أخبار عاجلة

الوردة الحجرية

 هأنذا أتنفس الصعداء وبانتظار الغد الذي أصبح شرفة لاحلامي بعد أن قطعت آخر شعرة تربطني بالماضي . . الآن بعد أن ذاب كل شيء كالملح في الماء ، أو كالحزن في النسيان : البشر برئاتهم الممتلئة هواء خائفا ، الحيوانات بأنينها المكتوم ،جوع الفقراء المزمن وفرحهم المزجوج  به في غياهب الحزن ، عنجهية ذوى الكروش الممتلئة الذين يرسمون بظلالهم طرقا لا تؤدي إلا الى الهاوية ، الزمن الرديء الذي تحصد مناجله حتى لحظات الحنين والرغبة .

الآن بعد أن عاد كل شيء الى أبيه التراب لا بد أن يتغير كل شيء بدءا من هذا الاسم الملعون الذي أطلقوه علي دون استشارتي :"الوردة الحجرية ".. كلهم اتفقوا على وصمي بهذا الاسم دون أن يفكروا ان كان يعجبني أم لا .. قال لهم خالد : يا أغبياء لماذا تضعون الوردة والحجر في سلة واحدة ؟!.. انها تستحق منكم اسما أجمل من هذا ، لقد أعطتكم كل شيء . الحب ، الدفء ، الذهب ، الماء ، الحياة .

وكان أن حشروه في زنزانة مظلمة لا يعرف فيها الفرق بين الجرح والسكين آه خالد .. كم أنا حزينة لأجله .. ما أبهظ الثمن الذي تدفعه الحياة للموت كي يغض الطرف عنها قليلا .. أكان يجب أن يذهب خالد لأبقى أنا .. ماذا أعطيت هذا العاشق المتيم بي سوى أنني قذفت به في فك الموت الفاغر فاه  قال لي : أحبك
قلت : اثبت لي
( كنت مريضة ولم أكن أبحث عن الحب بقدر ما كنت أبحث عن الحياة )

– أنا شاعر ولا أملك الا الكلمة
– وهل يستطيع شاعر أن يبعد عني الموت الفاتح ذراعيه
– صدقيني .. الموت ليس مجنونا ليقترب من شاعر
– لو أنك بقيت كيميائيا أما كان محتملا أن تكتشف اكسير الحياة
– لو ظللت كيميائيا لما اكتشفت أن اكسير الحياة هو القصيدة ولم أصدقه .. خذلته وهو الذي لم يخذلني قط في الوقت الذي خذلني فيه كل أهلي .. أهلي الذين دأبوا على بيعي لتاجر يغتصبني عددا من السنوات ، يسرق الشمس من وجهي ويسلبني زهرة العمر ثم يسلمني لتاجر آخر يفعل مثله ويلفظني بدوره الى تاجر ثالث وهكذا دواليك .

كان خالد يحرص دائما على الا تفوته لحظة تسليمي من تاجر الى آخر .. "بعد أن يرخي التاجر القديم قبضته عليك ، وقبل أن يحكم التاجر الجديد قبضته هو الآخر ، ثمة لحظة لا تقدر بثمن ، أشتريها بحياتي ان لزم الأمر ، لحظة الحرية والانعتاق التي تجعلك أجمل وأشهى من أجمل وأشهى امرأة في العالم".. هكذا قال في المرة الأخيرة عندما سألته عن سر وجوده في ساحة الاحتفال الذي يكرسني لمغتصب جديد هو الذي نذر عمره لمحاربة مثل هذه الاحتفالات التي كان يسميها مزادات .. في تلك المرة كان قد فقد الكثير من صبره

– اتركوها أيها الأوغاد .. كفاها اغتصابا .. دعوها تعيش أمسكه أعوان التاجر/ المغتصب الجديد وقذفوه خارج ساحة الاحتفال .. ولكنه لم يستسلم .. ظل يفضحهم بقصائده وكلماته الساحرة .. سجنوه .. عذبوه دون أن يفت ذلك في عضده .. ولكن .. عندما قطعوا لسانه ورموا به الى الغربان كان اليأس قد بدأ ينخره كالسوس .. لقد فقد شقته في جدوى القصيدة أشد ما كان يحزن خالد أن أهلي كانوا يتصرفون بسلبية عجيبة .. اكتفوا بالتفرج علي دون أن يحاولوا مساعدتي أو مساعدته في مساعدتي .. قبل

أن يقطع لسانه بقليل صرخ في أهلي :
– جبناء .. أنذال .. ان معاشرة الفئران أشرف منكم وعندما عاد الى معمله كان قد قرر تطليق الشعر الى الأبد .. حزم أمره على اكتشاف علاج كيميائي لخوف الفئران من القطط .. قضى سنوات بين المحاليل يخلطها في بعضها البعض ويسقيها للفئران ثم يخرجها من قفصها .. ومن القفص الآخر يخرج القطط .. لكن الفئران كانت تهرب دائما من المواجهة وفي يوم الاحتفال /المزاد نجح في المحاولة ( أو ظن أنه نجح ) .. خلط الحامض النووي لبكتريا بالحامض النووي لبكتريا أخرى فكانت النتيجة بكتريا ثالثة حقن بها أحد الفئران .. دهش لما رأى الفأر متسمرا مكانه لا يحاول الهرب من القط الأسود المخيف .. استمرت المعركة ساعة كاملة نهش القط خلالها بعضا من لحم الفأر ، ولكنه أنهك في النهاية وربض بجانب الفأر كصديقين حميمين .. دهش خالد أكثر عندما لم يحاول القط الهرب من الكلب الذي دخل من باب المعمل بشكل فجائي أخاف خالد نفسه .. انتهت المعركة الجديدة بأن نام الكلب بجانب القط والفأر كأخوة في الدم .. انتابت خالد نشوة غامرة إثر استنتاجه أن البكتريا التي اكتشفها هي التي منحت الفأر الشجاعة وعدم الخوف وأن القط أصيب بعدوى هذه الشجاعة بمجرد ملامسته للفأر .. فكر خالد : ماذا لو أصابت هذه العدوى كل أهالي الوردة الحجرية ! .. لم يكن لديه وقت ليضيعه فالاحتفال سيبدأ بعد أربع ساعات .. حقن نفسه بذات البكتريا المكتشفة وارتدى خرقة بالية وخرج .. كان في عجلة من أمره لدرجة أنه لم ير ماذا حصل للحيوانات الثلاثة بعد خروجه وعند مدخل ساحة الاحتفال كانت ثمة يد لرجل مقطوع اللسان تمتد بانكسار مصطنع لأياد أخرى ، تعطيها ورقة نقدية فتقبلها ، أو لا تعطيها فتتشبث برجل صاحبها الى أن تركلها رجله الأخرى .. وبهذه الطريقة امتناع خالد أن يلمس معظم الداخلين الى الساحة وفي الوقت المحدد بدأ الاحتفال :
قال المغتصب الحالي الذي يوشك أن يصبح مغتصبا سابقا :
– أيها القوم .. ان الأمانة حمل عظيم عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ، وحملتها أنا ( وأمسك بيدي ) وهأنذا أسلم الأمانة الى رجل آخر أتمنى أن

يحذو حذوي في الحفاظ عليها وصونها من كل مكروه ( وأشار الى المغتصب الجديد أن تقدم ) وهنا حدث ما لم يكن في الحسبان :
قفز خالد بسرعة أرنب بري الى خشبة المسرح التي كان التاجران وأعوانهما يؤدون أدوارهم ببراعة عليها وخطف يدي قبل أن تصل الى يد التاجر الجديد واحتضنني .. احتضنني بقوة شعرت معها أن روحا سحرية تنفث في .. لم أعد حجرية لحظتها .. أقسم أنني لم أعد حجرية .. أصبحت وردة فقط .. وأصبح قلبي حديقة عصافير ..

استشاط التاجر الجديد غضبا وأومأ لحارسه الشخصي أن افعل شيئا .. وما هي الا لحظات حتى كان الحارس (شديد ) ضخم الجثة يأمر خالد بالابتعاد .. لكن خالد كان يزداد تشبثا بحضني كأنني أمه .. شده (شديد) من رجله فخلعت بسهولة أدهشت الجميع بمن فيهم (شديد) نفسه .. ثم شد الرجل الأخرى فانتزعها .. يدا خالد تزدادان تشبثا بي .. شده من شعره فانخلع رأسه .. لكن يدي خالد كانتا لا تزالان تعصرانني بعنف تبعثان في قوة غامضة لم أشعر بها من قبل أنا المريضة على الدوام .. كان خالد يتحلل .. وكنت أتحرر .. نزع شديد أحدى يدي خالد .. كان قلبه لا يزال ينبض .. سمعت النبضة الأخيرة تقول : الآن أستطيع أن أقول انني حي .. انتزع شديد اليد الأخرى فسقطت الجثة معطرة بالدماء أعجب التاجران القديم والجديد وأعوانهما بقوة (شديد) التي مكنته من انتزاع لحم خالد بسهولة انتزاع الفرح من قلب طفل .. صافحوه واحدا واحدا .. ثم هتف التاجر الجديد بطريقة خطابية موجها كلامه الى الجمهور الذي يملأ الساحة :
– لقد قام هذا الرجل بعمل بطولي اذ أنقذ الوردة الحجرية من ذلك المعتوه الذي حاول اغتصابها ، أدعوكم الى تميته الآن ضجت الساحة بالتصفيق .. صفقة … صفقتان .. ثـ… ثم سكت التصفيق فجأة اذ سقطت راحات المصفقين تحت أقدامهم .. ( كانوا يتحللون أيضا ) .. وما هي الا سريعات حتى تحلل (شديد) وكل من صافحهم وامتلأت ساحة الاحتفال بالجثث ..

بعدها بقليل هطل المطر غزيرا .. غسلني .. طهرني .. أعاد الي بكارتي .. وهأنذا أتنفس الصعداء بانتظار الغد الذي أصبح شرفة لأحلامي.
 

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …