أخبار عاجلة

المناظرة الاستقرائية بيكون إزاء بوبر

إنّ هدف هذا الدراسة هو البحث في التفاعل القائم بين نظريّات المنهج العلميّ (بما فيها المنطق) والتطوّرات الحاصلة في ميدان الذكاء الاصطناعيّ في العشرين والثلاثين سنة الأخيرة. الموضوع الأول الذي سأدرسه بالتفصيل هو العلاقة بين الجدل المستديم الذي يَخُص المنهج العلميّ (المناظرة الاستقرائيّة) وبعض النتائج الحديثة في مَيدان التعلّم الآليّ. سنعرض في هذا الفصل النقاش القائم بين الاستقرائيّين المتمثّلين بالسير فرانسيس بيكون كما هو متعارف عليه، وخصومهم المتمثّلين بالسير كارل بوبر. يا لها من صدفة غريبة أن تكون هذه المبارزة الفكريّة بين فارسَين إنكليزيّين! سأحاول أن أعرض هذه المناظرة، بالقدر الذي يتيحه تَخصّص هذا الفصل، مستخدماً مناهج التاريخ وفلسفة العلوم(1) المعهودة.
1.1 مذهب بيكون الاستقرائيّ
لقد طوّرت نظريّة الاستقراء في المذهب العلميّ (المذهب الاستقرائيّ) في البدء، على يد سير فرانسيس بيكون (1564- 1626). وقدم بيكون نظريته في أعمال عديدة إلّا أنّ أشهر معالجاته لهذه المسألة تظهر في كتاب الأورغانون الجديد Novum Organon الصادر سنة 1620 والذي سأستشهد به. إنّ مُجمل كتابات أرسطو في المنطق جُمعت في كتاب حمل عنوان الأورغانون (التي تعني حرفيّاً أداة)؛ وبالتالي فقد كان كتاب بيكون الأورغانون الجديد يهدف إلى تخطي أرسطو كأداة للتعقّل. لقد اعتقد بيكون في الواقع بأنّ المناهج الجديدة التي اقترحها ستكون أكثر خصوبةً من المناهج التي كان يستخدمها اليونانييون القدماء ومفكرو العصور الوسطى في ميدان التطوّر العلميّ والتقانة.
إنّ الفكرة الأساسيّة في المذهب الاستقرائيّ هي في غاية البساطة. على العالِم الذي يتّبع هذا المنهج أن يقوم بعددٍ كبيرٍ من المشاهدات الدقيقة. ومن ثمّ، عليه أن يستخرج القوانين من مجموع هذه المشاهدات بآلية تعرف بالاستقراء. كما تشير إليه التواريخ (1564-1626) فقد كان بيكون معاصراً لشكسبير. لا بل أكثر من ذلك، هنالك نظرية تزعم أنّ بيكون هو مؤلف مسرحيّات شكسبير وكتاباته الفلسفية. بيد أنّ وجهة النظر هذه لم تعد تؤخذ على محمل الجد من قبل الأكاديميين الحاليين. إلّا أنّ هذا لا ينكر حقيقة أنّ بيكون كان في الواقع معاصراً لأعظم صفوة الأدب الإنجليزيّ، وأنّ أسلوبه الأدبي يتميز بألمعية نادراً ما نصادفها في الكتابات الفلسفيّة. بهذا التشبيه الجدير بالذكر قدم بيكون نظريته الاستقرائية في المنهج العلميّ:
«لقد شرب رجال آخرون في مسائل العلوم، في العصور القديمة والحديثة منها، شراباً فجًّاً كالماء، إمّا متدفّقًاً من الملكة الفاهمة على نحوٍ عفويّ، وإما مرفوعاً بواسطة المنطق، كما يُرفع الماء بالدواليب من البئر. في حين أنّني أتعهد الجنس البشري شراباً مصفّى من كروم لاتُحصى، من كروم يانعة وناضجة بالكامل، تمّ جمعها في عناقيد، ومن ثم وُضِّبت وعُصرت في المعصرة، وأخيراً يُكرّر ويُروَّق في الخابية.» (بيكون 1620: 297-8)
هنا فإنّ «كروم لا تُحصى…ناضجة بالكامل، تم جمعها في عناقيد» هي المشاهدات العديدة التي يُعصر منها عصير نبيذ العلْم. ولكن كيف يتمّ بالتحديد استخراج القوانين العلميّة من المشاهدات؟ يقول بيكون بكل وضوح إن هذا الإجراء يجب أن يكون ميكانيكيّ الطابع. كما يقول في مقدّمة كتاب «الأورغانون الجديد»:
«هنالك سبيل واحد لاستعادة حالةٍ سليمة ومتينة، أي أن تستهلّ ملكة الفاهمة عملها كلّه من جديد وأن لا يُـترك الذهن من البدء أن يأخذ سبيله وأنما يكون موجّهاً بكل خطوةٍ يقوم بها: وأن يتمَّ العمل كما لو أنّه يُـنفَّذ بآليّة» (بيكون 1650:256).
يقارن بيكون في تشبيه آخر من تشابيهه المدهشة فائدة منهجيّته الجديدة في العلم بفائدة البركار في رسم دائرة. يستحيل عمليًّاً حتى على أبرع الرسامين رسم دائرة تامّة يدويًّاً، لكنه بإمكان أيٍّ كان رسم دائرة تامّة بواسطة البركار. لزم عن هذا الامر نتيجة طبيعية واحدة كانت السبب في امتعاض الكثيرين من قرّاء بيكون. ويعتقد بيكون أنّه في حال اتباع منهجيّته الميكانيكية سيصبح العلم عملاً روتينيًّا لا يتطلّب ذكاءً خاصّاً أو ابداعاً معيّناً. يقول في هذا الصدد:» لا يترك التوجه الذي أقترحه لاكتشاف العلوم إلّا القليل لحدَّة الفطنة وقوتها، لا بل تضع الفهم والفطنة على مستوى واحد تقريباً. فمثلما يَعتمد رسم خطّ مستقيم أو دائرة تامّة على ثبات وممارسة اليد إذا ما تمت بواسطة اليد المجرّدة، لكنها لا تعتمد إلا قليلاً أو البتة إذا ما تمت بواسطة قاعدة او بركار؛ وينطبق الأمر عينه على خطتي» (بيكون 1620:270).
سأتمعّن لاحقاً، في بعض تفاصيل الخطة التي يقترحها بيكون من أجل تحقيق الاكتشافات العلمية ميكانيكيّاً. أما الآن سألحظ بكل بساطة أن بيكون يشير إلى هذا الإجراء بالاستقراء. يؤكد بيكون في خطة عمله عزمه التقيّد بالاستقراء في سياق هجومه على العُقم الذي أصاب قسماً من المنطق الأرسطي، أي القياس:
«وبالتالي أرفض القياس … قضايا وسطى … تلك التي تُستحصل من دون شك بواسطة القياس والتي عندما يُحصل عليها تكون أعمالاً عقيمة، بعيدة عن الممارسة وغير متوفرة لقسم العلوم الناشط … استخدم الاستقراء دائماً في التعامل مع طبيعة الأشياء… بالنسبة إلي اعتبر الاستقراء صورة البرهان تلك التي تقبض على المعنى وتنتهي مع الطبيعة…
وبالتالي يستتبع مِمّا سبق أنّ نظام البرهان سيكون معكوساً أيضاً… تكمن خطّتي في التقدّم من أكسيومة إلى أخرى بشكل منتظم وتصاعديّ، بحيث لا يتمّ التوصّل إلى الأكسيومات الأعمّ إلّا في آخر المطاف؛ وحين نتوصّل إليها نجد أنّها ليست مدلولات خالية وإنّما مدلولات مُحدّدة جيّداً بنحو يُمكن للطبيعة أن تتعرّف إليها لأنّها تُشكِّل بالواقع مبادئها الأولى، وتكون محدّدة كما لو أنّها كامنة في قلب الأشياء وصميمها.» ( بيكون 1620:249)
يشدّد بيكون أيضاً على أنّه يريد تغيير «صورة الاستقراء ذاتها»، ممّا يُمكّننا الاصطلاح على تسمية صورة الاستقراء الخاصّة به بالاستقراء البيكونيّ أو الاستقراء الميكانيكيّ. يـُـفترض بهذا النوع من الاستقراء أن يكون منهجيّة ميكانيكيّة لاستخراج القوانين العلميّة من مَجموعة معطيات كبيرة تُجمَع مُسبقًاً. ولكن، هل يوجد في الحقيقة منهج كهذا على الإطلاق؟ أنكر بوبر وجود مثل هذا المنهج، واقترح رصيداً مختلفاً في كيفيّة إنجاز الأبحاث العلميّة. سأعطي قِسطاً مختصراً من آراء بوبر هذه في القسم التالي.
1.2 مذهب بوبّر التكذيبيّ
لقد خالف بوبر جذريّاً كل آراء بيكون التي استعرضتها(2) حتى الآن. أولاً، أنكر بوبر وجود شيءٍ مثل الاستقراء بمعناه البيكوني. في هذا الصدد قال بوبر بشكلٍ قاطع:» إنّ الاستقراء بمعنى الاستدلال المبنيّ على مشاهدات عديدة هو خرافة. فهو ليس واقعاً نفسانيّاً ولا واقع حياة عاديّة ولا حتّى واحداً من الإجراءات العلميّة» (بوبر 1963:53). من بين الأفكار الاساسيّة في المذهب الاستقرائيّ أنّه يتوجّب على العالِم قبل محاولته الاستدلال على قانون أو تعميم القيام بعددٍ كبيرٍ من المشاهدات. بمعنى آخر، وفقاً لأتباع المذهب الاستقرائيّ، يجب على المشاهدة أن تسبق النظريّة. يعترض بوبر على ذلك بقوله إنّ المرء لا يستطيع أن يشاهد الأشياء ببساطة ومن دون خلفيّة نظريّة. يضع بوبر حجّته على الشكل التالي:
« لا يزال يحظى الاعتقاد بأنّ العلم يبدأ مع المشاهدة ويصل الى النظريّة، بتأييد شديد وعلى نطاق واسع لدرجة أنّه غالباً ما قوبل إنكاري لذلك الأمر باستهجان. لقد حامت حولي الشبهات بسبب موقفي هذا لدرجة اعتباري غير جديّ كوني أنكر ما لا يمكن لأحد بكامل حواسه أن ينكره.
غير أنّ الاعتقاد بأنّه يمكننا أن نبدأ من المشاهدات المحضة وحدها، دون أي شيء ذي طبيعة نظريّة، هو أمر عبثيّ، وربما يتّضح ذلك من خلال قصة الرجل الذي وقف حياته للعلم الطبيعيّ ودوّن كل ما استطاع مشاهدته، ثم أوصى بأن تورَّث تلك المجموعة من المشاهدات القيّمة للجمعيّة الملكيّة للعلوم بإنجلترا لتُستخدم كدليل استقرائيّ. تظهر لنا هذه القصة أن جمع الخنافس قد يكون مفيداً، في حين أنّ جمع المشاهدات قد لا يكون كذلك.
منذ خمسة وعشرين عاماً حاولت أن استجمع الفكرة نفسها لمجموعة من طلاب الفيزياء في فيينّا حين بدأت المحاضرة بالتعليمات التالية: أُمسك قلماً وورقة، شاهد بدقَّة، ثُمّ دوّن ما شاهدته!» وبطبيعة الحال سألني الطلاّب عما أريد منهم أن يشاهدوه. من الواضح أن تعليمة «شاهد!» هي عبثيّة… فالمشاهدة دائماً ما تكون انتقائية، وتحتاج إلى موضوع مُختار ومهمّة، واهتمام معين، ووجهة نظر وإشكاليات» (بوبر 1963:46 )
يُفترض أن ينطبق الأمر عينُه لو عدنا الى بدايات العلم أو بداية حياة الإنسان الفرد. يُجادل «بوبر» أنّه لم يتطور شيء مثل العلم الحديث في بلاد اليونان القديمة إلّا من خلال نقد وتعديل صورة أسطوريّة أقدم عن العالم. كما أنّ الأطفال المولودين حديثاً لا يملكون عقولاً فارغة. لا بل عقولاً تحتوي على توقّعات فطريّة نتيجة الوراثة الجينية. بيد أنّه على حدّ تعبير بوبر، يُمكن لهذه التوقّعات أن تُخذل. يتوقّع الطفل المولود حديثَاً أن يُـطعَم لكن يُمكن أن يـُـترك ليتضوّر جوعاً.
قادت هذه الاعتبارات بوبر إلى رصيد آخر في المنهج العلميّ قدّمه كبديلٍ عن المذهب الاستقرائيّ. هذه هي نظريته المعروفة بـ«حدوس افتراضية و دحوض» أو المذهب التكذيبيّ. لا يبدأ العلم في تقصّي البحث هذا من المشاهدات، كما يدّعي أتباع المذهب الاستقرائيّ، وإنما يبدأ من الحدوس الافتراضية. ومن ثَمّ يحاول العاِلم دَحْضَ (أو تكذيب) هذه الحدوس الافتراضيّة من خلال النقد والفحص (الاختبار والمشاهدات). فالحدس الافتراضيّ الذي يصمد أمام عدد من الفحوص الصارمة يـُـقْبَل على نحوٍ مؤقتٍ فقط. لأنّه من الممكن أن ينهار أمام الفحص والمشاهدة التاليتين. يجب أن يتمّ التخلّي عن أي حدسٍ افتراضيٍّ تَمّ دحضه (او تكذيبه) وعلى العلماء آنذاك معالجة الوضع إمّا بتعديل الحدس الافتراضيّ القديم أو عبر إنتاج حدس افتراضيّ جديد. يخضع الحدس الافتراضيّ الجديد أو المعدّل بدوره الى النقد والفحص، بحيث أنّ العلم ينمو ويتقدّم عبر سلسلة لامتناهية من الحدوس الافتراضيّة والدحوض.
هنالك فارق إضافي بين بيكون وبوبر فيما يخص مسألة كيفيّة تحصيل النظريات المخمّنة. لقد تمنّى بيكون كما رأينا سابقاً إمكانيّة توليد النظريّات العلميّة من المشاهدات ومن خلال عمليّة ميكانيكيّة ما، الأمر الذي «يضع الفهم والفطنة على مستوى واحد». في المقابل اعتقد بوبر أن النظريّات العلميّة (أو على الأقل النظريات المثيرة للاهتمام) هي نتيجة تفكير خلاّق لعالِم مبدع كأينشتاين ينطوي على حدس غامض ما ربما يكون باستطاعة علماء النفس أن يبحثوا فيه، لكنه بالتأكيد أمر لا يمكن اختزاله بإجراء منطقيّ ما . عرض «بوبر» وجهة النظر هذه على النحو التالي:
«حدّدنا مهمّة الباحث العلميّ بوضع النظريّات وبالتحقّق من صحّتها. ولا يبدو لنا أنّ النصف الأوّل من هذه المهمّة، وضع النظريات، قابل أو محتاج لتحليل منطقي: إنّ من شأن علم النفس التجريبيّ الاهتمام بالسؤال عن كيفيّة هبوط الأفكار على الناس، سواء تعلّق الأمر بإيقاعيّة موسيقيّة أو بنزاع في الدراما أو بنظرية علمية، ولكنّ هذا الأمر لا يرتبط بالتحليل المنطقي للمعرفة العلمية. إنّ نظرتي في هذا الموضوع هي أنّه لا وجود لشيءٍ مثل منهج منطقيّ للحصول على أفكار جديدة أو مثل إعادة بناء منطقيّ لهذا الإجراء. يمكن التعبير عن نظرتي هذه بالقول إنّ كلّ اكتشاف يتضمّن «عنصراً لاعقلانيّاً»، أو «حدْساً خلاّقاً» بالمعنى البرغسونيّ. على نحوٍ مماثل يتكلم أينشتاين عن «البحث عن تلك القوانين الكليّة العالية… حيث يـمكن الحصول على صورة عن العالم بواسطة الاستنباط المحض. فلا يوجد طريق منطقيّ، يضيف، «يقودنا إلى هذه… القوانين. فلا يـُمكن التوصّل إلى هذه القوانين إلاّ من خلال الحدْس المبنيّ على شيءٍ مثل التعاطف الفكريّ (Einfühling) لموضوعات التجربة» (بوبر 2 -1934:31 )
تكمن إحدى السمات المثيرة للاهتمام عند كارل بوبر في ميله إلى تقليص الهوّة بين الفنّانين والعلماء التي طالما ساد الاعتقاد بوجودها. يذكر كارل بوبر عدداً من الفنّانين القدوة، موسيقيين وكتاب مسرح دائماً ما اعتبرت أعمالهم نتاج استخدامهم الثاقب لقدراتهم الخلاّقة المشتملة على بعضٍ من الغموض وربما على بعضٍ من اللاّعقلانيّة والحدْس أيضاً. أما العلماء، فطالما شوهدوا في الجهة المقابلة ربما بسبب الأثر الذي تركه بيكون في كونهم انبثاقاً لمنهجيّاتٍ أكثر رتابة وميكانيكيّة. على الرغم من ذلك، يعتقد بوبر أنّ الحدْس الغامض والإبداع يُشكّلان ضرورة للعالم بقدر ما يُشكّلان ضرورة للفنان القدوة. فبهاتين الوسيلتين فقط يمكن للعلماء إنتاج الحدوس الافتراضيّة الجديدة التي يحتاجها العِلم من أجل المضيّ قدماً، كما يزعم بوبر.
هذه هي إذاً نقاط التباين الرئيسيّة بين المذهب الاستقرائيّ (بيكون) والمذهب التكذيبيّ (بوبر) . كيف يمكننا إذاً أن نقرّر بين هاتين الرؤيتين للمنهج العلميّ؟ بالطبع، إنّ هدف الكتاب الحالي هو النظر في الضوء الذي يمكن أن تسلّطه الدراسات الحديثة في ميادين الذكاء الاصطناعيّة على هذه المناظرة. رغم ذلك، وبدل من الشروع مباشرة بهذه المهمة، سيكون من المفيد أن نأخذ بعين الاعتبار منذ الفصل الأول للكتاب منهجيّةً تقليديّة في وزن مزايا النظريّتين المتنافستين في فلسفة العلوم. إنّها منهجيّة تحليل حالات تاريخيّة معترف بها بشكل عام على أنّها حالات علم جيّد من أجل رؤية ما إذا كانت حالات العلم الجيّد هذه تتوافق مع النظريّات العلميّة المنظور فيها أو لا. انسجاماً مع هذه المقاربة سنأخذ بعين الاعتبار في القسمين التاليين حدثَين مشهورَين في تاريخ العلوم لمعرفة ما يخبروننا به عن النـزاع البيكوني – البوبري. إنّ المثلان المنتقان هما على صلة وثيقة بمادة الذكاء الاصطناعيّ الذي سننظر فيه لاحقاً.
لقد نوقش المثل الأول (اكتشاف كيبلر لقوانين حركة الكواكب) بشكل واسع من وجهة نظر الذكاء الاصطناعيّ من قبل سايمون وفريقه. سنتطرق إلى وجهات نظرهم هذه في الفصل الثاني. أما المثل الثاني (اكتشاف عقاقير السولفوناميد) فهو مرتبط إلى حدٍ ما بالاستخدام العلميّ لبرنامج للتعلّم الآلي الذي سننظر فيه أيضاً في الفصل الثاني (3)
1.3اكتشاف كيبلر لقوانين حركة الكواكب
اكتشف كيبلر ثلاثة قوانين لحركة الكواكب(4) يمكن عرضها كما يلي:
1- كل الكواكب تدور في مدار إهليجيّ (قطع ناقصة)، تحتلّ الشمس إحدى بؤرتيه.
2- الخطّ الواصل بين الكوكب والشمس يمسح مساحات متساوية في أزمنة متساوية.
3- D3/P2 = ثابت للكواكب كلّها حيث D هي بُعْد الكوكب عن الشمس وP هي زمنه.
تَمّ نشر القانونين الأول والثاني في كتاب علم الفلك الجديد Astronomia Nova الصادر عام 1609، والقانون الثالث نشر في كتاب تناغمات العالم Harmonies Mundi في عام 1619.
إنّ الأحداث التي أدت الى هذه الاكتشافات هي باختصار كالتالي. قام عالم الفلك الدنماركيّ تيخو براهي بين عامي 1576 و1597 بإجراء سلسلة طويلة من المشاهدات الفلكيّة الدقيقة وبالتحديد مشاهدات لحركة الكواكب. لم يكن قد تَمّ اختـراع المقراب آنذاك بعد، لكن مشاهدات تيخو براهي كانت الأكثر دقّة بين تلك التي تمّت بالعين المجردة. غادر تيخو براهي عام 1597 الدانمارك إلى براغ ليصبح عالم الرياضيّات الإمبراطوريّ في بلاط الإمبراطور رودولف الثاني، حيث اتّخذ من جوهانس كيبلر مساعداً له عام 1600.
أخذ كيبلر على عاتقه مهمة حلّ مسألة مدار المرّيخ من معطيات تيخو براهي. فقد ظنّ كيبلير في البدء أنّ الأمر قد يستغرق أسبوعاً واحداً. في الواقع أمضى كيبلير أكثر من ست سنوات في البحث قبل أن يتوصّل إلى أنّ مدار كوكب المريخ هو مدار إهليجيّ.
للوهلة الأولى، تبدو هذه الحالة وكأنها مثال كلاسيكيّ عن المنهج الاستقرائي. فقد دأب تيخو براهي على القيام بسلسلة طويلة من المشاهدات الدقيقة لكوكب المريخ. ومن ثَمّ استدلّ كيبلر بالأسلوب الدقيق وبذل الجهد عينه من تلك المشاهدات التي جمعها «براهي» على أنّ مدار كوكب المريخ هو إهليجيّ. فما الذي يُمكن أن يقوله عن هذا المثل أحد مناهضي الاستقراء مثل «كارل بوبّر» ؟
يُشدّد بوبّر، كما سبق أن رأينا، على الحاجة إلى خلفيّة نظريّة مهمّة من أجل إجراء المشاهدات، وبالفعل توجد خلفيّةٌ نظريّة مهمّة جدّاً وراء رَصْدِ تيخو براهي للأفلاك. فقد نـُـشرت نظريّة كوبرنيكوس الجديدة عن الكون في عام 1543. وبحلول سبعينيّات القرن السادس عشر، ثار جدل نظريّ كبير في مجال علم الفلك بين مؤيّدي وجهة النظر الأرسطيّة البطلميّة القديمة القائلة بأن الأرض تقع في مركز الكون وأنّ الشمس تدور حولها، وبين مؤيّدي نظرية كوبرنيكوس الذين اعتقدوا أنّ الشمس تقع في مركز الكون وأنّ الأرض تدور حولها. كانت مشاهدات تيخو براهي وثيقة الصلة بهذا الخلاف النظريّ. بشكل أساسيّ فقد احتوى تقسيمه للأجرام السماويّة إلى نجوم وكواكب على تصنيفٍ نظريٍّ. جاء هذا التصنيف بالطّبع مختلفاً عن تلك التي جاءت في النظريّتين المتنافستين. كانت النظريّة البطلميّة تقول بأن الكوكب هو جُرْم سماويّ يدور حول الأرض وليس نجماً ثابتاً، لذلك كانت الشمس تـُعدّ كوكباً، في حين أنّ الأرض لا تـُعدّ كذلك. أما نظريّة كوبرنيكوس فكانت ترى أنّ الكوكب جُرْم يدور حول الشمس وليس نجماً ثابتاً، وبالتالي وفقاً لهذا التفسير، أصبحت تـُعد الأرض كوكباً في حين أنّ الشمس لم تَعُدْ تُحسب كذلك.
وبالتالي تكون مقاربة كارل بوبر صحيحة لناحية وجود خلفيّة نظريّة مهمّة خلف مشاهدات تيخو براهي. ومع ذلك، يبقى صحيحاً أنّ هذه المشاهدات سبقت بالفعل تنظير كيبلر وأنّ القسم الذي قاد كيبلر في هذا الإجراء إلى اكتشاف قوانينه كان دراسةً طويلةً ومتواصلة للمعطيات التي جمعها تيخو براهي. وبالتالي تنطبق هنا بعض سمات المذهب الاستقرائيً أيضاً.
يثير هذا الأمر المشكلة التالية: كيف تختلف مشاهدات تيخو براهي القيّمة عن المشاهدات العشوائيّة اللاّقيّمة والتي يسخر منها بوبّر في مثله عن الرجل الذي دوّن كل ما استطاع مشاهدته، ومن ثَمّ أوصى بتوريثه إلى الجمعيّة الملكيّة لكي يُستخدم كدليلٍ استقرائيّ؟ لقد أجبنا عن جزءٍ من هذا السؤال في ما سبق بحيث أنّ تيخو براهي أجرى مشاهداته في زمن كان الجدال النظريّ يتأرجح فيه بين النظريّة البطليميّة والنظريّة الكوبرنكيّة للعالم، وأنّ مشاهداته كانت على صلة وثيقة بهذا الجدال. هناك نقطةٌ أخرى جديرة بالذكر ألا وهي أنّ المشاهدات التي قام بها تيخو براهي كانت أيضاً على صلة وثيقة بمشكلةٍ عملية. ففي تلك الفترة، كانت التجارة والشحن تتطوّران بسرعة كبيرة ممّا أدّى بالطلب على جداول فلكيّة أفضل يُمكن استخدامها في الإبحار. وكان مصدر قسم كبير من مدخول الملك الدانمركيّ الذي كان يموِّل مرصد تيخو براهي يأتي من الضرائب المفروضة على السفن التي تَعبر مضيق الدانمارك الواصل بين البلطيق وبَحر الشمال.
لقد وضع كيبلر اكتشافاته الفلكيّة موضع الاستخدام العمليّ بتوظيفها في حساب مجموعة جديدة من الجداول الفلكية. وسمّيت هذه الجداول رودولفين نسبةً إلى سيّده الملك رودولف الثاني ونشرت عام 1627. أحرزت جداول رودولفين مستويات جديدة من الدقة تخطّت بالكامل الجداول الفلكية كلّها التي سبقتها وباتت تستخدم في الملاحة على الفور.
يبدو إذاً أنّ جَمْعَ المشاهدات هو أمر مفيد إذ كان واضحاً أنّ هذا «العنب البيكونيّ»… الناضج في موسمه» هو على صلة وثيقة بجدال نظريّ أو تطبيق عمليّ.
لنلتفت الآن إلى مظهر آخر لهذه المشكلة. لقد توصّل كيبلر من دون شكّ إلى قوانينه الثلاثة من خلال إجراء ما تَخلّلته دراسة دقيقة لمعطيات تيخو براهي. ولكن، هل استدلّ كيبلر على قوانينه بمنهجيّة معيّنة كالاستقراء البيكونيّ، وإذا لم يَستدلّ بالاستقراء البيكونيّ، فكيف حَصَلَ عليها إذاً ؟ سيكون ملائماً دراسة هذه الاسئلة المرتبطة باكتشاف كيبلر لقانونه الأول.

شكل 1.1 فرضيّة كيبلر الأولى

كيف اكتشف كيبلر إذاً أن كوكب المريخ يتحرّك في إهليج مع الشمس في بؤرة واحدة ؟ النقطة الأولى التي تحتاج إلى تأكيد هنا هي أنّ كيبلر استهل بحثه بعددٍ من المأخوذات النظريّة. فقد كان بالفعل مقتنعاً بآراء كوبرنيكوس، وبالتالي قام بربط مدار المريخ بالشمس عوضاً عن ربطه بالأرض. ومن المؤكّد أيضاً أنّه أخذ بأنّ الشمس مركز قوّة يتحكّم بحركة الكواكب. فلو أنّ كيبلر حاول ربط المريخ بالأرض بدلاً من ربطه بالشمس لما كان استطاع مطلقاً أن يكتشف المدار الإهليجي ذاك. وقد بدأ كيبلر أيضاً من مأخوذ نظريّ مفاده أنّ حركة الأجرام السماويّة إما أن تكون دائريّة أو مكونّة من عدد صغير من الحركات الدائرية. وهذه المأخوذة (التي رفضها «كيبلر» فيما بعد) كان قد أخذ بها علماء الفلك منذ عهد أفلاطون وأرسطو .
بناءً على هذه المأخوذات الخلفيّة من الافتراضات صاغ كيبلر فرضيّته الأولى:
إنّ مدار المريخ هو عبارة عن دائرة حول مركز م يَبعد عن الشمس ش وحركته منتظمة بالنسبة للنقطة ي.
بناءً على هذا الفرضيّة (الموضّحة في الشكل 1.1) يتحرّك الكوكب أسرع عندما يكون أقرب إلى الشمس انسجاماً مع الفكرة القائلة بأنّ الشمس مركز قوة تؤثّر في حركته.
كتب كيبلر 900 صفحة بخطّ صغير من مسوّدة حسابات متعلّقة بهذه الفرضيّة. بنى كيبلر فرضيّته هذه على أربع مشاهدات لوضعيّات متقابلة للمريخ، فتوافقت خلال دقيقتين مع عشر وضعيّات أخرى. عندها مضى كيبلر في اختبار هذا الفرض أمام مشاهدات إضافيّة لتيخو براهي، مِمّا أنتج انحرافاً بثماني درجات، وهذا ما دفعه إلى رَفْض فرضيّته الأولى.
بعد ذلك اختبر كيبلر تشكيل الحركة من دائرتين (فرضيّة ثانية). تَحرّك المريخ حول الدائرة الثانية (أو فلك التدوير) التي كان يدور مركزها على محيط الدائرة الأولى (أو الدائرة الناقصة). أنتج الجمع بين فلك التدوير والدائرة الناقصة منحنـى بيضاويّ الشكل يقع طرفه المسنّن في الحضيض الشمسيّ أي أقرب نقطة في مداره إلى الشمس، بينما يقع طرفه الواسع في الأوْج أي أبعد نقطة عن الشمس. مرّة آخرى لم يتوافق هذا الأمر مع معطيات تيخو.
لقد كانت فرضيّة كيبلر الثالثة متكافئة رياضيّاً مع إهليج، لكنّ كيبلر، عوضاً عن ذلك، حصل على منحنى غير ملائم بسبب خطأ رياضيّ. عندها، قام كيبلر باختبار إهليج (فرضيّة رابعة) فنجح هذه المرة وأدرك حينها أنّ الفرضيتين الثالثة والرابعة كانتا متساويتين.
والمذهل في عمل كيبلر بعد التدقيق في تفاصيله هو مدى ملاءمته لنموذج الحدوس الافتراضيّة والدحوض الخاصّ ببوبّر. لقد أنتج كيبلر سلسلةً من الفرضيّات ثم رفض كلّ واحدة منها على حدة إلى أن أصاب أخيراً النظريّة التي تتوافق مع المعطيات. فقد بدا كيبلر، دون شك، كأنّه «بوبّري فوق العادة» حين رفض فرضيّته الأولى الناجحة بسبب انحراف من ثماني درجات فقط. ومن المؤكّد أن بوبّر يستودع العلماء وبالأخصّ أولئك المستعدّين للتخلّي عن فرضيّاتهم أمام دليل مضادّ. وكان كيبلر يعلم أن تيخو براهي مشاهد شديد الدقّة والحذر، لذلك لم يفكّر في أن تحتوي معطياته على خطأ كبير مثل انحراف بثماني درجات. لذلك اعتبر كيبلر أنّ هذا الانحراف هو دحض لفرضيّته الأولى.
كيف توصّل كيبلر إلى صياغة فرضيّاته اللاّحقة ؟ لقد صاغ كيبلر، من دون أدنى شك، هذه الفرضيّات عن طريق إجراء بيكونيّ أو ميكانيكيّ. لننظر الآن إلى التحوّل الحاسم من الفرضيّة الأولى إلى الفرضيّة الثالثة. من المؤكد أنّه كان بإمكان كيبلر على أثر فشل الفرضيّة الثانية المحاولة للحصول على نتائج أكثر دقة ومتلائمة بواسطة استخدام أفلاك التدوير وإيكونات إضافيّة. وقد شكّل هذا التطبيق الممارسة السائدة بين كل علماء الفلك لما يقارب 2000 عام. عوضاً عن هذه الممارسة السائدة، أخذ كيبلر بعين الاعتبار منحنيات هندسيّة أخرى إلى أن توصل في آخر المطاف الى الإهليج. من المؤكد أن هذه الحادثة هي خير مثالٍ على تلك «الحدوس الخلّاقة» أو «العناصر اللاعقلانيّة» التي يتكلم عليها بوبر.
وبالتالي فقد احتوت صياغه كيبلر لفرضيّاته اللاّحقة على نوعٍ من «الحدْس الخلّاق» لكنها، ومن الناحية الأخرى، تضمّنت أيضاً دراسة دقيقة لمعطيات تيخو براهي. يبدو إذاً من غير الممكن إنكار احتواءها على بعض الإجراء الاستقرائيّ المبنيّ على المشاهدات. وبما أنّ هذه الإجراء لم يكن بأيّ حالٍ من الأحوال ميكانيكيّاً أو بيكونيّاً أقترح تسميته بــ الاستقراء الحدسي(5). بالطبع، إنّ كلمة «استقراء» وكلمة «حدس» هما كلمتان مبهمتان. إلاّ أنّني ساستخدمهما لوصف إجراء عقليّ بشريّ ينتج عند اكتشاف شيء جديد، بيد أنّ طابعه يبقى مبهماً وغامضاً، وحتى بالنسبة إلى الإنسان المعني بها. يُمكن مقابلة هذا التفكير الحدسيّ مع التفكير الرتيب والميكانيكيّ الذي توجّهه القواعد. يُمكن لتعقّل من هذا النوع الأخير أن يقوم به أي كمبيوتر يتّبع برنامجاً ما أو إنسان يستعمل ورقةً وقلماً، أما التعقّل الحدسيّ، كما سأسميه، فهو شيء إنسانيّ حصريّ. من المؤكد أنّه من الممكن أن يكون التعقّل الحدسيّ الإنساني ميكانيكيّاً، توجّهه قواعد، ويبدو الأمر غريباً وغامضاً فقط، لأنّ اتّباع القوانين ميكانيكيّاً يحدث دون أن يعيه الموضوع ويدركه. على الرغم من ذلك، فإنّه من غير الضروريّ لأهداف هذا الكتاب أن نبحث في ما إذا كان الأمر على هذا المنوال أم لا.
بهذا أختم تحليلي لاكتشاف كيبلر قوانين حركة الكواكب بتقديرٍ منقسمٍ بطريقة ما بين بوبّر وأتباع المذهب الاستقرائيّ. فمن دون شك، إن عمل كيبلر يُظهر سلسلة من الدحوض والحدوس الافتراضية الخاصّة ببوبّر، لكنّ مشاهدات تيخو براهي أجريت في الواقع قبل أن يأخذ تنظير كيبلر مكاناً له. هذه هي السمة الاستقرائيّة للمثل. أضف إلى ذلك أنّ كيبلر توصّل إلى فرضيّته، أو على الأقل في جزء منها، من خلال دراسة معطيات تيخو براهي. وبالتالي، فقد اشتمل على شيء من الإجراء الاستقرائيّ، على الرغم من أنّه كان، من دون أدنى شك، حدْساً إنسانيّاً وليس استقراءً ميكانيكيّاً. ولكي نجد شيئاً ميكانيكيّاً (إن لم يكن بيكونيّاً على وجه الخصوص) نحن بحاجة إلى النظر إلى مثل آخر من تاريخ العلوم، عنيت به مثل اكتشاف عقاقير السولفوناميد الذي سننظر فيه في القسم التالي.
1.4 اكتشاف عقاقير السولفوناميد
تَمّ اكتشاف عقاقير السولفوناميد في ألمانيا كمنتج جانبي لأنشطة شركة أبي.جي(6). فاربن الكيميائيّة العملاقة. قام بالاكتشاف فريق كان يترأسه غيرهارد دومَغ المولود عام 1895 والذي عُيِّن عن عمر مبكّر( 32 سنة) مديرَ البحث في علم الأمراض وعلم الجراثيم التجريبّيين في المعهد التابع لأعمال الشركة في مدينة البيرفلد (Elberfeld). كان لدى دومَغ وفريقه مختبرات ضخمة يختبرون فيها المركّبات التي ينتجها خبراء الكيمياء الصناعيّة بالشركة على ألوف الحيوانات المصابة لكي يتحقّقوا من قيمتها العلاجية.
أنتج هورلين، دريسل وكوتي الكيميائيّون العاملون في شركة اي .جي. فاربن صباغاً قويّاً أحمر شديد الفعاليّة مع المواد البروتينيّة مثل الصوف والحرير. عُرف هذا الصباغ باسم البرونتوزيل روبروم. آنذاك اكتشف دومَغ وفريقه أنّ لهذا المركّب قدرة واضحة على معالجة الفئران المصابة بالجراثيم المكوّرة العقدية. وقد نشر دومَغ هذا الاكتشاف عام 1935 لكنه أشار إلى تجارب كانت قد أنجزت عام 1932.
يبدو هذا الاكتشاف للوهلة الأولى كأنّه حصيلة ضربة حظّ لبحث عشوائيّ. إلّا أنّ هذا المظهر هو مظهر مضلّل. لقد استخدم دومَغ وفريقه الاعتبارات الوجادية بشكل واضح. الوجادة Heuristic )مشتق من الفعل اليوناني heuriskein بمعنى اكتشف) هي المرشد الى الاكتشاف. إنّ إجراء البحث الذي أدّى إلى اكتشاف مركب الـ البرونتوزيل روبروم Rubrum Prontosil أول عقاقير السولفوناميد، تَمّ التوصل إليه في الواقع عن طريق استخدام الوجادات المتنوّعة. تمثّلت إحدى هذه الوجادات في الفكرة القائلة إنّه ربما يكون أيضاً للصِباغ القادر على صبغ الأنسجة خصائص علاجيّة نافعة. وقد تَمّ تقديم هذه «الوجادة الصباغيّة» كما يمكن تسميتها(7) على يد باول إيهرليش (Paul Ehrlich) قبل أن يقدّمها دومَج الذي كان أحد تلامذته. فاكتشف ايهرليش أنّه وبَعْدَ حَقْنِ بعض الكائنات الحيّة بصباغات معيّنة فهي تَصبغ وتُـمتَصّ من قبل بعض الخلايا المعيّنة دون غيرها. ويعطي ايهرليش المثل التالي الذي لعب دوراً مهمّاً في اكتشاف الصباغ الحيويّ:
«وهكذا فإنّ أزرق الميثيلين على سبيل المثال يتسبّب في الواقع بصباغ رائع لأطراف الجهاز العصبيّ. فإذا تَمّ حَقْنُ ضفدعة بكميّة صغيرة من أزرق الميثيلين وإذا استأصلنا جزءاً صغيراً من لسان الضفدعة وفحصناه، سنجد أنّ الأنسجة العصبيّة مصبوغة على نَحو رائع باللون الأزرق القاتم على خلفيّة لا لون لها.» (إيهرليش 1906:235).
يتابع إيهرليش ليلاحظ أنّ هذه الخاصيّة الصباغيّة بالتحديد تختفي إذا ما تغيّر التركيب الكيميائيّ، ولو في حدّه الأدنى، فيقول:
«استطعت أن أثبت أنَّ خاصية الصبغ العصبوني الأزرق بالميثيلين تشترط وجود الكبريت في التركيب الجزيئي لأزرق الميثيلين. لقد أعطتنا الكيمياء التوليفيّة في الواقع صباغاً يحاكي بتركيبته الكيميائيّة أزرق الميثيلين دون أن يَدخل عنصر الكبريت في تركيبتها. إنّه صباغ البندشيلدر Bindshelder الأخضر. ارتبطت قدرة الصباغ على صبغ أنسجة الاعصاب الحيّة بوجود عنصر الكبريت. (إيهرليش 1906:235 )

شكل 1.2 / البنية الجزيئيّة لروبروم بروتنوسيل
في ضوء هذه الاكتشافات المثيرة للاهتمام فَهِمَ إيهرليش بطريقة ما الأمر التالي: لنفترض أنّنا نعرف أنّ سبب داء معين هو اجتياح بعض الأجسام الصغرى. ولعلاج هذا الداء، نحتاج إلى إيجاد مادة كيماويّة مضادة لهذه الأجسام الصغرى لا تسبّب ضرراً للمريض. يُمكن تحقيق ذلك إذا استطعنا أن نجد مادة كيميائيّة تقتل الأجسام الصغرى، ولا تمتصها سوى هذه الأجسام الصغرى وليس غيرها من الأنسجة. إنّ صباغاً مثل أزرق الميثيلين هو على درجة عالية من الدقّة، لناحية أنّها تُمتص بواسطة بعض الأنسجة دون غيرها. كما أنّ العديد من الصباغات أيضاً سامّة، لذلك فمن المعقول أن نُفكّر بأنّ بعض الصباغات لها خصائص علاجيّة جيدة. ومن المؤكّد أنّ «إيهرليش» استطاع أن يُبيّن أن أزرق الميثيلين المفضّل لديه كان مفيداً في علاج الملاريا. يقول إيهرليش: «في تجاربي الإضافية … شرعت في الأخذ بأنّ الصباغ ذا النشاط التلوينيّ القويّ يُمكن أن يكون له انجذاب خاصّ (صلة خاصة) إلى الطفيليّات الموجودة داخل الجسم الحيّ المضيف… وقد اخترت طفيليّاتِ الملاريا، واستطعت بالاشتراك مع البروفسور غوتمان Guttman أن أظهر أنّه بإمكان أزرق الميثيلين معالجة الملاريا» (إيهرليش 1906:241).
هكذا أثبتت «الوجادة الصباغية» نجاحها لدى إيهرليش أولاً ودومَغ ثانياً. إلاّ أنّه تبيّن، ولسخرية القدر، أنّه لا علاقة للخصائص العلاجيّة للـ«برونتوزيل روبروم» بقدرتها على صبغ المنسوجات.
تَـظهر البنية الجزيئيّة للـ«برونتوزيل روبروم» في الشكل 2 حيث تُمثّل الأشكال السداسيّة حلقات البنزين ويشار كالمعتاد بالرمز N إلى ذرّة واحدة من النتروجين وبــ S إلى الكبريت و بــ O إلى الأوكسيجين و بــ H إلى الهيدروجين. ومن الواضح أن الجزيء يتكوّن من نصفين تربطهما الرابطة المزدوجة المشار إليها بــ =. يضاف إلى الجزيئة داخل الجسم البشريّ أربع ذرّات من الهيدروجين بواسطة عمل الأنزيمات، وتنقسم الجزيئة إلى جزيئيّتين مختلفتين هما: جزيئة السلفوناميد وجزيئة ثلاثي – أمينو- البنـزين Tri-Amino-Benzene (أنظر الشكل 1.3).

شكل 1.3 اختزال روبروم البرونتوسيل.

كان السولفانيلاميد أوّل عقاقير السولفاناميد، ومن ثَمّ تَمّ اكتشاف عقاقير أخرى من المجموعة نفسها عن طريق التجريب بآثار متغيّرات التركيب الجزيئيّ للسولفانيلاميد. بهذا أختم تناولي لاكتشاف عقاقير السولفاناميد وسأنظر الآن إلى الضوء الذي يسلّطه هذا الاكتشاف على الجدال النظريّ بين المذهب الاستقرائيّ والمذهب التكذيبيّ. فكما فعلنا في المثل السابق، كذلك سنستخلص هنا أيضاً أنّ التقدير منقسم بطريقة ما بين الفارسين المتنافسين: سير فرانسيس وسير كارل.
سأبدأ من نقطة تصبّ في صالح بوبر. يمكن بكل سهولة وصف سلسلة الأحداث التي قادت إلى اكتشاف أول عقار من عقاقير السولفوناميد بواسطة إسكيمة الحدوس الافتراضيّة والدحوض. ففي كلّ مرّة كان يعمل فيها الكيميائيّون بشركة أي جي فاربن على إنتاج مركّب جديد، كان لديهم حدْس افتراضيّ مفاده أنّه يمكن أن يكون لهذا المركّب القدرة على معالجة عدوى بكتيريّة واحدة أو أكثر. ومن ثَمّ يَتِمّ اختبار هذا الحدس الافتراضيّ عن طريق حَقْن الحيوانات المصابة بالمركّب والتحقّق مما إذا طرأ عليها أي تحسن. وعندما يَتِمّ إنتاج المركّبات كلّها تقريباً ويتمّ دحض الحدس الافتراضيّ، يظهر أخيراً مركّب يؤيّد الحدّس الافتراضيّ المقابل له. ففي هذه الحالة، لم تكن الحدوس الافتراضيّة نتاج بصيرة أو إبداع وإنّما كانت وليدة أسلوب روتينيّ. لذلك يمكن تسمية هذا الإجراء بـ «مذهب التكذيب الميكانيكيّ».
وبالعودة إلى وجهات نظر المتنافس الآخر، يتضح لنا الآن، أنّه توجد سمات بيكونية لإجراء اكتشاف عقاقير السولفوناميد. أوّلها تشديد بيكون على تحبيذه العمل الجماعيّ في العلوم، كما يقول:
« العلم ليس طريقاً يسلكه فرد واحد في وقت معين (كما هي الحال في الاستنتاج) وإنّما هو الطريق الذي يجب أن توزّع فيه أعمال وصناعات الأفراد أوّلاً (خصوصاً فيما يتعلّق بجمع الخبرة) ومن ثَمّ تجمع ليكون لها الأثر الأفضل. حينها فقط يبدأ الأفراد بمعرفة قوتّهم، فبدلاً من أن تكون لدينا أعداد كبيرة تقوم بالعمل ذاته، سيتولّى فرد واحد مسؤوليّة شيء، فيما يتكفّل فرد آخر بشيء آخر.» (بيكون 1620:293)
بعيداً كل البعد عن التشديد على نفاذ البصيرة أو المخيلة أو الابداع، يبدو بيكون أنه يريد جعل العلم نشاطاً روتينياً يمكن لأي فرد يتمتع بمستوى متوسط من الذكاء أن يحققه. كما يقول في مقطع سبق واقتبسناه: «إنّ التوجّه الذي اقترحه لاكتشاف العلوم لا يأبه كثيراً بالذكاء والقدرة العقليّة، لكنه يضع كافة القدرات العقلية والاستيعابية في مستوى واحد تقريباً « (بيكون 1620:270). وهكذا يبدو جيش العلماء في مختبرات دومَغ الذي يقوم بالاختبارات الروتينية على الفرضيّات التي تَمّ توليدها بشكل روتينيّ، منسجماً تماماً مع أفكار بيكون. لقد كان لبيكون أيضاً موقف براغماتيّ من العلوم اعتبر فيه أنّ الهدف من العلوم يكمن في تحسين التكنولوجيا (أو الفنون»كما يصفها في لغة عصره آنذاك)، يقول:
«يبدو أنّ تقديم أشهر الاكتشافات يحتلّ إلى حدّ بعيد مكان الصدارة بين الأفعال الإنسانية… لأنّه يمكن لمنافع الاكتشافات أن تمتدّ إلى معظم الجنس البشريّ،… وليس على المرء إلاّ أن يتأمل الاختلاف الكبير بين حياة الناس في البلدان الأوروبيّة المتحضّرة وحياة البربر والهمج في أقاليم الهند الجديدة، ليُدرك أنّ هذا الاختلاف ليس مرجعه اختلاف التربة أو المناخ، أو العرق وإنّما يرجع إلى اختلاف الفنون.» (بيكون 1620. 300)
توقّع بيكون فيما بعد، وعلى نحوٍ سليم إلى حدّ ما، كما تبيّن لاحقًا، أن يؤدي البحث العلميّ إلى ابتكاراتٍ تكنولوجيّة ذات طابع مختلف عن كل الاكتشافات التي ظهرت حتى يومنا هذا. «لذلك توجد دعائم كثيرة تجعلنا نأمل في أنّ الطبيعة ما زالت تحمل في أحشائها الكثير من الأسرار ذات المنافع العظيمة، المنقطعة الصلة وغير الموازية لكلّ ما نعرفه في وقتنا الحالي، لكن تنتمي جميعها إلى ضرب من الخيال الذي لم يُـكتشف بعد.» (بيكون (1620:292. فبالتأكيد أنّ عقاقير السولفوناميد كانت سرّاً ذا منافع ممتازة.
على الرغم من كلّ هذا السمات البيكونيّة مازلت أعتقد أنّه لا يمكن وصف اكتشاف عقاقير السولفوناميد بشكل سليم بأنّه استقراء بيكونيّ أو ميكانيكيّ(8). ومِمّا لا شكّ فيه أنّ هذا الإجراء كان ميكانيكيًاً إلى حدٍّ ما، لكنّه لم يكن إجراءً استقرائيّاً بالفعل. فأفضل تعريف ممكن للاستقراء هو أنّه إجراء لتحصيل القوانين أو الفرضيّات أو ربما التوقّعات من عدد من المعطيات المجموعة مسبقاً9. ففي كل مرّة كانت شركة أي. جي. فاربن تنتج فيها صباغاً، كان يتولَّد حدْسٌ افتراضيٌّ تلقائيٌّ مفاده أنّه يُمكن أن يكون للصباغ الجديد خصائص علاجيّة. بيد أنّه لم يتمّ التوصّل إلى هذا الحدّس الافتراضيّ من المعطيات المجموعة مسبقاً، ولكنه كان حصيلة مبدأ وجادي، أي افتراض إيهرليش بأنّه «يمكن أن يكون للصباغ ذا النشاط التلويني الأقصى، انجذاب خاصّ لطفيليّات داخل الكائن الحيّ المضيف». هكذا يبدو لي أنّه يمكننا وصف اكتشاف عقاقير السولفوناميد على نحو سليم بالتكذيب الميكانيكيّ وليس بالاستقراء البيكونيّ.
لقد قدّم مَثَل اكتشاف عقاقير السولفوناميد مفهوم الوجادة، وهو المفهوم ذو الأهميّة الأعظم في الذكاء الاصطناعي. هذه هي اللحظة المناسبة للقيام بالنقلة من الفصل الحالي الذي يـُعنى بالمنهجية العلميّة إلى الفصل التالي الذي سيقدم بعضاً من مادّة الذكاء الاصطناعي. فقبل أن أنتقل إلى ذلك، سيكون من المفيد تأدية ملاحظة أخيرة حول الوجادة ربّما تساعدنا لاحقاً على ربط الفصلَين معاً. كما يمكن اعتبار مبدأ الوجادة المستخدم في مَثَل اكتشاف عقاقير السولفوناميد وكأنه جزء من المعرفة الخلفيّة (أو المأخوذات بها) للعلماء العاملين في المجال المراد البحث فيه. فكما رأينا، لقد كانت الوجادة الصباغيّة افتراضاً لإهرليش والتي كانت بالواقع تعميماً لبعض النتائج التي حصل عليها إهرليش إبّان عمله على الصباغ الحيويّ وعلى علاج الملاريا .ويبدو لي أن المبدأ القائل يإمكانيّة تماهي الوجادة مع المعرفة الخلفية هو مبدأ صمد في حالات عديدة وربما في مُجملها. لذا، سنرى أنّ برامج التعلّم الآليّ، ولا سيّما تلك التي تتبع التقليد التيورينغيّ تحتوي دائماً على معرفة خلفيّة مكوّدة بصورة معيّنة، تعمل على توجيه البرنامج في بحثه عن فرضيّة تصلح للمعطيات، وبالتالي فإنّها تلعب دور الوجادة.

الهوامش
1 – إنّ هذا الفصل نسخة مختصرة لمعالجة المناظرة عينها الموجودة في غيليز (3-72: 1993)، فالعرض الذي قمت به هناك أكبر بكثير منه هنا ويتضمن، على سبيل المثال، مناقشة لمساهمة دوهيم لن آتي على ذكرها هنا. رغم ذلك، فإنّ هذا الفصل ليس مجرد مقتطف من ذلك العمل الأكبر لأنّ هدفه مختلف. لقد ركّزنا اهتمامنا على جوانب المشكلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، كما بدلنا الرأي في عدد من النقاط. فعلى سبيل المثال، حاججت في كتابي الصادر عام 1993 بأنّه يمكن اعتبار التكذيب الميكانيكي استقراءً بيكونياً. أنظر (50: 1993)، في حين أرى حالياً أن هذا الأمر خاطئ. سأعير في سياق هذا العرض اهتماماً إلى هذه الاختلافات وغيرها عن معالجة 1993.
2 – بيد أنّ وجهات نظر بوبر تقترب في مسائل أخرى من وجهات نظر بيكون. سأذكر بعضها فيما بعد.
3 – كنت قد نظرت، في غيليز (1993)، إلى اكتشاف فليمينغ للبنيسسيليسن. رغم أهمية هذا الاكتشاف إلّا أنّه لا يضيف شيئاً إلى حجج الذكاء الاصطناعي التي سأطورها في بقية الكتاب، وبالتالي فقد تم إهماله هنا.
4 – إنّ التفاصيل التاريخية عن كيبلر الموجودة في هذا القسم وفي الكتاب، مأخوذة بشكل أساسي من ثلاثة كتب مفصلة عن حياته وعمله العلمي:
دراير (1906: 412- 372)، كوستلر (117- 225: 1959)، (427- 464: 1961).
5 – في مقاربة سابقة لهذا الموضوع استخدمت مصطلح الاستقراء الخلّاق، غيليز 1993: 48) ). بما أنني أخذت بحصرية هذا النوع من الاستقراء للبشر، أوضح لي دونالد ميتشي أنّ هذا المصطلح مجحف بحق الحواسيب التي يمكن أن تكون خلّاقة أيضاً. وفي حين أنّه ليس لدي رغبة في التمييز ضد الحواسيب، قمت بتغيير الاسم إلى الاستقراء الحدسي.
6 – لقد جاءت فكرة هذا القسم من بعض المحادثات المحفّزة جداً مع جوزيف د. روبنسون، وهو بروفيسور في علم الصيدلة في مركز ساني العلمي للصحة قي سيراكروز، عندما التقينا في اليوبيل الفضي لغلين في أكتوبر 1990. أوضح لي روبنسون أنّه يتم اكتشاف معظم العقاقير بواسطة الكشف المسحي، وبيّن أنّ هذا الأمر يطرح صعوبات على نظرية «الحدوس الافتراضية والدحوض» في التطور العلمي الخاصة ببوبر. لقد كان لطيفاً بما فيه الكفاية ليرسل إليّ لاحقاً بعض المواد المتعلقة بهذه المسألة ومسائل أخرى في فلسفة العلوم.
تضمنت هذه المواد المقولة التالية لغوث: «يتم اكتشاف معظم العقاقير اليوم بواسطة الكشف المسحي» (1970: 36)، الأمر الذي علق عليه جوزيف روبنسون أن هذه المقولة لا تشدد على أنّ المركب، ولأي غرض ما، هو توليفة، تم إخضاعه إلى كل أنواع الكشوفات المسحية لمعرفة أي نشاطات أخرى يمكن أن يقوم بها. ما يدل على أنّ اكتشاف عقاقير السولفوناميد هو نموذج عن اكتشاف العقاقير بشكل عام، وبالتالي فإن تحليل هذه الحالة هو بالتأكيد أمرٌ دالٌّ على دراسة المنهج العلمي.
7 – إن العرض التالي «لوجادة الصباغ» التي استخدمها دوماك كان قد اقترحه عليّ زميلي مالفين إيرلز الذي أعارني نسخته عن كتاب إهرليتش الصادر عام 1966. كما استفدنا من بعض تعليقات البروفسور و. س. بومان من قسم الفيزيولوجيا وعلم الصيدلة في جامعة ستراثكلايد.
8 – إن هذه النظرة مختلفة عن تلك الموجودة في غيليز (1993:50). ذلك أن أسباب هذا التغيير في وجهة النظر متضمنة في بقية المقطع.
9 – لقد اعترض أحدهم على أنّ هذا التعريف للاستقراء مقيّد بشكل ما، ويمكن تعريفه بشكل أكثر عمومية كما لو أنه يتكون من استدلالات استقرائية بحيث تكون المقدمات حاملة للاستنتاج، أو توهم أنها حاملة له، دون أن تستلزمه. في هذه الحالة لن يكون هنالك من حاجة «لمجموعة» معطيات، ويمكن الاستدلال استقرائياً على الفرضية من معطى مفرد.
بالطبع إنّ مصطلح «استقراء» مصطلحٌ فضفاض، وإنّ التعريف الأوسع الذي أتينا على وصفه يمكن أنّ يكون مفيداً لبعض الأغراض. بيد أنني أفضل، في هذه المناقشة، التعريق الأضيق المعطى في النص، إذ يبدو أنّه يجسد تصور الاستقراء الذي استخدمه كلٌّ من بيكون وبوبر، كما أنّه يتلاءم أيضاً مع النظر إلى التعلم الآلي كما سنرى.

—————–

ارنستو شحود

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …