أخبار عاجلة

الموسيقى العربية القديمة (قراءة في المصادر الغربية)

في الأساطير العربية ان لمك كان أول من صنع العود والدف والطبل وتنسب الى أخته دلال صناعة القيثارة أو المعزف . والاشارة الى اخته تؤكد الدور الذي لعبته المرأة في صناعة الموسيقى عند العرب منذ القدم .. وقد أوجد البدوي الحداء لكسر رتابة الرمل المحدق به من كل صوب . والحداء هو ترتيلة بحر الوجز في القويض العربي. ومن الحداء جاء الفناء. وكلمة (الحداء) العربية تقابلها لم خادر) الأ كدية وتعني : فرح ، رضا. وفي اليمن القديمة عرف نوعان من الفناء،´هما الحميري والحنفي، ولعل الأخير ضرب من التلبية الدينية ، كما يقول نولدكة .

وقد ورد أقدم ذكر للموسيقى العربية في نص أشوري يرقى الى القرن السابع ق .م . جاء فيه أن الأسرى العرب كانوا يفنون أغاني الكدح ويعزفون على نحو أخذ بمجامع قلوب أسيادهم الآ شوريين ، فكانوا يطلبون منهم أن يزيد وهم طربا.

ومن المرجح أن العرب كانوا منذ الألف الأول قبل الميلاد، شأن بقية الاقوام

 السامية ، يمارسون طقوسهم الدينية مقترنة بالفناء، فقد كان التقرب الى الإله العربي النبطي (ذو الشارة ) يقترن بالتراتيل كما كانت قصور الملوك والموسرين تجتذب المغنيات (القيان )؛ ومن أشهرهن الجوادتان اللتان يرد ذكرهما في كتب الأدب والتاريخ العربية . وكان غناء القيان يؤدى بمصاحبة العزف على آلة (المعزف ). كما عرفت آلات أخرى مثل الموتر، والقصابة (ناي)، والمزمار، والقضيب ، والدف ، والمزهر. وفي بلاد الانباط كانت الموسيقى التي تعزف على آلات النبل Nebel والكنبرا (القيثارة ) والسمبيكة (وبالآرامية صبيكة ) والونج التي تذكرنا بالفونكس Phoinix(الفينيقي) تأخذ بألباب اليونانيين ويقول هنري جورج فارمي : «واذا صدقنا ما يقوله السوري بن صليبي (ت 1171م ) فان مقطوعات موسيقية والحانا باتباعاتها Canonsوصلت الى اليونان من الخارج . وحتى روما استعارت كلمتي anuba (انبوب ، بمعنى مزمار؟) و Sarranae(السرنابة ؟) …

وكان عرب الحجاز ينظرون الى اليمن كوطن أم للغناء العربي. وقد بدأت الهجرة من الجنوب – جنوب الجزيرة العربية – الى الشمال منذ القرن الثاني للميلاد، الأمر الذي ساعد على ازدهار الموسيقى في سوريا، ووادي الرافدين ، والحجاز . وفي هذه المرحلة كانت سوريا ما تزال تحتفظ بثقافتها السامية القديمة ، كما امتزجت ثقافة العرب الانباط المهاجرين بثقافتها هذه لاسيما في عهد الغساسنة ولعل المزمار العربي الذي يقال له (زنبق ) استعير من هذه المنطقة .

وكان وادي الرافدين ، أو الهلال الخصيب ، مركز الحضارة السامية . ثم تعرض العراق منذ القرن السادس ق .م الى مؤثرات فارسية . وفي ايران كان الملوك  الساسانيون (بين 224-642م ) شديدي الولع بالموسيقى. كما أن الحيرة عاصمة العرب اللحميين . كانت مركزا حضاريا لهما.

وعن طريقها انتقل النير من معالم الفن الموسيقي الفارسي الى العرب . فعرفوا الجنك (بالفارسية Chang) ، وهو قيثارة صندوقها الى الأعلى ؟ والطنبور (وهو عود طويل )؛ والصرناية . ومن أشهر فناني تلك الفترة الموسيقي الضليع بالموسيقى النظرية بارباد الفارسي الذي بقيت الحانة تعزف في (مرو) حتى القرن العاشر الميلادي. وقيما يتعلق بالسلم الموسيقي لتلك الفترة بوسعنا الرجوع الى منظر من القرن العاشر يقول أن باندورة بغداد (آلة تشبه القيثارة ) المعاصرة له كانت تصنع وفق نظام موسيقي يرقى الى ما قبل الاسلام حيث يقسم الوتر الى أر بعين جزءا مختلفا. ويهذا نحصل على ربع النوطة .

وفي الحجاز كانت الموسيقى مزدهرة بعض الشي ء قبل الاسلام إذ كانت عكاظ مركزا يتوافد اليه المتنافسون من الشعراء والمفنين ، وتلقي وتفني فيها "المعلقات ". وفي مكة كانت العبادة تقترن بالتهليل والتلبية . وكان عرب الجاهلية يطوفون حول الحجر ويفنون . ويعتقد نولدكة أن هذه التلبية كانت عبادة للقمر. أما الموسيقى غير الدينية فقد لعبت النساء القيان دورا بارزا فيها في قصور الملوك والحانات  والمضارب والبيوت . وفي تلك المرحلة كان الفناء يؤدى على طريقة (الترجيع ) و(الجواب ) ،حيث تؤدي حروف المد في نهايات المقاطع الغنائية بطريقة الترعيش . وكان الايقاع يضبط بواسطة آلات القرع : الطبل والدف ، والقضيب ، والحق أن الزخرفة اللحنية والتلوين في الايقاع ، كانا وما يزالان من السمات المتميزة في الموسيقى العربية . وكانت موسيقى القرع أو النقر تصاحب الرقص أيضا، الذي يؤديه راقصون وراقصات يرتدون ملابس خيطت بها جلاجل ، زيادة في ضبط الايقاع والاطراب : وهي ظاهرة كانت امتدادا لطقوس دينية قديمة على نحو ما كان الكنعانيون واليهود يفعلون .

ونتيجة لتراكم المداخيل المالية التي وفرتها الفتوحات الاسلامية ، واستثمارات الأر اهي المقطعة ، ظهرت في صدر الاسلام وفي أيام الأمويين فئة من الناس ميسورة الحال كان في وسعها الانفاق حد البذخ أحيانا على وسائل اللهو والمتعة وفي سقدمتها الفناء. وفتحت بعض البيوت أبوابها لهواة هذا الفن وأصبحت أشبه  بالنوادي الفنية المعاصرة ( ا) وقد اشتهرت من بين هذه الدور الموسيقية ، دارالمغنية "جميلة " التي كانت منتدى للغناء، م الموسيقى، والقاء الشعر، والرقص وحتى لتمثيل وتأثر الشعر لعربي في هذه المرحلة الغناء وأثر فيه . فأوجدت أوزان شعرية ، جديدة أو تم تحوير البخور القديمة إجتزاؤها حسب مقتضيات فن الغناء .يأتي هذا دليلا على أن لمجان هو الذي ستحدث نظرية الغناء الجديدة عند العرب استحدثها على يد موالي مكة والمدينة ، ولم بستحدثها أهل دمشق الخاضعون تحت تأثير لحضارة البيزنطية ولا هل البصرة والكونة القريبون من  فارس . وسيبقى فن الموسيقى الاسلامي فنا عربيا في جوهره مع مؤثرات فارسية . وبيزنطية ، ثم تركية ، حتى في العهد العثماني ( بعد سقوط بغداد..).

ومنذ صدر الاسلام ازدهرت الأغنية العربية بمصاحبة العود. وكان العود يصنع من الجلد. وبعد أن دخل العود الفارسي ، المعروف بالبربط ، الحجاز، في حدود عام 685م صار العود العربي يصنع من الخشب واتخذ اسم "العود". وفي أغاني العود (أي الأغاني التي ترافقها موسيقى العود) يأتي الشعر في المرتبة الأولى ، أما الموسيقى فيكون دورها تابعا أو مصاحبا وتتألف بصورة عامة من لحن قصير، قد يخضع لكافة امكانات الزخرفة .

ويعتبر ابن مسجح (توفي حوالي عام 715م ) ألمع موسيقي ظهر في صدر

الاسلام ، وأبا للموسيقى العربية الكلاسيكية ، وربما أول منظر لها. تنقل بين سوريا وايران وأماكن أخرى، واكتسب معرفة واسعة في نظرية الموسيقى، والغناء والعزف على العود، والمصاحبات الايقاعية له ، التي ربما كانت من ابتكاره . وبعد أن هضم ذلك كله ، وطرح ما كان غريبا على الذوق العربي، أرسى أسس نظام موسيقى عربي صميم ، مع إغناءات فارسية وبيزنطية . وكان نظام ابن مسجح لآلة العود يشتمل على ثمانية "أصابع "، على النحو الذي يرد ذكرها في كتاب الاغاني لأبي الفرج الاصفهاني . ودام هذا النظام حتى القرن الحادي عشر الميلادي. وعلى هذا الأساس كانت توضع الألحان ، وتعزف الموسيقى، بالتلاعب بالأصوات ، وزخرفتها، وتر عيشها، وما الى ذلك ، وهو ما عرف بالزوائد على غرار الزخرفة الاسلامية .

في القرن السابع الميلادي عرفت أربعة أوزان من الايقاعات ، ثم أصبحت ستة في أيام الأمويين ، وقيما بعد ثمانية في القرن التاسع وتسمى هذه أدوارا وأبسطها خفيف الرمل ، وايقاعه في الموسيقى الغربية 9على 8 من ذات السن ؟ في حين يتميز خفيف الثقيل بضربات لا متناظرة تشبه النظام 0 131 الايقاعي الغربي في نمط 10على 8(3).

وكتاب الأغاني سجل جامع للتراث الغنائي والشعري العربي من الجاهلية حتى أيام هارون الرشيد، ويتألف من واحد وعشرين مجلدا، وهو مكرس في الأساس لموضوع المئة صوت (لحن ) التي طلب هارون الرشيد الى ابراهيم الموصلي واسماعيل بن جامع وفليح بن أبي العورا، اختيارها من بين الز خيرة الهائلة من الأصوات الغنائية التي تجمعت من أيام الجاهلية حتى عصره .

ولعل اسحاق الموصلي (797-850م ) كان أبرز موسيقي انجبه العالم الاسلامي على الاطلاق . فقد كان مفنيا لا يبارى في قدرته على التصوف بصوته من النغمات العالية وانتقاله المفاجيء على نحو مذهل (4). كما لم يكن دون ذلك في قدراته النظرية ، رغم اننا لا نعرف شيئا عن اسهاماته في هذا الحقل الا عن طريق تلميذه ابن المنجم (توفي في عام 913م )، ومؤلف الرسالة الكاملة الوحيدة عن الموسيقى الكلاسيكية التي وصلت الينا، وهي (رسالة في الموسيقى).

وهذه الدراسة تشير الى أن السلم العربي الكلاسيكي (الذي دام حتى القرن الخامس عشر الميلادي) هو السلم الفيثاغورثي الاغريقي نفسه ، سوى أن ابعاده تقرأ الى الأعلى بدلا من الأسفل كما كان الحال عليه في السلم الاغريقي. ويتحدث سلمان شكر (5) عن مخر الأوتار عند ابراهيم الموصلي ، أي العزف على كافة الأوتار المطلقة مرة واحدة ، ويقول في سياق حوار أجرته معه شهرزاد قاسم حسن : "كان العود ينصب على الخامات ، فاذا ما ضربت كلها على المطلق نحصل على نوع من التوافق ؟ وهذا في زمن ابراهيم (الموصلي )". ويشير الى أن دائرة الماخوري عباسية الأصل ، وتنسب الى ابراهيم الموصلي : وعلى عهدة الاصفهاني ان هذا اللحن كان يفنى في المواخير. الا أن هناك – القرن الخامس للهجرة – من قال إنه كان – أي ابراهيم -يمخر الأوتار مخرا مما يحدث نوعا من المركبات الصوتية Cgordsأو التوافق Harmony . بيد أنني وقفت في كتاب دار Pelicanعن  تأريخ الموسيقى على كلمة (ماهوري) Mahoori في سياق الحديث عن الموسيقى السيامية ، لعلها تذكرنا بالماخوري. جاء في الصفحة 84 من الجزء الأول من هذا الكتاب ما يلي . كانت الفرق الموسيقية السيامية على نوعين أساسيين ما زالا قائمين حتى يومنا هذا:طاقم يعزف داخل البيوت (ماهوري) قوامه ذلات موسيقية عذبة الأنغام تشتمل على الوتريات وتستعمل عند الاعراس والمناسبات الأخرى. وطاقم يعزف خارج المنزل Piphat قوامه الات موسيقية عالية النغم (تغلب عليها الطبول ، لكن بدون وتريات تستعمل في المهرجانات الدينية البوذية وفي الموسيقى العسكرية ) . ان مقارنة بين مقام الماخوري وموسيقى الماهوري السيامية من شأنها أن تؤكد على مثل هذه العلاقة أو تنفيها. ومع ذلك ، يبدو لنا أن اشتقاق كلمة (ماخوري) من (مخر الأوتار مخرا) مستبعدا.

ومع أن الموسيقى العربية شهدت ذروة ازدهارها في العصر العباسي الأول الا أن هذا الفن واصل تألقه حتى في عصور الانحطاط – السياسي ،وحظي – بالاهتمام حتى في الأوساط الأكاديمية ، حيث أصبح أحد فروع الرابوع الرياض (الحساب ، والهندسة ، والفلك ، والموسيقى) . وفي أثناء ذلك دخلت العالم العربي آلات موسيقية جديدة ،وظهرت مؤلفات وأبحاث نظرية بلغت في عددها زهاء مئتي مؤلف ، كتبت بين القرنين تاسع والثالث عشر الميلاديين ، من أبرزها وأقدمها (رسالة ، خبر تأليف الألحان ) للفيلسوف الكندي لم المتوفى حوال 874م ) التي توجد مخطوطتها في المتحف البريطاني، وتستند ، معظمها الى مراجع اغريقية ، ويرد فيها ذكر لنظام التدوين صوتي (الموسيقى) بالحروف الابجدية وهناك كتاب فارابي (توفي حوالي 950م ) الموسوم بكتاب الموسيقى لكبير، وهو أهم كتاب موسيقى اسلامي ظهر الى الوجود.

ومن أقوال الفارابي : "والأوتار اذا كانت متعددة :حتاجت الى اصطحاب ، وهو في اللغة تجاوب الأصوات . قال لشاعر: إن الضفادع في الفأران تصطحب " مما يورث فطباعا بأنه قد يشير الى التوافق – أي الهارموني – في لموسيقى. ومن بين الأدلة على أن المصاحبة (الموسيقية ) .الغناء لم يكونا دائما متساوقي النغمات  in   unison بل هما مختلفا اللحن ، ما جاء في كتاب الأغاني عن ابراهيم بن المهدي، لذي قال ان الشيطان ألهمه بلحن ومصا حبته وكما يقول باربيير Barbierفي كتابه (ابراهيم بن المهدي) ص 307:"اذا كان المقصود بذلك تساوق النغمات لم تكن هناك ضرورة لذكر المصاحبة وسئل مفن كان يعزف على العود مصاحبة فنائه : "أي ضرب من الغناء هذا؟" فأجاب "حجاز" والمصاحبة " قال "رمل ". وفي هذا إشارة الى درجة من الاستقلالية بين اللحن والمصاحبة الى حد انها تشتمل عل فوارق في الايقاع (خوليان ريبيرا، عن كتاب الاغاني ج 5، ص 53. ساسي).

وكان الخوارزمي يسمي الأوكتان (أي الجواب بالعربية )في كتابه (المفاتيح )، المسافة التي بالكل (وهو) اصطلاح يوناني في واقع الحال ): ويسمى النوطة العليا "صياح " والدنيا "سجاح ". كما أشار الى الخامسات والرابعات ، التي تتطابق مع خامسات ورابعات السلم الغربي الحديث . ويقول خوليان ريبيرا إن هذه الطريقة التي ورد ذكرها في (المفاتيح ) تؤكد النتائج التي توصل اليها لاند     Landفي درا سته عن الفارابي بأن المسلمين استعملوا السلم الطبيعيDiatonic المستعمل حاليا في أوروبا .

وفي كتاب ابن سينا (الشفا) فصل مهم جدا عن الموسيقى، يتطرق فيه مؤلفا الى ذكر ضرب من الزخرفة اللحنية لأول مرة ، هي بالتحديد: عزف الأوكتان (أي النوطة الثانية ) والخامسة ، أو الرابعة ، في وقت معا مع النغمة الأساسية : ويسمى ذلك "تركيبا"، وهو ما يقابل الأورغانوم في الموسيقى الغربية ، رغم انه يخكف عن أورغانوم القرون الوسطى في أوروبا الذي هو عبارة عن مضاعفة كل "نوطة "من نوطات اللحن بالنوطة الرابعة أو الخامسة الكاملة لها، فيصبح اللحن ليس مؤلفا من مجموعة نوطات منفردة ، بل من مجموعة نوطات مزدوجة ،كل واحدة منها تؤدي انيا مع رابعتها أو خامستها.

وإلى زرياب (6) ينسب إضافة وتر خامس للعود. واستبدل زرياب المضرب الخشبي الذي كانت الأوتار تغمز به ، بريشة نسر، جعلت العزف على العود أخف بفضل مرونتها، وقذ أدخل زرياب الى الاندلس بدعا جديدة فيما يتعلق بالأزياء، والآكل والعطور، وطرائق جديدة في تعليم الموسيقى: كان يطلب من تلميذه أن يتخذ مقعده على وسادة جلدية ويطلق صوته . فإذا كان صوته قوما باشر بتعليمه دون مزيد من التمهيد، أما اذا كان ضعيفا فعند ذاك يطلب منه أن يشد بطنه بقماش عمامة ليكون ذلك أيسر له عند اطلاق صوته . فإن لم يفتح التلميذ فكيه بما فيه الكفاية ، كان زرياب يطلب منه أن يضع في فمه قطعة خشب عرضها زهاء ثلاثة أصابع ، طول الليل ، ليعتاد على فتح فمه . ويطلب منه أن يردد "ياحجام " أو " أه " بأعلى ما تقوى عليه رئتاه . واذا رأى زرياب أن الصوت صاف وقوي وعذب ، ولا تشوبه خنة أو تأتأة ، ولا يشكو صاحبه من متاعب في التنفس ، واذا كان المرشح يملك شخصية تصلح للغناء، تم قبوله .

ومن المعروف أن الشرق كان مهد العديد من الآلات الموسيقية المعروفة اليوم ، وبعض هذه الآلات تطور، أو ابتكر في العالم الاسلامي.. ويقول B.dgerly في كتابهBow) (From The huntet,s  "هناك أكثر من 120 آلة موسيقية عربية معروفة اليوم ، ونصفها على الأقل كان معروفا منذ القدم ، وكثير منها كان أصل الآلات الحديثة . فقد كان هناك اثنان وثلاثون صنفا من الأعواد، واثنا عشر صنفا من الات القانون ، وأربعة عشر صنفا من الآلات الوترية التي تعزف بالقوس وثلاثة أصناف من القيثارات ،وثمانية وعشرون من النايات ، واثنان وعشرون من الابوا، وثمانية أصناف من الأبواق ، وعدد لا حد له من أصناف الطبول ."

(ص 89)  ومن الآلات الوترية لتي كانت تستعمل في العالم العربي والاسلامي:

ا – أ – العرد، وعدد أوتار. من 4 الى 8 أوتار.

ب – الماندورة Mandore وهي آلة مطورة عن أخرى ذات عنق مسترق لها صندوق على شكل خنجر، وقيما بعد سميت الغيتار الموريسكي، أو الرباب ذات القوس .

ج – البندورة (تشبه القيثارة) Pandore، ومنها تطورت الماندولين في الغرب .

د – السازSaz، بعنق رفيع جدا.

هـ- الشاهروز، وهو متطور عن الساز.

و – الرباب : في السابق كان لها وتران من المعي، وتغمز بالاصباع أو بمضرب ، ولها مدى ست نوطات . وقيما بعد صارت تعزف بقوس .وفي أوريا عرفت باسم Rebeck وفي عصر النهضة كانت تقترن في فرنسا برقصة الجيغ 15 وأه ومن الرباب تطورت آلة الكمان .

2- القانون ، ويتسع لخمسة وسبعين وترا تشد فوق آلة على شكل مستطيل . وتغمز أوتاره بالريشة أو بمضرب عاجي.

3- السنطور، وهو الى جانب القانون ، من الآلات السابقة للبيا نو، ولعله يرجع الى الأسور Asor (الآشوري). والصنف الشائع منه طوله قدمان وعرضه قدم ، ويعلق على الرقبة ، وتغمز أوتاره إما بريشة ، أو بمطرقتين خشبيتين . ويقترن بالسنتير Psaalterاليوناني الذي سبق الأورغن ( 0 20ق . م .).

4 – القيثارة ، وكانت تشتمل على خمسة أوتار، وصندوقها من صدف السلاحف والخشب .

ومن آلات النفخ .

1 – الأورغن : ويعتقد أنه وجد في الأصل في بلاد العرب ، وعرف الأورغن الهوائي في مرحلة سابقة ، رغم أن أول وصف له جاء في مسلة في اسطنبول أقامها ثيودوسيوس في القرن الرابع الميلادي. وكانت لهذه الآلة ثمانية أنابيب وتتطلب لنفخها بالهواء ولدين . ويقال أن الأورغن الماشي اخترعه موسيقي مصري في القرن الثالث الميلادي، يدعى ستيسيبيوس الاسكندري.

2- الناي، واصنافه كثيرة ، من القصب والخيزران .

3- مزمار القربة Bagpepe.

الات القوع :

1- الاجراس ، وكانت تستعمل مع الطبول في الحروب .

2- الطبول ، وأصنافها عديدة ، منها الفقارية Kettledrum، وإطارها من النحاس ، وغطاؤها في الرق (مثل  الالة الحالية في الغرب ) . وكان الضارب عليها يتحزم بها، يضرب عليها بسوط من شعر الجمال . وهناك الطبلة المطوقة ، والطبول المربعة ، وغير ذلك .

3 – الدف ، وبدعي طارا أبضا.

وقد أوجد العرب ضرويا مختلفة من الأغاني من بينها اسرناد الأوروبية المعروفة. في أثناء عزفها كان العازف المصاحب للغناء يستعمل طريقة توقيع النغمات على (الوتر) توقيعا متعاقبا بسرعة والعزف بنقر أوتار الآلات القومية ( كالكمان ) باليد.

لكن معظم الأغاني العربية كانت ذات طابع فولكلوري، وربما يعود هذا الى أن التراث الموسيقى العربي كان ينتقل شفاها ولا شك انه من السهل اليسير تذكر مثل هذه الأشكال الغنائية دون سواها من الأصناف المعقدة التي ربما ضاعت لهذا السبب ، أي لعدم تدوينها.

وأول مرة ظهر فيها ذكر أسماء بعض الآلات الموسيقية الربية – الفارسية في اسبانيا كان في القرن الرابع عشر في كتاب Libto de buen amor وهي آلات ظهرت صورها قبل ذلك بقرن في أغاني سانتا ماريا لألوفونسو الحكيم ، كان من بينها atambor(الطنبور)، وguitarra morisca (قيثارة عربية )، والعود laudوالرباب rabe والقانون canon ، وصنوج الصفر sonajas de azofaوالشبابة axabebe والنفير annafil، والطبلatambal، والبوقalbogon. ومعظم هذه الآلات انتقلت هي وأسماؤها الى أوروبا ولم يكن لدى الأوروبيين قبل ذلك سوى الروتة rote والقيثار harp من بين الآلات الوترية . وكانوا يعتمدون في دوزنتها على آذانهم فقط . لكن الحال تغير بعد استعارة الآلات الموسيقية ذات العتب (الخطوط المستعرضة على عنق الآلة عند وضع أصابع اليد

اليسرى عليها أثناء العزف وتحديد النوطة المطلوبة ). ولعل أوروبا الغربية استقت التدوين الموسيقي الابجدي من الموسيقى الاسلامية على العود، كما هو الحال في مدونة هو كبالة De harmonica institutione رغم اننا لم نحصل على دليل قاطع للبصمات الاسلامية بهذا الصدد الا في مرحلة متأخرة عندما تم الاعتراف في كتاب لاتيني يرقى الى1497- 1497 بأن العلامات الموسيقية التي تشير الى الوتر أو الأصبع الواجب استخدامه المذكورة في هذا الكتاب كانت تنسب الى عربي من مملكة غرناطة .وفي حديث Odo of Cluny (ت 942) عن النغمات الثماني، يطلق على الأوتار أسماء ذات مظهر سامي، ثلاثة منها عربية ، وهي Schembs لا (شمس )، Caemer (قمر)، nar(نار).ومن الملاحظ أن كلمات مثل   stanza, estribillo ,conduetus  تتطابق في دلالاتها الاصلية في معانيها الفنية مع الكلمات العربية : مجرى، ومطلع أو مركز، وبيت ، لكننا بصرف النظر عن القرابة في المعاني اللغوية ،لا نعرف شيئا عن العلاقة الموسيقية بين الكوندكتوس اللاتينية والمجرى العربية . ان بعض الكوندكتي condueti(جمع conduetus ) هي على شاكلة الروندو والبالاد، اللذين كانا معروفين لدى شعراء الترو بادور الذين قد لا يكونون هم مبتكرو الـgaya ciencia ، ولكن حري بنا أن نكتشف متى أوجد هؤلاء الشعراء هذا الفن ، خاصة وان شعرهم وحياتهم لهما بصمات اسبانية . ان جي بي تريند J.B. Trend يرى أنهم تأثروا في أساليبهم وحتى في مواضيعهم بمسلمي اسبانيا، كما أن اسمهم يذكرنا على نحو أكيد بكلمة طواب العربية ، وهي التفاتة لم تغرب عن بال الكثيرين .

ولعل الاسبان الذين اقتبسوا الشعر والقافية العربيين ،على نحو ما فعلوا في الفلانسيو villancieo، تبنوا الموسيقى أيضا. وهذا أمر غير مستبعد عندما ندرك أن ضربة الريشة على أوتار العود الاسلامي أو البا ندورا هي التي تعطي الايقاع المميز للأغنية . ولا شك أن من أبرز ملامح الموسيقى الاسلامية التي أثرت  اسبانيا وحتى في أقطار أوروبية أخرى، الـmelisma، وبالانجليزية gloss التي تقابل (الزائدة ) في العربية التي أعتبرها جي بي. ترينا مشابهة للارابيسك في فن المدجنين Mudejar.وتحتفظ اللغة الاسبانية بكلمات عربية ذات صلة بعالم الموسيقى، مثل cana  (غانية )، hud (حداء)، anxis (نشيد)، leile (ليلة ) . ثم ان كلمةmaskar  الانسانية التي تقابلها كلمةmasker  الانجليزية ، وتعني (المقنع ، المتنكر، المرتدي قناعا) (وهو الممثل المسرحي ) مشتقة من كلمة (مسخرة ) العربية ، كما يؤكد هنري جورج فارمر.

وقد خلف الباحثون المسلمون منذ الكندي (ت 874م ) وحتى الجر جاني (ت

 1413م ) دراسات مهمة في الموسيقى النظرية . وما سه الفارابي وأخوان الصفا في علم الصوت كان متقدما على اليونانيين . ولا شك انهم اعترفوا بفضل اليونانيين كأساتذة لهم لكنهم كانوا يملكون حسا نقديا عاليا يؤهلهم لتشخيص أو رفض بعض الأخطاء اليونانية الفاضحة ، كتلك التي تتعلق بالضوء: فقد كان اليونانيون يعتقدون أنه ينتقل من العين الى الجسم ثم صحح الحسن بن الهيثم هذا الرأي الخاطيء، وقال بانتقال الضوء من الجسم الى العين . ويقول هنري جورج فارمر: ان التعليقات العربية على كتاب المباديء في الهندسة لأقليدس وكتاب النفس لأرسطو لابد أن يكون لها ما يوازيها في الفنون التأملية كالموسيقي.

وبلغت الدراسات النظرية الموسيقية الاسلامية ذررتها عند صفي الدين عبد المؤمن الأرموي البغدادي (ت 1294م ) في مؤلفيه (كتاب الأدوار) الذي ربما ظهر عام 1252م (قبل سقوط بغداد بستة أعوام )، و (الرسالة الشرفية ) التي ألفها في حدود عام 1267م لشرف الدين هارون . وكان صفي الدين موسيقيا صاحب حظوة في بلاط المستعصم آخر خلفاء بني العباس ، وناظرا لمكتبته ، وخطاطا أيضا. وقد شهد دمار بغداد، ونجا من الموت بفضل موهبته الموسيقية كما يقال . ويعتبر النصف الآخر من القرن الثالث عشر الميلادي واحدا من أهم المراحل في تأريخ الموسيقى النظرية العربية والفارسية . لقد شهد ظهور عدد من الكتابات النظرية امتد تأثيرها حتى يومنا هذا. وتستند الاساليب التحليلية التي تبناها هؤلاء النظريون الذين ينتمون الى ما بات يدعى بالمدرسة النظامية ، بالاساس الى (كتاب الادوار) لصفي الدين الذي كان أول كتاب ذي قيمة وصل الينا منذ أبحاث ابن سينا ( 980- 037 1م ) وابن زيلة (ت 48 0 1م ) كما يقول الدكتور أوين رايت . ومن أبرز هذه المؤلفات (شرح كتاب الأدوار ) لمولانا مبارك شاه و(درة التاج في غرة الديباج ) لقطب الدين محمود الشيرازي؟ و(مقاصد الألحان ) لعبدالقادر المراغي ( 1350 -1475م ). على أن مؤلفات صفي الدي وقطب الدين لم تتطرق الى الشكل الموسيقي سوى أن كتاب (الشرح ) لمبارك شاه يتضمن بعض الاشارات عن (النوبة ) وحركاتها. ولا نقف على تفاصيل عن الشكل إلا في القرن الخامس عشر، في مؤلفات عبدالقادر المراغي، كما جاء في كاب أوين رايت (النظام المقامي للموسيقى العربية والفارسية بين 0 125 – 0 170م ) المنشور عام 1978 عن مطبعة جامعة أوكسفورد.

واختلفت الآراء حول التأثير العربي على الغرب في الموسيقى النظرية . ويهذا الصدد يقول هنري جورج فارمر : "اذا كان بوسع المرء ان يقول بلا تردد أن الفكرة القديمة القائلة اننا مدينون في موضوع التقطيع الصلفجي solfaggio الى مصدر عربي بعيد الاحتمال . فان المصادر الأخرى المرجحة مشكوك في صحتها أيضا. كما أن استعمال المسلمين للهارمونية ، حسب مفهومنا نحن ، على نحو ما يذهب اليه ريبيرا بحماس ، غير صحيح أيضا." . ويعترف فارمر بان العرب استعملوا ما يدعى بالتركيبات ، أي العزف في آن واحد على الرابعة والخامسة ، أو الاوكتان (الجواب )، مع نوطات أخرى، بيد أنه يؤكد على أن هذا لم يكن سوى زخرفة (زائدة ) نادرة للحن . وادفي ضوء استعمالهم التركيبات " يمكن طرح السؤال الآتي، كما يقول فارمي "كيف لم يطور المسلمون الهارمونية ؟". أما الجواب على ذلك فهو ان المسلمين في عصورنا الوسطى، كما يقول فارمر ألموا بمبادي، الهارمونية وفق المفهوم الاغريقي للهارمونيا، خيرا مما فعلت أوروبا، غير أنهم طبقوا مبادي، الهارمونيا أفقيا، واستمروا على ذلك ، بينما وعت أوروبا مفهوم الهارمونيا العمودية منذ القرن التاسع . ومن جهة أخرى يؤكد فارمي على أن المسلمين برزوا على الأوروبيين في مجال آخر، في " نبضات قلب الكون " كما تدعى ايقاعات الموسيقى الاسلامية المطلقة واللامحدودة .

وفي حين المح هنري فارمر الى انه من المحتمل ان يكون " التركيب البدائي " الذي استعمله الأوروبيون كان " سلفا للأورغانوم الأوروبي "، فقد اعتبر بيلاييف ذلك أمرا أكيدا. وقد قام لورنس بكن Laurence picken بدراسات مقارنة في أرياف تركيا فوجد ملامح مشابهة لدراسات أوسينسكي وبيلاييف في تركستان . وبقول Picken إن وجود هذا الشيء في آسيا الصغرى، يقدم الدليل على أن "أداء الرابعات

والخامسات يمكن أن يوجد جنبا الى جنب مع أعمال هارمونية متطورة نسبيا" وهو شيء سائد في معظم البلدان الاسلامية . وعلى غرار بيلاييف يحيل pickern الى الاعتقاد بوجود جذور قديمة لهذه البوليفونية المبكرة أي الاورغاننوم Organum، ويقول انه "لما كانت الأعواد ذوات الرقبة الطويلة" أي الباندورا، "قديمة جدا " في تلك المنطقة فلا يمكننا أن ننفي احتمال أداء البوليفونية على الأعواد الحثية القديمة (الألف الأول ق .م ) ومع هذا فان البيانات الوثائقية تدلنا عن استعمال الاورغانوم عند الشعوب الاسلامية قبل العصور الحديثة نسبيا، كما يعقب فارمر، ذلك  الأستعمال المتزامن للرابعات والخامسات ، والأوكتاف ، لم يكن معروفا عندهم قبل القرن التاسع الميلادي .

وكان المستشرق الاسباني خوليان ريبيرا (1858 – 1934) من المتحمسين جدا للرأي القائل بوجود مؤثرات عربية في الموسيقى الاسبانية وكذلك الأوروبية وقد ضمن آراءه هذه في كتابه (الموسيقى في بلاد العرب واسبانيا). ومما جاء في هذا الكتاب ان العرب الاندلسيين صنعوا أصنافا مختلفة من الأعواد : سوبرانو (أعلى الأصوات ) ، وباريتون (الجهير الأول )،وما الى ذلك وباعداد مختلفة من الأوتار كما صنعوا العديد من الآلات الأخرى من العائلة نفسها، مما كان يغمز بالأصابع أو بالريشة. وقد انتقلت هذه الآلات الى أسبانيا ثم الى أوروبا مع أسمائها مثل العديد من الآلات الموسيقية والايقاعية الأخرى التي مر ذكرها.

وبصدد الموسيقى الشعبية الاسبانية وما تحمله من مؤثرات عربية يستشهد ريبيرا برأي رافائيل ميتخانا في قوله ؟ "ان معظم الموسيقى الشعبية الاسبانية التي تم حفظها تتسم بالافراط في الزخرفة وبالتضارب الايقاعي بين الغناء والآلة المصاحبة له ، وكذلك بالنزعة المتحررة المنفلتة في الرقص ، والمزاج الكئيب والمخنث في الأغنيات ، والافراط في الألوان المثيرة للشهوة. وهو ما يلمس في موسيقى شمال افريقيا والمشرق . " لكن مثل هذه ا لمؤثرات تبقى ثانوية وغير

مباشرة، ما لم نقف على نماذج وثائقية . ومن بين هذه النماذج يذكر خوليان ريبيرا لحنا في القرون الوسطى كان يغنيه المسلمون والمسيحيون على حد سواء في شبه جزيرة الأندلس بأس ها ؟ ومن كلمات هذه الأغنية :

Calvi vi calvi orabi وكانت شائعة جدا الى درجة انها أصبحت هن الأمثال الدارجة. ويعتقد ريبيرا أنCalvi ما هي الا "قلبي " العربية،وهي كلمة شائعة الاستعمال في

الشعر والغناء في الأوزان كلها. واما Orabi فلعل المقصود بها كما يرى، عريب الشاعرة والمغنية العربية ، التي كانت لها قصيدة مغناة مطلعها ،" ماذا بقلبي " .

ويشير – ريبيرا – الى الكا نسيونيروCancionero ، وهي مجموعة من الأغاني الشعبية في القرون الوسطى تحتفظ بها مكتبة القصر الملكي بمدريد وتشتمل على أغان كانت تغنى في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. وقد قامت كارولينا

ميخالس بدراستها وتحقيقها في مسعى للعثور على جذور أندلسية قيها . فاكتشفت ان لهذه المجموعة جذورا قديمة . بيد أن الدارسين الاجانب وجدوا فيها لغزا محيرا. فقد وجد فيها ريمان  Riemannثلاثة أشياء لافتة للنظر: أولا، ان الغناء

الأسباني تطور بصورة مستقلة عن الفن الأوروبي (على سبيل المثال ، انه استغرب حين لم يجد أي نمط في الاتباع الموسيقي Canon في هذه المجموعة التي تشتمل على 460 كانسيونيرو، أي أغنية)؛ ثانيا، ان اسبانيا على صعيد التأليف

الموسيقي كانت في نفس مستوى معظم الأقطار الأوروبية المتحضرة، ثالثا، وهي في الموسيقى المجردة (موسيقى الآلات ) ربما كانت في مقدمة هذه الأقطار جميعا. وبتساءل ريبيرا قائلا : ،"اذا كانت الكلمات ، وفي المقام الأول المقطوعات

الموسيقية في هذه الكانسيونيرو تحمل نفسا عربيا، واذا كان هناك دليل على أنها كانت نتاج مدارس عربية، الا يحل هذا لغز ريمان ؟" ويردف قائلا : " "وحسب هذه الكانسيونيرو بحد ذاتها أن تقدم لنا الدليل القاطع ، فمعظم أغانيها مؤلف على

طريقة الزجل . وبعضها على غرار زجل ابن قزمان (الاندلسي ) وهذه مقاطع من الكانسيونيرو المشار إليها:

من تودين ان تصحبي معك

يا إلهي !

آه ، فاطمة، فاطمة فاطمة

تلك الجارية الاندلسية الفاتنة

حبها يمزق نياط قلبي . . .

وجاء لحنها على النحو الآتي :

مي لا صول مي دوري مي

ري دو سي لا، لا سي دو ري مي (ري مي )

ويبدأ المقطع الشعري بأول هذين اللحنين ، ثم يعاد ثلاث مرات ، وينتهي باللحن الثاني أي على النحو الآتي : أأأ ب . وبهذا يتطابق تماما مع الشعر وهو ايقاع مشابه لما كانت عريب تستعمله ثم ان مدى الاصوات في هذا اللحن لا يتجاوز

الأوكتاف ، وهو أسلوب الموصلي . ومما تجدر ملاحظته أن الرباعيات العربية تأتي أشطارها الشعرية على شاكلة : أأأ ب . أما الرباعيات الفارسية فهي على نمط ب ب أ ب . ان ترتيب الرباعية الموسيقية الفارسية، وفق رأي ريبيرا، أغنى في صنعتها من الاندلسية، ذلك ان المقطع (أ) في الموقع الثالث يعطي الموسيقى كل زخمها، ثم ينتقل بعد ذلك في خاتمته الى المقطع الأول . بينما يبدو تكرار المقطع نفسه ثلاث مرات متتاليات ، كما هو الحال في الزجل الاسباني

(الاندلسي )، أكثر رتابة . لكن مع هذا فان هذه الرتابة تيسر مهمة العامة في المشاركة حيث تصفي الجوقة الى ثلاث اعادات للمقطع نفسه الذي ستؤديه .

ويتحدث أيضا عن أناشيد أو أغانيCantigas الفونسو الحكيم (القرن الثاث عشر). فمع ان عددها قارب فيما بعد الاربعمائة أغنية، الا انها كانت في باديء الأمر مئة في الأصل ، وذلك كما جاء في أقدم نسخة من هذه الأغاني وبكلمات الفونسو الحكيم نفسه : "هذا هو العمل الذي تقدم به الفونسو هدية للقديسة ماريا، وهو عبارة عن مئة أغنية ألفت إكراما لها ولمعجزاتها" . وهذا يذكرنا تماما،كما يقول ريبيرا، بالمئة أغنية التي تم جمعها لهارون الرشيد، التي كانت موضوع كتاب الأغاني لأبي الفرج .

والفونسو الحكيم هو واضع أشعار هذه المجموعة. فمن وضع ألحانها؟ في مخطوطة الاسكوريال التي تحتوي على هذه الأغاني ، توجد صور لموسيقيين يعزفون على آلاتهم ، وهناك صورة متميزة بوضوح لموسيقى مسلم يعزف على آلة وترية، والى جانبه مسيحي ينظر إليه فاغر الفم ، مما يورث انطباعا بانه يغني بمصاحبة موسيقى المسلم . فهل يمكن أن يكون هذا المسلم هو واضع موسيقى أغاني الفونسو الحكيم ، كما يتساءل خوليان ريبيرا؟

ويقدم ريبيرا تحليلا تفصيليا للرسم الموجود في الصفحة125 من مخطوطة الاسكوريال ,J.62 في محاولة للوصول الى هوية العازف الموسيقي الذي قد يكون هو ملحن أغاني سانتا ماريا التي ألف أشعارها الفونسو الحكيم ، فيقول : ". . . المغربي المرسوم في النقش . . . لا يعتمر بعمامة، ولا هو أسود؟ ان بشرته سمراء لكن من الطراز المائل الى الصفرة الدي نشاهده في الأندلس اليوم . وقد رسم وجهه أكبر من بقية الوجوه وبضربات ريشة مختلفة عن تلك التي استعملت لرسم الموسيقيين الآخرين ، وموضع المسيحي الذي يغني أمام المغربي الى عين القاريء ، أما المغربي فالى يساره ، وهذا يعني أن المغربي هو في الحقيقة الى يمين المسيحي في الصورة . وفي جميع المنمنمات يكون موقع العازف الرئيسي هكذا. وتنعكس طبقة الموسيقيين الاجتماعية أيضا في هذه المنمنمات ، فأولئك الذين هم الى يسار القاريء يرتدون جزمات ذهبية، بينما لا يرتدي مثل هذا الشيء من هم الى يمينه . وهكذا فان المغربي يحظى بمركز مشرف ، أكثر من

المسيحي . . . وهو يعزف على آلة وترية جليلة وقدمت له الخمرة أيضا، القرينة التي لا تنفصل عن الموسيقى المغربية، كمانعلم .

ويواصل ريبيرا كلامه متسائلا:"ألا يمكن اذن أن يكون هذا المغربي هو الفنان الذي وضع موسيقى الكانتيغاز لألفونسو؟ ان وجوده هنا في الرسم ، وهو المسلم الوحيد بين العديد من المسيحيين (هناك رجل وامرأة يبدوان عبريين ) قد يعزز هذه الحقيقة. اسمه ؟ هناك وثائق عن الفرقة الموسيقية المغربية في بلاط سانشو الرابع ، مع قائمة بالموريسكيين (المسلمين ) الذين تتألف منهم باسمائهم العربية، غير أننا لم نعثر حتى الآن على قائمة باسماء موسيقيين والد سانشو، الفونسو العاشر (الحكيم ) .

والأهم من ذلك ان قراءة تقنية لألحان هذه الأغاني تثبت على ان المسافات الصوتية فيها أشبه بأسلوب المنمنمات الموسيقية الاسلامية . وهذا يقدم دليلا آخر على المؤثرات الاسلامية في هذه المجموعة الغنائية الاسبانية المهمة .

وفي عام 1954 أعلن ليفي برفنال بصورة قاطعة ان النشيد الخامس من أناشيد دي غيوهم de Guillaume التاسع لم يكن قد دون على نحو خاطيء فقط ، بل كان

يشتمل في تقفيلته (Coda) على أربعة سطور عربية لا شائبة فيها. ومن هذا يتضح أن أقدهم التروبادوريين الفرنسيين لم يكونوا على صلة بالثقافة المشرقية في أثناء

الحرب الصليبية فحسب ، بل وبالحضارة الاسلامية في أسبانيا، الأكثر فاعلية . أما ما هو مقدار تأثر التروبادور بالجنوب فقد تم الكشف عنه ببراعة في مقالة بعنوان "حول التروبادورا، بقلم A.J.Denomy.

ويحدثنا فارمر عن الاكتشاف الذي توصل إليه المستعرب اللامع لويس ماسينيون في عام 1949 الذي اعتبرته ايزابيل بوب Pop نموذجا لـ "موسيقى عربية

مدونة" عثر عليها في مخطوطتين للشاعر الاندلسي الششتري (ت 1269 م ) في حلب والقاهرة. وببدو أن هاتين النسختين اللتين لم تكونا قديمتين جدا، تتطرقان الى بعض الأغاني المزودة بأسماء المقامات ، أي التلاحين ، والضروب (الأدوار الابقاعية) التي تغنى على هديها. وجاء فيها ذكر مقامات قديمة جدا، مثل عراق ، وحجاز ، وحسيني ، وعشاق ، رغم أن الآخر، مثل الدوكاه ، والسكاه ، والجهاركاه كانت معروفة في حدود ضيقة في أيام الششتري . ومع هذا فاننا نعلم من خلال ابن عباد المنفزي (ت 1390 م ) ان هذه الأشعار تم تلحينها، ولما كانت جميع المقامات المشار إليها أعلاه أصبحت في ذلك الزمن أنماطا متداولة في التأليف الموسيقي فبوسعنا القول بصورة عامة أن طريقة تدوين ألحان موشحات الششتري تشبه طريقة تدوين موسيقى الكنيسة المسيحية المبكرة .

ثم يخلص فارمر الى القول إنه بصرف النظر عن درجة قناعاتنا وشكوكنا حول مقدار التأثر الاسلامي في الثقافةالاوروبية يحسن بنا أن نتذكر أن المسلمين

والمسيحيين الاسبان في ظل حكمهم كانوا على مدى 700 عام " "هم الذين

حملوا وحدهم مشعل المعرفة والحضارة ساطعا ومتألقا أمام العالم الغربي " كما يقول S.lane poole في كتابه (العرب في اسبانيا لندن 1890، ص 43)، وان هذه الشعلة هي التي أسهمت في تمهيد الطريق أمام تقدم الموسيقى الاوروبية .

الهوامش

1 – شوقي ضيف : التطور والتجديد في العصر الأموي ، ص 27 ، دار

المعارف بمصر الطبعة الخامسة.

2 – المصدر السابق ، ص 28 .

124.3 -The Pelican History of music , vol.1p

3- ,Editd by Alec Robertson and Denis stevens

1982 ,Penguin Books

4 – روى صاحب الأغاني أن مغنيا تغنى في مجلس الخليفة الواثق بصوت لاسحاق الموصلي ، فنظر إليه المغني مخارق نظرا شزرا حتى ذا خلا به قال له : (ويحك ، أتدري أي صوت غنيت ، ان اسحاق جعل صيحة هذا الصوت بمنزلة طريق ضيق وعر صعب المرتقى، احد انبي ذلك الطريق حرف الجبل ، وعن جانبه الآخر الوادي ، فان مال رتقيه عن محجته الى جانب الوادي هوى، وان مال الى الجانب الآخر طحه حرف الجبل فتكسر" – اغاني 305/5 طبعة ساس ، عن كتاب وقي ضيف : العصر العباس الأول ، سلسلة (تاريخ الأدب العربي )

ص 61 " الطبعة السادسة دار المعارف بمصر.

5 – الموسيقي العراقي المعاصر، والعازف على العود، المعروف بتآليفه

التي جاءت امتدادا لطريقة الشريف محيي الدين حيدر.

6- كان زرياب مولى عند المهدي ، الخليفة العباسي ، وتتلمذ على اسحاق

الموصلي، واتقن اغانيه بسرعة، وفاق استاذه في الغناء، وخاصة ق اداء

الأصوات العالية . وهاجر الى الأندلس خشية أن يكيد له استاذه وفي

الاندلس توافرت له فرص التقدم والنبوغ .

المصادر الأساسية :

1 – أتش . جي . فارمر : موسيقى الاسلام ، في كتاب :

  The Now Oxford History of Music

2 – خولينان ريبيرا : الموسيقى في بلاد العرب وأسبانيا (الترجمة

الانجليزية عن الاسبانية).

3 – اوين رابت : النظام المقامي للموسيقى العربية والفارسية بين 1250

– 1300 م ، المنشور بالانجليزية في عام 1978 عن مطبعة جامعة

أوكسفورد  ،

4 – كلير بولن : موسيقى الشرق الأدنى القديم

Music of The Ancient Near East . Greenwood press

.Publishers Westport Connecticut , USA,

5 – تاريخ بليكان للموسيقى (القسم المخصص للموسيقى العربية).
 
علي الشوك  (باحث انثربولوجي وموسيقي واستاذ جامعي يقيم في لندن) 

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …