أخبار عاجلة

المفاهيم النظرية للأنواع الشعرية في شعر ما خارج الوزن قصيدة الشعر الحر – قصيدة النثر – النثيرة

المهاد التاريخي

إن الحديث عن (شعرالنثر) يقودنا الى علاقة (الشعر) بل (النثر) هذه العلاقة التي تنامت وتفاعلت عبر الزمن، في عدة تجليات ولدت -أثناء ذلك – أشكالا إبداعية عديدة، حتى وصلت – في النهاية – الى نقطة تقاطع المجريين الأدبيين: (الشعر) و(النثر)، لنتحدث عن (قصيدة) (نثر)، من هذا المنظور، فـ(قصيدة النثر) ليست طفرة مباغتة. ونحن لا ننكر دور المثقافة في وعي رواد هذا الشعر،كما أنه من العسير كذلك، تجاهل المراحل المتوالية لعلاقة (الشعر) بـ(النثر) منذ القرن الرابع الهجري وحتى أواخر القرن الرابع عشر، التي أثمرت، في النهاية، ذلك النوع الشعري المثير: (قصيدة النثر).

تعتبر (قصيدة النثر)، في الوقت الحالي النوع الشعري الأكثر إثارة حول طبيعته وهويته، وتكاد النظرة العامة لمنتج هذا الشكل الشعري تتفق في مرجعيتها الغربية نحوه، وبالتالي تبدو هذه القصيدة، في سياق الحركة الشعرية العربية، هكذا كمثل ورم شعري خبيث اعترى الجسد الشعري، في نهاية المطاف، وقد واكب حضور (قصيدة النثر) متابعات نقدية عديدة، لا ترقى، للآن، الى الدور النقدي، المنوط بهذه الحركة الأخيرة، فلا تشتبك مع هوية هذه القصيدة واجراءاتها الخاصة وطبيعتها المغايرة، وانما تأخذ طابع الحماسة للتجربة او ضدها في أحيان كثيرة، وتتحدث عن ممارسات النص ولا تشتبك بلحميته وأنسجته الخاصة، بل لم تقدم دراسة جادة للجذور المؤسسة لـ(قصيدة النثر) في التراث العربي، وهو عامر بأشكال عدة، نتجت عن العلاقة الديناميكية لـ(الشعر) بـ(النثر)، كما فعلت سوزان بيرنار، في أطروحتها: (قصيدة النثر: من بودلير الى أيامنا) -باريس- 1958، ونحن إذ ننظر الى هذا التجلي الشعري الزاخم، في ارض جديدة سننظر للتجربة في سياقها العربي مع إقرارنا بتفاعل تجربتنا مع المتجليات الشعرية الغربية في هذا الشكل خاصة لدى الرواد العرب، ولذا نشير الى مراحل مؤسسة لها، في المشهد الأدبي العربي، عبر القرون العشرة الهجرية الماضية، لنجتلي مراحل العلاقة التاريخية بين (الشعر) و(النثر) في أطوارها العربية المتعددة، سنرى أمثلة تاريخية بادهة ترتكز على المشاهد الجمالية المتعددة لمتجليات هذه العلاقة، تشي ببروز الخاصية الشعرية لنصوص تقع في مناطق بين (الشعر) و(النثر)، بدرجات متعددة وأشكال مختلفة عبر مجموعة حلقات قربت العلاقة والحدود بين (الشعر) و(النثر)، ولن نضيف منا المزيد من المصطحات ولكننا سنختار من بينها الأكثر دقة ودلالة وتعبيرا عن حقيقة النوع الشعري، وندفع به في سياقه الحقيقي، لنؤكد أن (قصيدة النثر)، لم تكن نزوة شعرية طارئة للفعل الشعري العربي، رغم كونها بهذا التجلي الأخير، منقطعة عن مجرى الشعر العربي المعروف منذ القدم، وسننطق هنا من أهمية الوعي التاريخي بالعلاقة الجدلية القديمة، بتجلياتها المختلفة بين (الشعر) و(النثر) والتي اقتربت كثيرا من شكل (قصيدة النثر)، واذا كان الانطلاق الأخير لـ(قصيدة النثر) استجابة لرياح غربية، في المنظور الشعري الريادي أو تحت تأثير شكل القصيدة المترجمة للعربية وانطوائها على (الشعر) رغم تحللها من (العروض)، فإن علينا عدم تجاهل الجذور المؤسسة لها، في الكتابة العربية، وهو ما يعنينا هنا، يقول أدونيسى: (ولعلنا نعرف جميعا أن (قصيدة النشر) – وهو مصطلح أطلقناه في مجلة «شعر» – إنما هي كنوع أدبي شعري، نتيجة لتطور تعبيري في الكتابة الأدبية الأمريكية، ولهذا فإن كتابة قصيدة نثر عربية اصيلة يفترض، بل يحتم الانطلاق من فهم التراث العربي الكتابي، واستيعابا بشكل عميق وشامل، ويحتم من ثم تجديد النظرة اليه وتأصيله في أعماق

خبرتنا الكتابية اللغوية، وفي ثقافتنا الحاضرة) (1). وبالتالي فالبحث عن جذور لـ(قصيدة النثر) في الأرض العربية هو بحث عن هوية خاصة لهذا النوع الشعري الجديد، في شعرنا العربي تؤصله، وتحدد مساراته، وتكشف عن حركات المخاض الثوري المتوالية وعن إمكانات لغتنا الشعرية، يقول أدونيس: (إن حداثة الشعر العربي لا يصح أن تبحث إلا استنادا الى اللغة العربية ذاتها والى شعريتها وخصائصها الايقاعية التشكيلية، والى العالم الشعري الذي نتج عنها وعبقريتها الخاصة هذا كله) (2)، وبجانب الكشف عن مسار تآلف (الشعر) و(النثر) وتعقب العلاقة بينهما، وتطور مراحلها – يهدف البحث الى تصنيف المنجز الشعري في شعر النثر، وتصحيح مغالطات أزلية أحاطت بالظاهرة منذ بروز ظاهرة (شعر النثر) بجانب ظاهرة (شعر التفعيلة) منذ نصف قرن، ولابد من الاشارة الى النماذج المؤسسة لها عبر العصور، في مراحل منفصلة، ولكنها مترتبة ومتواصلة داخليا، كما ذكرنا، للوصول الى أن (قصيدة النثر) ليست نتوءا شعريا طارئا، ولا هي نزوة شعرية عابرة، أو ورما شعريا عارضا، وبهذا سنضع حدا لخلط الأجناس الذي يضم مجموعة أجناس تحت مسمى (قصيدة النثر)، ومنها شعر منثور / نثيرة / نثر شعري / نثر فني / نثر مشعر/ بيت منثور….. وسنضع كل مصطلح في مكانه الصحيح، دون أن نضيف الى الزحام الاصطلاحي المزيد مع التأكيد على أهمية وضع المصطلح المناسب في مكانه، وأهمية تحديد المفهوم، كأول الطرق للوصول الى الهوية الابداعية الحقة، ولن نضيف مزيدا من الاصطلاحات. ونشير في البداية الى ظاهرة (النثر الفني) في القرن الرابع الهجري، التي نرى أنها المحطة الأول الحقيقية لالتقاء (الشعر) بـ(النثر) وايجاد نوع ابداعي معادل لقصيدة الشعر، في ظاهرة الكتابة الابداعية العربية، نوع ثالث يمتح من (الشعر) ومن (النثر) معا ويستقل بذاته، في المشهد الابداعي نسيجا يجسد شعريته اللغوية الخاصة، ظهر هذا في القرن الرابع لدى ابن العميد والصاحب بن عباد وبديع الزمان الهمذاني مبتكر فن (المقامة) وأبي إسحاق الصابي وأبي العباس أحمد بن ابراهيم الضبي، وأبي عامر بن شهيد وأبي بكر الخوارزمي وقابـوس بن وكشير (3) ومن بعد هؤلاء الحريري وآخرون، ولا يتبدى من قبل هؤلاء، وغيرهم من شغلته (شعرية نثرية) مثل الجاحظ، في القرن الثاني الهجري، حيث أولى الايقاع دورا أساسيا في كتاباته الخصيبة وقد عاش (النثر الفني) كشكل أدبي خاص – في الرسائل الديوانية والرسائل الاخوانية ثم دخل في بناء جديد، هو (المقامة) واستمر حتى مطلع هذا القرن لدى المويلحي، في (حديث عيسى بن هشام) ولدى أحمد شوقي في (أسواق الذهب) وبالتالي فقد عاش هذا الشكل عمرا مديدا، واتسم بما يلي: الحرص على تأنق العبارة، والنزوع الى الاطناب، والاكثار من الجمل المترادفة، التزام السجع بحيث لا يخلو نص منه، والحفاظ على التوازن الصوتي عن طريق المزاوجة. الزخم البديعي والاحتشاد اللغوي والوشي البياني الباذخ.

نشير كذلك الى حركة مجاورة لـ(النثر الفني)، ولكنها عاشت مهمشة ومنعزلة على أهميتها الابداعية، وهي حركة (النثر الشعري الصوفي) حينئذ، التي ظهرت كحالات فردية منشقة ومتوهجة في عزلتها والتي تشكل الوجه الآخر، الباطني، لحركة (النثر الفني)، وهو الانبثاق الحداثي الحقيقي لعلاقة (الشعر) بـ(النثر) في شكل أكثر تعقيدا، في طواسين الخلاج، ومواقف النفري، ومخاطباته والاشارات الالهية للتوحيدي، حيث نشهد ثورة باللغة على اللغة لتأسيس مشهد جديد، يكشف عن تجارب روحية هادرة تنزع للتحرر.

ونشهد، في بداية هذا القرن تداخل (الشعر) و(النثر) مرة اخرى، في علاقة جديدة، وذلك في تجارب (النثر الشعري الرومانسي) خاصة لدى: جبران خليل جبران وأمين الريحاني والرافعي، وأحيانا كثيرة لدى المنفلوطي والزيات وطه حسين، وقد وشت هذه التجارب بالرغبة في الخروج الى شكل شعري أكثر حرية من حدود (البيت) وسلطانه ويقدم ما ينوى البيت دونه من تجارب متدفقة حرة. وقد نتح عن مرحلة (النثر الشعري الرومانسي) في نهاياتها انبثاق شكل أقرب الى شكل القصيدة الحرة، وهو شكل شديد الأوامر بـ(النثر الشعري…)، ذلك هو (الشعر المنثور) الذي ينزع الى خاصية (الشعر) لا في شكلا الظاهري فقط، وانما في نظامه الايقاعي الداخلي والخارجي وما يفرضه هذا النظام من هيمنة على البناء النحوي الخاص بشعرية نصه، وقد وجدنا بداية ذلك مرثية خليل مطران التي أنشدها في حفلة تأبين الشيخ ابراهيم اليازجي، بعنوان (شعر منثور) 1906، وما كتبه أمين الريحاني اعتبارا من سنة 1907، ثم ما كتبه جبران، ويأتي راهب لهذا الشكل دأب على الابداع فيه والتنظير له، هذا هو حسين عفيف الشاعر الوحيد في جماعة (أبوللو)، الذي لم (يكتب) سوى (الشعر المنشور)، وأصدر فيه أحد عشر ديوانا منها: (مفاجأة) 1934- (وحيد) 1938- (الزنبقة) 1938- (البلبل) 1939… ولم يقتصر دوره على ابداعه فقط، بل امتد كذلك ليشمل التنظير له، ووضع المفاهيم الجمالية الممهدة لاستقباله استقبالا طبيعيا وخاصا. إثر هذا، ستتبدى لنا الحلقة المفقودة في مسيرة قصيدة النثر في الشعر العربي وهي الحلقة التي تضم أعضاء جماعة (الفن والحرية) بمصر في أواخر الثلاثينات وبداية الأربعينات، وهم أول من كتب (قصيدة نثر) Prose Pem” " وهي (القصيدة) المكتوبة نثرا في تدفق متواصل وغير مقطع، وهم كذلك أول من كتب قصيدة (الشعر الحر)Free Verse” " بالمعنى (الدولي) لهذا الشعر، في نماذج دادائية وسيريالية مبكرة تتوازى وتتآمر مع المنتج الشعري الفرنسي في شعر النثر، في شكليه البارزين: (الشعر الحر) و(قصيدة النثر) وكان قائد هذه الحلقة جورج حنين 1914 – 1972 معروفا من لدن السيرياليين العالميين،وكان بريتون قائد التوجه السيريالي ومحركه الدولي، يرى في جورج معتمده في مصر، والمؤكد ان السبب في تهميش دور جورج حنين يرجع الى طليعيته الحادة المباغتة للمرحلة وانه كتب جل شعره بالفرنسية ولابد من الاشارة الى حجم وقيمة الطفرة التي قدمها جورج حنين وكامل زهيري في القصيدة الحرة السيريالية العربية، ومن خارج هذه الجماعة كان لويس عوض، يكتب (الشعر الحر) برؤاه الغربية، ونحن نرى في ذلك المنتج، من الجدة ما يتجاوز معظم ما ينجز الآن طلبية وتحديثا، وبعد سنوات قليلة تبدى الشعر الحر مرة أخرى ولكن في بيروت في عمل توفيق صايغ ثم بعد عدة سنوات في تجمع مجلة (شعر)، وهو ما ظل يتوالى، ويكتسب مواقع كل يوم، حتى صار في النهاية جنسا شعريا ثالثا مجاورا للقصيدة البيتية المقفاة ولقصيدة التفعيلة، ثم جاءت (قصيدة النثر) الجنس الشعري الرابع والشكل الشعري الأحدث، وهكذا يمكننا رؤية المسار الشعري لـ(شعر النثر) في حلقاته المختلفة – في هذا الشكل:

(1)
   

(2)
   

    (3)
   

      (4)
   

        (5)
   

(6)
   

(7)
   

 (8)

ويكشف لنا هذا الشكل عن تواصل هذه الحلقات، فالحلقة الأول تتماس مع الحلقة الثانية، ولا تتقاطع معها، ولا تتصل بها، بينما متقاطع وتتكامل وتتداخل الحلقات (الثانية والثالثة والرابعة) فتؤدي الثانية الى الثالثة وتختلط بها كذلك الثالثة مع الرابعة، وتكون الحلقة الخامسة بداية جديدة لحركا النص تتماس مع ما قبلها وتكون بداية جديدة لحركة النص وتأسيسا يكمل المجرى ويشق أرضا جديدة.

هي مراحل أساسية في طريق التقاء (الشعر) بـ(النثر) أثمرت كل مرحلة عن تأسيس شكل خاص، وتنامت الأشكال، مع استقلال كل شكل حتى وصلت في النهاية، الى تشكيل (قصيدة) من مادة النثر الخام. فهل يكون هذا التصور دعوة لنا لاستثمار تاريخية هذه العلاقة الديناميكية بين قطبي عملية الأدب: (الشعر)و (النثر) في تجلياتها العديدة ومراحلها المبدعة المتميزة ؟ وهل يكون محفزا للوعي بعروبة شعر النثر العربي؟ ولا يزيد هكذا أن نصل الى أن (الشعر)عاش في قلق طويل، يتنقل ويتنقل حتى وصل الى منطقة (شعر النثر) الواهنة في (قصيدة الشعر الحر) و(قصيدة النثر)، وانما نعني أن تنامي العلاقة بين (الشعر) و(النثر) قد وصل في النهاية الى تشكل جنسين شعريين جديدين. إن (شعر النثر) إذن هو شعر مقابل، ومواز لشعر الوزن، وليس امتدادا طبيعيا له، أو نتاجا لتطوره المتوالي، وحينما نصل الى الاقرار بوجود منطقة أصبحت معلومة لدينا، للدلالة على (قصائد) عادتها الخام (نثر) كامل، سنكون قد وصلنا الى المرحلة التي يتناوب فيها (الشعر) في (النثر) و(النثر) في الشعر، وسيكون العصب الشعري قائما في الكيان النثري، وفاعلا فيه، وستواجهنا مقولة مالارميه: (مسعيان اثنان يخصان عصرنا، وعزيزان عليه: الشعر الحر، وقصيدة النثر) (4).

الشعر الحر: Free Verse

لم تجيء الدعوة لـ(لشعر الحر) مع مجلة (شعر) اللبنانية، في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، كما يردد الكثيرون، فنحن نقرأ في مجلة أبوللو، عدد نوفمبر 1932 ص 231 للمحرر: (إنما يرجو تقديرنا للشعر الحر (Free Verse) الى سنوات مضت.. وفي اعتقادنا أن الشعر العربي أحوج ما يكون الآن الى الشعر الحر والى الشعر المرسل: (blank Verse) إذا أردنا أن ننهض به نهضة حقيقية)، هذا يدل على أن الدعوة الى الشعر الحر، قد سبقت عقد الثلاثينات، وربما يكون التحقق الممثل لطبيعة هذا الشعر أمامنا واضحا في جماعة الفن والحرية بمصر، في أوافي الثلاثينات وبداية الأربعينات لدى جورج حنين وبعض رفاقا، كان هذا المنجز هو أول مسعى يتحقق للوصول الى (قصيدة) خارج الوزن، في الشعر العربي، و(الشر الحر) هو الانبجاس الأول لشعر النثر، في الشعر العربي وأغلب ما يدرج تحت مسمى (قصيدة نثر) هو في الأساس (شعر حر)، إذ أن الشعر الحر (Free Verse) بالمفهوم الانجلوسكسوني هو الشعر الغالي من الوزن والقافية، أو فلنقل هو شعر ما بعد الوزن، وهو ما كتبه الشاعر الأمريكي والت وايتمان (1819- 1892) في الانجليزية، (5) وتبعه آخرون، في أمم عديدة، فهو نوع شعري تعرفه اللغات الأخرى، كتبه في الشعر العربي، جورج منين، ذلك الشاعر المصري السيريالي الذي كتب له اندريه بريتون في رسالة بتاريخ 18 من ابريل 1936: لم يبدو لي أن الشيطان له جناح هنا، والآخر في مصر) (6)، حيث نجد له في مجلة (التطوع) قصيدتين في عام 1940 هما: انتحار مؤقت – واقبال، ويرجع السبب الى تهميش دوره الى هامشية حركة (الفن والحرية) في المشهد الابداعي بسبب ارتفاعها بعيدا عن الذائقة الرجعية أو الذاكرة الرومانسية السطحية الهشة فظلت هذه الجماعة في دائرة مغلقة تمارس إنجازها المفارق، متكئة على ثقافة ثورية رفيعة ووعي نخبوي مارق، فظلت تطلق حممها في فضاء مغلق وتبدت بجلاء: طلقات عارمة

في فضاء شاغر. وبعد عدة سنوات جاء توفيق صايغ (7) وأخلص لهذا الشعر، وانضم اليه بعد سنوات محمد الماغوط وشعراء مجلة (شعر) وأصبحت قصيدة (الشعر الحر) كيانا شعريا مع ذلك الجيل الذي تجمعت تجاربه في الستينات تحت عظة مجلة (شعر) التي أدارها يوسف الخال وكان من معالمها: أدونيس وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا وابراهيم شكر الله وفؤاد رفقه وجبرا ابراهيم جبرا، وقد تبدى السند النظري لقصيدة الشعر الحر حينئذ بازغا من أطروحة سوزان بيرنار، وظل يعاد بصيغ جديدة بينهم، والمشكلة أن الوعي بالشعر ظل ذاتيا ومتغايرا بينما ظل الوعي النظري بهذا الشعر وافدا وثابتا، ومن هذا التجمع انطلقت رؤى وآفاق ما سمي بـ(قصيدة النثر). بالرغم من أن ما كتب يدرج بإطمئنان داخل مفهوم (الشعر الحر) ومصطل (قصيدة النثر)، كما هو معلوم، شاع من فضاء مجلة (شعر)، بواسطة أدونيس، حينما (عرض) أطروحة سوزان بيرنار عن (قصيدة النثر) الفرنسية في مجلة شعر (8) أما أنسي الحاج فقد جعل أطروحة سوزان بيرنار مصدره الأساسي لصياغة بيانه الساخن في مقدمة ديوانه الأول (لن) (9)، وكانت حماسة أدونيس شديدة، وكانت حماسة أنسي، في بيان (لن)، أشد، كان أنسي حينئذ لا يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره، ويعد كتاب سوزان بيرنار بحق هو المصدر الأساسي لأدونيس ولأنسي الحاج معا، في الدعوة الى (قصيدة النثر)، فإذا كانت سوزان بيرنار –مثلا- تؤكد أن (قصيدة النشر تتميز، في المقام الأول بقوة دفع مزدوجة (قوة فوضوية، هدامة تجني الى إنكار الأشكال القائمة وقوة بناءة تهدف الى تأسيس شعرية كلية، ومصطلح (قصيدة النثر) نفسه يؤكد هذه الازدواجية لأنها تصاغ في نثر يتمرد على كل التقاليد العروضية والأسلوبية، وتنظم شعرا يستشرف شكلا منظما، ومنغلقا على ذاته، ومنبتا من الزمن) فإننا نجد الشاعرين العربيين لم يفعلا  -في الحق- أكثر من أن يعيد صياغة الفقرة السابقة لسوزان بيرنار:

* أنسي الحاج: (في كل قصيدة نثر تلتقي معا دفعة فوضوية هدامة وقوة تنظيم هندسية لقد نشأت قصيدة النثر انتفاضا على الصرامة والقيد… ومن الجمع بين الفوضوية لجهة والتنظيم الفني لجهة أخرى، من الوحدة بين النقيضين تنفجر قصيدة النثر الخاصة).

* أدونيس: (تتضمن قصيدة النثر مبدأ مزدوجا: الهدم لأنها وليدة التمرد، والبناء لأن كل تمرد ضد القرائين القائمة، مجبر ببداهة، إذا اراد ان يبدع أثرا يبقى أن يعوض عن تلك القوانين بقوانين أخرى كيلا تصل الى اللاعضوية واللاشكل فمن خصائص الشعر ان يعرض ذاته في شكل ما، أن ينظم العالم، أن يعبر عنه) (10)…

لقد كان ما كتبه أنسي في (لن) (قصيدة نثر) أما ما كتبه محمد الماغوط في (حزن في ضوء القمر) فقصائد(شعر حر)، ولكن مصطلح (قصيدة نثر) بدا كأنه مظلة القصيدتين معا، ولم تتبد المشكلة إلا بعد الاطلاع على تمييز بيرنار بين (قصيدة النثر والشعر الحر) فأثير الجدل في الاجتماعات الأسبوعية لخميس مجلة (شعر) في ربيع 1960(11) وان ظلت مقالة أدونيس المذكورة (في قصيدة النثر) التي يعرض فيها لآراء سوزان بيرنار، هي اللحن الذي يعزف باشكال ودرجات مختلفة من حين الى حين، بلا تجاوز حقيقي لآفاق بيرنار النظرية، وبدا الأمر كما لو أنهم وجدوا ضآلتهم في حميا ثورتهم المشبوبة الطامحة لتجدد الشعر بتجدد الحياة (12) -حينما كتفت أيديهم أطروحة سوزان بيرنار، التي ستصير منبعهم الرئيسي، الذي ينهلون منه وينهل غيرهم منهم، وبفضله طمحوا لأن تكون ثورتهم التبشيرية مذهبا شعريا محدد الملاح ينظم ثوراتهم جميعا، ويكشف عن فقه قصيدة (الشعر الحر) التي دأبوا على دعوتها بـ (قصيدة النثر)… إن قصيدة (الشعر الحر) أقرب في شكلها الخارجي الى شكل (قصيدة التفعيلة) –لدينا- مع التحرر من الوزن، فهي تكتب في سطور شعرية حرة يحددها إيقاع التجربة الداخلي، بهذا يكون شعراؤنا المعروفون بشعراء (قصيدة النثر) شعراء (شعر حر) بالمعنى الذي تعرفه الأمم الأخرى، ربما باستثناء أنسي الحاج في ديوانيه: (لن) و (الرأس المقطوع) اللذين يمثلان (قصيدة النثر) كما سيتضح…

ولم تظلم حرحكة (الشعر الحر) من شعرائها الذين غيبوا اسمها لصالح اسم (قصيدة النثر) فقط بل تم السطو على اسمها من أصحاب (الشعر التفعيلي) بواسطة نازك الملائكة التي تشبثت بالمصطلح وحاولت أن تبدي (تنظيرها) لمفهومه كما ترده هي، وقد هاجمت نازك هذا (الشكل) (المحر) الخالي من الوزن، الذي تبدى في ديوان (حزن في ضوء القمر) الصادر للماغوط عام 1959 عن دار مجلة (شعر) بمؤازرة نقدية من خالدة سعيد في العدد 11 من (شعر) صيف 1959، أوضحت فيها أن هذه المجموعة (لم تعتمد الوزن والقافية التقليديين، وغالبية القراء في البلاد العربية لا تسمي ما جاء في هذه المجموعة شعرا باللفظ الصريح، ولكنها تدور حول الاسم فتقول إنه (شعر منثور) أو (نثر شعري) أو (نثر فني)، وهي مع ذلك تعجب به وتقبل على قراءاته، ليس على أساس أنه نثر يعالج موضوعات أو يروي قصة أو حديثا، بل على أساس أنه مادة شعرية، لكنها ترفض أن تمنحه اسم الشعر، وهذا طبيعي من وجهة نظر تاريخية بالنسبة للقراء العاديين، أما النقد فيجب أن يكون أكثر جرأة، أن يسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، وأنا اعتبر هذا (النثر الشعري) شعرا) (13)، وكان هجوم نازك يتركز في البداية في رفض أن يكون هذا الشعر (شعرا):(… يفتح القاريء تلك الكتب متوهما أنه سيجد فيها قصائد مثل القصائد، فيها الوزن والايقاع والقافية، غير أنه لا يجد من ذلك شيئا وانما يطالعه في الكتاب نثر اعتيادي مما يقرأ في كتب النثر، فماذا كتبوا على الغلاف إنه شعر؟ أتراهم يجهلون حدود الشعر؟ أم أنهم يحدثون بدعة لا مسوغ لها؟)(14) ثم تطور موقفها الى التشبث بمصطلح (الشعر الحر) وشرعت تردد على جبرا ابراهيم جبرا فتقول: (انه أخذ، دون مبالاة اصطلاحـ(نا): (الشعر الحر) الذي هو عنوان حركة عروضية (!!!) تستند الى بحور الشعر العربي وتفعيلاتها، أخذ اصطلاحنا هذا وألصقه بنثر اعتيادي له كل صفات النثر المتفق عليه) (15)، وتضيف نازك (إنما سمينا شعر(نا) الجديد بـ(الشعر الحر) لأننا نقصد كل كلمة في هذا الاصطلاح، فهو «شعر» لأنه موزون يخضع لعروض الخليل ويجري على ثمانية من أوزانه، وهو (حر) لأنه ينوع عدد تفعيلات الحشو في الشطر خالصا من قيود العدد الثابت في شطر الخليل) (16)، هكذا نرى الفوضى والتناحر في التعامل مع المصطلح وجذبه من جهتين لشعريتين مختلفتين، ولكن الوعي بطبيعة هذا المصطلح ودلالته على شعر حر من القافية والوزن في سطور متراوحة ومتباينة يتبدى في التمسك بهذا المصطلح ودفع مصطلح (قصيدة النثر) عنه، كما يبدو في كلام سركون بولص الذي ينظر اليه نتيجة لفوضى المصطلح – كأحد أجناد (قصيدة النثر) حينما يقول إننا (حين نقول قصيدة النثر فهذا تعبير خاطيء لأن قصيدة النثر في الشعر الأوروبي هي شيء آخر، وفي الشعر العربي عندما نقول قصيدة نثر نتحدث عن قصيدة مقطعة وهي مجرد تسمية خاطئة، وأنا أسمي هذا الشعر الذي أكتبه بالشعر الحر كما كان يكتبه إيليوت وأردن وكما يكتبه شعراء كثيرون في العالم الآن، واذا كنت تسميها قصيدة نثر فأنت تبدي جهلك لأن قصيدة النثر هي التي كان يكتبها بودلير ورامبو ومالارميه وتعرف بـ (Prose Poem) أي (قصيدة غير مقطعة) (17)، ويرد مثل هذا التحديد الواعي لدى جبرا ابراهيم جبرا، من قبل سركون: (الشعر الحر، ترجمة حرفية لمصطلح غربي هو (Free Verse)  بالانجليزية، (Voys Libyel) بالفرنسية، وقد أطلقوه على شعر خال من الوزن والقافية كليهما، إنه الشعر الذي كتبه والت وايتمان، وتلاه فيه شعراء كثيرون في أدب أمم كثيرة، فكتاب الشعر الحر بين شعراء العرب اليوم هم أمثال محمد الماغوط وتوفيق صايغ وكاتب هذه الكلمات، في حين أن قصيدة النثر هي القصيدة التي يكون قوامها نثرا متواصلا في فقرات كفقرات أي نثر عادي) (18). ونوضح هنا أن هذا الخليط الاصطلاحي قد تسبب في تشويش الرؤى أمام البعض إزاء شعر النثر، ومن ذلك، هذا الرأي المنفعل: (ولكن هذا الشعر لم مازال من غير جنسية وهوية، فبعضه يكتب على هيئة شعر التفعيلة وبعضه يكتب على هيئة المقال النثري، وبعضه يخلط بين الشكلين، وهذا دليل على كونه من غير شكل، قد يكون الشكل عبودية، ومع ذلك فالهوية لا يمكن لها أن تتمظهر من غير شكل) (19)، ولهذا نوضح أن أجلى ما يضر الدرس الأدبي الراهن هو فوضى المصطلح والتسرع في إطلاقه والمحاولات المستمرة للتغلب على قلق التلقي بصنع المفاهيم المصكوكة لنعت الأنواع الشعرية، ولنا أن نتأمل ما يلي: قصيدة (البيت الشعري الموزون المقفى) لها أسماء عديدة تواجهنا منها: (القصيدة الاتباعية /القصيدة البيتية / القصيدة العمودية / القصيدة التناظرية / القصيدة التراثية / القصيدة الموزونة المقفاة) (20) وهي تسميات يسيطر عليه هاجس الوزن والقافية والموروث، وهو ما حدث مع حركة (الشعر التفعيلي) الذي صوحب بأسماء عديدة أيضا كان يسيطر عليها هاجس التحرر من الوزن منها: (الشعر المرسل /الشعر المنطلق / الشعر التفعيلي / الشعر الحر / الشعر الحديث / الشعر المغصن / الشعر المستحدث / الشعر غير العمودي) (21)، كذلك نجد في (شعر النثر) أسماء ومصطلحات عديدة تخلط أجناسا: (قصيدة نثر/ شعر منثور / نثيرة / نثر فني/ نثر شعري / بيت منثور / نثر مشعر) (22) وخطورة هذه المصطلحات الأخيرة الخاصة بشعر النثر أنها تدخل في خلط أجناس، وهي تشي، كما نلاحظ – بتفجير التصنيف (الوزني)، وتمزج بين (النثر) و(الشعر) سواء باسمه أم بدواله: قصيدة – بيت، ويفترض في المرحلة الأخيرة -أن يصل الشعر – من الخارج – الى الداخل (23)، وأن تخفت نبرته ليفسح الايقاع الداخلي لأصوات النص وكائناته أن تتحرك وتتبدى، فيصبح الايقاع ثمة المنظم لحركة القصيدة الداخلية التي تتدفق على حيز النص لتشكل بعده المكاني، ونحن نرى أن تحديد المصطلح الملائم هو أول الطرق الحقيقية للوصول الى الهوية الابداعية الحقة للنوع الابداعي ولا يتأتى ذلك سوى بمساءلة هذا الخليط الابداعي وهذا الخليط الاصطلاحي والخليط الاجناس، ثم تصنيف ما يمور به مشهد الشعر النثري قبل الولوج الى رواق كل نوع شعري فيه لدراسة سجاياه الشعرية وملامحه الجمالية أو استجلاء التحققات الابداعية لتجاربه التي تشكل -مجتمعة – خصائص شكلية عامة لنوع شعري تحتاج الى التعامل معها من منطلق طبيعتها الخاصة لا من موقع طبيعة أخرى أو من الفضاء الشعري المضاد له أو من الفضاء التقني الشعري الغربي المناظر لها والمؤازر لها والمتوازي معها، والمتصل أساسا في أطروحة سوزان بيرنار التي لا تتوافق تماما مع منتجنا الشعري النثري، وشروطها الأساسية التي استنبتطها من مسيرة الشعر الفرنسي والتي وضعتها شروطا لابداع (قصيدة نثر) وهي الايجاز –التوهج-  الوحدة العضوية -المجانية، قد توجد في شعرنا وقد لا توجد، وقد توجد كذلك خارج الشعر، ولكيلا يكون بحثنا مجرد طرح رؤيوي لنظرية الأنواع الشعر نثرية يطمح الى اجلاء هوية النوع، سنلحق بالبحث نماذج ابداعية تكشف المناطق التي نريد اضاءتها لتحديد معالم من المشهد الشعر نثري في تجلياته الناجزة..

(الشعر الحر) إذن هو الشعر الخالي من الوزن والقافية، المكتوب في سطور حرة قد تطول أو تقصر حسب تدفق إيقاع التجربة، فتقترب (شكلا) من (قصيدة التفعيلة)، وهي أقدم و(أكثر) الأشكال الشعر نثرية الجديدة التي شكلت (قصيدة) من مادة النثر المتاحة، واذا كان (الوزن) فاصلا مميزا بين (قصيدة التفعيلة) و(قصيدة الشعر الحر) فما الفاصل المحدد بين (الشعر الحر) و(الشعر المنثور) وهما يتخذان شكلا حرا فيتقاربان ظاهريا، وعلى المستوى الايقاعي يتحرران من سطوة (الوزن) ويتماثلان لايقاع التجربة الداخلي ويتحرران في سبل تشكيل الدلالة النصية للنص، ويطمحان الى جعل اللغة أكثر طواعية لتشكيل جديد تقول به ما لم تقله وتصير به ما لم تكن من قبل ؟ … الذي يفصل بينهما: صلابة الشعر وحضوره المدرك في (الشعر الحر) ودرجة الشعرية الأعلى، فـ(الشعر الحر) يتأسس بوعي كامل، على أنا شعر تام وكامل، حر لا ينظما سواه، شعر أولا وأخيرا، يؤسس (قصيدة) كاملة، ومن أجلى شروط (القصيدة) – في أي شكل – أن تكون بناء مشحونا ومغلقا ولا يفنى. أما (الشعر المنثور) – حسبما نراه لدى رواده – فهو (شعر) منعوت بـ(النثر) وليس شعرا من النثر. وكما يشي المصطلح: هو شعر غير منكور ولكنه شعر غير تام، لأنه شعر في وضع نثر، وفرق جلي بينه وبين شعر لبناته الأساسية، وأدوات تحقيق شعريته المحكمة خارج الوزن نثر، بالاضافة الى أن (الشعر المنثور) في حالاته المنجزة لدى الريحاني وحسين عفيف لم يسلم من قيود بديلة وقواف متراوحة وتوزانات صوتية متوازية وزخارف بلاغية اصطنعها لذاته وتجسدت بها،ونحن هنا لا نفاضل بين النوعين بل نميز. بهذا سنعتبر جميع رواد (شعر النثر) رواد (الشعر الحر) ومنهم: توفيق صايغ في أواخر الأربعينات. وفي أواخر الخمسينات محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا وأدونيس وابراهيم شكر الله وأنسي الحاج (باستثناء بواكيره في: "لن" و "الرأس المقطوع") وشوقي ابو شقرا، وينضم الى القافلة بعد قليل محمد العبدالله وسركون بولص وصلاح فائق ثم فاصلة أخرى أكبر يتضح فيها: عباس بيضون وأمجد ناصر وسيف الرحبي وقاسم حداد (خصوصا في: عزلة الملكات) وبول شاوول (اوراق الغائب) وعقل العويط (لم ادع أحدا) وعقيل على (جنائن آدم) ووديع سعادة وزاهر الغافري وحلمي سالم ورفعت سلام وأمجد ريان ومحمد عيد ابراهيم، ويلحق بهذه الفاصلة فاصلة أخرى يتضح فيها علي منصور ومحمود قرني وشريف رزق وايمان مرسال (في مصر) ويوسف بزي واسكندر حبش وفادي أبو خليل ويحيى جابر وبلال خبيز (في لبنان) وآخرون ينتشرون منذ منتصف الثمانينات في كل البقاع العربية، بالاضافة الى شعر المهجرية الجديدة في لندن وأمريكا وألمانيا والدانمارك وباريس، وبعطاءات هؤلاء وأقرانهم حققت قصيدة (الشعر الحر) حضورها المكثف في شتى بقاع الخارطة العربية وتحدد بها سمت الفعل الشعري لهذه المرحلة وان كان ذلك يقربه تحت مظلة مصطلح آخر هو: (قصيدة النثر).

قصيدة النثر: Prose Poem

التجلي الثاني لـ(شعر النثر) العربي يتبدى في (قصيدة النثر) التي يطلق اسمها – خطأ – على عموم (شعر النثر).(24)، واذا كان (الشعر الحر) حرا في شكلا وفي مساحة أسطره طولا وقصرا بما يشبه ظاهريا – قصيدة التفعيلة، فإن مفهوم (قصيدة النثر) يشير- كما تشي دلالته الغربية (Prose Peom) الى القصيدة النثرية غير المقطعة، قصيدة الايقاع المتدفق الموصول في خطاب يتدفق فيحتل مساحات البياض، في هيئة كهيئة النثر الموصول على الصفحة، كأي نثر، مستثمرة طاقات السرد في اصطياد (الشعر) في خارطة (النثر)، ليصبح من النثر العادي الكيان الفني المحكم الذي هو (القصيدة) كاملة في هيئة النثر وسيولته وتدفقا، ولكن الوعي بانشاء (قصيدة) شعر في ركام النثر هو وعي بانجاز جنس شعري مقصود في الأساس منذ أول مفردة في إبداع هذه (القصيدة) استجابة لايقاع التجربة المنظم للتركيب النحوي للنص ولمعمار النص كله، وهذا ما يشكل منها (قصيدة) فهي (قصيدة) تستخدم وتستثمر حيل واجراءات النثر العادي كالسرد والوصف والاسترسال والتدفق الحر لأغراض شعرية أكر تحررا وبكارة، وبالتالي فهذه الطرق في (قصيدة النثر) هي مادة خام لا الشعر) تفقد هويتها وغايتها السابقة في (النثر) النفعي حين تحل في جسد شعري، وفي الشعر دائما وعي خاص بطبيعة الشعر وعي يحرك اللغة ويكنفها ويشحنها، يختلف عن الوعي الابداعي في ابداع (النثر) الوعي الابداعي بطبيعة النوع في الشعر – ايقاعي دائما، ينتظم البناء اللغوي فيه، سواء في قصيدة (الوزن) أو في قصائد (الشعر الحر) أو في (قصيدة النثر)، هذا الوعي نابع أساسا من مفهوم كلمة (قصيدة) التي تؤشر على قصدية الابداع وان الشاعر قصد الى تشكيلها شكلا شعريا، في الأساس، عن قصد وتعمد في انجاز (الشعر) لا (النثر) وبالتالي تأتي من مادة (النثر) الحي الكامل (قصيدة)، في (قصيدة النثر) قبل كل شيء (قصيدة) بالمعنى الدلالي لا بالدلالة العروضية الشائعة، ففي لسان العرب نقرأ: (وقيل سمي قصيدا لأن صاحبه احتفل به فنقحه باللفظ الجيد والمعنى المختار، واصله من القصيد وهو  "المخ السمين" الذي يتفصد او يتكسر لسمنه، والعرب تستعير السمن في الكلام الفصيح، فتقول: هذا كلام سمين، أي جيد، وقالوا شعر قصيد إذا نقح وجود وهذب، وقيل سمي الشعر التام (قصيدا) لأن قائله جعله من باله فقصد له قصدا ولم يحتسه حسيا على ما خطر بباله وجرى على لسانه، بل روى فيه خاطره واجتهد في تجويده ولم يقتضبه اقتضابا فهو فعيل من القصد) (25)، ويضيف صاحب لسان العرب: (اصل (ق ص د) الاعتزام والتوجه والنهود والنهوض نحو الشيء) (26)، فالقصد في إبداع (قصيدة) إذن هو ما يميز هذه (القصيدة) عن النثر الشعري الموقع، أما (النثرية) في المصطلح، فقد فرضتها الطريقة الطباعية لهذه القصيدة التي تكتب كما يكتب أي نثر عادي) (27)، إذن فمصطلح (قصيدة النثر) يراد به الدلالة على تلك القصيدة التي تكتب كما يكتب النثر العادي، المكونة من عناصر النثر التامة، القصيدة الصاعدة في مجال النثر، (قصيدة) هنا مضافة الى النثر، لأن النثر هو الأصل والأساس و(القصيدة) هي الخلاصة الطالقة في فضائه والثمرة الناتجة في حقله، هي (الشكل) الطالع في (اللاشكل) و(النظام) المنبثق من (اللانظام) و(الصيغة)الصاعدة من الانفراط، وهذا ما يجعلها نوعا (شعريا) صاعدا في خارطة (النثر) التي هي تفرق ولا نظام وتبعثر وانفراط، حيث يوضح صاحب لسان العرب أن (نثر) من: (نثرت الشيء بيدك ترمي به متفرقا مثل نثر الجوز واللوز والسكر، كذلك نثر الحب إذا بذر وهو النثار، وقد نثره ينثره نثرا أو نثارا، ونثره فانتثر وتناثر، والنثارة ما تناثر منه، وخص اللحياني بما ينثر في المائدة فيؤكل والنثار فتات ما يتناثر حوالي الخوان من الخبز وغير ذلك من كل شيء) (28) هكذا يكشف مصطلح (قصيدة النثر) هوية هذا النص: صعود النظام) من (التفرق)، بروز (الصيغة) في (الانفراط)، انبجاس (الشعر) في كيان (نثري) خالص تجري في عروقه شعرية مختلفة السمات، ويكتشف تركيب الاسم عن اشكالية هذا الكائن الشعري المسمى (قصيدة نثر) واذا كانت (قصيدة النثر) هي الشكل الشعري الأكثر تدفقا واسترسالا بما يكشف عن تأسيس شعرية مختلفة وموازية ومغايرة شكلا وجوهرا – فإنها تختلف عن (النثر الشعري) الذي يشبهها ظاهريا والذي هو نثر منعوت بالشعر لاحتوائه على خواص إيقاعية ووجدانية، ولكنه يبقى (نثرا) في الأساس وتبقى (قصيدة النثر) "قصيدة". كما أنها تختلف عن قصيدة (الشعر الحر) في طبيعة الايقاع الحر، والاختلاف في طبيعة الايقاع لا يحدد الشكل الظاهري للقصيدة وفقا لأمواج التجربة فقط، بل يهيمن على نظامها الداخلي بالكامل، بما يجعله بناء مختلفا ومتميزا، فالإيقاع هو العنصر المهيمن في بنية النص، وهو المحدد للتركيب اللغوي (النحوي) للنص من تقديم وتأخير، وحذف وتكرار، وفصل ووصل – حسب ساحته الزمنية التي هي حركة التجربة – وبالتالي يتحكم الايقاع في البناء النحوي الذي يتحكم بدوره في أوجه التعبير البلاغي ووسائل انتاج الدلالة، ومن ثم فالاختلاف في شكل تجسد الايقاع ليس بالشيء الهين، بل هو نسق داخلي متكامل، واذن فالاتفاق في الخروج على النظام العروقي لا يعني أن (قصيدة الشعر الحر) و(قصيدة النثر) قصيدة واحدة وأن الشكل الطباعي الظاهري هو الفيصل بينهما، فلكل منهما ايقاعية مختلفة تتول انبناء لغويا خاصا لموجاتها، وبهذا فإذا كانت (قصيدة النثر) تحتوي على شيء من (قصيدة الشعر الحر) فإنها قصيدة مختلفة عنها، لا تشاركها سوى في هاجس الانبناء بمعزل عن الأصول الثابتة، وبالتالي علينا أن نميز بين هذين الجنسين الشعريين حتى وان وجدنا (قصائد نثر) مكتوبة في شكل قصائد الشعر الحر) فالتمييز هنا بين هذين الجنسين الشعريين كالتمييز بين (قصيدة تفعيلة) و(قصيدة بيتية مقفاة) مكتوبة في شكل قصيدة تفعيلة والالتقاء في مجال ايقاعي واحد يضمهما لا يعني كونهما جنسا شعريا واحدا، واذا كنا نستشرف ذلك من طبيعة المنجز الشعري العربي، فإن موسوعة برنستون للشعر والشعرية تؤازرنا في هذا المسعى، إذ (تعرف قصيدة النثر (Poetic Prose) على النحو التالي: هي قصيدة تتميز بإحدى أو بكل خصائص الشعر الغنائي، غير أنها تعرض على الصفحة على هيئة النثر، وان كانت لا تعد كذلك، وتختلف قصيدة النثر عن النثر الشعري (Poetic prose) بأنها قصيرة ومركزة، وعن الشر الحر (Free Verse) بأنها لا تلتزم نظام الأبيات وعن فقرة النثر القصيرة بأنها عادة ذات إيقاع أعلى، ومؤثرات صوتية اوضح، فضلا عن أنها أغنى بالصورة وكثافة العبارة) (29)، ويهمنا هنا أن نتأمل بعض المقولات التي رافقت (قصيدة النثر) وحاولت أن تجتلي الخاصية الشعرية المميزة لها، وسنلاحظ أن من يتحدث عنها يتحدث عن نوعي شعر النثر معا: (الشعر الحر – قصيدة النثر) دون تمييز، فيقول انسي الحاج أنها: خذلت كل ما لا يعني الشاعر، واستغنت عن المظاهر والانهماكات الثانوية والسطحية والمضيعة لقوة القصيدة، رفضت كل ما يحول الشاعر عن شعره لتضع الشاعر أمام تجربته، مسؤولا وحده كل المسؤولية عن عطائه، فلم يبق في وسعا التذرع بقساوة النظم وتحكم القافية واستبدادها، ولا بأي حجة برانية مفروضة عليه) (30)، واذا كانت (قصيدة النثر) على هذه الدرجة من الحرية فإن علينا أن ننظر اليها كنوع شعري جديد ومستقل لا كمرحلة في سياق تطور (قصيدة الوزن) حتى لا نقول مع غالي شكري أنها (تتسق مع التقاليد الأدبية الفرنسية خصوصا رامبو الى سان جون بيرس ولا تتفق مع تطور الشعر العربي الحديث) (31)، يجب النظر اليها كنوع شعري مختلف ويحاول عباس بيضون الاقتراب أكثر من طبيعة (قصيدة النثر) واستقلاليتها عن الشعريات المجاورة قائلا: (قصيدة النثر، تقاس على نفسها، وتجد حجتها في نفسها، فليست بديلا ولا استعاضة، هي ببساطة نوع مختلف، وعليها أن تجد مكانها وتؤسسه… باختصار قصيدة النثر نوع من أنواع.. إنها تتخلص من أدبية اللغة أو قل من أدبية لغة – هي لأسباب شتى موغلة في أدبيتها – فقصيدة النثر في قاموسها وعباراتها وايقاعاتها ورؤيتها أقل استقبالا لأدبية اللغة، اي لتقنين بلاغي وايقاعي صارم في لغة متحفية كاللغة العربية تؤخذ كلها ولا تقبل تشظيا أو بعثرة.. وشعراء النثر الجدد هم أمام مهمة إيجاد ايقاعات أخرى لعبارة هاربة من ايقاعها والأرجح أن هذه الايقاعات الجديدة لابد أن تحتكم الى قابليات النثر، أي أن الايقاع المنشود هو ايقاع النثر نفسه، إن القصيدة النثرية مطالبة بأن تتخلص من الخطابة، لا بالمعنى البسيط الذي نعرفه، لكن بمعنى التخلص من تناول أدبي قائم على الهياج اللغوي على الحماسة كما كان يسميها العرب، وعلى الغناء، وقصيدة النثر في تخلصها من الحماسة والتغني ما أمكنها ذلك تتيح للكلام الشعري الا يكون تنميقا وتزيينا لمعان سابقة عليه، بل أن يولد معانيه من نفسه ومن ايقاعه.. هي قصيدة مثقفة بمعنى ما، قصيدة تصطدم الوعي أكثر مما تداعب بداهاته ومسلماته.. هي قصيدة تتخلص ما أمكن من نرجسية الشاعر فهي قصيدة ليس الشاعر فيها أكثر من مستمع وملاحظ والعالم والشاعر في ذاته فهو يستقبلها وهو وسيط لهما، لذلك نرى العالم والخارج من هذه القصيدة ينبثقان وينتشران بدون أن يكونا من تورم ذات الشاعر وتضخمها) (32)، وهكذا لا يمكن لقصيدة النثر أن تقاس إلا عن نفسها والا ترى إلا في أفقها على أنه يجب التأكيد من جديد على ان الحرية الطاهرة في نسق (قصيدة النثر) ليست مطلقة فثمة وعي منظم بها يجعلها تتحرك في مجال خاص مقصود، ونعتقد أن (قصيدة النثر) بهذا الوعي، ستظل (كيانا) شعريا مستقلا، ولن تتذاوب في غيرها، كما لن ينحل غيرها فيها، رغم تواصل الأجناس الابداعية وتعالقها، ولذا فنحن ضد نبوءة سوزان برنار التي تهجس بأن (نوع «قصيدة النثر» سيذوي أو يفقد شخصيته.. الى ان تذوب في (النثر الشعري) للاجناس المجاورة، وأن تختلط مع الأشكال الجديدة خاصة) (33)، ونعتقد ان هذه الرؤيا تتغافل كون قصيدة النثر) شعرا في الأساس وقصيدة محكمة، لها خاصيتها الشعرية الخالصة قبل كل شيء، وهذه رؤيا تقود -في النهاية- الى مصير الفعل الأدبي كله – وليست قصيدة النثر فقط – وتوجهه الى نوع وحيد كما بدا.

ولكن (قصيدة النثر) لم تسلم من استهجان منذ بدأت تجلياته (المغايرة وحتى الآن، بداية من استقبال مصطلحها الذي يشير الى حقيقتها والى إشكاليتها كذلك، والذي يعد مدخلا ملائما لكشف حقيقة هذا النوع الشعري، والموقف منه لم يزل عصبيا، وهناك رفض كبير للتعامل مع مصطلح (قصيدة النثر) – الذي أصبح واقعا يستخدما حتى المعارض – كذلك هناك عجز عن تقديم بديل عنه، يكون دالا على هذا النوع الشعري الخاص، يقول البياتي (أعترض على تعبير (قصيدة النثر)، فالقصيدة تعبير كلاسيكي معناه أنها -أي القصيدة- مكونة من ثمانية أبيات، وما كان أقل يسمى مقطوعة. وربط كلمة قصيدة بالنثر يبدو متناقضا) (34)، كذلك يقول نزار قباني: (قصيدة النثر أنا ضد تسميتها بالأساس، سمها كلاما جميلا وكلاما ابداعيا، نصا فريدا، هذا مقبول، أما قصيدة، فهذا غير صحيح، القصيدة لها شروط (!!) يعني أي فن مثل الرسم والنحت والموسيقى لها عناصر أساسية في تشكيلها هل يستطيع الرسام أن يشتغل من دون ألوان ؟ فالشاعر أيضا لا يستطيع أن يشتغل أو ينظم قصيدة من دون (أوزان) (35) وهكذا يبدو أن الخلاف ليس على المصطلح وحده وانما على اعتبار هذا الكيان الابداعي شعرا ولكن السخط على المصطلح الذي يصل الى حد النفي والالغاء لم يقدر على تقديم بديل مقبول، وقد أوضح غالي شكري، في وقت مبكر، أن (قصيدة النثر): (أصبحت تعبيرا خاطئا يجسد عجز الناقد بقدر ما يجسد الرواسب المختلفة في وعي الشاعر الذي يرتضي هذه التسمية) (36)، أما ابراهيم حمادة فيرى أن (التسمية خاطئة من الناحية الاصطلاحية والدلالية، إذ افترضت بداءة. أن القطعة من هذا الشكل «قصيدة» بينما اقتصر إطلاق هذا المصطلح منذ ردح مجذر في الماضي البعيد على صيغة قولية معينة يفترض في بنائها الشكلي. قبل أي شيء آخر.أن يكون موزونا طبقا لمعايير تفعيلية معلومة سلفا، أو –على الأقل- مبتكرة، ومستخدمة على نحو تكراري معين، ومن هنا يبرز التناقض في التسمية، بينما ينبغي له أن يكون كلاما موزونا وبين ما هو نثر محرر تماما من النمط الوزني الملزم حتى لو تزاحمت فيه الكنايات والاستعارات وروح الشعر بالمعنى المألوف) (37) ويضيف ابراهيم حمادة: ("قصيدة النثر" يمكن أن نطلق عليها: "المنثورة الشعرية" لأنها في المحل الأول نثر، وفي المحل الثاني مزودة بتزاويق شعرية، أو فليتسم هذا النثر المشعور بـ "جواهر القول" أو بأي اسم آخر رنان فخم، ولكن عليه الا يتسمى باسم «قصيدة » حتى ولو على سبيل المجاز، ولو أن بعضه يتفوق على بعض القصائد الموزونة (!!) فلا يزال النثر نثرا والشعر شعرا) (38)، ولكن أليس مصطلح (قصيدة) ذاته أصبح في حاجة الى إعادة نظر؟ أليس مثيرا للجدل إذ يأخذ تحت مظلته كل شعر ؟ (فكيف ندرج باطمئنان في دائرة واحدة (قصيدة) للمتنبي مع (قصيدة) لعفيفي مطر، مع (قصيدة) لسليم بركات، مع (قصيدة) لبسام حجار؟ وكل هذا شعر، وكل هذه (قصائد) غير منكورة، ولكن ما مفهوم (القصيدة) الذي يحتوي على كل هذه (القصائد)، أليس ثمة اتساع حاليا في مفهوم (القصيدة) ؟) (39)، وليس المصطلح المقترح من ابراهيم حمادة (جواهر القول) بأغرب من مضطلع (قصيدة) الذي اقترحا أحمد درويش (40) بديلا عن مصطلح (قصيدة النثر) أو عن مصطلح (مديدة النثر) الذي اقترحه أبوالفضل بدران (41).

وقد أصبحت (قصيدة النثر) لونا شعريا مميزا بإسهامات أنسي الحاج في ديوانيه (لن) و(الرأس المقطوع) وسليم بركات في معظم أعماله ومنها: (الجمهرات) و(الكراكي) و(بالشباك، ذاتها بالثعالب التي تقود الريح) و(البازيار) ووديع سعادة في (لحظات ميتة) بديوانه (لسبب غيمة على الأرجح وبسام حجار في (حكاية الرجل الذي أحب الكناري) وبول شاوول في (موت نرسيس) ورفعت سلام في (هكذا قلت للهاوية) و(اشراقات) وقاسم حداد في: (قبر قاسم) وشريف رزق في: (لا تطفيء العتمة) وميسون صقر في (تشكيل الأذى)..
النثيرة: نثر شعر النثر

سبق أن أشرنا الى أن (القصيدة) – دائما – نظام مقصود ذو علائق داخلية تحددها طبيعة الايقاع المنظمة لتشكلها، ولهذا فالقصيدة بناء ينتشر في الوقت ولا ينتهي، فهي لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، والا لتحفر بأصدائها اللانهائية، واذا كانت (الشعرية) خاصية إبداعية عامة قد توجد في أي نص أدبي بدرجة ما بين عناصر أخرى عديدة ومؤسسة للنص، فإنها في (الشعر) تكون أبرز الخواص الموجودة في النص والمهيمنة على الفعل الشعري برمته، لتأسيس (قصيدة) خاصة ومقصودة وعلى هذا فلابد من استشعار الفارق بين الشعر وبين الكلام المكتوب في شكل شعر، ونحن نرى بين قصيدة الشعر الحر وقصيدة النثر نوعا ثالثا يختلط بهما في المشهد، نقترح لتحديده مصطلحا مطروحا – خطا على كل شعر النثر – هو: (النثيرة)، حتى لا نضيف الى الزحام الاصطلاحي جديدا، كما أننا نرى هذا الاسم دالا على حقيقة هذا النوع الأدبي الذي نعنيه، بدلالة النثر المعجمية، التي يتركز حولها هذا المصطلح، فنثر نثرا ونثارا رماه متفرقا كنشرة وتنثر وتناثر، والدلالة – تعني إذن: رمى الشيء متفرقا (42) ويعنينا هنا التركيز على غياب دلالة (القصدية) في هذا الانجاز، والتي رأيناها في دلالة (قصيدة) تؤسس لوعي مقصود شعرا ويبدأ ذلك بوعي إيقاعي يتحكم في نحوية النص ويستبطن جوهر التجربة والأشياء بهدوء وعمق، ولكننا هنا بإزاء شيء آخر، فهو ينثر(ه) نثرا في خطاب يتخل عن طبيعة خطاب (القصيدة) – كل قصيدة – هذا الخطاب الذي يشي بوجود وعي داخلي منظم يدير جموع الكلام في أتون التجربة، ويعطر التجربة بإيقاعاتها الخاصة في ربوع الكلام، وبالتالي يقل في (النثيرة) الوعي بطبيعة بنية الخطاب الشعري الذي يتأسس على وعي بـ(المظهر الصوتي أو المظهر التلفظي أو حتى المظهر الدلالي) (43)، وتنهض (النثيرة) – كشكل –على صلات ظاهرية بـ(الشعر الحر) فتعتمد على وسائله وآلياته وذرائعه… كالتفاصيل اليومية، أو الشخصانية أو السوريالية أو المناجيات العاطفية.. ولكن (النص) يأتي في النهاية – خاليا من الوعي (الشعري) كبناء شعري خاص يتأسس بين (قوتين متناقضتين: قوة فوضوية مدمرة وقوة تنظيمية فنية) (44)، و(النثيرة) هكذا تقع في منطقة بين (القصيدة) – التي لا يكتبها سوى شاعر – و(الخاطرة الشاعرية).التي يكتبها الشباب في بدايات الشباب بنزوع عاطفي رومانتيكي هائم، هذا برغم طموحات (النثيرة) في أجواء الشعر، فهي قابلة للاستهلاك السريع وللتبديل، ولكن (القصيدة) – وقد ذكرنا – كيان حي متماسك الأعضاء محكم ومشع وعابر للزمنية، وبالتالي لا تستهلك (القصيدة) – الحقيقية – ولا تزول، وتتبدى (النثيرة) خالية من وهج التجربة الحقيقية، خالية من الدفء الانساني، بحيث تبدو مبتورة عن مرجعيتها البشرية المحلية، وبهذا فإذا كانت (النثيرة) تختلط شكليا بقصيدة الشعر الحر أو قصيدة النثر فإنها سرعان ما تتكشف لنا بهشاشة خطابها المصنوع الملحوظة وميوعتها البادهة، هذا ما يفرق (النثيرة) عن (القصيدة): قصيدة الشعر الحر، أو: قصيدة النثر، رغم اشتراكها مع هذين النوعين الشعريين في الوسائل التعبيرية الدالة، وفي الاعتماد على التشكيل من مادة أساسية واحدة هي الجملة النثرية، والاعتماد – كذلك -على ايقاع داخلي عابر للتقاليد العروضية، وتبقى (القصيدة) – دائما -: تنظيما داخليا محكما لحركة الذات وحركة النثر، يقود الى تخلق دائب لعالم منبن بقوانين خاصة ونظام داخلي محكم خاص، وتبقى (النثيرة): شكلا ناتجا عن اندفاق الرؤيا أو الفكرة أو الحالة (كلام) غير متأن، يدار كما يدار في غير خطاب القصيدة، خطاب ما بعد القصيدة – وهناك أسماء عديدة تكتب (النثيرة) – تحت هاجس (القصيدة) – وتراوح أحيانا بينها وبين (قصيدة) الشعر الحر، ومنها: ظبية خميس، أحمد طه، يحيى جابر، منذر عامر، حمدة خميس، لينا الطيبي، تيري بباوي، رشيد الضعيف، غادة السمان، وآخرون… وان كان لبعض هذه الأسماء بعض (القصائد) الناجزة، أو مقاطع -على الأقل – في (الشعر الحر).

ليس لدي – في الوقت الحالي من وسيلة للتمييز بين قصيدة الشر الحر وقصيدة النثر من ناحية، والنثيرة من ناحية أخرى سوى الاحتكام الى الذوق المدرب الخبير والاصغاء الى الايقاعية الداخلية للصوت السري في النصوص، حيث اسلبت النثيرة والظواهر السطحية التي يمكن الاستناد اليها – مما جعل البعض يتحدث عنها كقصائد نثر- وجرتها الى حيز الانتاجية والاستهلاك بمعزل عن (أتون التجربة) ويمكننا استشعار هذه الفروق من الامتثال الى أصوات النماذج المطروحة لهذه الأنواع في ملحق الدراسة.
الهوامش

1- ادونيس – بيان الحداثة (ضمن كتاب البيانات): تقديم محمد لطفي اليوسفي – دفاتر كلمات – اسرة الأدباء والكتاب بالبحرين – ط 1993ص 24.

2- المرجع السابق.

3- يمكن معاينة اعمال لهؤلاء الناثرين المترسلين ولغيرهم في كتاب يتيمة الدهر في احوال العصر للثعالبي، وصبح الاعشي للقلقشندي، والذخيرة لابن بسام – ومعجم الادباء لياقوت، وزهر الآداب للحصري، بجانب الكتب التي تحتوي على رسائلهم الخاصة.

4- سوزان بيرنار – قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا – ترجمة د. زهير مجيد مغامس – الهيئة العامة لقصورالثقافة – القاهرة – ديسمبر 1996- ص 99.

5- تجدر الاشارة الى ان مفهوم (الشعر المنثور) لدى الريحاني ينزع من المفهوم العام لـ(الشعر الحر) عند وايتمان الذي اطلق الشعر الأمريكي من قيود الأبحر العروضية (انظر الريحاني جـ 2 ص 182) وان كان الريحاني يستعيض عن الوزن بالتنميق والتشكل اللغوي وانشاء قواف متراوحة تؤازر آلات الايقاع الداخلي الحر، فهر ليس حرا تماما، والواقع ان اي شعر لا يكون حرا تماما مهما كانت مساحات الحرية امامه، وكان لريمي عوض ايضا على وعي بحرية الشعر الحر عند وايتمان، ولكن عوض دعاه (الشعر المنثور) في مقدمة ديوانه بلوتولاند الصادر 1947، حين قال: (الشعر المنثور) حر من الموسيقى وخال من القافية معا… و… والت هويتمان مبدع الشعر المنثور)، وبهذا اصبح (الشعر الحر) في المصدر الغربي (شعرا منثورا) في لغتنا، وما تحقق فعلا في البداية لدى أمين الريحاني ثم منير الحسامي ثم حسين عفيف شىء آخر غير (الشعر الحر) الذي انجز فيما بعد،هذا الشيء الآخر (الجنس الشعري الآخر) هو: (الشعر المنثور).

6- انظر: سمير غريب ؟ السيريالية في مصر –الهيئة العامة للأب- 1986- ص 15.

7- يشيع التاريخ لهذه الحركة بعد حوالي عشر سنوات من بدايات توفيق صايغ، واذا ذكر توفيق صايغ يذكر بعيدا عن موقعه التاريخي الحقيقي، والأمثلة على ذلك عديدة منها: – (قصيدة النثر التي يتحدث عنها (أي أدونيس). لم تجد في الشعر العربي وقتها إلا من خلال نماذج قليلة ابرزها ما كتب محمد الماغوط، وما بدا يكتبه أنسي الحاج أو توفيق صايغ (!)..) – محمد قوبعة جماعة مجلة شعر وقصيدة النثر الفرنسية –مجلة علامات- ج 12- م3 – يونيو 1994- النادي الثقافي بجدة -ص 104.

– (سنلاحظ ان الجيل الأول من كتاب قصيدة النثر الذي التف حول مجلة (شعر) باتجاهات متباينة يمثلها أدرونيس وأنسي الحاج وشوقي ابو شقرا): حاتم الصكر – قصيدة النثر- مجلة فصول – خريف 1996- ص 80.

– (يتمثل المنجز الرئيسي لشعراء هذه المرحلة بقصائد النثر التي كتبها محمد الماغوط. وأدونيس): فخري صالح -القصيدة العربية الجديدة – مجلة نزوى – ابريل 1997- ص 45

– (شعراء أصبحوا الآن روادا كلاسيكيين لهذا الشكل الذي تبلور على يديهم جماليا وتقنيا أمثال: أنسي الحاج ومحمد الماغوط وشوقي أبي شقرا ويوسف الخال) ولم يذكر كذلك قبل هؤلاء أو بينهم توفيق صايغ: عبدالله السمطي – بين بلاغة الصورة وسردها – مجلة نزوى- يوليو 1997 – ص 53.

8- كان ذلك في مقالة بعنوان: (في قصيدة النثر) بمجلة «شعر»IV العدد 14، (ربيع 1960) ص 75-82، وأعاد نشرها في كتابه (زمن الشعر)، وفيها عرض تبشيري دعائي.

9- نشر أنسي ديوانه الأول (لن) عام 1960، مصدرا بمقدمته الانفعالية، التي يستند فيها على مقولات سوزان بيرنار وشروطها الأساسية لقصيدة النثر، وهي الايجاز والكثافة والوحدة العضوية والتوهج، وان كان أنسي ذاته سيتجاوز هذه الشروط، بعد ذلك في:(الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع) و(ماذا صنعت بالذهب فعلت بالوردة).

10- محمد ديب – الجنس الأدبي بين الموهبة الفردية والرافد الغربي -مجلة علامات – النادي الأدبي الثقافي بجدة – يرنيو 1994- ص 153-154.

11- انظر محمد جمال باروت -الحداثه الاولى- اتحاد كتاب وادباء الامارات –الشارقة- 1991- ص 202-207.

12-انظر: ما كتبه أدونيس في (شعر) العدد 14، وما كتبه يوسف الخال في العدد 2، ص 114.

13- ص 294 عن: محمد قوبعة: جماعة مجلة شعر وقصيدة النثر الفرنسية -مجلة علامات -النادي الادبي بجدة – يونيو 1994- ص 97.

14- السابق، ص 97.

15- عن محسن جاسم الموسوي -مرجعيات نقد الشعر- مجلة فصول – خريف 96- ص 37- 38 والعبارة منسوبة الى كتاب: (قضايا الشعر المعاصر) لنازك الملائكة في سياق الرد على جبرا ابراهيم جبرا، الذي كتب عن قصائد توفيق صايغ..

16 – السابق، ص 27.

17- من حوار معه، بمجلة نزوى، ع 6 ابريل 1996- ص 188.

18- عن: محمد الصالحي: (قصيدة النثر: تأملات في المصطلح)، مجلة نزوى، ع 10- ابريل 1997- ص 85-86، ومصدره كتاب محمد جمال باروت – الحداثه الأولى.

19- رشيد يحياوي – في المتاهة الشعرية – مجلة نزوى – ع 2 مارس 1995 ص 39.

20- علوي الهاشمي – جدلية السكون المتحرك – مدخل الى فلسفة بنية الايقاع في الشعر العربي – (ضمن بحوث مهرجان القاهرة للشعر العربي (من 20-24 اكتوبر 1992) – ص 50.

21- ابراهيم حمادة – قصيدة النثر- مجلة القاهرة ع 73- 15 يوليو 1987 افتتاحية العدد.

22- محمد الصالحي – قصيدة النثر… مجلة نزوى- ع 10 ص 80.

23- علوي الهاشمي.سابق ص 52.

24- من نتائج إطلاق مصطلح (قصيدة النثر) على عموم (شعرالنثر) هذا الكلام الذي يعلنه صاحبه كأنه اكتشاف: (كنت أقلب صفحات معجم كادون للمصطحات الادبية فوقع نظري على مصطلح يشغلنا كثيرا هو (Prose Poem) (قصيدة النثر) فرأيت ان انظر في هذه المادة لعلها تعين على فهم هذا النمط من الكتابة التي تختلف فيه الآراء: قصيدة النثر تأليف يطبع على صورة النثر، ولكنا يتميز بعناصر معروفة في (الشعر، مثل الايقاعات المبتكرة المحكمة، صور الكلام، الموسيقى، الموسيقى الداخلية، السجع، الجناس، الصورة المنشأة".. هل تلاحظ معي ان كثيرا مما ينشر في بلادنا لا يطبع على صورة النثر؟) – مجدي احمد توفيق – بصر وبصيرة: دراسة علت بديوان محمد الحمامصي: لا أحد يدخل معهم – إصدار جماعة نصوص 9 يناير 1996 ص 63.

25- ابن منظور – لسان العرب – دار المعارف – مصر –  ص 3643.

26- المصدر السابق ص 3643.

27- محمد الصالحي – قصيدة النثر – مجلة نزوى – ع 10 ص 9.

28- لسان العرب – ص 3643.

29- عن: محمد ديب – الجنس الأدبي بين الموهبة الفردية والرافد الغربي – مجلة علامات – يونيو 1994 – ص 147.

30- أنسي الحاج – لن –  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع – بيروت ط 2 ص 18.

31 – د. غالي شكري – ثقافتنا بين (نعم) و(لا) – الهيئة العامة لقصور الثقافة. القاهرة – يوليو 1991 – ص 143.

32- في حوار معه، بمجلة (نصف الدنيا) – عدد 17 اكتوبر 1993 – ص 67- 68.

33- سوزان بيرنار – (قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا) – ص 136.

34- في حوار معه بمجلة (الشعر) عدد 87 – صيف 1997 – ص 53

35- في حوار معه بمجلة (الكويت) – عدد 165 – يوليو 1997 – ص 35.

36- د. غالي شكري – ثقافتنا بين (نعم) و(لا) ص 75 – والمقال: مؤرخ بأكتوبر 1970.

37- د. ابراهيم حمادة – قصيدة النثر – مجلة القاهرة – العدد 73- 15 يوليو 1987 -الافتتاحية.

38- المرجع السابق.

39- شريف رزق – قصيدة من خارج الرحم – القدس العربي – 20 يناير 1997 + الحرس الوطني – السعودية – مارس 1997 ص 94.

40- انظر: أحمد درويش: عصيدة النثر مصطلح مقترح… جريدة الاهرام 9/8/1996- ملحق الجمعة – صفحة (ثقافة)..

41- انظر: د. أبوالفضل بدران – مديدة النثر… جريدة الاهرام – 9/6/1996/ ملحق الجمعة – صفحة (ثقافة)..

42- انظر مادة (النثر) في لسان العرب لابن منظور، وفي القاموس المحيط للفيروزابادي.

43- فاطمة الطبال بركة – الألسنية عند رومان جاكبسون – دراسة ونصوص – المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت – 1993 – ص 58.

44- سوزان بيرنار – قصيدة النثر – ص 241.

ملحق النصوص

الشعر الحر
أمجد ناصر

أثر العابر: (مختارات شعرية) دار شرقيات – القاهرة 1995

انطباعات خاطئة

من أعطى هذا الانطباع

عن بيوتنا الجديدة.

نحن الذين تركنا مصاطب الريحان

ورائحة القرفة ومضينا الى

حواف المياه؟

من قال لهم: إن حياتنا

في الجزر غير حياتنا

على البر الآخر؟

أصدقائي الذين ظلوا

يتطوحون بين ذوائب النساء

والمروءة المفتعلة،

تحدثوا كثيرا الى من صادفوهم في الشوارع

عن بيت الجديد.

أصدقائي، الذين ظلوا يحتفظون

بوصايا أمهاتهم،

حتى بعد أن جاوزوا الثلاثين

أمسكوا أناسا من الشوارع

وراحوا يحدثونهم عن بيتي الجديد.

من أعطى هذا الانطباع عن ثيابنا الجديدة،

نحن الذين خلعنا الصداري المزركشة

وأحزمة الخصر المجدولة من جلد الأفاعي

وارتدينا الحراشف؟

من قال لهم إن قمصاننا

في الجزر لم تكلح عن الابطين

كما على البر الآخر؟

أصدقائي الذين ظلوا يتلصصون

تحت الشرفات الواطئة

حتى بعد أن جاوزوا الثلاثين،

جلسوا في المقاهي

وراحوا يتحدثون الى المارة

عن ثيابنا الجديدة.

أصدقائي الذين أقلعوا عن الكتاب إلي،

ذهبوا الى جيراننا

وراحوا يحدثونهم عن قميصي الجديد

أصدقائي الذين ظلوا يكشفون

عن صدورهم ويشمرون عن زنودهم

رغم أنهم جاوزوا الثلاثين

ذهبوا الى أمي

وراحوا يحدثونها عن حياتي الجديدة.

                                        نيقوسيا 5/1985

 

سيف الرحبي

رجل من الربع الخالي دار الجديد – بيروت – 1993
ليل امريء القيس

ليل لا يمكنك أن تقطعه بمنشار

أو تعتقله في كأس

ليل ثعلبي المزاج

أحيانا يشبه مهرجا في ساحة عامة

وينزلق أملس كفراء العروس

ليل العرافات وسائق الشاحنات

لم يرخ سدوله بعد

لكنه أوعز الى مخلوقاته بالنميمة

الغرباء يطلون من شرفاتهم أمام البحر

والسفن غارت في ذاكرة البحارة

ليل غير قابل للاندحار

على شواطئه تلملم الصرخة

أشلاءها من فم الغريق

ليل وعر

وقد أرخى سدوله على عنق العالم

عقيل علي

جنائن آدم دار توبقال للنشر – المغرب 1990
امرأة

امرأة تنقرض في أفكاري

امرأة تترك مفاتيحها في صيحتي

امرأة أسحبها نحو الموجة،

فتسحب خلفها ذئبا يتكيء الأن على عويلي

امرأة لا تحصى

امرأة لا تكف عن قضم الواحات

شلو أنا .. يأكل شهرته الخالية

امرأة

تترك صيحتي مبعثرة في قصائدي

 

قصيدة النثر

بول شاوول

موت نرسيس – دار الحداثة بيروت – 1990

من : (موت نرسيس)

كل هذا الزمن السادر منك يا نرسيس، زمنك المسترخي في حاضر لا ينتهي، في حاضر لا يتزحزح ولا يصل باركا في فجوته الباردة . كل هذا التألق منك يا نرسيس، ماؤك منك شمسك منك. هواؤك منك. لا يملك عصفور أن يسقط ريشه على حصارك الجميل، لا تملك امرأة أن تخدش حضورك الشاسع . افتح حواسك على حواسك، عينيك على عينيك، كفيك على كفيك، ذاكرتك على ذاكرتك، فهناك الكنوز الأبدية، كنوزك، أنت الأب والابن والزوج والزوجة والبرعم. والوردة والثمرة والحديقة الذكر والأنثى، الأول والأخير، البتول، الأبدي، مصونا في برجك العاجي كعذارى الملاحم، لا يدرك صوت، لا تستبيك إشارة ولا يغري فمك الخالد فم فان، فاستو على عرشك الأوحد يا نرسيس، اغسل بجمالك مراياك التي تملأ العالم، من أقصاه الى أقصاه، وانثر الزهر والعطور على وجهك المطمئن وجهك الثابت خلف قسماتك المطمئنة المتوهج في انتصاراته الخالدة .

19/ 10/1982

هذا الضوء البعيد يا نرسيس ليس ضوءك لكن عينيك مفتوحتان كشهوات الغابة، هذا الصباح القوي ليس صباحك يا نرسيس، لكنك تملأ نوافذه بجسدك. هذا المساء يأتي وليس مساءك لكنك تنتفض بكل رمالك ونباتك تحت أجنحته الشاسعة، هذا الهواء تعرفه الشجرة التي لا تعرفها والطيور التي لم ترها والصدور العالية التي لم تضمها، لكنك كم تتبع خجله الأخضر، لكنك كم تتنفس في عريه الواسع في عريه القريب، في عريه المجهول وترسل دمعك معه الى حيث لا تعرف يا نرسيس الى حيث لن تصل .

 

بسام حجار

حكاية الرجل الذي أحب الكناري

دار الجديد – بيروت – 1996

من: (حكاية موتى)

كلما أرخيت جسمي وأسلمته الى الوهن الغامض الذي يساكنه منذ بعض الوقت، أحسست بأنه يتلاشى كأن في الفراش الصلب من تحتي ثقبا يتسرب منه الجسم الذي أصبح وهنا خالصا، الى غور أجهله. لذلك اعتدت أن أبقى صاحيا ما استطعت، فلا أغفو إلا إذا نامت زوجتي على السرير بجانبي وحين أسمع أنفاسها المنتظمة أدرك جيدا أنني ما زلت على قيد الحياة. ولذلك أيضا لا أتوقف عن التجوال بين الغرف والرواق والمطبخ جيئة وذهابا، ولا يستوقفني في رحلتي بين الجدران إلا النافذة لهنيهات، أسرح نظري المتعب الى أقصى ما يصل اليه قبل أن تغشاه دوائر سوداء متداخلة وينتابني دوار خفيف، فأستأنف السير بين الغرف، ويظن من يراني أن الضجر وقعدتي في البيت قد انهكا برود أعصابي ثم لا يلبث واحدهم أن ينصرف الى شأنه لأنني بلغت من الحياة ما ينبغي أن يقنعني أن الضجر ترف، لا بل خرف في مثل هذه السن.

ولكنني لم أضجر يوما.

بلغت سبعيني بعد أن صرفت أيامها، اليوم تلو اليوم.

ولم أضجر

كانت الأيام جميلة في معظمها وما كنت أطلب من الدنيا أكثر من ذلك، حتى أبي في ثمانينه كان يدخن أربعين سيجارة في اليوم، ويمكن جالسا على افريز حجري قبالة الباب ساعات لا تنتهي إلا حين يخلد الى النوم، ويضع تحت وسادة سريره نصف رغيف من الخبز الأسمر، وبجانبه كوب ماء، هو أيضا لم يضجر، غفا ذات يوم ولم ينهض في الصباح. وقبل أن نستدعي طبيب المستشفى الحكومي القريب تفقدنا نصف الرغيف، وجدناه كما هو وكوب الماء، لم ينتقص قطرة، وقلنا في سرنا، قبل أن يخبرنا الطبيب، إنه فارق الحياة. قبل منتصف الليل، قبل أن يأكل الخبز ويشرب الماء.

أصبحت لا أنام

أغمض جفني بقوة على صورة واحدة، أحفظ تفاصيلها جيدا خلال النهار، أثناء سيري بين الغرف، وأضيف تفاصيل أخرى، وتكون الصور التي لا تبارح رأسي الى أن يحين موعد رقادي. أغمض جفني بقوة وأروح أتنفس عمدا بنخير مسموع يؤلم رئتي أحيانا، وفي اعتقادي أنني لن أفارق الحياة مادمت أسمع أنغامي.

 

وديع سعادة

بسبب غيمة على الأرجح

دار الجديدة –بيروت – 1992

من (لحظات ميتة)

بين غرفة النوم وغرفة الجلوس ترتفع يدي لترتب شعري. مسافة قصيرة مع ذلك يخيل الي أن شاحنات سريعة وأصواتا غريبة تقطعها، ويجب فعل أي شيء للوصول الى مقعد، أمرر يدي على شعري وهي التي لا تحمل شيئا يمكنها بسهولة أن ترتفع اليه، شعري طويل وككل الذين ينامون يتشعث في الليل، غير أني أمرر يدي عليه دائما، ليبقى صديقي، يصبح العالم أجمل هكذا، حين يكون الشعر صديقا، العالم قريب من القلب مع الأعضاء الصديقة، حين تحبك أعضاؤك ينقص عدد الأعداء، حتى أظافرك التي تجمع الغبار، تكون تجمع شيئا محببا.

أتقدم خطوتين وأصل الى النافذة، لا يزال العمال أنفسهم والاسفلت والسيارات، والقطة تنام في الزاوية، أصوات تصل الى من وراء الزجاج وأشعر أنها أصوات جميلة، حتى الناس يبدون رفيقين من بعيد.

ماذا سأفعل اليوم؟ ليس في نيتي فعل شيء ولست مضطرا لعل شيء، يمكنني على الأرجح أن أعقد صداقة، من هنا من وراء الزجاج، مع هؤلاء الناس في الشارع لايزال النهار في أوله ويضع دقائق من الصداقة تكفي اليوم، بعد ذلك يجب أن أخرج الى الشرفة وأسقي الزهور، ويجب ربما، أن أتمشى قليلا في المدينة، وأجلب قنينة عرق.

النافذة مقفلة وأنا رجل قصير وراءها طوله 165 سنتيمترا، ويعقد صداقة مع شارع طويل يمرر يده بين وقت وآخر على شعره، وما يسقط منه يحمله ببطء ويرميه في القمامة، رجل هاديء حتى أنه بين غرفة النوم والمطبخ يتوقف مرارا ليسهو أو ليستريح، يلف سيجارته على مهل، يشيل التبغ الزائد من طرفيها، ينظر الى الولاعة لحظة ثم يخفض رأسه ويشعلها.

أشعلت سيجارة ولهوت بدخانها، كل شيء هاديء حتى الهرة الصغيرة في زاوية الشارع لا تنظر إلي، كل شيء في هذه الغرفة منذ سنوات وبت أعتقد نفسي جدارا وإذا خرجت ستهبط. أحيانا أفكر أن حديد الغرفة من عظامي. لكن عظامي رقيقة وهشة ولا ريب أن هذا الجسد محمول بدعائم أخرى. كيف مشت معي هذه العظام سنوات دون أن أسمع أزيزها أو أرى انهيارها المفاجيء على الطرقات؟ غير أني وحيد تماما، ولذلك يخف وزني.

لماذا أتذكر أبي الآن؟ كنت طفلا حين أوصلته الى القبر، لكنهم كانوا ينظرون إلي وكان من اللياقة أن أشيخ أمامهم، هؤلاء الذين أعتقدت أنهم يحبونني لم يفعلوا شيئا من أجلي. لم يقولوا لي أن أذهب وألعب مع الأولاد. ظلوا يحدقون بي حتى طالت قامتي وحملت معهم الجثمان الى القبر، كان مقفلا بمسامير، أليس أكثر لطفا أن يردوا الغطاء على الموتى بهدوء كلحاف ناعم اعتادوه في بيوتهم؟ علبة التبغ على الطاولة أمامي ويكفي أن أحرك يدي قليلا، لكن يخيل إلي أنها يد فرغت من الدم، وإذ تتحرك أحيانا فبزخم حركة قديمة. العمال أمامي لا يكفون عن الحركة بخفة من تأكد له أنه يستأثر بدم الحياة، حاولت أن أقنع نفسي بأن الأعضاء المتحركة شيء جميل وأن للرجل عادة عروقا صغيرة يجري فيها دم نقي، لكنه شيء مقيت أن تكون مثل آلة ضخ، هكذا مع سائل رتيب كل العمر، كم ليس عنده شيء ليفعله.

 

النثيرة

ظبية خميس

القرمزي – مطبوعات الظبية –القاهرة 1995
تورية

أملأ مخيلة الفراغ بك

أسكبك ذهبا في الوقت

تخرج من دوائر الدخان

أنظرك في المرآة

لا شيء يلتمع اللحظة

حتى عيناك

مطفأ في منتصف الفراغ

بينك وبين الحق صحراء من التحديق

في غرفة الظلام أزج بك

أتوهم أنك لن تكبر من جديد

شبح تكون لذكرى قديمة

تتوارى كي لا تسحبها تيجان الملكات

الى العرض المتكيء على جدران القلب

7 نوفمبر 1993

 

لينا الطيبي

شمس في خزانة

منشورات (ل.ن) لندن
يوم قوس قزح

وحدي في منزل

كطيف لم يخط صداه

وحيدة كالشمس

كالعنكبوت سكان الزاوية

كالمطلقة

وحدي في منزل

بيني وبين الليل خيط

قرأت نفسي

ارتجلت كلمة عزاء

غيرت حذائي

ثيابي

فرشاة أسناني

وحيدة كيوم قوس قزح

 

رشيد الضعيف

أنسي يهو مع ريتا

المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع
ولادة

خرج أنسي من قعر الماء ومضى نحو المدينة فالتقى امرأة فقال لها: لازلت خارجا من الماء ولا والدة لي فأنت والدتي، فقالت له: ولكني لم الدك فقال : لديني، فقبلت لكنها أوضحت له أنها لا تستطيع ذلك إلا إذا عانقها رجل، وأشارت عليه برجل تحبا فتابع أنسي طريقه وقال لأول رجل التقي به لم يبق علي ليتم كل شيء إلا أن أجد والدا ل، فأنت والدي ثم أنحل فيه واختفى، عانق الرجل المرأة فحبلت ثم وضعت طفلا ذكرا أسمياه أنسي … (ص 9)

 
 
شريف رزق (شاعر من مصر)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …