أخبار عاجلة

انجمار برجمان: ما هو الإخراج السينمائي؟

ما بين ايدينا «نص» فريد كان المخرج والمفكر السينمائي «انجمار برجمان» قد كتبه في عام 1954 وهو بالاضافة الى نصين آخرين كتبهما برجمان على فترات متفاوتة من حياته المهنية قد باتت الآن مرجعاً أدبياً مهماً في تاريخ السينما توغراف، وشهادة بليغة الأثر – لا يمكن تجاوزها- لمبدع ومفكر سينمائي ملأ الدنيا منذ منتصف القرن الماضي بصخبه وعجيجه الروحي، وصراخ أبطاله العصابيين وتحت وطأة جحيم العالم المعاصر.
فمنذ نصه الأول الذي كتبه في عام 1947 وهو في مقتبل حياته المهنية ونشره في مجلة السينما السويدية «Biogra Fbla del» معبرا عن أفكاره حول صناعة الأفلام في تحية لجورج ميلييس الذي رأى فيه الساحر الأعظم لاختراع السينما توغراف، مروراً بنص «ما هو الاخراج السينمائي..؟»
وصولا الى نص «جلد الثعبان» الذي كتبه في عام 1965 بمناسبة اهدائه جائزة «ايرازمس» ثم اعيد طبعه ونشر كمقدمة لسيناريو فيلم «برسونا» في العام التالي، وبرجمان لم يكف يوماً عن التعبير عن آرائه الشغوفة الى اجتياز الحاجب المهني- الى ما وراءه- عارضا تساؤلاته الروحية المعذّبة حول معنى الفن وجوهره، وعلاقة الانسان بالله، وعلاقة الفنان بالمواضعات الأخلاقية والميتافيزيقية، ووضعية الفنان في المجتمع الحديث، وعلاقته العصابية بحياته وذكريات طفولته. لكن فرادة كل هذه النصوص جميعاً لا تنبع فقط- وان كانت كذلك- من مجرد تأملات مهنية لمبدع سينمائي- معذب بقلقه المهني- بل يتجاوزها «برجمان» الى معانقة وجود مراوغ قد اختبأ خلسة داخل صندوق سحري ظل طيلة حياته يفتش عنه من فيلم لآخر. ان نص «ما هو الاخراج السينمائي؟ يعتبر درساً بليغاً يصل الى حده الأقصى من التأثير لكل عشاق السينما، فضلاً عن كونه انارة كاشفة لكل من يعمل في مجال صناعة الأفلام.
لا يزال «برجمان» – حتى بعد موته- قادراً ان يمنحنا الدرس كاملاً، وان يطل علينا بومضاته البارقة، حتى بعد انقضاء نحو خمسين عاماً على انبعاثها من سماء روحه، لكنها كافية لاعادة النور الى عيوننا وبقوة قادرة على اضاءة سماوات الفن والتي اظلمت تماماً من الفن والايمان بالقيمة.
قد تكون الكتابة او تسلق الجبال او ضرب الابناء او الرقص مجرد أشكال متباينة في التعبير عن النفس لدى البعض منا، أما بالنسبة لي «فأنا» أعبر عن نفسي من خلال «صنع» الأفلام فحسب.
كان المخرج العظيم (جان كوكتو) (1) قد كشف لنا في فيلمه «دم الشاعر» عن هذه «الأنا» الثانية وهي تتعثر بين ممرات فندق كابوسي، عارضاً لمحات خاطفة لتلك المؤثرات المختلفة التي ساهمت في تكوين وتشكيل هذه «الأنا» التي تختبئ وراء كل باب من أبواب الفندق. لا أود طبعاً ان اسقط في اغواء المقارنة مع كوكتو، أو حتى وضع نفسي في منزلة مساوية له، بيد أني أحبذ لو اصطحبكم معي في جولة عبر استديوهاتي الداخلية حيث تتخلق أفلامي، هناك، بشكل لا مرئي.
.. لكنني أخشى ان تصدمكم هذه الزيارة، فدائماً ما تكون معدات الاستوديو الخاص بي في حالة فوضى هائلة، وذلك لان مالكها ليس لديه الوقت الكافي لاعادة تنظيمها، فهو مشغول بشكل دائم، وغارق حتى أذنيه في مشاكله الشخصية، بالاضافة الى ان بعض الأركان بالاستوديو ستكون سيئة الاضاءة كعادتها، كما ستطالعكم كلمة «خاص» مكتوبة بحروف غليظة على بعض أبواب الغرف، وخلاصة القول، فان دليلكم المصاحب نفسه يخامره الشك في جدوى عرض الأمر برمته.
على كل حال سنحاول فتح بعض الابواب قليلاً، بالرغم من انني لست على ثقة كاملة في عثوركم على اجابات قاطعة للاسئلة التي تدور في أذهانكم، لكن بمقدورنا بالرغم من كل الصعوبات، ان نكوّن بعض الأفكار عن هذا اللغز المعقد الذي يمثله «صنع» الفيلم.
دعونا اذن ننظر الى أهم مكونات فن «السينما توغراف» ألا وهو «شريط السلولويد» الذي سنلحظ في التو انه عبارة عن صور مستطيلة بعد 52 صورة «كادر» في المتر الواحد، وكل مستطيل منها مفصول عن المستطيل الآخر بخط أسود.(2)
واذا دققنا أكثر في هذه المستطيلات المثقوبة من جانبيها والتي ستبدو لأول وهلة انها تحتوي على نفس المنظر بشكل ثابت ومكرر، فسنكتشف ان كل صورة تختلف عن الاخرى بتغيير طفيف جداً، يكاد يكون غير ملحوظ، ولكن باستخدام ميكاترمات آلة العرض فتتابع الصور التي رأيناها منذ برهة أمامنا، بحيث يحتل كل «كادر» منها الشاشة لجزء من الزمن لا يتجاوز 1/20 من الثانية، مما يخلق لدينا الاحساس بالحركة الوهمية.
فبين كل مستطيل وآخر ينغلق «الغالق» ليلقي بنا في ظلمة دامسة – لكن فقط للحظة- نعود بعدها مرة اخرى الى نور ساطع من المستطيل التالي.(3)
عندما كنت في العاشرة من عمري، اشتغلت على اول جهاز عرض للسينماتوغراف امتلكته في حياتي، كان مكوناً من الواح معدنية ومزود بفتحة ومصباح غاز متذبذب الضوء وكانت الصور تتوالى امامي وتعيد عرض نفسها بشكل غامض وملغز، وكنت اقف متحيراً ومستثاراً في  آن واحد تجاه هذه الظاهرة، وحتى اليوم ما زلتُ أشعر بنفس الرهبة التي أحسست بها حينما كنت طفلا.
أفكرُ الآن في حقيقة انني في الواقع أعرض وهماً، إذ ان السينماتوغراف لم تكن لتوجد من الأصل لولا عدم اكتمال العين البشرية، والمتمثل في عدم قدرتها على التقاط تتابع الصور المنفصلة عن بعضها البعض عند عرضها على الشاشة.(4)
لقد قمت باجراء احدى العمليات الحسابية التي مؤداها، انني عندما أشاهد فيلماً مدته ساعة من الزمن، فيتوجب عليّ ان اقضي في الواقع ما يوازي «عشرين دقيقة» قابعاً في ظلمة كاملة.
ومن ثم فعندما أصنع فيلماً فانني أحول نفسي في التو الى محتال، حيث انني اقوم باستخدام جهاز بُنيّ أساساً على استغلال نقيصة بشرية، فبواسطة هذا الجهاز بامكاني ان اسيطر على وجدان المشاهدين الى أبعد حدّ ممكن تصوره: أستطيع أن أجعلهم يضحكون.. او يصرخون خوفاً.. او يبتسمون.. او يؤمنون بالأساطير وقصص الجنيات او يشعرون بالمذلة والاهانة او يتثاءبون من فرط الضجر.
فأنا في الحقيقة واحد من اثنين: إما «محتال» أو «ساحر» يفعل الاعاجيب- اذا ما كان الجمهور مستعداً لتقبل العابي- عنده المقدرة على خلق الغموض وفي حوزتي أثمن وأعظم خدعة سحرية منذ فجر التاريخ، يود أي فنان لو يضحي بكل شيء في سبيل امتلاكها.
لكن مع كل هذا يوجد – بل لابد ان يوجد- الصراع الأخلاقي الذي لا غنى عنه أمام كل الذين يعملون في مجال خلق الأفلام.
أما بالنسبة لشركائنا التجاريين(5) فهنا ليس المكان الملائم لتعداد أخطائهم التي يكررونها من عام الى آخر، إلا انه سيكون من الأمور المثيرة للاهتمام – بالتأكيد – لو تمكن أحد العلماء ذات يوم من اختراع «جهاز» يستطيع المرء ان يستخدمه لتعداد المواهب الطبيعية، والقدرات الخلاقة التي ارستها صناعة الفيلم خلال سنوات دورانها الرائعة.
لكن من البديهي ان يقبل المرء قوانين اللعبة مقدما قبل ان يلعبها، فليس هناك سبب منطقي واحد يجعل من العمل في صناعة السينما أكثر «أماناً» من العمل في مجالات اخرى مختلفة، وربما الفارق الوحيد بين عالم السينما وأي عالم آخر ان غلاظة عملنا تظهر بشكل جلي للعين، لكن ذلك في الحقيقة يعتبر ميزة وليس عيباً.
ان المخاطرة التي يواجهها صانع الافلام هي نفسها التي يواجهها الرجل الذي يريد أن يحافظ على توازنه متحاشياً السقوط والموت، فاختلال التوازن قد يعرض صانع الأفلام لخطر مميت، خطر قد يزيد عن الذي يواجهه لاعب الاكروبات الذي يؤدي العابه تحت خيمة السيرك، ماشياً على حبل مشدود دون وجود شبكة من تحته.
لا شك انكم تعتقدون انني أبالغ بعض الشيء في مقولتي تلك، لكني سأدافع عن وجهة نظري مؤكداً ان الخاطرة هي نفسها، حتى لو كان صانع الفيلم- كما أسلفت- يملك القليل من ألعاب الخداع.
لكنه بالتأكيد ليس بمقدوره خداع المنتجين، ومديري البنوك، واصحاب دور العرض، والنقاد، بالاضافة طبعاً الى السحرة أنفسهم!
وسأعطي لكم مثالاً حياً على كلامي من واقع تجربة لا تزال ذكراها قادرة على جعلي ارتجف مجدداً، انها تجربة حدثت منذ وقت قريب وكادت ان تؤدي بي الى فقدان التوازن والسقوط. عندما قام أحد المنتجين الافراد باستثمار أمواله في انتاج فيلم لي، وقد ظهر هذا الفيلم بعد عام من العمل الشاق والمتواصل تحت عنوان «الليلة العارية»(6) وحيث بدأ المنتج في الحال مراجعة خسائره بعد امتناع الجمهور عن رؤية الفيلم، كما ان المقالات النقدية التي تناولته قد اتسمت بطابع هجومي عنيف.
ومن هنا فقد اضطررت للانتظار عدة سنوات بلا عمل، قبل أن أقدم مرة أخرى على المحاولة من جديد. فاذا لاقيتُ الفشل التجاري مرتين او ثلاثا على التوالي، فمن جادة الصواب الا يراهن أحد على موهبتي مرة أخرى، حيث سأصبح فجأة موضع اتهام بتبديد الأموال، وفي هذه الحالة سيكون عندي الوقت الكافي لتأمل ملكاتي الفنية لأنني سأكون عاطلاً عن العمل، ومن ثم سيحرم الساحر من اداته السحرية. عندما كنت أصغر سناً لم تكن تستبدني كل هذه المخاوف، فالعمل كان أقرب الى لعبة شيقة، سواء أكانت نتائجه في النهاية الفشل او النجاح، فقد كانت البهجة تستحوذ عليّ، وبما تصنع يداي، كفرحة طفل بقلاعه التي بناها من الرمال.
فلم يكن اللاعب الذي بداخلي في ذلك الوقت المبكر واعياً بما حوله وهو يرقص على حبل مشدود، غير منتبه للكارثة التي تقبع أسفله، ومدى قسوة ارضية حلبة السيرك التي سيسقط عليها. الآن تحولت اللعبة الى صراع مرير، واستحال المشي على الحبل الى عملية واعية بكل المخاطر المنتظرة. اما النقطتان المشدود اليهما الحبل فقد تمثلتا في معنى «الخوف» و«الشك» حيث بات الابداع السينمائي بفعل بعض المعضلات الداخلية والخارجية، وايضا الاقتصادية، عملاً شاقاً جداً يستنزف كل قوى وطاقات المرء. فالفشل والنقد وردود أفعال الجماهير اللامبالية، تعتبر أشياء مهيجة للجراح الحساسة والتي تحتاج الى وقت طويل لكي تندمل. أما الندوب والجروح الغائرة فتستمر  في الداخل لفترة زمنية طويلة.
كان «جان اثوليه» لديه عادة قبل الاستغراق في عمل ما، او بعد البدء فيه، بأن يمارس لعبة ذهنية مع ذاته، لكي تذهب بمخاوفه وتهدئ روعه.
لقد كان يردد على نفسه قائلا: «كان أبي ترزيا يحب ابتداع الاشياء بيديه، لأن هذا هو مصدر الرضى والمتعة لدى الحرفي، وفخر الرجل الذي يبتغي لنفسه اتقان عمله».
انني في الواقع اتبع نفس الوصفة بالتعرف على اللعبة، والتي كثيرا ما ألعبها، وأتمكن بنجاح من خداع نفسي وايضا الآخرين، بالرغم من أن اللعبة ذاتها لا تخرج عن كونها مجرد دواء مُسكن ضعيف المفعول: «ان اعمالي السينمائية من الناحية الفنية تعتبر أعمالاً ذات مستوى جيد. ان الحماس يؤججني ويدفعني للالمام بأدق التفاصيل الفنية، انني أصنع أفلامي للمعاصرين لي دون أن أفتش عن الخلود، ان فخري وزهوي بنفسي هو نفسه فخر الحرفي بمهنته».
لكن اعرف انني عندما أتكلم بهذه اللهجة فانني اخادع ذاتي، حيث يطفو على السطح صوت مؤلم لا يمكن قمعه، او اسكاته، وهو يصرخ في وجهي قائلا: «ولكن ما الفيلم الذي قمت باخراجه ويستحق البقاء؟. هل هناك قدم واحدة في أي فيلم من افلامك تستحق أن تراها الأجيال القادمة؟
سطر واحد من حوار؟ او حتى مشهد قادر على اثارة النقاش حوله، وتبين اصالته من زيفه؟!
وهنا اجدني مضطرا للاجابة: «حقاً لا أدري لكن اتمنى ذلك!»
أستميحكم عذراً لاطالتي في شرح وتبرير هذه الورطة التي يجابهها – مجبراً- كل من يصنع فيلماً. لقد اردت فقط ان اوضح لكم لماذا كان على الكثيرين مِمنْ قضوا اعمارهم بكاملها في عالم السينماتوغراف ان يستسلموا لهذا النداء الخفي، غير المدرك، والذي يصعب التعبير عنه بالكلمات: لماذا نحن خائفون؟ لماذا يفتر حماسنا أحياناً لبعض الاعمال التي تقوم بها؟ لماذا نتحول الى اغبياء مرتضين لانفسنا اختيارات فاقدة لمعنى الحياة؟
ما زالت تراودني الرغبة في الحديث بشكل مسهب عن عامل من اهم العوامل المكونة لهذه المشكلة- بل يعتبر العامل الأصعب من حيث الفهم- ألا وهو «الجمهور».
ان مبدع الفيلم اذ يمتلك وسيطا للتعبير فانما لكي يعبر من خلاله عن ملايين الناس، وليس عن ذاته فقط، لكن في احيان كثيرة يستشعر الفنان السينمائي نفس الرغبة التي تخايل كل الفنانين: «انني أريد أن أحقق النجاح والشهرة في اسرع وقت. أريد ان امنح الجماهير المتعة وان أتلاعب بعواطفهم في الحال».
لكن بين الرغبة وتحققها يقع «الجمهور» الذي يرد: «لقد دفعت ثمن التذكرة وأريد نسيان همومي وعائلتي وعملي والهرب من ذاتي. هأنذا أجلس في الظلمة مثل امرأة تنتظر الوضع بين لحظة واخرى راغباً في  الراحة من كل شيء.
فمبدع الفيلم الذي على دراية بهذه المتطلبات، والذي يتعايش من اموال الجماهير، يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه، وقد يوجب عليه بعض الالتزامات التي لا مفر منها، ومن ثم فعليه ان يضع نصب عينيه رد فعل الجمهور، اما بالنسبة لي – شخصيا- فأنا دائما ما أسأل نفسي هذا السؤال: هل بامكاني التعبير عن نفسي بشكل أكثر بساطة ووضوحا وايجازا، هل باستطاعة كافة المشاهدين فهم ما أريد قوله الآن؟
هل بمقدور أبسط الناس عقلاً ان يتابع تطور السرد؟.. لكن يثار في ذهني سؤال أكثر أهمية: الى متى سأظل أرتضي لنفسي انصاف الحلول؟ والى أي مدى يمكن التنازل عن ذاتي أنا؟. ان كل محاولة في التجريب تستدعي بالضرورة قدراً كبيراً من المجازفة، كما انها تتطلب بالتالي دعمها ومساندتها، فالجمهور قد يعطي ظهره لهذه التجارب مما قد يؤدي الى نتائج وخيمة الأثر مثل جدب الفنان وعزلته داخل برج عاجي. ان «منتجي الافلام» دائما ما يضعون ثقتهم الكاملة بين أيدي الفنيين والتقنيين، متوهمين في علة ان خلاص صناعة السينما انما يتوقف على الابتكارات التقنية، والمخترعات الميكانيكية، بدلاً من اعطاء السلطة بكاملها للمبدعين السينمائيين، لكن هذا لن يحدث على الاطلاق في وقتنا الراهن.
.. حقاً ليس هناك أسهل من افزاع المتفرج، فالمرء بامكانه جعل المتفرج يرتجف رعباً من أبسط الأشياء، فالناس جميعاً لديهم هذا الاستعداد الطبيعي للانصياع تحت وطاة الخوف، وليس هناك أبسط من وضع المتفرج في موقف أشد سوءاً مما كان عليه قبل ولوجه الى دار العرض، وهذا ما يشتهيه المتفرج عندما يجلس في كل مرة في ظلمة قاعة العرض، لكن من العسير وضعه في موقف أفضل والاصعب ان تدفعه الى الضحك وفقاً للمنهج الصحيح. لكن علينا ان نسأل أنفسنا عن الوسائل التي ينبغي استخدامها لجعل المتفرج يصل الى هذه الحالة في كل مرة!
سأفسر لكم، لكني اعرف في الوقت نفسه ان هذا التفسير قد ينطوي على مجازفة متعسفة، وذلك لانه يعني خلط الاعتزاز بالمثالية، واعتبار ان القانون هو ما قام بتدشينه النقاد مع الجمهور، هذا القانون الذي لن تفهمه قط ما دمت لا تزال في مرحلة بناء وتكوين ذاتك، فمن ناحية اجدني مضطرا للتكيف مع ذوق الجمهور، ومن ناحية اخرى أنظر الى هذا التكيف على انه نهاية كل شيء، وهذا معناه عدم الاكتراث بأي شيء من ناحيتي.
انني أمتلك عقلاً واحداً في مقابل مشاعر متعددة وهو ما يمنحني البهجة، واعرف انه لم يصدر حتى هذه اللحظة في أي مكان مرسوم يقرر بما معناه: ان على المخرج السينمائي ان يكون راضياً بكل شيء من حوله، فمنْ ذاك الذي يأمرني بألا أحدث ضوضاء، والا أتعدى الحدود، وألا أحارب طواحين الهواء.
.. ولكن لماذا لا نفزع منتجي الافلام ايضا؟ ان عليهم ان يخافوا، بل وجب علينا ان ندفع بهم كي يصابوا بقرحة الامعاء.(7)
ومع كل ذلك فمن قال ان صنع الافلام يعني على الدوام مواجهة المشكلات، والمسؤوليات، والمصاعب المالية، والقلق.
هناك ايضا الألعاب.. الأحلام.. والذكريات الحميمة.
ان نقطة البداية في خلق الفيلم عادة ما تكون حلماً، كان يسطع فجأة وجه، او ترتفع يد في الهواء. او تتبدى صورة لميدان في ضوء الفجر حيث تجلس بعض النساء العجائز على دكك طويلة ، وبينهن أكياس منتفخة بثمار التفاح.
او ربما كلمات قليلة بنبرة صوت هامسة يتبادلها اثنان من البشر وقد أعطيا ظهريهما لي، لا ارى ملامحيهما، إلا أنني أشعر بنفسي منجذباً اليهما، اصيخ السمع لعلهما يعيدا الكلمات مرة أخرى، كلمات ربما لا تحمل أي معنى محدد لكنها تشي إلي بهذا الجذب السحري الذي يتسرب الي بطيئاً.
فهذا الوجه المضيء، وتلك الكلمات التي قد لا تعني شيئا، واليد التي ترتفع في الهواء وكأنها تعويذة، وأولئك النسوة العجائز الجالسات في الميدان.. جميعها مجرد صور تتجمع وتتزاحم مثل السمك الفضي الذي يلتصق بشبكتي، او بالاحرى أنا الذي اسقط في الشبكة والتي لا اعرف لحسن الحظ مما نُسجتْ فتائلها؟
لكن قبل اكتمال الصورة النهائية داخل عقلي اقوم سريعا باخضاع اللعبة التي اختلقتها مخيلتي للاختبار مع الواقع- كأنني ألعب مع نفسي- حيث أصنع اسكتشات رسم أولية في شكلها البدائي، غير المنتظم، حتى أتمكن من الحكم في مدى صلاحيتها للتنفيذ من وجهة نظر الاقسام التقنية للاستديو.
لكن هل ستفي كل هذه الاختبارات بالغرض؟ وهل ستحتفظ كل دوافعي بقيمتها المؤثرة عندما يتم غرزهها في جو الاستديو الروتيني، والخانق، بعيداً عن ظلال الشمس التي قد تتلاءم مع مثل هذه الانواع من ألعاب الخيال؟
ان القليل جداً من أفلامي قد تم نضجه سريعاً حيث انتهيت من العمل فيها خلال فترة وجيزة من الزمن، فمثل هذه الافلام تطابق دوماً التوقعات لها. انها أشبه بهؤلاء الأطفال الذين يتمتعون بصحة جيدة غير انهم لا يزالون غير قادرين على تدبير شؤونهم، ولكن بمجرد النظر اليهم يستطيع المرء ان يقول: «ان مثل هؤلاء الاطفال سيقومون برعاية عائلاتهم عند الكبر».
لكن هناك  بالمثل «افلام» اخرى تختمر على مهل وتحتاج لسنوات كي تتحقق، فهي ترفض الحلول التقليدية في معالجتها. فمثل تلك الافلام تحيا في حيز من الظلال، واذا اردتْ الامساك بها فينبغي عليّ ان اقتفي اثرها من اجل العثور على الاطار والشخصيات والمواقف، هناك، حيث الوجوه تستدير جانباً وتبادر بالكلام، والشوارع غامضة يتناثر بها نفر قليل من الناس، او يحدقون من وراء نوافذ زجاجية.
عيون تبرق في الغروب ثم تتحور الى جمرات من نار تطقطق متفجرة بصوت تحطم قطع من الكريستال. والميدان الذي يرزح تحت نهار خريفي قد استحال الى بحر. النسوة العجائز قد اصبحن اشجارا عتيقة. أما ثمار التفاح فقد تحولت الى مجرد أطفال ينهضون ببناء مدن من الرمال قريباً من زبد الامواج.
ان هذا الجذب يكون حاضراً معي على الدوام، سواء في الكلمة المكتوبة، او في الرؤية، او في لحظة تدفق الطاقة الشبيهة بقنطرة منثنية لأسفل وتجاهد ان تقيم نفسها لاعلى بفعل قوى كامنة فيها.
ان هذه القوى هي العامل الحاسم في كتابة النص السينمائي، او حتى عند تدوير عجلة العمل الضخمة التي تستلزمها مرحلة تصوير الفيلم.
.. لكن ماذا يعني تصوير فيلم؟
اذا ما سألت هذا السؤال الذي يتساءل به الكثير من الناس فحتما سأحصل على اجابات متنوعة ، لكنها ستتفق جميعها على نقطة واحدة: «ان تصوير فيلم هو عبارة عن عمل بعض الاشياء اللازمة لتحويل تفاصيل السيناريو الأدبي الى فيلم».
لكن آلية التحويل نفسها يكتنفها العديد من الأقاويل ورغم تنوعها إلا انها لا تفي ايضا بالغرض المرجو.
ان تصوير فيلم ما يعني بالنسبة لي: اياما من العمل المتواصل بلا رحمة/ عيون معفرة بالتراب/ رائحة المكياج/ العرق والمصابيح الكهربائية/ العديد من حالات الهستيريا العصبية/ لحظات الاسترخاء/ الصراع المتواصل بين العمل والارادة/ بين الهمة والكسل/ بين الرؤيا والحقيقة.
ماذا يعني ايضا؟ يعني ان افكر في الحال في تلك الليالي الطويلة التي تمر بلا نوم، وفي لحظات الاستيقاظ المبكرة، وفي ذلك الاحساس العنيف الذي هو اعنف من الحياة ذاتها والذي يتمركز حول غاية وحيدة فحسب. وبفضل كل ما سبق فانني أتحول في النهاية الى جزء لا يتجزأ من فيلم، مجرد قطعة صغيرة في جهاز بشري خطئه الوحيد انه يطالب بالأكل والشرب.
أحياناً، وفي قلب كل هذه الاثارة، وبينما يكون الاستديو متفجراً بالحياة والعمل، فجأة ، أعثر على «فكرة» فيلمي المقبل.
سيجانبكم الصواب اذا ما تصورتم ان المخرج السينمائي وفي تلك اللحظات، تتلبسه حالة من التوحد الكامل الذي هو أقرب الى الدوار او الفوضى المرعبة او الهياج الذي لا يمكن السيطرة عليه. ان تصوير فيلم في الحقيقة اشبه بترويض حيوان بري شرس يصعب التعامل معه. لذا فان المرء في حاجة الى ذهن صاف لمراجعة أبسط التفصيلات، واعقد الحسابات الفنية، والتي تحتاج الى يقظة متناهية، أضف الى ذلك أعصاب هادئة ومتزنة على طول الخط، وقوة تحمل صبورة قد لا تنتمي الى عالمنا الانساني. ان عملية تصوير فيلم هي بالفعل أشبه ما تكون بتنظيم كون كامل تتكون عناصره الرئيسية من: المال، الصناعة، الديكور والتشييد، التصوير، التحميض والطبع، بالاضافة الى خطة عمل يجب ان تتبع، لكنها نادرا ما تتبع. وهناك ايضا ودوماً المخططات الحربية التي يتم تجهيزها في كل لحظة لمواجهة حالات الطوارئ اللامنطقية:
«لقد ظهرت هالات سوداء حول عين «النجمة» اذن من الضروري اعادة تصوير المشهد وبالتالي نحتاج الى آلاف الدولارات/ لقد ارتفعت نسبة «الكلورين في الماء مما ادى الى وجود لطشات على نيجاتيف الصورة، ان علينا ان نبدأ من جديد، في يوم آخر يلعب الموت لعبته القذرة فيختطف منك أحد الممثلين، دعونا اذن نجرب مع ممثل آخر، وبالتالي ضياع عدة آلاف من الدولارات، ها نحن جاهزون وفي انتظار بزوغ ضوء النهار الخافت، تهب العاصفة ويتعطل المولد الكهربائي عن العمل.
.. لكن الساعات تجري.. وايضا المال.
انها امثلة حمقاء اخترتها بشكل عشوائي، ولابد ان تكون حمقاء لانها تلمس الحماقة الكبرى وهي تحويل الاحلام الى ظلال. تفتيت التراجيديا الى خمسمائة قطعة صغيرة لكي توضع الى جوار بعضها البعض لتصنع منها مجددا تراجيديا. حماقة صنع دودة شريطية طولها 8000 قدم لكي تتقوت على حياة وعقول الممثلين والمنتجين والمبدعين.
ان تصوير فيلم يعني كل ذلك، لكنه قد يعني شيئا ربما اكثر سوءا من كل ذلك.
لكن ابداع الافلام يعني ايضا الغوص في مجاهل النفس السحيقة كي تردنا الى عالم الطفولة.
دعونا ننزل اذا كنت ترغبون الى هذا الاستديو الداخلي الكامن في اكثر الأماكن انعزالاً في حياة المبدع. لنفتح هذا الباب- للحظة- على السرد الموجود في هذه الغرفة حتى نتمكن من رؤية صورة «لفينسيا» او نافذة سوداء» او «اول جهاز لعرض الافلام الحيّة».
في «اوبسالا» كانت جدتي تمتلك شقة قديما جداً. في احدى المرات حيث كنت هناك، تسللت خفيّة اسفل مائدة الطعام، ومن مكاني أسفل المائدة أخذتُ أنصتُ الى صوت اشعة الشمس وهي تنسل عبر النوافذ العالية بينما كانت تدوي نواقيس الكاتدرائية. كان لحركة الاشعة المنسلة صوت ذو رنين خاص وغير مألوف وهي تتدفق بلا انقطاع. في ذلك اليوم الواقع بين فصلي الشتاء والربيع كنت وقتها في الخامسة من عمري، ارتدي مريلة ذات جيب امامي، ومريضاً بمرض الحصبى. في الشقة المجاورة كان ينبعث منها صوت عزف على البيانو لبعض رقصات الفالس، دائما لرقصات الفالس ولا شيء سواها، بينما علقت على الجدار المقابل صورة كبيرة «لفينسيا».  وفي اللحظة التي تحركت فيها الاشعة لتسقط على الصورة حتى بدت لي مياه القنال وكأنها تتحرك، والحمام ينطلق متطايراً في ساحة الميدان، في حين كان الناس في الساحة يتكلمون مع بعضهم بعضاً محدثين جلبة، دون صوت، وهم يومئون بأيديهم ورؤوسهم.
لم تكن أصوات النواقيس صادرة عن الكاتدرائية بل من الصورة ذاتها، مثل رقصات الفالس، لقد كان هناك شيء غامض يكتنف هذه الصورة المعلقة على الجدار، ربما هو نفسه غموض اشعة الشمس التي تبعث بأصواتها، وربما كانت هذه الاصوات صادرة عن قطع الموبيليا في الحجرة حيث كانت تتحدث الى بعضها البعض دون انقطاع!!
لكن هناك ذكرى اخرى أقدم عهداً من تلك، ما زلت أذكرها بالرغم من انني أجد صعوبة في تحديد زمنها بدقة، انها ذكرى متعلقة بحركة نافذة وقد دبت فيها الحياة. كانت نافذة سوداء اللون صُممت على احداث طراز في هذا العهد، وعندما تُغلق في الصباح او المساء فان كل شيء من حولي يصبح مدعاة لاثارة مخاوفي، عندئذ تدب الحياة في الاشياء وتتبدل وجوه الدمى الى وجوه عدوانية تتلبسها أرواح شريرة حيث لا يكون بوسعي التعرف عليها. ففي هذه اللحظات يتحول العالم الى شيء آخر غير الذي اعتدت عليه وأمي بجانبي، شيئاً أكثر وحشة ووحدة وصمتاً.
وفي حقيقة الأمر فان النافذة لم تكن تتحرك، فلم تكن لها اية ظلال، بل ان الاشكال المرسومة على سطحها هي التي تتحول في العتمة الى كائنات غريبة، لكنها لم تكن تشبه الكائنات البشرية الصغيرة او الحيوانات او الرؤوس او الوجوه، بل كانت شيئاً «ما» لا أجد الكلمة المناسبة لتسميته! ففي العتمة المتقلبة ببصيص ضوء الشمس الخافت المنسل الى الداخل للحظات مارقة، كانت هذه المخلوقات تتحرر وتركض نحو المكتب الذي كان يعلوه ابريق من الماء، لكنها كانت تختفي عندما تكون الظلمة مستحكمة من حولي او في لجج النور الساطع او عندما أغمض عينيّ.
لقد كانت هذه المخلوقات مخيفة الى أقصى درجة وبلا رحمة.
ان أي انسان مثلي مولود في عائلة تنتمي لقس بروتستانتي لابد ان يتعلم منذ الصغر ان ينظر فيما وراء الحياة والموت.
كان أبي دائماً ما يجلس كي يكتب قداساً لمراسم الدفن والزواج والتعميد.. أو للصلاة.
ومن هنا فقد تعرفت في وقت مبكر على الشيطان، ومثل كل الاطفال عليهم ان يعطوا للشيطان صورة ملموسة ومجسدة.
.. هكذا أتى دور «الفانوس السحري» او ذلك الصندوق الصغير المزود بصفائح معدنية ولمبة غاز، وحتى هذه اللحظة ما زالت رائحة المعدن الساخن تعلق بأنفي، كان الفانوس يعرض صوراً ملونة، وكان من ضمنها قصة «الفتاة ذات الرداء والثعلب» وكان الثعلب تجسيداً مصوراً للشيطان، له ذيل وفم أحمر ملتهب لكنه بلا قرون. انه كيان محسوس، إلا انه مراوغ ويصعب الامساك به.
لقد كان «نبي الشر» هذا يغطي جدران غرفتي، حيث كان مرسوما على ورق الحائط الوردي!!
كان أول فيلم امتلكته في حياتي يبلغ طوله عشرة اقدام، وذي صبغة بنية اللون. كان يصور فتاة صغيرة نائم على مرج حيث تستيقظ فجأة ناهضة، شيء ما قد جذبها لتتفي فجأة في الجهة اليمنى من الصورة.
كان مكتوباً على الغطاء عنوان «السيدة هول» ولم يكن احد من حولي يعرف منْ تكون السيدة هول!
لقد كان فيلما مسليا للغاية وكنا نعرضه كل مساء حتى تمزق كلياً من جراء العرض المستمر لدرجة اننا لم نتمكن أبداً من اصلاحه. كانت هذه الافلام المهزوزة الصورة بمثابة أول جراب سحري لكنه كان أشبه بلعبة ميكانيكية في منتهى الغرابة.
وكثيرا ما سألت نفسي ما الذي جعلني أسحر لهذه الدرجة؟ وما الذي يجعلني مستلباً لهذا السحر حتى اليوم، فلم يتغير شيء البتة، لقد ظل كل شيء على حاله، وبنفس الدرجة من الاحساس.
أحيانا تعتريني هذه الأحاسيس وأنا في الاستديو او في حجرة المونتاج نصف المظلمة بينما أكون ممسكاً بالفيلم، أمرره بين يدي، فلا استطيع منع نفسي من التفكير بأنني أتعامل مع وسيط مرهف للغاية وباستخدامه سأتمكن من تعرية النفس البشرية، بأن اسلط عليها ضوءا كاشفاً وقادراً على كشف الجوانب المخفية بحدة وعنف، مضيفاً الى معرفتنا بها جوانب أخرى من الحقيقة. ولربما استطعنا يوما ان نكشف فرجة ضئيلة تتيح لنا الولوج الى تلك المنطقة الغسقية من «ما فوق الواقع» وان نروي ما نرويه بطريقة جديدة تبعث على القلق.
اننا «صانعوا الافلام» نستخدم فقط جزءا لحظيا من قوة مخيفة وهائلة، لكننا نحرك فقط الاصبع الصغير لعملاق شرس. ربما أكون على خطأ، وقد تكون السينما قد وصلت الآن الى أعلى درجات تطورها بحيث لن يكون بامكانها غزو مناطق جديدة، بعد ان اصطدمت انوفنا بالجدار، ان اكثر الناس يتبنون هذا الرأي، وهذا حقيقي، لاننا ندوس الماء بأرجلنا وأنوفنا أعلى من السطح بقليل، وقد شلتنا المشاكل الاقتصادية والحماقات والخوف والفوضى… ان الناس كثيرا ما يتساءلون عما أريد التعبير عنه في أفلامي؟ وما هو هدفي؟ انني أجيب على هذا السؤال الصعب- عادة- بالكذب، أو بكلام غير ذي معنى مثل: «انني اريد قول الحقيقة عن اوضاع الناس، الحقيقة كما أراها».
ودائما ما تنال اجابتي تلك رضى الناس!!
لكن كثيرا ما أسأل نفسي: كيف انهم لم يلحظوا انني اخادعهم لان الاجابة الحقيقية يجب ان تكون «انني أشعر برغبة قوية في التعبير عن ذاتي، ان أعكس شيئا بداخلي وخاص بي، أن هذا الوجود هو القضية برمتها، فليس لي هدف سوى ذاتي، وخبزي اليومي، وتلهية الجمهور ونيل اعجابه. ان هذا يمثل ضرباً من الحقيقة التي أشعر بها في هذه اللحظة، وبايجاز للقول فانني أرى الفن نشاطا غير ذي معنى يذكر، لكنه قد يرتدي بعض الأهمية من حيث ارضاء الذات، لا استطيع القول بأن هذه النتيجة لا تصدمني، لكنني أجدني في نفس المأزق الذي يعايشه بقية زملائي الفنانين الذين ينتمون لهذا الجيل، فنشاطنا الفني على اطلاقه دون معنى. … اعرف تمام المعرفة ان هذه الطريقة في النظر الى الامور ليست شائعة على نطاق واسع- خاصة اليوم- ومع ذلك لا مناص من طرح السؤال بطريقة مختلفة: ما هو الهدف من صنع الأفلام؟
.. لقد جرت هذه الحكاية منذ زمن بعيد. حيث ان كاتدرائية «شارتر» قد احترقت بكاملها بعد ان اصابتها الرعود، ويقال ان آلاف الناس تدافعوا حينذاك الى الكاتدرائية من كل أركان المعمورة، عبروا أوروبا في هجرات مثل هجرة القوارض، واشتركوا جميعا في اعادة بنائها مرة أخرى فوق اطلالها القديمة. لقد ظلوا هناك حتى اكتمل البناء الضخم، كانوا من كافة الفئات، خليط بشري من البنائين والمهندسين والفنانين والنبلاء والقساوسة والبرجوازيين، لكن لم يعرف لهم اسم وحتى اليوم لا أحد يعرف اسماء الناس الذين اعادوا بناء الكاتدرائية.
في اعتقادي ان الفن قد فقد معناه المحيي في اللحظة التي انفصل فيها عن الدين، لقد قطع حبله السري وبات يعيش حياة منفصلة، والتي ان اتسمت بشيء فانما بالجدب الى أقصى درجة، والبهوت، والانحطاط.
هذا هو الفرق بين الابداع الجمعي، والفردي، الذي لا يغفل أسماء أصحابه، لكن سرعان ما يصيبهم النسيان ويتم دفنهم دون ان يكون لهم أية قيمة تُذكر، ان بعض الجراح التي اصابت «الأنا» وأيضاً بعض الآلام الروحية يتم فحصها تحت الميكروسكوب، فالخوف من الموت الذي تمتلئ به الذات والوعي أصبح الآن مجرد أسلوب لا أكثر.
لذلك فاننا جميعا ندور في دائرة محكمة الاغلاق، اننا نتكلم مع بعضنا البعض دون ان نسمع صوتا او حتى ننتبه الى اننا ندفع بأنفسنا الى الموت اختناقاً، هكذا يرى البشر بعضهم بعضاً، وهم ينكرون الآخرين دون ان يشعروا ولو لمرة واحدة بالرغبة في النجاة.
اننا محاصرون داخل دوائر مسموسة لدرجة اننا اصبحنا غير قادرين على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف!
الآن أستطيع ان أجيب عن هدفي من صنع الأفلام. انني في الحقيقة أصبوا الى ان اكون واحدا من بناة الكاتدرائية التي تقف شامخة على الأرض، ان اشغل نفسي بصنع رأس تنين من الصخر، او ملاك او شيطان او قديس، لانني اشعر بنفس المتعة في كل حالة، سواء أكنت مؤمناً أم ملحداً، مسيحيا ام وثنيا، فانني اريد أن أعمل مع الآخرين لتشييد تلك الكاتدرائية، وذلك لانني فنان وحرفي، تعلمت ان أنحت الوجوه والارجل والاجساد في الصخر، وبالتالي فلا يجب عليّ أن أعبأ بحكم الاجيال، أو حتى المعاصرين لي، ان اسمي اسم عائلتي منقوش هنا، لكنه سيمحى معي، وسيبقى فقط جزء صغير من روحي يحيا في قلب المجهولين الذين لا اسم لهم، وذلك الانتصار الجمعي، وربما من الممكن ايضاً ان يبقى في قلب تنين او شيطان.. او ربما في قلب قديسن فلا فرق بينهم جيمعاً.
* تمت ترجمة النص عن الايطالية وقد نشر ضمن شهادات أخرى تحت عنوان:
«TESTIMONIANZE CINEMATOGTAFICT INGMAR BERGMAN « منشورات  L`unita
الهوامش
1 – جان كوكتو: مخرج وكاتب فرنسي، توزعت اهتماماته بين الشعر والسينما والمسرح حيث شارك بقوة في الحركة الطليعية في فرنسا من عشرينيات القرن الماضي وقد ربطت بينه وبين معاصريه من الكتاب والفنانين صداقة قوية مثل مارسيل بروست/ ايجور سترافنسكي/ اندريه جيد/ بابلوبيكاسو/ ايريك سانتي.
كتب للمسرح مونودراما «الصوت الانساني» التي تحولت الى مقطع سينمائي من اخراج روبير توروسلليني من بطولة الممثلة الايطالية ذائعة الصيت «انامانياني» أما للسيما فقد قدم أعمالا تعتبر علامات في تاريخ الحركة الطليعية مثل «دم الشاعر» في عام 1931 حيث حاول فيه تصوير واقعية اللاواقع، وفي عام 1946 قدم فيلم «الحسناء والوحش» وفي عام 1950 قدم آخر افلامه بعنوان «اورفيوس».
2 –  RERFRATIONS  ثقوب منتظمة المسافة على شريط الفيلم تشتبك بأسنان عجلة التروس لسحب الفيلم داخل آلة العرض والتصوير.
3 – حاجب فتحة العدسة: يتحرك في الكاميرا او جهاز العرض حركة منتظمة مع الحركة المتقطعة للفيلم بحيث يعترض الحجاب طريق الضوء في اللحظة التي يبدأ فيها الفيلم في الحركة وفي لحظة الاظلام يسحب الفيلم الى اسفل ليحتل الكادر التالي.
4 – نظرية بقاء الرؤية  RESRSISTENCE OF VISION خاصية الاحتفاظ بالانطباع المرئي على حقدة العين لفترة زهيدة من الزمن حوالي عشر الثانية بعد زوال التأثير الضوئي الفعلي للشيء المرئي.
5 – في هذا المقطع من النص يسيخر برجمان من طبقة المنتجين للأفلام السينمائية.
6 – الليلة العارية احد افلام انجمار برجمان المبكرة قام باخراجه في عام 1953 وقد لقي فشلا ذريعاً عند عرضه، ويتعرض فيه لحالة اذلال وانحطاط مجموعة من الشخصيات تعيش في عوالم السيرك والمحاكاة الهزلية، .. وكثيرا ما تعرض برجمان في أعماله الى شخصيات تمتهن الفن وتعاني ازدواجية الوجود بين الواقع وعادة تمثيله الداخلي، عاكساً وضعيته كفنان معاصر وقوة الضغط الروحي الذي كابده عبر حياته المهنية في السينما والمسرح.
7 – من المعروف عن برجمان انه ظل طيلة حياته يعاني قرحة عصبية في المعدة من جراء قلقه وحواذه المهني الذي انعكس بالتالي على اجهزته الفسيولوجية، وفي هذا المقطع من النص يوجه برجمان كراهيته الى المنتجين السينمائيين وطرق عملهم متمنياً لهم ان يقلقوا وان يصابوا مثله بقرحة الامعاء.

ترجمة وتقديم: خالد عزت
كاتب وسينمائي من مصر

شاهد أيضاً

الكتابة والتصوّف عند ابن عربي لخالد بلقاسم

لا تكمن أهمية هذا الكتاب في  تصدّيه لمدوّنة هي من أعقد المدوّنات الصوفيّة وأكثرها غموضا …