتشابه, وبالتأكيد فان هذا يشكل إلتباسا للنقد والناقد العربي.

* وهذا قائم الآن, لان الناقد العربي يعمل دائما على اخضاع النص الابداعي العربي لمقاسات نظريات النقد الأوروبية, لذلك فان الخطاب النقدي العربي في المسرح غير مفهوم الآن, وهو أيضا خطاب مقالات صحفية مرتجلة.

– نعم… لهذا فان الناقد العربي وأشباه المبدعين يميلون دائما للتقليد, فيفتقرون للتفرد الفكري والنظري.

* هل تطلب من الناقد العربي أن يكتشف نظريته الخاصة?

– النقد قضية شائكة لها علاقة بالفلسفة والفكر وعلم الجمال, وهو يلتزم الجدل والحوار مع النص الآخر. وبما أن النقد العربي يطبق نظريات غريبة عن ثقافتنا, فان الناقد العربي يضطر الى الحديث عن الثقافة والابداع العربي من خلال النظريات الأوروبية واشكالياتها التي نشأت في مجتمع له تاريخه وأسباب أزماته وسياقاته الخاصة التي ليس لها علاقة بثقافتنا.

* ألا تتفق معي بان تطوير الواقع الثقافي سيؤثر في خلق هذا التاريخ والتقاليد الفنية والفكرية?

– المهم هو التراكم والتواصل من خلال السياقات التاريخية واستمرارها وترابط الحلقات والتجارب المسرحية فيما بينها.. فجودة العمل المسرحي تتأسس على التجارب التاريخية المترابطة كنتائج. وبهذا ينشأ ما يسمى تأصيل التاريخ المسرحي. المسرح العربي مازال غير واضح الملامح بفعل القناع الذي يرتديه.
 
حاوره: فاضل سوداني
مسرحي يقيم في الدنمارك

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …