أخبار عاجلة

الوقوف على جدار اللغة بحث في قضية اللغة الشعرية لدى حركة مجلة “شعر”

1-1-

هل هناك لغة شعرية ، وأخرى غير شعرية ؟ لقد غدا هذا السؤال كلاسيكيا وبعيدا عن المناقشات السجالية التي أثارها عبر العصور فانه يمكن القول – مع بعض الدراسات الحديثة – إن الشعر هو اللغة بمعنى من المعاني ذلك ان اللغة الشعرية لا تتحقق إلا على مستوى التركيب ، الذي يقوم على خرق منطق العلاقات المألوفة في اللغة العادية ، عن طريق الانزياحات التي يحدثها بين الكلمات والجمل والمقاطع .

ومن هنا فان اللغة الشعرية لا تتحدد إلا من خلال وظيفتها البنائية داخل القصيدة وهي وظيفة مزدوجة في بعدها: ترمي من جهة الى التواصل بحملها «مضمونا» ما، وتهدف من جهة ثانية الى التأثير الجمالي والنفسي على المتلقي.

وهكذا يمكن أن نميز داخل اللغة الشعرية بين مستويين : مستوى إخباري تواصلي ، ومستوى رمزي اشاري، ولا فصل بين المستويين ، إذ العلاقة بينهما جدلية تنهض عل الاضاءة المتبادلة . فبدون المستوى الأول يتحول الشعر الى الغاز وطلاسم ، وبدون المستوى الثاني، لا تتحقق الشعرية ، وينعدم الفرق بين الكلام العادي وبين الشعر، ونصبح آنذاك . في أحسن الأحوال أمام نثر موزون .

إن اللغة ليست قالبا للافكار بقدر ما هي تعبير عن رؤية مستعملها الى العالم  وهذا بالضبط ما فرض منطق التطور على اللغة ، فكما طرأ تحول في حياة الانسان ، اشتدت حاجته الى ابتكار أشكال جديدة ، بإمكانها أن تستوعب هذا التحول ..وهذا ما يفسر انقراض لغات ، وولادة لغات أخرى.

ومن هذه الزاوية فإن للغة العربية وضعا خاصا، فنظرا لأسباب تاريخية ودينية ، احتفظت بنياتها الاساسية بقرون طويلة ، ولم تستطع رياح التغيير التي عصفت بالعالم العربي – سلبا وايجابا -أن تنال منها – فكان أن تطورت المجتمعات العربية ، ولكن اللغة بقيت كما كانت عليه .

والنتيجة : هذه الازدواجية اللغوية التي يعرفها العالم العربي من أقصده الى أقصده بين لغة تكتب وأخرى تتكلم . واذا سلمنا بأن الازدواجية ليست مقصورة على العرب وحدهم ، على اختلاف حدتها، فان اللغة العربية الفصحى، التي هي اللغة الرسمية لكل العرب _ بالمعنى المؤسساتي للكلمة – تحتاج الى مجهود جدي لتساير التطور الحضاري السريع للعالم . فالعربي "يتوفر على لغة للكتابة والتفكير، على درجة عالية من الرقي، من حيث آلياتها الداخلية ، ولكن هذه اللغة ذاتها لا تسعفه بالكلمات الضروريه عندما يريد التعبير عن أشياء العالم المعاصر" (1).

لقد كان من نتائج هذا الخلل ان اتسعت الهوة بين العربية الفصحى والعربيات المحلية . وزادت المرحلة الاستعمارية والنزعات الاقليمية التي ظهرت هنا وهناك في اتساع تلك الهوة .

ولما كان التواصل وظيفة رئيسية في كل عمل أدبي، فان شكوكا كثيرة قد أثيرت حول مقدرة اللغة العربية الفصحى على تحقيقه ، خاصة وأنها لغة المتعلمين والمثقفين فحسب . وفي وقت كان فيه أغلب أفراد المجتمعات العربية يعانون الأمية ، فكان التعبير الأدبي باللغة الفصحى، أصبح مجالا للسؤال عن جدواه ويمكن أن نميز في هذا الصدد بين ثلاثة اختيارات رئيسية :

1 – يتمثل الاختيار الأول في التمسك باللغة العربية الفصحى، لأنها تجسد الى حد بعيد هوية الانسان العربي، فهي لغة القرآن ، ولغة التراث ، والتخلي عنها يعني التخلي عن أحد المقومات الحضارية التي تحدد ملامح الهوية العربية . وبدل التفكير في بدين عنها، ينبغي العمل على انتشارها.

2 – ويقول الاختيار الثاني باللغة الوسطى التي تبقي على جوهر العربية الفصحى، ولكنها لا ترى بأسا في تقريبها الى اللغة اليومية وذلك بالتخلص من المفردات الصعبة والتراكيب المعقدة . وبهذا تكون اللغة الوسطى مزيجا توفيقيا بين الفصحى والعامية ، فتتمكن بذلك من تحقيق التواصل من ناحية ، والحفاظ على الهوية العربية من ناحية ثانية .

3 – ويذهب الاختيار الثالث الى أن الأدب لكي يقوم بدوره ووظيفته داخل مجتمع ما، لا مندوحة له في أن يعبر بلغة العامة ، وذلك من شأنه أن يخرج الأدب من نخبويته من جانب ، ويضمن التطابق بين اللغة والواقع من جانب آخر.

1-2-

لا يتسع مجال هذه الدراسة لمزيد من التفصيل في الحديث عن تلك الاختيارات ولا عن الخلفيات الأدبية وغير الأدبية التي حكمتها، وانما أتينا على ذكرها لأن حركة مجلة " شعر" (2) قد عاشت في خضم المشكل اللغوي في الشعر، في أعنف صوره . بل يمكن القول : إنها حاولت أن تصوغ طرحا متميزا في هذا المجال .

ولعل المشكل اللغوي كان يحظى من لدن "شعر" بحساسية خاصة وهناك مظهران _على الأقل – لهذه الحساسية : المظهر الأول يتجلى في أن هذا المشكل كان سببا مباشرا في توقف الحركة عن النشاط ، حين أعلن يوسف الخال اصطدامها ، بما اسماه جدار اللغة . والمظهر الثاني يتمثل في أن المشكل أثار خلافا كبيرا بين أعضاء الحركة ، يرجح أن يكون وراء الانسحابات التي عرفتها منذ1962(4). الشي ء الذي يدل على وجود صراع داخل حركة مجلة "شعر" بخصوص اللغة ، بين جناحين جناح يتبنى «اللغة المحكية » وكان يتزعمه يوسف الخال . وجناح كان يدافع عن اللغة العربية الفصحى، وكان يقوده أدونيس .

1-3-

لقد وجدت دعوة بعض الشعراء الغربيين – وعلى رأسهم ت .س . إليوت – الى ضرورة اعتماد اللغة اليومية في الخطاب الشعري، صدى واسعا لدى الشعراء العرب المعاصرين ، فافتتنوا "بما حققه شعراء الغرب وبالآفاق البعيدة التي بلغتها تجاربهم الابداعية . وقد مال البعض الى الاعتقاد أن واحدة من صعوبات اللحاق بشعراء الغرب ، واختزال المسافة الابداعية القائمة ، تبدو كامنة _ كما ذكر يوسف الخال _ في كون الشاعر العربي يفكر ويكتب باللغة الحية لمجتمعه ، في حين أن زميله العربي يفكر ويتحدث بلغة ثانية " (5)

وبالنظر الى الفرق المشار اليه بين اللغة العربية الفصحى واللغات المحلية ، فان الأمر يكتسي طابع الخصوصية في البلاد العربية ، ذلك ان ركوب اللهجات المحلية يعني الفاء للبعد العربي وتكريسا للبعد القطري والجهري. لهذا فإن يوسف الخال عندما يتحدث عن لغته الشعرية المقترحة ، فانه لا يسميها لهجة ، ولا لغة عامية ولا لغة دارجة . وانما يسميها "لغة فصيحة " تارة و" لغة حديثة " تارة أخرى، و" لغة محكية " تارة ثالثة . وهذه التسميات انما هي مؤشر على الحساسية التي تتميز بها المسألة اللغوية ، وادراك لخطورتها. فهل يتعلق الأمر بمحاولة " ترميم " للعربية الفصحى حتى تصبح أكثر استجابة لروح العصر؟ أم يرفضها ويأتي اقتراح بديل عنها؟

ينطلق يوسف الخال في تحديده لما يسميه " اللغة المحكية " من مسلمة تقول: إن "اللغة لا تنفصل عن الانسان ،وانها أداة تتطور بتطوره ، وان صفاتها الأساسية واحدة في اللغات جميعا" (6) وراح يناقش المساله اللغويه  على ضوء هذه المسلمة. فاكتشف ان "اللغة العربية مظلومة بالمتكلمين بها لقد تطورت بالكلام ، ولكن المتكلمين لم يعترفوا بتطورها بالكلام ، كأي لغة

حية في العالم . لقد طوروها بالكلام ، ولكنهم يكتبونها كما هي، حسب الطريقة القديمة التي لم تتطور. واقصد قواعدها ونحوها وصرفها، ولا أقصد المفردات . اللغة العربية هي ذاتها، لغة الجريدة مثل لغة نهج البلاغة ، بدون فرق . إذن ، اللغة واقعة في ظلم لابد أن ينفجر يوما"(7).

هكذا يصوغ يوسف الخال اشكالية اللغة العربية ، أو ما يسميه " جدار اللغة ". فالمسألة تتعلق بازدواجية لغوية ، ولكن ليس بين الفصحى واللهجات ، كما قد يتبادر الى الذهن لأول وهلة ، بل بين المكتوب والمنطوق . فالمنطوق يخضع لطقوس اللغة العربية التي لم تتغير منذ القديم ، والمنطوق يتمرد على هذه الطقوس ويكون لغته بعيدا عنها.

ولما كان الكلام _ مثله مثل الكتابة – خلقا، فان هناك علاقة تفاعل بين الكلام والكتابة . وهو ما أدى الى تقليص المسافة بين الكتابة والكلام ، أو محوها ، في اللغات الأخرى، اما في اللغة العربية "فلا يتم هذا التفاعل إلا ببطء كثير، لأن لنا لغتين ، تطورت احداهما عن الأخرى، واتسعت الهوة بينهما الى حد الانفصال " (8).

كيف يتم ردم هذه الهوة ؟ يقترح يوسف الخال «اللغة المحكية » كمخرج من هذا المأزق اللغوي. وذلك بغية إذابة الفرق بين اللغة المكتوبة (الفصحى) واللغة المنطوقة (العامية ). وهكذا أضاف لغة أخرى فأصبح التمييز بين ثلاثة استعمالات للعربية ضروريا.

2-1-1

اللغة العامية . وهي لغة التواصل اليومي العادية . انها اللغة التي لا تكتب ، مما جعلها غير صالحة للخطاب الأدبي. وهذا ما يؤكده يوسف الخال نفسه حين يقرر :"أنا أرفض أن أقول إنني  أكتب لغة عامية» (9). لأن "كتابتها في نظري غير صحيحة من ناحية ضبط كيانها اللغوي وقواعدها. فلفة الكلام كما درج على  كتابتها لا تزال متأثرة بالصوتية على أسلوب  الزجالين "(10).

اللغة العربية الفصحى ويضيف اليها يوسف الخال صفة "القديمة " . ومن خصائصها عنده انها تكتب ولا تتكلم ولأنها لم تتطور بتطور المجتمع العربي، فانها قاصرة عن التعبير عن حاجات الانسان المعاصر. وعليه فانه يرى انها لا تصلح بدورها لغة شعرية . انها معقدة في نحوها وصرفها الى الحد أدان أبناءها لا يستطيعون تعلمها "(11).

2-1-3

اللغة المحكية ويسميها يوسف الخال "اللغة العربية الحديثة " كما سلف . وهي التي تحكي وتكتب في نفس الوقت ، ويصر صاحب مجلة " شعر" على انها تطوير للعربية الفصحى.  لذلك يرفض أي فصل بينهما.

ويشرح يوسف الخال مفهومه – "اللغة المحكية " بقوله : «أنا نظريتي بكتابة اللغة المحكية أدبيا، مع الحفاظ على أصولها وانتمائها للغة الفصيحة . لا أفصل بين المحكية والفصحى. أنا أقول إن اللغة التي كتبت بها (الولادة الثانية ) هي اللغة العربية الحقيقية"(12).

واضح ان في كلام يوسف الخال هذا بعض الاضطراب . ولعل مرده الى انه أخذ من حديث شفوي اجراه معه جهاد فاضل . ولكن هذا الاضطراب لا يمنع من تحديد "اللغة المحكية " بخاصيتين : أولاهما ان هذه اللغة هي امتداد للعربية الفصحى، ولذلك فإنها تكرس أصولها، وتعلن انتماءها اليها. ثانيتهما أن "اللغة المحكية " هي غير العامية . ومن ثم فان "المحكية " يمكن اعتبارها بمعنى ما فصيحة حديثة ، في مقابل الفصحى القديمة وحداثتها هي التي جعلت منها لغة الأدب بامتياز . إذ أدلا أدب حديث إلا بلغة حديثة . ما هي اللغة الحديثة ؟ هي التي تحكي. لا  التي تكتب ولا تحكي . هذه ليست لغه حديثه " (13).

2-2-

لم يقدم يوسف الخال نظرية مفصلة لمشروعه اللغوي الداعي الى تبني "اللغة المحكية ". وانما جاء عرضه للمشروع عبارة عن إشارات موزعة هنا وهناك . ويبدو أن طموحا كان يقوده الاعجاب بما حققا بعض الشعراء الغربيين في هذا المجال ،أكثر مما كان ينطلق من بحث معمق في وضعية اللغة العربية . ومن ثم فإن مرجعيته في صياغة مفهوم "اللغة المحكية " لا تستند الى تحليل المعطيات التاريخية والموضوعية للوا قع اللغوي العربي. وانما تستند بالدرجة الأولى الى النجاح الذي حققته التجربة الغربية ، في محاولتها لتقريب اللغة الشعرية من اللغة اليومية . فإذا صح القول إن الشعر لغة فان اللغة شعر بالمقابل "فلولاه لا تتجدد اللغة ، ولا تنمو ولا تبقى فهو دائما يخلقها كتابيا ، ويخلقها المتكلمون بها كلاميا. وبين الخلق الكتابي، والخلق الكلامي صلة حميمية ، جعلت عزرا باوند وت .سي . إليوت رسواهما من أقطاب الشعر والنثر المعاصرين ان يقولوا بضرورة اقتراب الشعر في الأخص من الكلام المحكي"(14).

إن سلطة هذه المرجعية على يوسف الخال لم تمهله ما يكفي من الوقت لكي يبلور بشكل واضح مفهومه للغة المحكية ولهذا جاء كلامه عاما، لا يسعف على تحديد دقيق لملامحها.

2-3-

إن الطرح المركزي الذي انطلق منه يوسف الخال ، يقول بتجاوز الازدواجية اللغوية بين الكلام والكتابة . ومن أجل ذلك دعا الى تخليص اللغة العربية مما يعتبره "اثقالا " تكرس تلك الازدواجية ، ذلك ان "الاثقال التي نحملها بهذه اللغة العربية الفصيحة ، والتي لا نحكيها، طرحناها جانبا. ونتكلم بدونها ونتفاهم . نتكلم أعمق موضوع نشاء بهذه اللغة ، متروكا منها الأحمال والاعباء: النحو مثلا، المثنى،نون النسوة الخ . هؤلاء لا نستعملها عند الكلام .ومع ذلك فاننا نتفاهم "(15). واضح من خلال هذه الاشارة – ولعلها من الاشارات القليلة التي يدخل فيها يوسف الخال في التفاصيل – ان "اللغة المحكية " تحتفظ بجميع مكونات العربية الفصحى ، ما عدا بعض القواعد النحوية ، بما فيها الحركات الاعرابية وبعض الضمائر.

ولما كانت اللغة – اية لغة – تتأطر في بنية لا يمكن فصل عنصر منها دون المساس بالعناصر الأخرى، فان الدعوة الى التخلي عن قواعد النحو، بعض الضمائر لا يكفي لانجلاء الرؤية عن "اللغة المحكية ".

وقد زاد من صعوبة تحديدها ان الخال نفسه لم يمارس هذه اللغة شعريا، إلا في حدود ضيقة جدا. مما لا يسمح معه بالخروج بنتائج واضحة وحاسمة . فلقد اتخذ توظيف يوسف الخال للغة المحكية ابداعيا أربعة مظاهر.

في الأول ، كان يحرص _ شأنه في ذلك شأن أغلب شعراء الحداثة على تبسيط العربية الفصحى من خلال انتقاء المفردات القريبة من القاموس اليومي والابتعاد عن الترا كيب المعقدة. باعتماد الجمل القصيرة التي لا تثير اشكالات نحوية للقاريء وقد كتب على هذا المنوال  "البئر المهجورة ".

وفي الثاني، لم يكتف بالاقتراب من المعجم اليومي ، بل لجأ الى خرق قواعد اللغة العربية كما في المثال التالي (16):

رفاقنا الهناك في الرمال

أثروا البقاء تحت رحمة الأجير والنقيع والضجر

فقد استعمل يوسف الخال " ال " اسم موصول بدل "الذي" اضافة الى انه قد ألحق " ال " بغيرها تلحق به في العربية إلا شذوذا.

ويتجلى ثالث المظاهر، في أن الخال عمد الى دس جمل بكاملها باللغة العامية في طيات بعض قصائده .كما في قوله (17):

راح أرجع عيش بابيات شعر دارج

واتغزل للعرب ديوان كله برق

يعلقوا قصائده ع حجر اسود جديد

أما في المظهر الرابع فان الخال يتبنى "اللغة المحكية " في العمل كله والواقع انه لم يكتب سوى   محاولتين على صفحات مجلة " شعر"، تدخل في هذا الباب . الأولى متابعة نقدية (18)

والثانية فصل من مسرحية شعرية تحت عنوان "غريب في يوم واحد"(19)، نثبت منها هذا المقطع كنموذج للغه المحكية.

مسكين قلبي يايسوع صغير

لكن بحبك وسع هالدنيا

غفر لي أنا الخاطي. مضت أيام

نكرت فيها محبتك ويئست

منك ومن حالي يئست كتير

يفصح هذا المقطع الذي سيق عل سبيل المثال لا الحصر ، عن أن "اللغة المحكية " التي نادى بها الخال ما هي في الحقيقة سوى العامية اللبنانية التي سبق أن تبناها ودعا اليها سعيد عقل . مع فارق شكلي يتمثل في أن عقل عمل على تحقيق التطابق الصوتي ،وتحققه على الحرف ، في حين أن الخال راعي علاقة الحرف بالتركيب والصيغ الصرفية . وهكذا فان سعيد عقل يكتب "معلمة " و" كتابه " مثلا ،"معلمي" و"كتابو" دونما اعتبار لتاء التأنيث وللضمير المتصل أما الخال فكان يرى أن "التاء "معلمة " هي حتى صوتيا ماء مخففة وليست ياء. والدليل ذلك أنك عندما تضيفها تصبح تاه مربوطة مثل " معلمة المدرسة "،كما الحال في اللغة العربية المكتوبة"(20).

وهكذا فان الخلاف بين الخال وعقل بصدد هذه النقطة لا يطال جوهر المسألة اللغوية . فهما متفقان على مبدأ اللغة العامية – على اختلاف التسمية – انهما يختلفان حول الجانب التقني فحسب ، أي طريقة كتابة تلك اللغة ، ورغم ذلك فان هذا الخلاف ليس هينا، لأن الخال كان يهدف الى اثبات العلاقة بين الفصحى والعامية ، باعتبار الثانية تطويرا للأولى وامتدادا لها. أما سعيد عقل فكان يروم الى إعطاء اللغة العامية استقلالا كاملا عن الفصحى. ومن هنا فان يوسف الخال يأخذ على عقل طريقته في كتابة العامية . ويقول إن تلك الطريقة "تقتلع لغة الكلام من أصولها كلفة فصيحة ، متطورة . وهو موقف ينطلق سعيد عقل من إيمانه الطامح بالمعادلة التالية :

أمة لبنانية = وطن لبنان = لغة لبنانية "(21).

ومهما يكن من أمر الاختلاف بين يوسف الخال وسعيد عقل ، فان الامثلة التي ساقها البحث من شعر صاحب مجلة " شعر" تبين عن عجز فادح عن استيعاب "اللغة المحكية " شعريا. فهناك مسافة بين التحديدات النظرية وبين تحققها على مستوى الابداع . وهو ما يبدو طبيعيا لأن التغيير اللغوي _ في أية لغة –  لا يتم بقرار فردي أو جماعي ، بل يتم متى توافرت الشروط الموضوعية لذلك ،´تبعا لحاجة المجتمع الى التواصل . ومن هنا فالظاهرة اللغوية أكثر تعقيدا مما تصوره يوسف الخال . ويهذا يمكن تعليل الفشل الذريع الذي منية به دعوته الى "اللغة المحكية ".

لقد بدا هذا الفشل واضحا على مستوى ابداع الخال الشعري فلقد كتب أغلب شعره بالعربية الفصحى. وتكاد المحاولات التي اتخذ فيها "اللغة المحكية " اداة للتعبير، لا تعتبر إذا قيست بانتاجه الشعري الفصيح . وقد سئل الخال عن سبب عجزه التوفيق بين ما يدعو اليه نظريا وبين ما يمارسه ابداعيا فأجاب : ددغير ضروري أن يستطيع الانسان تجاوز ما يدعو اليه . فإذا دعوت مثلا الى إلغاء الازدواجية في اللغة العربية باعتماد لغة الكلام لغة أدبية ، فهذا لا يعنى بالضرورة أن أفعل ذلك وأتوفق فيه "(22) .

وكما لم يستطع يوسف الخال تحقيق التطابق بين ما ينظر له ، وبين ما يمارسه ابداعيا، فانه لم يستطع أن يقنع رفاقه داخل حركة مجلة " شعر" بجدوى مشروعه اللغوي، باستثناء انسي الحاج الذي أبدى تعاطفا مع الخال، على الرغم من انه لم يحاول الكتابة بالمحكية أو التنظير لها.

ويظهر ان المسألة اللغوية _كما طرحها الخال _كانت مثار خلاف حاد بينه وبين باقي أعضاء حركة مجلة "شعر". ولكنه كان خلافا داخليا، لم يتخذ طريقه الى صفحات " شعر" حفاظا على ابقا؟ الحركة على قيد الحياة لمدة أطول .

ولكن المتتبع لحركة مجلة " شعر" ، وللصراعات الظاهرة حينا، والخفية أحيانا أخرى بين اجنحتها، لا يسعه في نهاية التحليل إلا الاقرار بأن الانسحابات التي عرفتها "شعر" سنتي 1962 و1968، كانت ترجع في جانب كبير منها الى الاختلاف حول المسألة اللغوية ، وهذا ما اعترف به يوسف الخال نفسه بعد سنوات من توقف نشاط حركته الشعرية ، إذ قال : "إننا قد اصطدمنا بجدار اللغة . فالأدب الحديث لا يكون حديثا، ما لم يكتب بلغة حديثة . ولغتنا الحديثة هي اللغة التي نتكلمها وبها يجب أن نكتب شعرا ونثرا، يستمد لغته وتعابيره وعبقريته وايقاعه من كلام الناس "(23).

2-5-

لم يكن يوسف الخال أول من دعا الى التخلي عن العربية الفصحى في الأدب . فقد أخذ المشكل اللغوي حجم معركة أدبية ، قبله بعقود، بين كتاب اعتبروا ذوي نزعة فرعونية وآخرين عدوا قوميين ولم تؤد تلك المعارك الى نتائج حاسمة ، سوى أنها أبانت عن الخلفية الأيديولوجية للمشكل .

ولعل الاعتماد على الطروحات الايديولوجية ، دون مراعاة الشروط الموضوعية للغة نفسها، هو ما جعل تلك المحاولات تؤول الى اليأس والفشل . وعلى الرغم من أن أحدا لا يستطيع اقصاء البعد الايديولوجي في المسألة اللغوية ، الا أن هذا البعد لا يمثل المكون الوحيد فيها.

ولما كان يوسف الخال غير قومي النزعة ، فان علاقة اللغة العربية بوحدة الوطن العربي يجب أن تهمل في رأيه ، لأنها تفسر اللغة تفسيرا خارجيا . فقد كان يعتقد أننا يجب أولا أن "نقرر إذا كان اعتماد لغة الكلام حقيقة أم لا. فاذا كان حقيقة توجب علينا الأخذ بها، دون اعتبار خارجي. فماذا تفيد وحدة العرب إذا قامت على أسس مزيفة "(24).

لا شك أن في هذا إقرارا بأن اللغة العربية لا تمثل مكونا من نومبة العربية . وهو اقرار يستمد خطورته من أنه جاء في سياق المد القومي العربي. وفى مقابل ذلك ينتصب الغرب مرة أخرى كنموذج لحل الازدواجية اللغوية . إذ يلجأ يوسف الخال الى أسلوب المقارنة ، فيعامل اللغة العربية ، تماما كما تعامل الغرب مع اللغة اليونانية واللغة اللاتينية . فكما ماتت هاتان اللغتان على يد أهلهما، وتطورتا الى لغات متباعدة تكتب وتتكلم في نفس الوقت فان الخال يدعو الى موت اللغة العربية كانت المجتمعات الغربية تتحدث لهجات متباينة ، فان التحريض على كتابة هذه اللهجات أدبيا من شأنه أن يخلق منها لغات كالفرنسية والانجليزية .

وكما أن هذه اللغات لم تؤثر على التراث اليوناني واللاتيني، فإن الوضع اللغوي الذي يقترحه الخال ، لن يمس بقيمة التراث العربي، ذلك أن لنا "عبرة بغيرنا من الشعوب التي اعتمدت لغة الكلام دون لغة الكتابة ، كاليونانية واللاتينية . إن التراث اليوناني واللاتيني القديم غني جدا، ولم يفقره أو ينقصه ، أو يحط من قدره كون اللغة اللاتينية لم تعد تستعمل إلا في الاختصاص "(25). وبهذا يكون يوسف الخال قد أفرغ التراث العربي من حمولته الوجدانية والايديولوجية التي يتميز بها،. ويدعو الى النظر اليه بالطريقة نفسها التي نظر بها الى التراث اليوناني.

واذا عرفنا أن خصوصية التراث العربي، انما يستمدها من الدين والتاريخ ، مما جعله أكثر حضورا في أية صياغة للواقع العربي، فإن يوسف الخال يعكس مفهوم حركة مجلة " شعر" للتراث ، هذا المفهوم الذي يحصر التراث العربي أحسن الأحوال – داخل حدود الدراسات الأكاديمية .

إن أوروبا عندما تخلت عن اللغة اللاتينية لم تفعل ذلك بقرار فردي أو جماعي، وانما جاء ذلك نتيجة تطور عميق عرفته المجتمعات الأوروبية ، مما أدى الى حاجة المجتمع للتواصل أصبحت فوق طاقة اللغة اللاتينية . ومن ثم فإن المقارنة التي أقامها يوسف الخال لا محل لها، نظرا لاختلاف الظروف التاريخية التي مرت بها المجتمعات الأوروبية والمجتمعات العربية . ويمكن القول – مع كمال خير بك – ان طرح القضية بالشكل الذي طرحها بها الخال ، يغامر بتمويه المشكل الاساسي ، بإهمال عناصر أخرى مهمة ، لا غنى عنها لإقامة مقارنة صحيحة ، فيوسف الخال " يتجاهل الاطار التاريخي للشعر الأوروبي الحديث ، والمسيرة التطويرية الطويلة التي كان ثمرة لها. في حين اننا ما نزال عل اعتاب نهضة أدبية وثقافية ، عملت نزعة "ظلامية " دامت قرونا عديدة على فعلها عن جذورها وتراثها البهي"(26).

إن التشكيك في قدرة اللغة العربية الفصحى على تلبية حاجات العصر التواصلية ، والشعرية خاصة انما نبع لدى الخال انطلاقا من منطق محاكاة الغرب ، ولم يصدر عن رصد دقيق لواقع اللغة العربية .

3-1-

إن العالم العربي يعيش ازدواجية لغوية ، ما في ذلك شك . ولكن تلك الازدواجية هي نتيجة وضع تاريخي وثقافي ، ولا يمكن أن تزول إلا إذا زالت شروطها. وقتذاك يمكن الحديث عن تحول لغوي. على أن مثل ذلك التحول لن يتم إلا في إطار اللغة العربية الفصحى، لأنها أصل مشترك للعاميات العربية . ولعل هذا ما أدركه أعضاء حركة مجلة " شعر" الأخرون،  ولذلك ظلوا متمسكين بالعربية الفصحى. وبذلك فان دعوة يوسف الخال الى اعتماد "اللغة المحكية " أدت الى تفجير الحركة من الداخل ، وحققت نتائج عكسية ، إذ عرقلت مسيرة الحداثة الشعرية أكثر مما عملت على تقدمها.

ويهم الدراسة الآن أن تقف عند الشق الثاني للمسألة اللغوية عند حركة مجلة "شعر" وذلك بعرض مفهومها للغة الشعرية في إطار العربية الفصحى.

بدءا لابد من تسجيل ملاحظة مفادها ان  "شعر" لم تعتن في تنظيرها للشعر بالجانب اللغوي قدر اعتنائها بجوانب أخرى كالرؤيا وغيرها. فهي لم تخصص دراسات مستقلة للموضوع . ولعل مرد ذلك الى انها قصدت الى تأجيل الخلاف حول اللغة المشار اليه آنفا، والى ايمانها بصعوبة صياغة نظرية من شأنها أن ترسم حدودا للاستعمال اللغوي في الشعر الحديث . ومن ثم فإن الباحث قد يعثر على بغيته بخصوص اللغة الشعرية لدى "شعر" في المتن الشعري أيسر مما هي عليا في التنظير.

من هنا تبدو حركة مجلة "شعر" أقل تماسكا فيما يتعلق باللغة . ولعل أقوى المعارضين لمشروع يوسف الخال اللغوي كان أدونيس ومع أنه لم ينشر موقفه من "اللغة المحكية " إلا بعد انسحابه من " شعر " فإن تسجيل هذا الموقف – وان جاء متأخرا – يظهر ضروريا في سياق هذه الدراسة فقد تمت الاشارة قبل قليل الى أن الخلاف اللغوي الذي كان من أسباب موت الحركة ، كان خلافا داخليا حرص الاعضاء على تأجيل البت فيه خشية العواقب التي قد تترتب عليه . فيوسف الخال نفسه لم يطرح المشكل اللغوي علانية ، وعلى صفحات  " شعر " إلا في وقت متأخر من عمر الحركة ، وبالضبط سنة 1964 حين أصدر بيانه المعروف ببيان  " جدار اللغة ". أما قبل ذلك فقد كان يكتفي بالدعوة الى "ابدال التعابير والمفردات القديمة ، التي استنزفت حيويتها، بتعابير ومفردات جديدة مستمدة من صميم تجربة وحياة الشعب " ( 27)، وهذه الدعوة التي أوردها الخال `و سياق محاضرته عن "مستقبل الشعر العربي في لبنان "، التي كانت بمثابة ورقة عمل ، وأرضية انطلاق لحركة مجلة "شعر" ، فيما بعد تركز على أهمية التجديد اللغوي، ولكن في إطار العربية الفصحى.

بيد أن "شعر" التي رحبت بالقصيدة العامية في أول عدد منها، انما كانت تعبر عن وجهة نظر محتشمة تبدت ملامحها العامة ، من خلال مشروع "اللغة المحكية ". إن هذا يؤكد ما سبق لهذه الدراسة ان سجلته من أن المسألة اللغوية كانت تتميز بحساسية خاصة داخل  " شعر " وكانت محل ص راع خفي بين أعضائها وعندما طفا هذا الصراع على سطح صفحات المجلة ، أعلن عن توقفها وبهذا المعنى تكون حقا قد اصطدمت بجدار اللغة.

يقول أدونيس في رسالة متأخرة الى يوسف الخال :

"اختلفنا" على سبيل المثال في مسألة اللغة . من جهتي لم أكن أستطيع فيما أرى انهيار العالم من حولي ، وانهيار القيم التي تعبر عنه ، إلا أن أكتب وكأنني أسكن في نبض اللغة العربية ، وقد رد لجسدها بهدؤه الأصلي . هكذا كنت أرى أن الكتابة باللغة الدارجة ، أحدى علامات ذلك الانهيار. ومن هنا كان حرصي ، الكامل على أن أكتب باللغه نفسها التي أسست لثقافتنا"(28).

وعلى الرغم من أن صيغة هذا الدفاع عن اللغة العربية الفصحى،تبدو أكثر ارتكازا على وضعية العالم العربي، الشي ء الذي لا نجده عند أدونيس ولما يزل عضوا في حركة مجلة " شعر" فإن الشاعر يقيم دفاعه على ثلاثة أركان ، يغلب عليها الطابع الأيديولوجي ، أكثر من غيره .

أما الركن الأول فيتمثل في أن العربية الفصحى هي الملمح العربي الوحيد الذي مازال يقاوم الانهيار. وبالتالي فإن الفصحى تبدو هنا علامة أمل على امكانية انقاذ هذا الواقع .إن هذا يدفع الى القول إن أدونيس لا يتعامل مع اللغة بصفتها أداة تعبيرية فحسب ،وانما هي رمز لثقافة وهوية في المقام الأول .

ومضمون الركن الثاني ان اللغة العربية الفصحى، هي التي تكفل علاقة طبيعية بين التراث العربي والشعر الحديث . ومن ثم فإن التخلي عنها يعني من بين ما يعنيه ، قطع الصلة بالتراث ، مما يجعل القصيدة العربية الحديثة مفتقرة الى المشروعية التاريخية والثقافية والابداعية . انطلاقا من هذا يكتب أدونيس في نفس الرسالة :"لم تكن المسألة بالنسبة الينا أن نكتب وكأن المشعر لم يكن موجودا قبلنا بل كانت على العكس من ذلك ان نكتب فيما نعي وعيا كاملا اننا نحتضن لغتنا، بعبقريتها الشعرية الخاصة ، وبكلية جسدها الثقافي "(29).

وينهض الركن الثالث على طبيعة اللغة الشعرية نفسها. ويرى أدونيس أن طرح اللغة الدارجة بديلا عن الفصحى، هو طرح مغلوط ، يتنافى وموقع اللغة داخل العمل الشعري، ذلك أن الذين قالوا بهذا الطرح ، انما ينظرون الى اللغة أدمن حيث انها وسيلة عملية للتخاطب والتفاهم ،لا من حيث انها وسيلة ابداع . ينظرون اليها أفقيا لا عموديا. في الشعر، في الأدب اجمالا، لا يكفي أن نعرف اللغة . وانما علينا أن نتقن أصولها وأسرارها".

واذا كان اللجوء الى الدارجة يهدف الى ردم الهوة بين الابداع الشعري و" الجمهور " فان تلك الهوة من طبيعة العمل الشعري. واذا زالت زال معها الشعر، لأن الأمر آنذاك يتعلق بالتركيز على الجانب التواصلي في اللغة الشعرية ، بينما يقبر الجانب الابداعي فيها.

وبناء على هذه المقدمات التي تجعل الهوة بين لغة الشعر سواء كانت دارجة أو فصيحة وبين لغة التواصل ، فان أدونيس يقول باستحالة اللغة الطبيعية في الشعر، لأنه ابداع . وكلمة "ابداع " لديه تكاد ترادف  " الصناعة " في النقد العربي القديم ، فكلاهما ينهض على إعادة خلق اللغة ، وتشكيلها بطريقة غير مألوفة ، ولما كان الأمر كذلك فان "مشكلتنا، إذن ، ليست في اننا نكتب بلغة ونتكلم بلغة ، كما يبسطها بعضهم . مشكلتنا اننا نكتب بروح تقليدية ولغة تقليدية شبه ميتة مشكلتنا هي انعدام الابداع وضعف روح التجدد، وانحطاط المستويات الثقافية ، نحن بمعنى آخر لا نكتب باللغة العربية ، بل نكتب بأسلوب لغوي، انحطاطي، ميت ، ترفضه اللغة العربيه بالذات "(31) .

بهذا يلغي أدونيس الازدواجية التي قال بها الخال (لغة مكتوبة ولغة محكية)، ويضع مكانها ازدواجية تنطلق من طبيعة العمل الأدبي نفسه . فاذا كان الخال يركز على تقريب اللغة الشعرية من  "الشعب " فإن هذا الهدف لن يتحقق عبر ركوب اللغة المحكية ففي "لبنان شعراء يكتبون بلفة يسمونها دارجة إلا أنها أكثر صعوبة من اللغة الفصيحة . حتى عند عامة الناس . فالهوة لا تنتج عن اللغة ، بل تنتج عن مستويات الفهم والمعرفة والطاقة النفسية"(32).

إن أدونيس قد وضع يده على ما يميز الشعر عن النثر، من الناحية اللغوية وذلك بتفريقه بين لغة التواصل العادية وبين لغة الابداع وهذا التمييز يتم على صعيد جميع اللغات ، سواء كانت عامية أو فصحى، مما ينطبق مع ما توصلت اليه بعض الدراسات الحديثة التي أقرت بأن "النثر هو بالتحديد اللغة الطبيعيه . أما الشعر فلغة الفن . أي انه لغة مصنوعة "(33) . ولكن أدونيس الذي يدافع بحرارة عن لغة الضاد، يعي كل الوعي إشكالية هذه اللغة ، التي سبقت الاشارة اليها في بداية هذه الدراسة . ذلك أن تقاطع اللغة العربية الفصحى، مع حقول من الالغام الأيديولوجية (التاريخ ، الدين ، القومية ، الخ …) قد جعل العرب ينظرون اليها، بالارتباط مع مصيرهم بشكل عام . وهذا ما عمق اشكاليتها، وجعل كل اقبال على تجديدها مليئا بالمخاطر. إن هذا التداخل الذي أصبح بفعل عوامل كثيرة تماهيا، أدى الى أن اللغة العربية لا تقول ذاتها بقدر ما تقول غيرها. ومن ثم تعمقت الأزمة بين العربي ولغته وأصبحت "اللغة التي ينظر اليها بوصفها جوهر الكائن العربي تبدو في الممارسة العملية ، ركاما من الألفاظ . هذا يتقنها وذاك يهجرها الى لغة أخرى، عامية أو أجنبية ، وذلك لا يعرف أن يستخدمها ابداعيا. فكأنها مستودع ضخم ، ينفر منه بشكل أو آخر، كل من يدخل اليه ، ويغترف حاجته اليه . فهناك مسافة بينها وبين من ينطق بها"(34).

إن هذه الوضعية اللغوية التي يعيشها الانسان العربي ازاء لغته تغدو أكثر اشكالية مع الشعر، الذي يميل الى تطويع اللغة وخرق حدودها، ويمكن الاقرار هنا بأن العربية الفصحى بثقلها الذي أشير اليه ، تبدو غاية في الصعوبة . وقد دفعت مثل هذه الصعوبة ببعض الشعراء الى حافة اليأس . وليس يوسف الخال الوحيد من شعراء حركة مجلة  " شعر " وكتابها من يئس من تطويع العربية فحط الرحال عند  "اللغة المحكية " بل هناك شعراء آخرون كادوا أن يخرموا أمام جبروت العربية الفصحى ومن هؤلاء : الشاعر أنسي الحاج ، الذي وان لم يملك الجرأة الكافية للانخراط في اللغة المحكية ، إلا أنه مارس سخطا على الفصحى، إما من خلال التمرد على قواعدها ومعجمها _ وهي ظاهرة نعثر عليها عند أغلب شعراء  " شعر "، مع تفاوت في درجة هذا التمرد _واما من خلال التعبير عن ضيقه بها، في سياق آرائه النقدية .

في مقال له تحت عنوان "مأزق ما وراء اللغة "،وهو عنوان طافح بالدلالة يرد انسي الحاج وصول القصيدة الحديثة الى الباب المسدود _ وهي فكرة فيها نظر _ الى اللغة . وكأنه يتبنى بذلك وجهة نظر يوسف الخال في الموضوع .وهكذا ذهب أنسي الحاج الى أن الشعر العربي الحديث قد وصل الى مأزق و"لا خلاص له إلا بتجاهل الحقيقة وتحذير نفسه ، والعودة الى المظاهر، أو بالصمت ، باعتماد وسائل التعبير بالدارجة مع بعض الحرية في التصرف ضمن حدود الأمن ) أو بالصمت الشاعر مقيم اقامة جبرية في لغة الأخوين . لغته ، لغته الصحيحة .

الانشائية الحبيبة غير ممكنة " (35).

ويبدو أنسي الحاج أكثر تطرفا في هذا المجال من الخال نفسه . فاذا كان الخال يهدف الى إحلال نظام لغوي محل نظام أخر، فان أنسي الحاج لا يعتمد قياس البدائل . فقد دفعته ميولاته السريالية الى محاولة هدم النظام اللغوي، دون ان يصوغ بديلا عنه ، كما فعل الخال الذي ركز على ضرورة التطابق بين "الكلام " و" الكتابة ". فيما يتموضع الحاج بعيدا عن هذه التحديدات "الخارجية "، ما دام الشعر عنده "ليس محدودا بالربح والخسارة اللغوية "(36).

3-2-

نستطيع مما تقدم ، أن نميز بين ثلاث رؤى للغة ، داخل حركة مجلة " شعر " الأولى تطرح نظاما لغويا، بدل العربية الفصحى، يتمثل في"اللغة المحكية " والشانية تتمسك بالفصحى، والثالثة تتمرد على الاثنتين معا، دون أن تقترح نظاما خاصا.

وقد انعكست هذه الرؤى على لغة الابداع الشعري داخل الحركة ، إذ نعثر على نصوص بالعامية وهي على قلتها تؤكد حضور الرؤية الأولى ، كما أن أغلب انتاج " شعر " الابداعي كان بالعربية الفصحى، والى جانب ذلك ، نجد نصوصا تخلط بين هذه وتلك .

ولقد أنجز كمال خير بك دراسة قيمة لمستويات الاستعمال اللغوي لابداع  " شعر " (37)، وستقف الدراسة الحالية هذه الفقرة على علاقة اللغة عامة بالشعر، كما تقترحها حركة مجلة  " شعر " من خلال جهودها النظرية .

إن ما يجمع الرؤى اللغوية المشار اليها، يكمن في انها لا تعتبر اللغة قالبا جاهزا ، وانما هي متسمة بالمرونة . الشي ء الذي يجعلها قابلة للتجديد، ما دام العالم يتجدد، والشعر يتجدد. وهذا التداخل بين الأطراف الثلاثة (اللغة والعالم ، الشعر) يأخذ شكلا جدليا عند أدونيس على سبيل المثال ، حين يتعرض لهذه العلاقة الثلاثية بقوله : "الشعر ليس موجودا في اللغة ، كما هو اللون مثلا، والعطر، موجود في الورد. الشعر في الانسان . والانسان هو مالي ، اللغة بالشعر،  ومالي العالم . وفي العالم أشكال وجود بقدر ما فيه من أشكال الحساسية ،هذا يتضمن ان احساس الشاعر بحاضره ، أو وعي حضوره المشخص في العالم ، شرط أولي لكي يكون شعره هو أيضا حاضرا في العالم (38) .

إن الذي يقدم لأطراف العلاقة وجودها، هو الانسان ، وبالتالي فإن الانسان هو الذي يمنح اللغة شعريتها، ولما كان الشعر إعادة تشكيل للعالم فإنه يمكن القول بالنتيجة إن الانسان يخلق العالم ، ويخلق اللغة التي تعبر عنه ولكن عملية الخلق هذه ، تكتنفها صعوبات شتى ،ومن أهم هذه الصعوبات ، ان اللغة ككلمات موجودة خارج الشعر والشاعر معا، والنحو والقواعد اللغوية بصفة عامة ، أوجدها الاستعمال الجمعي للغة كمنظومة ، فكيف يتسنى للشاعر أن يكيف ما هو موجود أصلا، مع الشعر الذي هو في النهاية خلق وابداع ؟!.

إن مثل هذه الصعوبة النظرية هي ما أدى بحركة مجلة " شعر " الى التخفيف من جموح الحرية التي دعت اليها. وهذا يوضح من جهة ثانية _ الى أي حد تبقى الاشكال الأدبية مرهونة بالتحولات الاجتماعية ، التي لا تشكل اللغة سوى أحد مظاهرها ، وبالماضي الذي يفرض حضوره شعريا عبر المظهر اللغوي نفسه . فالشاعر الحديث أدلا يريد أن ينكر اللغة والا لم يكن شاعرا عربيا،  بكل ما يحمله هذا الوصف من مميزات لغويه " . وهكذا فإن اللغة كمنظومة اجتماعية ، وتراثية تستدعي اعادة النظر في بعض الشعارات التي تتردد على ألسنة الشعراء، كالخلق والابداع والتحول وغيرها، بل إنها تضرب شعار "الحرية " الذي طالما استعملته "شعر" في اطلاقيته في الصميم .

ومن ثم يغدو الشاعر محاصرا بين أن يكون مخلصا لتجربته ، وبين الخضوع للمنظومة اللغوية بصرامة قوانينها. فالكلمة "موضوعة قبلا بالنسبة الى الشاعر، مفروضة عليه من داخل ، وليست حجر لعب ، ينقله أو يستبدله بغيره ساعة يشاء"(40). واذا كان النقد العربي القديم في مجمله يعزو عدم ملاءمة اللفظ للمعني الى فساد الذوق والفقر اللغوي، فانه بالامكان رد ذلك الى فشل الشاعر في اقامة علاقة متوازنة بين ذاته والعالم الذي يتحدث عنه ، واللغة التي يعبر بها، أي الى ضعف التجربة الشعرية التي ما هي في نهاية التحليل سوى الوعي الحاد بهذه العلاقة نفسها .

واذا كانت اللغة تفرض نفسها على الشاعر بهذه الصورة القمعية باعتبارها معطى مستقلا عن ارادته فما الذي يضمن للشاعر والحالة هذه تميزه فرادته؟ بعبارة أخرى، إذا كانت اللغة ملكا للجميع يحددها التطور التاريخي، والارث الحضاري للمجتمع فما السر في تفاوت التجارب الشعرية واختلافها؟

إن مثل هذا السؤال يشك في أهمية "التجربة الفردية " التي جعلت منها حركة مجلة "شعر" مصدرا أساسيا من مصادر الابداع الشعري، ويضع الفرادة في حدود معينة تحكم عليها بالنسبية . ولعل هذا هو ما جعل يوسف الخال يضع هذه الفرادة في اطار محصور فحين "نقول بالفردية والفرادة انما نعني بالقياس الى شيء آخر. هذا الشيء هو الموجود والمسبوق اليه . اللغة كانت وكذلك الطريقة . وليس بمقدور كل شاعر أن ينشيء لغة جديدة في التعبير الفني بهذه اللغة " (41).

من الواضح إذن ، إن اللغة بوصفها منظومة اجتماعية وتراثية ، قد شكلت سلطة حقيقية لكبح جماح "شعر" التي كانت تدعو الى الانفلات من كل القيود الابداعية . واذا عرفنا ان الحركة كانت تنطلق من "التجربة الفردية كمنبع للرؤيا الشعرية ، مما جعلها تبدو وكأنها تنظر للشاعر،وليس للشعر، فان اللغة بثقلها الذي تمارسه على العملية الابداعية ،كانت موضوع شكوى داخل حركة مجلة "شعر" لأنها تحول دون القبض على ذلك العالم اللانهائي الذي اعتبرته موضوعا للشعر.كما أن اللغة _ بالاضافة الى ذلك _ تمنع الشاعر من تحقيق الشكل الشعري المفتوح الذي كانت تحلم به "شعر".

ويمكن تبسيط معاناة الحركة مع اللغة ، من هذه الزاوية ، من خلال تمييزها بين لغة الواقع الاجتماعي، وبين لغة الواقع الانساني ذي البعد الانطلوجي. وبما ان اللغة لا تتطابق إلا مع الواقع الاجتماعي، فإن الشاعر يجد صعوبة كبيرة في إرغامها على الانزياح ، لاحتضان الواقع الانساني. انه "المنطق اللغوي الذي يفسح المجال لسيطرة اللغة ، تلك السيطرة المخربة . حيث تتحول من مصطلح ، الى مادة جامدة تفرض نفسها على المدلولات بطريقة معكوسة . أي أن اللغة تعني ما تعنيه بدءا من اللغة ،وليس من الواقع الانساني "(42).

إن تخطي تلك الصعوبات _ في الحقيقة _ هو ما يجعل من الشعر شعرا، وليس خطابا تواصليا عاديا، وقد أدركت الحركة هذه المسلمة ولذلك ركزت في تنظيرها للغة الشعرية على الطبيعة اللغوية للشعر، حتى أن يوسف الخال يكاد يذهب الى أن المبنى في الشعر، الذي يتحدد بسمات لغوية ، مصدره المجتمع والتراث ، فيما يغدو "المعنى" ملتصقا بالشاعر كفرد. ومقياس شعرية نص ما يكمن في مدى ملاءمة المعين والمبنى الى الحد الذي يستحيل معه الفصل بينهما " فالشاعر "يتناول اللغة الكائنة ، والطريقة المتوارثة ، ويرغمهما على التفاعل – كمبني – مع المعنى الفردي والفريد الذي جاءت به تجربته الأصول عامة . أما  الفروع وثمار هذه الفروع ، فهي الفرديه والفرادة "(43). إن التوفيق بين المبني (اللغة ) كمعطى خارجي لا يخضع لارادة الشاعر، وبين المعنى كمكون ذاتي نابع من شخصيته وفرادته يمكن أن يشكل جوابا على مثالية حركة مجلة  " شعر" التي كانت تحرص على إقصاء المرجعية الاجتماعية في العملية الابداعية ، ولكنه يطرح في سياق الموضوع الذي تتعرض له الدراسة الحالية كيفية هذه العملية التوفيقية نفسها. فعلى الرغم من إقرار " شعر " بسلطة اللغة ذات المرجعية الاجتماعية والتراثية الا أن هذا الاقرار لا يعني الخضوع للأمر الواقع . ومن هنا فان "قواعد اللغة وأصولها، والاساليب الشعرية المتوارثة في تاريخ هذه اللغة الأدبي، هما اللذان يمنحان أصالة الشاعر  وموهبته الابداعية . فهو إن خضع لهما تمام الخضوع ، خرجت قصيدته هذرا لا حضور له . والصحيح هو أن يعترف الشاعر الأصيل الموهوب ،بقواعد لغته وأصولها، وبمباديء الأساليب الشعرية المتأثرة بهذه اللغة والمتوارثة في تاريخها الأدبي. وفي الوقت نفسه يأخذ لنفسه قدرا كافيا من الحرية لتطويع القواعد والاساليب ونفخ شخصيته فيها"(44) .

يبدو هذا الاهتمام بما يسميه الخال "الأصول " اهتماما جزئيا داخل حركة مجلة "شعر" لذا فإنه لا يمثل سوى وجهة نظر، لا يمكن أن تنسحب على باقي أعضاء الحركة . إذ يمكن أن نميز – على الأقل – بين وجهتي نظر أخرى، بالاضافة الى هذه ، تعايشت داخل الحركة .

أما الأولى فكانت تدعو الى خرق نظام اللغة العربية ، من خلال التمرد على قواعدها. ومرد ذلك الى تأثر بالتراكيب في اللغات الأجنبية واللغات العامية. ويرى كمال خير بك ان هذا الخرق للقواعد النحوية لدى بعض أعضاء حركة مجلة " شعر " يرجع "إما الى انعدام المعرفة الكافية بالنحو. واما الى عدم المبالاة بسلطة القواعد المكتوبة . وفي الحالتين ، ثمة امتناع واضح عن

 التطابق مع النظام القائم والمتناقل عبر التراث ."(45) ويمثل انسي الحاج نموذجا بارزا لهذا التمرد.

وتبدو الثانية أكثر اقترابا من الدراسات الحديثة ، حيث لا تعير اهتماما كبيرا لمسألة القواعد، وانما تركز على الانزياحات اللغوية التي تخلقها علاقات الكلمات فيما بينها، فإذ لا سبيل الى تغيير المعجم اللغوي لأنه يحيل على واقع معين ، ولا سبيل أيضا للاخلال بالقواعد النحوية لأنها تعكس وضعا لفريا متوارثا، فان الشعر الذي يعبر عن تجربة جديدة ، يحتاج الى لغة جديدة . وجدة اللغة هذه انما تكمن في العلاقات الجديدة التي ينسجها الشاعر بين الكلمات داخل تركيب ، يخضع نحويا وموفيا الى القواعد المعروفة .من ثم ، فإذا كان الشعر تعبيرا و" التعبير لغة . فاللغة  إذن كائن حي يتجدد"(46).

ولما كان الشعر جزءا من الحالات النفسية والشعورية ، فإن "الشعور الجديد، يعبر عن نفسه تعبيرا جديدا. إن هذا يعني أن له لغة متميزة . خاصة يتضح ذلك إذا عرفنا أن .مسألة التعبير الشعري انفعال وحساسية وتوتر، لا مسألة نحو وقواعد. ويعود جمال اللغة في الشعر، الى نظام المفردات وعلاقاتها بعضها بالبعض الآخر. وهو نظام لا يتحكم فيا النحو بل الانفعال والتجربة . ومن هنا كانت لفة الشعر لغة ايحاءات على  نقيض اللغه العامة أو لغه العلم التي هي لغة تحديدات (47) يبدو أدونيس بهذا التحديد الذي قدمه للغة الشعرية متماسكا مع أطروحات "شعر" النظرية أكثر من غيره . فهو لم يتناول الظاهرة اللغوية من الخارج ، عبر قبولها كنظام ، كما فعل يوسف الخال ، أو عبر التمرد عليها ، كما نجد عند أنسي الحاج ، وانما نظر إليها في علاقتها بالتجربة الشعرية ، كما نادت بها الحركة . وبهذا يكون قريبا من نظرية النظم التي قال بها عبدالقاهر الجرجاني، كما يبدو مستفيدا بشكل أو بآخر ، من نظرية الشعرية الغربية ويظهر هذا من خلال تأكيده على أن جدة اللغة لا تكمن في مفرداتها الجديدة التي "ينحتها" الشاعر، كما لا تتمثل في تقويض نظامها النحوي والصرفي ، وانما تتجل في اقامة علاقة جديدة بين مكونات الجملة الشعرية ،. وهذا الانجاز هو الذي يمنح اللغة الشعرية تميزها عن اللغة العادية . ذلك أن "لغة الشعر، هي اللغة الاشارة . في حين أن اللغة العادية هي اللغة الايضاح . فالشعر الحديث ، هو بمعنى ما، فن جعل اللغة تقول ما لم تتعلم أن تقوله "(48).

هكذا يتضح أن حركة مجلة " شعر " قد استشعرت عبء اللغة في التعبير الشعري. ولكن أعضاءها اختلفوا حول كيفية التخلص من هذا العبء. فبعضهم ركز على اكتشاف ألفاظ جديدة ، وبعضهم أجهز على قواعد اللغة وبعضهم الآخر وجد التجديد اللغوي في نسج علاقات جديدة بين الكلمات . وان ما يجمع وجهات النظر هذه هو ضرورة التجديد اللغوي، الذي يؤدي الى لغة شعرية تتماشى مع تجربة الحداثة الشعرية .

3-3-

لقد وجدت حركة مجلة " شعر " في الصورة الشعرية متنفسا يمكنها من التملص من سلطة اللغة ، بالمعنى الذي سبق للدراسة تبسيطه .

ومن المفيد هنا أن نربط بين عالم الرؤيا كما حاولت "شعر" ان تقاربه (49)، وبين الصورة الشعرية . ولابد من الاشارة أيضا الى أن الربط بين الطرفين – بالاضافة الى عناصر أخرى ستأتي الدراسة على ذكرها – هو من الخصائص التي تسم اللغة الشعرية في الشعر الحديث عموما. فقد ركز الشاعر القديم في الغالب – جهوده على الكلمة كمصدر للطاقة الشعرية . واذا حدث أن أقام شعريته على الصورة ، فان الصورة انما تكون ذات وظيفة توضيحية ومن هنا كانت "المقاربة في التشبيه " و" مناسبة المستعار منه للمستعار له"(50) من عناصر عمود الشعر الرئيسية . أما الشاعر الحديث فقد اعتمد الصورة لحمل اللغة على استيعاب عالمه الرخو. فما "من كلمة هي شعرية أكثر من غيرها. هناك كلمات تتضمن في استخدامها أو لا تتضمن طاقة شعرية . إن للكلمة عادة معنى مباشرا. ولكنها في الشعر تتجاوزه الى معنى أعمق وأوسع ، لابد للكلمة في الشعر أن تعو على ذاتها، أن تزخر أكثر ما تعد به ، وأن تشير الى أكثر مما تقول . فليست الكلمة في الشعر تقديما دقيقا ، أو عرضا محكما لفكرة أوموضوع ما. ولكنها زخم لخصب جديد"(51).

لا شك أن التخلص من غنائية الكلمة التي طغت على الشعر العربي القديم ، قد انتقل بالشعر من الانشاد الى الهمس ، مما جرده من نزعته الخطابية ، التي احتفظ بها لقرون عديدة وخاصة في بعض الأغراض الشعرية ذات النفس الملحمي كالمديح والفخر، إلا أن أهمية هذه النقلة في السياق الذي نناقش فيه حركة مجلة "شعر" تتضح في الاصرار على التعبير بلغة تنتمي في معجمها الى الواقع اليومي. فالشاعر الحديث الذي وسم بالتمرد على اللغة "حين يستهدف الطريقة واللغة ، يستهدف اكتشاف الألفاظ الجديدة ، والمبنى المطلق ، الذي يجب أن تتخذه القصيدة ذاتها. فهو يقسو على الشيء لا لازالته ، بل لتمجيده . وهو فيما يتعلق باللغة ينزل بها الادنى ليعززها ويقويها، ويمتحن قدرتها الفائقة على التعبير"(52). واكتشاف الالفاظ هنا لا يعني سوى شحنها بحمولات جديدة ، تستجيب لمفهوم الرؤيا في الشعر ولا يتحقق ذلك إلا عبر الانزياحات اللغوية ، التي تخلق علاقات جديدة بين الكلمات ، ثم بين الأبيات ، ثم بين المقاطع ، حتى تصبح القصيدة برمتها نوعا من الاستعارة .

ومع هذا فان هناك مظهرين _ على الأقل يبرهنان على أهمية الكلمة في الشعر الحديث . فرغم أن الأمر يحتاج الى مسح إحصائي دقيق ، فإن المتصفح لديران الشعر العربي الحديث ، لابد أن يثير انتباهه طغيان الكلمات التي تنتمي الى الحقل الوجودي أكثر من غيرها من مثل "الفراغ " و" الشك "و"الضياع"..الخ كما أن أسماء الرموز الأسطورية في القصيدة الحديثة ، تعد من هذا الجانب نوعا من التوسع المعجمي ، الذي يسعى الى اكتشاف عالم جديد.

هذان المظهران يشيران الى أن للكلمة في حد ذاتها دورا في شعرية القصيدة .ولكن هذا الدور لا يكتمل الا عندما تندرج في سياق معين داخل الجملة .وهنا تفرق "شعر" بين نوعين من السياقات : سياق وصفي، يبقي على الطابع التواصلي الخبري، للغة وسياق اشاري يسخر اللغة لخدمة الرؤيا، وهذا ما يميز اللغة الشعرية في الشعر القديم ، عنها في الشعر الحديث . فاللغة في الشعر القديم "لغة تعبير، أعني لغة تكتفي من الواقع ومن العالم بأن تمسهما مسا عابرا رفيقا. ويجد الشاعر الحديث في أن يستبدل لغة التعيبر بلغة الخلق . فليس الشاعر الشخصي، الذي لديه شيء  ليعبر عنه . بل الشخص الذي يخلق أشياءه  بطريقة جديدة "(53) .

إن النظر الى الكلمة في إطار العلاقة التي تقيمها مع الكلمات الأخرى، هو الذي يمنح الصورة الشعرية طابعها اللغوي. وبذلك تكون "شعر" قد جسدت "النزوع الى "صورية " حديثة ، تقطع صلاتها بالاستعارة التقليدية ، لتخلق أسسا جديدة للتعبير الشعري، تنزع فيه الصورة الى أن تحل كليا محل التعابير المعتادة "(54).

والواقع انه لا يمكن تبرير الأهمية القصوى، التي تحتلها الصورة الشعرية لدى "شعر" إلا إذا تم الربط بين الصورة وبين موضوع الشعر ووظيفته كما كانت الحركة تردهما. فقد تركزت جهودها على رسم ملامح لعالم لا ملامح له في الأصل ، لأنه يعتمد في تحديده على عموميات انطلوجية ، ميتافيزيقية . الشي ء الذي جعله غاية في التجريد. وهذا ما جعل الشعر لديها قريبا من الفلسفة .

ومن جانب مقابل فان " شعر" رأت في اللغة العربية الفصحى تعبيرا عن عالم "حسي "، هو بالتأكيد نقيض "العالم " الذي حاولت أن ترصده في شعرها وتنظيرها. وهكذا إنما احساس لدى الحركة بعدم التطابق بين "العالم  الشعري" – كما ترده – وبين اللغة المتوارثة . وكان مما عمق ذلك الاحساس ان الشعر في الغرب استطاع أن يبلور لغة شعرية جديدة ، مستمدة من القاموس اليومي.

ومن هنا كانت مهمة حركة مجلة "شعر" جسيمة : فهي من جهة هدفت الى الكشف عن الرؤيا الشعرية ، التي هي بطبيعتها غامضة . وهي من جهة ثانية ، أرادت أن تعبر عن تلك الرؤيا بلغة تقترب من حيث قاموسها _ على الاقل _ من اللغة اليومية . لذلك احتاجت لتحقيق هذا الهدف الى تطويع اللغة ، بإعادة النظر في العلاقات بين مكوناتها ومن ثم ، فإن حركة مجلة "شعر" عملت على بلورة مفهوم جديد للصورة الشعرية ينهض بوظيفتين أساسيتين :

أولاهما وظيفة بنيوية ، تجعل الصورة تساهم _ الى جانب مكونات أخرى _ في تماسك البناء العضوي للقصيدة ، إذ تغدو والصورة – بهذا المعنى "رمز هذه الوحدة التي يبحث الشاعر عنها كفردوس مفقود. انها تنشي ء علاقات بين الأشياء،وأكثر الحوادث بعدا "(55). إن دور الصورة الشعرية على مستوى البناء العام للقصيدة يصبح أكثر أهمية ، إذا عرفنا أن "شعر" كانت تحلم بقصيدة لا موضوع لها، تمنح من شتات من التفاصيل ، بعضها مستمد من الواقع وبعهضا من التاريخ وبعضها من الفلسفة الخ .. والصورة هي التي تستطيع أن تجمع هذا الشتات تحت عنوان واحد.

ثانيتهما وظيفة كونية ، تصل بها الصورة الى أوج تألقها، فتصبح جزءا من الرؤيا، أو الرؤيا نفسها ، ومن هذه الزاوية تغدو الصورة الشعرية كونا شعريا، انها تمكننا من "تجاوز السطح لنغوص في الأشياء وراء ظواهرها، حيث يمكننا أن نرى العالم في حيويته ، وبكارته ، وطاقته على التجدد، وان نتحد معه . لا نبحث في القصيدة الحديثة عن الصورة بحد ذاتها بل عن الكون الشعري فيها، وعن صلتها بالانسان ووضعه . لابد أن تنضاف الى الصورة الشعرية الرؤيا. فهما معا يعيدان لنا الضائع الحقيقي، مع العالم الحقيقي"(56).

إن الوظيفتين المشار اليهما متداخلتان ومتكاملتان ، رغم أن النظر الى كل وظيفة على حدة ، بإمكانه أن يكشف عن تفاوت في فهم علاقة الشعر باللغة، وعلاقته بالعالم .

4-1-

لقد أدت اللغة الشعرية ، بالآليات التي تصاحبها على مستوى المفردة والصورة معا، لدى حركة مجلة "شعر" الى إضافة مكون من مكونات الشعر، كان مذموما في النقد العربي القديم ،ونعني به الغموض .

والغموض في الشعر قضية قديمة في النقد العربي، إذ يمكن ردها _على الأقل _ الى المعارك النقدية التي أثارها شعر أبي تمام فمن المعروف ان الغموض كان من الأسباب التي جعلت الآ مدي يخرج أبا تمام من عمود الشعر . ولا يمكن النظر الى المسألة الا بالرجوع الى وظيفة الشعر، كما كان يردها الناقد القديم والى مفهوم الشعر لديه بصفة عامة .

وقد أعيد طرح المسألة من جديد في الشعر العربي الحديث ، بشكل مخالف، وذلك بالنظر الى التحولات التي عرفها الشعر الحديث ، والمفهوم الجديد الذي أصبح للشعر، والوظيفة التي أنيطت به . وستحاول الفقرات القادمة الالمام بمشكلة التلقي في الشعر كما نظرت لها حركة مجلة "شعر" من خلال مقولتي "الغموض " و" الجمهور".

بدءا لابد من اضاءة نقطة قد تكون عنصر تشويش في المسألة التي تتعرض اليها الدراسة الآن . فحركة مجلة "شعر" :جمعت على ضرورة الاقتراب من اللغة اليومية في الخطاب الشعري، كما مر بنا، ولكنها في الوقت نفسه رأت في الغموض مكونا عضويا من مكونات القصيدة .

ويبدو في هذا نوع من التناقض لأول وهلة ، ولكن ربط اللغة الشعرية بالرؤيا كما تصورتها "شعر" بإمكانه ان يحل هذا التناقض ، لأن اصرارها على التمييز بين اللغة الشعرية واللغة العادية ، الذي يأتي انطلاقا من سمات تركيبية واضحة ، بالاضافة الى جعل اللغة تسهم في "تشكيل " العالم شعريا، هو ما جعل تقريب اللغة من الواقع اليومي غير مناقض للغموض . وتتأكد هذه النتيجة إذا عرفنا ان الواقع الذي تدافع عنه "شعر" هو واقع الرؤيا. من هنا فإن تجديد اللغة الذي نادت به "شعر" لم يأت نتيجة "إشفاق " على القاريء بل أنها قالت به لأنها كانت تحس بحاجة الى لغة تستوعب "رؤياها" من جهة ، وتكون واجهة للحداثة للشعرية التي عملت على بلورتها من جهة ثانية .

تنطلق حركة مجلة "شعر" في تحديدها لعملية التلقي الشعري ،من أن الشعر هو في النهاية تجربة فردية _ بالمعنى الوجودي للتجربة . وعليه، فلكي يتم استيعاب هذه التجربة بطريقة أمينة فإن على القاريء أن يعيد إنتاجها وهذا مستحيل ، لأن الشاعر نفسه لا يستطيع أن يعيش تجربة واحدة في لحظتين مختلفتين . وهو ما يؤكد أن المتلقي عاجز عن استيعاب القصيدة بكل تفاصيلها، لأن "تجربة الشاعر، أو معنى القصيدة هو فعل إنشاء القصيدة واذا صح هذا القول ، وهو صحيح ، فإن الزعم بأن القاريء يشارك الشاعر في التجربة /القصيدة ، زعم باطل "(57).

واذا كان النظام الشكلي للقصيدة هو المعطى الأول ، الذي يستند اليه المتلقي عند القراءة نظرا لاستحالة تقمص التجربة الشعرية ، فإن اعتماد هذا النظام وحده ، بتفكيكه واعادة تركيبا، لا يكفي لإنتاج قراءة للقصيدة . إن القاريء بإمكانه أن "ينثر" القصيدة ، وان يكشف عن بعض جوانبها المعقدة ، ولكنه لا يستطيع أن يبرهن على شعريتها . ومن ثم تقترح حركة مجلة "شعر" "القراءة الابداعية " التي تتيح للقاريء الافصاح عن تجربته بموازاة تجربة الشاعر.

وتتجل تجربة "تجربة القاريء" في قدرته على الافصاح عما يسميه جبرا ابراهيم جبرا "الهزة " التي يعيشها، وهو يمارس فعل القراءة . ولذلك فان القصيدة الشعرية تنفذ الى القاريء عبر مرحلتين : في الأولى "يأتي فعل القصيدة في النفس ، عن طرق عدة دفعه واحدة ، أشبه بعمليه هجوم مباغت "(58) وهذا المستوى من القراءة يقوم أساسا على الأثر النفسي ، الذي تتركه القصيدة لدى القاريء وهو أثر حدسي ، غير معقلن ، إنه نابع من تجربة كيانية .

أما المرحلة الثانية فتأتي عندما "يريد المرء أن يتأكد من أنه لم يخدع ، من أنه لم يؤخذ على حين غرة ، وعن غير حق . فيعيد القراءة ، ويبدأ التمحيص ليرى كيف تضافرت الصور والالفاظ والتجربة .."(59)

بهذا نصبح أمام غموض مركب ، يترتب من جهة ، عن علاقة القاريء بالقصيدة / التجربة ، ومن جهة ثانية ، عن الهوة بين التلقي الحدسي ، الذي تعبر عنه كلمة "هزة " لدى جبرا وبين عقلنة هذا الحدس التي لا تعدو وان تكون نسبية . ومن هنا يمكن القول إن القاريء المفترض لدى "شعر" هو قاريء , مبدع.

هكذا يتضح أن حركة مجلة "شعر"، لا ترجع الغموض الدلالي في الشعر، الى الشكل الشعري، وان كان الشكل عندها أحد مظاهر الغموض . إنه يعود بالدرجة الأولى الى "غرابة الرؤيا، التي هي نابعة من غرابة التجربة الشعرية . فمن الطبيعي ان تكون الرؤيا غامضه ولغزيه الى حد بعيد"(60). لأن الغموض في القصيدة الحديثة "نتيجة طبيعية لادخال الفكرة فيها، لمواجهتها الحقائق الكبرى، ولكونيتها. وبما أن مهمة القصيدة تجسيد هذه المطلقات المجردة بالصور الحسية ، فان الضبابيه صفه ملازمه  لها"(61).

ولما كانت الرؤيا سمة لاحقة بالشاعر أكثر مما هي معطى شعري، فيمكن الحديث لدى "شعر"، عن غموض الشاعر، الذي ينتج غموض الشعر. ولذلك يميز أدونيس بين نوعين من الغموض : فهناك "مغمض ناتج عن الشاعر عجز عن التعبين عنه بالكلمات ، وتكون القصيدة في هذه الحالة أكثر مما يقوى الكلام على نقله وهناك مغمض ناتج عن العبث في القضية وعن لا معناها"(62). وقد لجأت " شعر" لتبرير الفرق بين هذين المستويين من الغموض الى تمييز آخر، وهذه المرة بين الدلالة والمعنى. إن الدلالة أشمل وأوسع من المعنى، لانها ترتبط بالرؤيا. انها تعبير عن كون شعري. أما المعنى فهو جزئي يفتت العالم ، ولا يدركه إلا عبر اجزائه إنه يسعى الى التطابق مع العالم المرئي، أي مع الواقع ، لهذا كان المعنى واحدا لدى القراء وكانت الدلالة متعددة .

ولما كانت حركة مجلة "شعر" تبحث عن النص الشامل الذي يقيم علاقة بالوجود وليس بالواقع ، فانه من الطبيعي أن تؤكد الدلالة ، وتهمل المعنى. إذ د،ليس من الضروري، لكي نستمتع بالشعر أن ندرك معناه ادراكا شاملا. بل لعل مثل هذا الادراك يفقدنا هذه المتعة . ذلك أن المغمض هو قوام الشعر"(63).

من هنا تبدو الدلالة خاصية شعرية ، فيما يبدو المعنى خاصية نثرية . ويصبح الغموض الدلالي مكونا من مكونات القصيدة . إن الدلالة مؤشر على العمق ، أما المعنى فهو مؤشر على السطحية . واذا كان الشعر يخترق المحسوسات ويؤسس لعالم الرؤيا، فإن الغموض الدلالي "ليس سمة أسلوبية لعلاقة الأجزاء والبنية ، في البناء الشعري الداخلي فقط ، بل هو نتاج نظرة الى العالم والحياة وموقف منهما، فهذا المبدأ إذ يؤكد أولوية المعرفة الحدسية كمحدد لآفاق فهم طبيعة الشعر ووظيفته "(64) . انما يذكر بطبيعة التجربة الشعرية المثقلة بأعباء انطلوجية .

ومع أن "شعر" تؤكد على الطبيعة المضمونية للغموض ، إلا أن تحققات هذا المضمون في شكل معين ، يجعل الشكل مصدرا آخر من مصادر الغموض ، وان كان أقل أهمية . فالحركة قد عمدت الى اعادة النظر في اللغة الشعرية ابداعا وتنظيرا ، ولجأت في الاطار الى الصور الشعرية البعيدة والرمز الأسطوري وغيرهما وكان طبيعيا أن تساهم مثل هذه الأدوات بقسط وافر في غموض الشعر، خاصة وان "شعر" في بحثها المتواصل عن قالب شعري يتسع لمضمونها، كانت تجريبية . ولهذا استخفت بجميع قوانين الشعر المتعارف عليها.

ويظهر أن بعض شعراء حركة مجلة "شعر" لم يستوعبوا جيدا التوجه الشعري العام للحركة ، فاستغلوا مبدأ الغموض الدلالي ، وراحوا يكتبون شعرا مستغلقا، خاليا من كل مضمون وزاد في استفحال هذه الظاهرة تأثر هؤلاء بالسريالية ، وهذا ما أدى ببعض نقاد«شعر» أنفسهم الى التقزز من هذا النوع من الغموض ، الذي يقصد لذاته ، والذي يفتقر الى أية طاقة شعرية . من هنا اعتبرت الحركة الشعر الذي يقدم نفسه كمعنى جاهز، خاليا من الشعرية ، كما أن الشعر الذي لا يفصح عن شيء ليس شعرا أيضا، ذلك أن "غنى الشعر، ليس على قدر غموضه كما يرى هؤلاء الذين لا يميزون بين العمق والغموض ، غير أن الغنى والغموض يتولدان عن كثافة التجربة الحية التي يريد الشاعر أن يعقلها عبر وعيه . ولهذا فان القصيدة الحقة ، لا تنتهي مطلقا بأن تذوب في وعى سامعها، لأنها لم تنته البتة بتعبيرها عن كل الفنى الخفي، الذي حضنت بذرته "(65).

إن الغموض لا يكتسب مشروعيته الشعرية إلا إذا دخل في علاقة مع مكونات الخطاب الشعري الأخرى. وما دامت القصيدة بناء متكاملا، فان الغموض الدلالي ينبغي أن يكون في انسجام تام مع عناصر الشعر الأخرى.ولذلك تحذر خالدة سعيد من الغموض المبالغ فيه ، لأنه "ستار يقف بين الشعر والقاريء، وانعدامه يفتت سحر القصيدة ، ويكشف علائقها التي يستحسن اذن يحسها القاريء دون أن يدرك سرها"(66).

يتضح مما تقدم أن حركة مجلة "شعر" كانت تربط بين الغموض الدلالي والرؤيا ،ولذلك غلب على كتاباتها في الموضوع ، التحليل المضموني ويمكن أن نشير _ استطرادا الى أن بعض النقاد المعا هوين الذين لم يكونوا محسوبين على الحركة ، قد تبنوا رأيها في الموضوع . وتكفي الاشارة الى نموذج واحد.يقول غالي شكري : "إن طبيعة الرؤيا الحديثة هي المصدر الحقيقي لمايشكوه البعض من (غموض ) الشعر الحديث "(67).

ولما كان الغموض نابعا من الرؤيا والرؤيا تجربة وجودية لدى "شعر"، فان السبيل الوحيد الذي تقترحه الحركة للاقتراب من القصيدة الحديثة يكمن في "التعاطف معها. فالشعر الحديث تجربة شاملة معقدة جديدة . وهو ككل تجربة يحتاج في فهمه الى  الروح الايجابية والى التعاطف  "

(68). وليس التعاطف الذي دعا اليه يوسف الخال سوى التخلي عن أي مفهوم للشعر، ما عدا مفهوم القصيدة /الرؤيا. وواضح أن " شعر" تحمل المسؤولية الى القاريء الذي يجب أن يرقى الى مستوى التجربة ، كي يستوعب العمل الشعري.

4-2-

إن التحليل الذي قدمته "شعر" لظاهرة الغموض في الشعر الحديث ، يتضمن اعترافا صارخا بخلل في عملية التواصل بينها وبين "الجمهور".وقد سبق لهذه الدراسة أن ألمحت الى النزعة النخبوية التي كانت تحكم مجلة "شعر" في توجهها الثقافي العام ، من خلال تأكيدها على فردية الشعر، ونبذها لكل ما "يمت الى الواقع بصلة وستعمل الدراسة الآن على توضيح العلاقة بين الشاعر والمتلقي (الجمهور) كما تراما حركة مجلة " شعر".

والحق أن الشاعر العربي يعاني مشكلة التواصل أكثر من غيره ، ففي مجتمع كان أكثر من نصفه لا يعرف القراءة والكتابة ولا يشكل اقتناء الكتاب فيه تقليدا، يغدو استهلاك الثقافة عامة ، أمرا في غاية الصعوبة . وتزداد هذه الصعوبة حدة عندما يتعلق الأمر بشعر يقطع صلته بحياة الناس كالذي تنادي به "شعر".

لقد حاول أحد كتاب الحركة أن يلامس هذا المشكل ، فسماه مأزقا بين أن يرضى الشاعر جمهوره ، وبين أن يرضي نفسه فإما "أن نجعل من هذا الفن وسيلة إعلامية وتبشيرية للمشاركة في تربية الجماهير وتثقيفها، واما أن نبدع فنا بمعيار ثوري خالص من الناحية الأولى نخسر الفن . وهذا ما تؤكده التجارب المعاصرة .ومن الناحية الثانية ، يخسر الفنان والمبدع صلته التبشيرية الاعلامية بالجماهير"(69).

إن هذا الكلام يضعنا – هنا – أمام طرفي نقيض : الشعر والجمهور. ولا يمكن فهم هذا التناقض إلا بالرجوع الى بعض الثنائيات المضادة ، التي ارتكزت عليها "شعر" في صياغة مفهوم الشعر الحديث . وعلى رأس تلك الثنائيات : الفرد/ المجتمع ، الشعر/الواقع ..الخ . وهو ما أدى بالحركة الى رفض مفهوم الالتزام في الشعر، ليس فحسب ، بالصيغة الانعكاسية التي فهما بها بعض النقاد العرب في الخمسينات والستينات ، ولكن أيضا في صيغته الاطلاقية ، التي تقول بضرورة عقد الصلة بين الأدب والمجتمع .

فلما كان استيعاب التجربة الشعرية لا يتم إلا عبر التعاطف معها، أي اعادة انتاجها بشكل أو بآخر، ولما كان "الجمهور" عاجزا على أن يعيش التجربة /الرؤيا ، لأنه متعلق بالواقع ومشدود اليه ، فانه عاجز _ بالتالي _ عن الاستجابة للشعر الحديث ، لذلك فان تعثر التواصل بين حركة مجلة "شعر" و" جمهورها" لا تقع مسؤوليته على الحركة ، وانما تقع على هذا "الجمهور" الذي لا يمتلك وعيا كافيا للانخراط في تجربتها الشعرية ، لأنه مساكن ميال الى التقليد. ومن ثم فمن الطبيعي أن يقف "الجمهور" مشدوها أمام انجازات الشعر الحديث . يقول أدونيس وهو بصدد تقويم تجربة حركة "شعر" من هذه الزاوية : "كان الجمهور" في حضرة ما نكتب ، عاصفة مخربة "(70).

إن هذا الموقف من "الجمهور" لدى " شعر" نابع ،إذن ، من مفهومها للشعر، ولوظيفته . ومن هذا الجانب فان محاولة ارضائه لا تتم في رأيها إلا على حساب الشعر نفسا. ومن أجل هذا كان أخذ "الجمهور" بعين الاعتبار، في العملية الابداعية عنصرا مضرا بالشعر. ذلك أن "الجمهور يؤذي العمل الشعري ، ورغبتنا في أن يصفى الجمهور لشعرنا، ويصفق له ، تسبقها شروط معينه ، تملي علينا ما نكتبه "(71).

ولتوضيح علاقة "شعر" بالجمهور أكثر، لابد من تسجيل موقفها المعادي مما كان يسمى شعر الالتزام ، فهذا النوع من الشعر لا ينتج حسب هذا الموقف سوى الخطابة ، التي تدغدغ احساس الجمهور من أجل تحقيق أهداف ، هي في كل الأحوال منافية للابداع . إن الشعر الخطابي يحول "الشاعر الى بضاعة ، همها النفاد. والشاعر الى تاجر، همه ارضاء عملاء سريعين ورخيصين والشاعر الحقيقي يسقط من حسابه ، قدر ما يستطيع عمل الإرضاء هذا"(72).

وكما أن حركة مجلة "شعر" جعلت من الغموض قضية مضمون شعري، قبل كل شي ء، فانها أرجعت عدم قدرة "الجمهور" على مواكبة تجربة الشعر الحديث ، الى مضمون تلك التجربة .إذ "علينا، نحن أيضا كقراء أن نشارك في النشوة الصوفية ، والحلم الخارق ، والاسراء في سماء ثامنة . واذا تعثرنا في نشرتنا أو إذا قصرنا عن التحليق في أبعاد تتعدى مدانا ، المألوف فقد يكون الذنب ذنبنا"(73).

إن " شعر" ، وهي تنصب "الجمهور" مناقضا للشعر، انما تؤكد مفهوما للقصيدة /الرؤيا، التي تتحدد بسمات مضمونية في أساسها. وبذلك فإنها لم تقه أهمية قسوى لما يترتب عن القالب الشعري الجديد، الذي عملت على تطويره ، والذي يشكل شاهدا أولا على الحداثة . وعلى الرغم من أنه لا يمكن اقصاء ضبابية الرؤيا من عرقلة عملية التواصل الشعري، فان القالب الذي صيفت فيا كك الرؤيا، بما يتميز به من انزياح على قوانين الشعر العربي، كان له دوره في اتساع الهوة بين الحركة و"الجمهور".

فليس من اليسير أن يستسيغ القاريء العربي بسهولة التجربة الشعرية الحديثة ، وهو الذي استقر في ذهنه مفهوم محدد للشعر، منذ قرون خلت وقد وصل تجاوز ذلك المفهوم ذررته لدى "شعر". في محا ولتها الاستفنا، عن الوزن والقافية في الشعر، وهو ما أدى بها الى التبشير بقصياه النثر.

هوامش:

1- محمد عابد الجابري : تكوين العقل العربي. دار الطليعة . الطبعة الأولى بيروت 1984 ص 79.

2- حركة مجلة «شعر» ، نسبة الى مجلة "شعر" التي صدر أول عدد منها في بيروت سنة 1917 ، تحت رئاسة الشاعر الراحل يوسف الخال ، ولكن سرمحان ما تأكد أن الأمر يتجاوز حدود مجلة أدبية ، الى تأسيس حركة شعرية ، قادها أشهر أقطاب الحداثة الشعرية في العالم العربي،منهم أدونيس، وانسي الحاج ومحمد الماغوط وخالدة سعيد وأسعد رزوق وغيرهم.وقد عملت الحركة على بلورة مفهوم خاص للحداثة الشعرية ، عبرت عنه بمجهودات نظرية وابداعية ، مازالت تتفاعل في القصيدة العربية الحديثة الى يومنا هذا.

3 – أورد يوسف الخال تعبير «جدار اللغة » في البيان الذي اصدره سنة 1964، وأعلن عن توقف مجلة "شعر" عن الصدور.

4- كان خليل حاوي الذي يعد من المؤسسين لحركة مجلة «شعر» أول من انسحب منها. ولكن تفكك الحركة لم يبدأ عمليا إلا سنة 1961 مع انسحاب محمد الماغوط ، ثم أدونيس وخالدة سعيد.

5- كمال خير بك : حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر . دار المشرق الطبعة الأولى . بيروت 1982. – 16 1.

6- يوسف الخال : الحداثة في الشعر . دار الطليعة الطبعة الأولى بيروت 1978ص 84.

7- جهاد فاضل : قضايا الشعر الحديث . دار الشروق .الطبعة الأولى بيروت 1984ص 312.

8- يوسف الخال : الحداثة في الشعر (م .س .) ص 91.

9- جهاد فاضل : قضايا الشعر الحديث (م .س ) ص 113.

10- منير العكش : أسئلة الشعر . المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الأولى بيروت 1979 ص 148.

11 – جهاد فاضل : قضايا الشعر الحديث (م .س ) ص 113.

 12- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

13- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

14 – يوسف الخال : الحداثة في الشعر (م .س ) ص 90- ا 9.

15- جهاد فاضل : قضايا الشعر الحديث (م .س ) ص 113.

 16- يوسف الخال : السفر (قصيدة ). مجلة "شعر" العدد 3السنة الأولى . صيف 1957

ص 26.

17- يوسف الخال : الولادة الثانية (قصيدة ).

18- يوسف الخال : " دولاب " لميشيل طراد. العدد 4من «شعر» السنة الأولى ، خريف 1957. ص 109.

19 – يوسف الخال : غريب في يوم أحد مجلة «شعر» العدد المزدوج 33- 34 السنة التاسعة . شتاء ربيع 1967 . ص 79.

20- منير العكش : التاريخ والابداع .مجلة مواقف (بيروت ) العدد الخامس عشر أيار 1981. ص 65.

ا 2- منير العكش : أسئلة الشعر (م .س ) ص 148.

 22- منير العكش : المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 23- منير العكش : المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 24- منير العكش : المرجع نفسه ، ص 150.

25- منير العكش : المرجع نفسه والصفحة نفسها.

26- كمال خيربك : حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر (م .س ) ص 116.

27- يوسف الخال : الحداثة في الشعر (م .س ) ص 80.

 28- أدونيس : أشجار .. لا يقدر الربيع نفسه أن يقدم لها عكازا. مجلة اليوم السابع (باريس ) العدد 150 . السنة الثالثة ، الاثنين 23 مارس 1987. ص 38.

29- أدونيس : المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 30- أدونيس : فاتحة لنهايات القرن : بيانات من أجل ثقافة عربية جديدة ، دار العودة البقة الأولى بيروت 1980، ص 60.

 31- أدونيس : المرجع نفسه ص 61.

32- أدونيس : المرجع نفسه والصفحة نفسها.

33- جان كوهن : بنية اللغة الشعرية ترجمة محمد الولي ومحمد العمري دار توبقال الطبعة الأولى . الدار البيضاء 1986. ص 46.

 34- أدونيس : الشعرية العربية . دار الأدأب . الطبعة الأولى . بيروت 1986 ص 88.

25- أنسي الحاج : مأزق ما وراء اللغة مجلة «شعره العدد المزدوج 21_ 32 صيف خريف 1964 ص 131 .

36- انسي الحاج : المصدر نفسه والصفحة نفسها.

37 – يراجع القسم الثاني تحويل اللغة الشعرية من كتاب كمال خير بك : حركة الحداثة في الشعر الحربي المعاصر . (م .س ) ص 123 وما بعدها.

28- علي أحمد سعيد : الديران الجديد : أمين نخلة . مجلة «شعر» العددالسنة السادسة ، ربيع 1962. س 14 1.

39- احسان عباس : اتجاهات الشعر العربي المعاصر سلسلة عالم المعرفة الكويت 1978ص140 .

40- كميل سعادة : في الشعر الحديث مصطلحات وتحديدات مجلة «شعر» العدد 25 السنة السابعة شتاء 1963ص 95.

41- يوسف الخال : مفهوم القصيدة مجلة «شعر» العدد 27- السنة السابعة صيف 1963ص 83.

42- عصام محفوظ : قضايا واخبار مجلة «شعر» العدد 27 السنة السابعة صيف 1963ص 118 .

43- يوسف الخال : مفهوم القصيدة (م .س ) ص 83.

44- يوسف الخال المرجع نفسه . ص 81.

45- كمال خير بك : حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر (م .س ) ص 145 .

46- أدونيس : الشعر العربي ومشكلة التجديد مجلة "شعر" العدد ا 2. السنة السادسة شتاء 1962ص 96.

47- أدونيس المصدر نفسه والصفحة نفسها.

48- أدونيس : محاولة في تعريف الشعر الحديث .مجلة «شعر العدد ا ا السنة الثالثة صيف 1959. ص 96.

49- من أجل التدقيق في مفهوم «الرؤيا» لدى حركة مجلة «شعر» يمكن الرجوع الى الدراسة التي انجزها حسن مخافي : الحساسية الميتافيزيقية في الشعر الحربي الحديث مجلة «جسوره (أمريكا) العدد المزدوج 2- 3ربيع صيف 993آ ص ا 9وما بعدها .

50- تراجع مقدمة "شرح الحماسة " للمرزوقي، وفيها يضع ما يعتبره النقاد الصياغة النهائية لعمود الشعر.

51- أدونيس محاولة في تعريف الشعر الحديث (م .س ) ص 85.

52- يوسف الخال : مفهوم القصيدة (م .س ) ص 83.

53- أدونيس : محاولة في تعريف الشعر الحديث (م .س ) ص 85.

54- كمال خير بك : حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر (م .س ) ص 193.

55- رينه حبشي : الشعر في معركة الوجود . مجلة «شعر» العدد ا السنة الأولى شتاء 1957 ص 91

56- أدونيس : محاولة في تعريف الشعر الحديث (م .س ) ص 82.

57- يوسف الخال : مفهوم القصيدة (م .س ) ص 84.

 58- جبرا ابراهيم جبرا : التجربة في «بيوت العنكبوت » مجلة «شعر» . العدد 35 السنة التاسعة صيف 1967 ، ص 84.

59-جبرا ابراهيم جبرا : المصدر نفسه والصفحة نفسها.

60- جبرا ابراهيم جبرا : التناقضات في «المسرح والمرأيا» مجلة «شعره العدد 39. السنة العاشرة خريف 1968ص 114 .

61- فؤاد رفقة : قضايا وأخبار مجلة «شعر» العدد 13 السنة الرابعة شتاء . 196ص 115.

62- أدونيس : محاولة في تعريف الشعر الحديث (م .س ) ص 88.

63- أدونيس : المصدر نفسه والصفحة نفسها.

64- محمد جمال الباروت : المقدمات الايديولوجية لحركة مجلة «شعره مجلة المعرفة (سوريا) العدد 275. السنة 24. يناير 1985ص 73.

65- رينه حبشي : الشعر في معركة الوجود (م .س ) ص 90.

 66- خالدة سعيد : الاسطورة في الشعر العربي لاسعد رزوق مجلة «شعر» العدد 12 السنة الثالثة ، خريف 1959 ص 18 آ .

67- غالي شكري : شعرنا الحديث .. الى أين . دار الآفاق الجديدة الطبعة الثانية بيروت 1978 ص 12 .

68- أدونيس : محاولة في تعريف الشعر الحديث (م .س ) ص 88.

69- أدونيس : فاتحة لنهايات القرن (م .س ) ص 246.

70- أدونيس : أشجار … لا يقدر الربيع نفسه أن يقدم لها عكازا (م .س ) ص 37.

71- انسي الحاج : «من أغاني الحرية لكاظم جهاد مجلة «شعر» العدد 14 السنة الرابعة ربيع 1960ص 90.

72- انسي الحاج : المصدر نفسه والصفحة نفسها.

73- جبرا ابراهيم جبرا : التناقضات في «المسرح والمرأيا» (م .س ) ص 112.

 
 
 
حسن مخافي  (كاتب واستاذ جامعي من المغرب) 
 

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …