أخبار عاجلة

تانغو تحفة رثاء القمم الباردة

بدا كارلوس ساورا. الذي يعتبر اليوم واحدا من اهم المخرجين السينمائيين العالميين. حياته مصورا فوتوغرافيا ناجحا، ولافتا للأنظار، إلا أن تشجيع شقيقه له دفعه للالتحاق بمعهد السينما بمدريد، حيث غدا، وفي فترة قصيرة نسبيا، من أهم مخرجي اسبانيا عبر تاريخها، واحد أبرز مخرجي اسبانيا الذين استطاعوا الخروج باقتراحات إبداعية وثقافية أصلية، بعيدا عن تأثيرات السنما الهوليوودية. إنه واحد من الكبار المختلفين عن السائد والخارجين عليه، والساعين لتشكيل ملامح سينمائية خاصة نابعة من خصوصيات بلدانهم.

ينتمي كارلوس ساورا إلى فئة أعيرا كيراساوا الياباني الكبير، وقلليني، وبيرغمان، وثير أنجيلوبولس، وكرستا غافراس في بعض أفلامه، وفيم فندرز وأمير كوستاريكا الذي لا ينتمي للجيل نفسه بل لرؤاه.

في السبعينات والثمانينات تكرست تجربة ساورا بصورة قوية، بعد أن قدم في الستينات عددا من الأفلام القوية متأثرا بأعمال الواقعيين الإيطاليين الجدد الذين تعرف عليهم أثناء دراسته، وبدا حضورهم واضحا، باستخدامه لممثلين غير محترفين واهتمامه بالمواضيع الاجتماعية واختيار مواقع التصوير منذ فيلمه الأول (لوس جولفوس ) الذي قدمه في عام 1960. ورغم أن هذا الفيلم لم يستقبل بصورة جيدة، إلا أنه واصل مشواره الذي مكنه من أن يحصد ثقة قوية به حين قدم فيلمه الثالث الجميل (الصيد ) عام 1966.

يوجه فيلم الصيد إدانة مميزة للروح الاسبانية الفاشية التي حكمت ذات يوم : ثلاثة رجال في منتصف العمر ومعهم فتى يذهبون في رحلة لمدة يوم لصيد الأرانب، يأخذون معهم كل ما يلزمهم ليكون الصيد ناجحا، بنادقهم وثرثراتهم المتقاطعة مع الرضع العام القائم. يعاونهم أحد الحيوانات الذي يتم إطلاقه عبر جحور الأرانب وفي رقبته جرس، حتى يفزعها ويضطرما للخروج، وهنا تبدأ حفلة الصيد التي تتصاعد دمويتما بتسارع مرعب.

من بين ثرثراتهم، التي تبدو كمنولوج جماعي طويل، يطل الشعور بالأسف والمرارة والغيرة، لكن المشاعر في الحقيقة أعمق من ذلك، فهي غير محددة، ومع تقدم الفيلم يصبح الشعور بالذنب هو المسيطر أكثر فأكثر، فالمكان الذي يختاره ساورا ساحة لصيدهم هو ساحة واحدة من معارك الحرب الاسبانية، التي يبدو أنهم كانوا ممن خاضوها، ومازال الموقع يحتوي على بعض بقايا الجثث ؟ ويظهر أثر الحرب أمامهم قائما لأن نصف الأرانب التي تتلوها كانت مريضة، وهكذا كلما ازدادت حرارة الشمس أصبح تحديق الكاميرا فيهم أكثر شراسة بحيث يكاد يحرق جلودهم وهم يتقلبون في ماضيهم.

ويشير دليل الأفلام لعام 97 الصادر عن دار بنغوين إلى أن التلميحات الجنسية المحمومة التي يحفل بها (الصيد ) تحيل إلى القمع السياسي، ثم ما تلبث أن  تنقلب إلى حالات عنف وشعور ينذر بأنهم ذاهبون لتدمير ذواتهم.

تظل هذه الأحاسيس تتصاعد في الداخل إلى أن تنفجر في لحظة غير عادية، فتستدير بنادقهم بعيدا عن الأرانب المذعورة باتجاه أنفسهم ويبدأ ون بإطلاق النار على بعضهم بعضا، حيث يموت الجميه، باستثناء الفتى الذي يرافقهم لا للصيد، بل للعناية بطعامهم وشرابهم. ويمكن لمن يشاهد هذا الفيلم، رغم مرور كل هذه السنوات على إنتاجه، أن يلحظ مدى براعة ساورا، ومدى شراسته وهو يقدم فيلما صادما يحاول برؤياه إعادة ترتيب الماضي الاسباني. ولعل أحد أسباب فرادة هذا الفيلم تكمن في الكراهية الواضحة التي يبديها تجاه شخصياته، إذ من النادر أن يحمل فيلم مثل هذا الإحساس ويمثل هذه القوة.

بعد ذلك أخذت أفلام ساورا تنحو باتجاه الكوميديا السوداء حيث تختلط الحقيقة بالخيال. وقد كان فيلماه ببرمنت فريبيه، وحديقة السعادة، هما الفيلمان الوحيدان اللذان أنتجا في تلك الفترة

(70.67) وحصلا على التقدير العالمي، خاصة فيلمه الأول الذي حصل على جائزة الدب الفضي من مهرجان برلين عام 68، وفي عام 73 فاز فيلمه (بريما أنجليكا) بجائزة التحكيم في مهرجان كان 74، وكذلك فيلم (نداء الغراب ) الذي حصل على جائزة التحكيم الخاصة في كان 76.

تصف موسوعة (سينيمانيا) أفلام ساورا بأنها كانت تعكس آثار أشكال القمع التي مارسها نظام فرانكو على مجريات الحياة العامة غير السياسية. والفكرة الأساسية المشتركة كانت حول القمم الجنسي وكيف استطاع أن يتطور إلى أشكال سلوكية غير طبيعية ومدامة، وغالبا ما كانت الممثلة الرئيسة في هذه الفترة مي جير الدين شابلن التي أنجبت منه ابنا.

بعد موت فرا نكو عام 75 أصبح ساورا حرا فر التعامل مه مواضيع كانت تعتبر سابقا من المحرمات، ففي عام 1980 قدم فيلم (ابريزا ابريزا) الذي حاز على جائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين 81، و.عالج فيه موضوع حياة الشوارع ليافعي مدينة مدريد، وأشر إلى عودة ساورا للمواضيع التي عالجها في فيلمه الأول. ولتحقيق أكبر قدر من الواقعية، أشرك ساورا في كتابة النص أربعة من رجال العصابات في الشوارع. بعد ذلك بدأ  بإخراج أفلام الرقص (عرس الدم 81، كارمن 83، والحب المسحور 86) التي غدت من أكثر الأفلام شعبية في تاريخ شباك التذاكر الإسبانية وهي مستوحاة من الباليه الكلاسيكية وموضوعة قالب اسباني أصيل ومعاصر؟ وقد نال ساورا عن هذه الثلاثية الجائزة الخاصة من مهرجان مونتريال عام 88؛ لكنه بين هذه الافلام  قدم (ساعات جميلة عام 81) و (أنتونيتا82) و(الأرجل الخشبية 84)، وجميع هذه الأفلام قصص تقتفي أسرار الروح وتعالج أثار الانتحار، وفي عام 1988 أخرج فيلم (الدورادو) وهو بمثابة ملحمة تاريخية فخمة مبنية على قصة حياة الفاتح بيدرو ديأورسو، وفي عاو 90 قدم فيلم (أي كارميلا) وعنه فازت كارمن مورا بجائزة أفضل ممثلة من جوائز الأفلام الأوروبية.

لقد كانت هذه المقدمة جزءا لابد منه للوصول إلى فيلم كارلومس ساورا الأخير تانغو والذي رشح لجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام 1999، إلا أن فيلم (الحياة جميلة ) اختطفها منه.

الشيء الوحيد الذي يمكن أن نكون على ثقة بأنه قد حدث لبطل فيلم (تانفو) ماريو سوارين. يلعب الدور الممثل الأرجنتيني ميغيل  انجل سولا. هو اصابته في حادث سير ارتطمت فيه سيار ته بحافلة، ودلالة ذلك الحادث عكاز، وقدم تسبب لصاحبها قليلا من العرج.

في هذا الفيلم الذي يبدو تتويجا فنيا غير عادي للمخرج الاسباني الكبير كارلومس ساورا تصعيد متقن لكل أساليبه التي استخدمها من قبل وخصوصا في أفلامه : كارمن، الحب المسحور، وعرس الدم المأخوذ عن رائعة لوركا المسرحية.

كل رموز ساورا تحضر في تانغو: الموسيقى.رافعة العمل ومداه، الراقصة الأولى والراقصة الثانية المنافسة، حكاية حب عاثرة خارج الخشبة التي يتم العمل عليها، وملجأ للحكاية في علاقة حب مع الراقي الأول أو المخرج، ثم قبل ذلك كله : التمرينات أو (مجمل البروفات التي تشكل في النهاية العمل الفني، أو الفيلم ).

أفلام ساورا هذه، نمط مختلف عما تعودت السينما أن تقدمه، إنها مشغولة بالمساحة الفنية والفكرية والزمنية السابقة للفيلم في حالإته العادية، إذ يرينا كيف يمكن أن نصنع عملا فنيا، وتشكل لحظة عمل الفيلم، هذه، أعمق نقطة فيه، ففي حين تأتي البنية التقليدية للأفلام عموما لترينا النسخة الأخيرة والأجود، تجيء أفلام ساورا لترينا عثرات ما قبل الإنجاز، دهاليزه، عذابات المشاركين فيه، خصوصياتهم، هواجسهم الإنسانية والفنية،  والطريقة القاسية التي يتشكل فيها العالم على الخشبة، لا تلك التي نشاهده فيها جاهزا ومكتملا إلى حد عدم حاجته لأي رتوش.

العمل الفني لديه،، هو مرحلة تكونه، لا كماله الذي يبهر به الناس، خاصة في هذه الثلاثية، التي يعززها الأن بتانغو، لتغدو رباعية.

لا يختفي ساورا أبدا خلف الكواليس، ليرينا المنجز الأنيق على الخشبة، كالنحات الذي يحرص على الا يرى أحد عمله قبل إتمامه، ولذا، يقوم بوضع ذلك الغطاء الأبيض فوق تمثاله، ليمد يده في اللحظة المناسبة ويرفعه بما يشبه كثيرا حركة الساحر. أعمال كارلومس ساورا في رباعيته هذه تتم في العراء أمام أعين الجميع، لا لشيء إلا لأنه يرى الخشبة التي يجري عليها استعدادات العرضي الذي من المتوقع أن يشاهده أناس غيرنا صمنيا، هي الشيء الوحيد الحقيقي، لأنها الحياة.

فيلم كارلومس ساورا هنا ليس عملا فنيا، بل هو ممارسة للفن، بما تعنيه من ممارسة للحياة. وفي ذلك نبل كبير.

ولا يقف عمل ساورا وفلسفته عند حد البروفة. المشاهد، بل يذهب ,أعمق نحو الفنان. الإنسان. فالتقاطع الذي يتم بين الدور الذي يؤدى. ويمكننا أن نلاحظ شيئا نادرا هنا يتمثل في أن أسماء شخصياته الفنية هي الأسماء الحقيقية الأولى لممثليه وممثلاته. وربما تكمن هنا فلسفة هذا المخرج ومنظوره للفن والحياة باعتبارهما شيئا واحدا، لا يمكن الفصل بينهما.

جملتان أساسيتان تشكلان مفتاح تأمل فيلم (تانغو)، الأولى تفتح باب التعامل الفني للمخرج مع عادته في لحظة انصهار أبطاله مع ما يقومون به. وهو بينهم. وهي ترينا فلسفته في التعامل مع اللون والضوء والكيفية التي رأيناهما بها في الفيلم ؟ والثانية، هي مخل تعامل الكائن مع ماضيه الخاص ومع سياق هذا الماضي في بعديه الخاص للغاية والعام.

تقول الأولى: اللون هو دلالة سفر بطل العمل للماضي، والضوء والظلام م هما وسيلة الانتقال ما بين عالمه الخارجي وعالمه الداخلي.

أما الثانية، فهي تلك التي يقولها ماريو سوارين، مخرج العرض. وبطله وهو يستعين بقول للكاتب الأرجنتيني بورفيس : الماضي هو الشيء الوحيد الذي لا يمكن تدميره، إذ أنه عاجلا أم أجلا سيظهر.

لكن، وقبل المضي بيدا، يمكننا أن نذهب نحو مادة هذا الفيلم الأولى التي تشكل صورته النهائية :

يفتتح كارلوس ساورا فيلمه عل مشهد لبيونس أيرس عند، الغروب، تستعرض الكاميرا في لقطة عامة شحوب المدينة، في لحظة لا يرى المشاهد منها سوى هذا العالم الغامض الذي لا يستطيع أن يصل لتحديد أي ملمح خاص فيه، ومن هذا المشهد بصفرته البرتقالية، ينتقل إلى عالم الفيلم، كما لو أن المشهد الأول هو محاولة ربط متقشفة كي يشير إلى أن ما يحدث على خشبة المسرح، يتم وينتمي لمدينة قائمة فعلا هناك، وما المسرح هنا الا جوهرها. هكذا لا يعود ساورا لذلك الخارج سوى مرتين تقريبا، وفيهما تبدو المدينة امتدادا للخشبة، أو الخشبات الكثيرة للمسرح، وجزءا منها وليس العكس، فالفن لديه هو الحياة.

لكنه وهو يذهب بعيدا في هذا الاتجاه، يرينا الحياة الفنية القابعة في الفن، ومن هنا يبرر العزلة القائمة بين حدي المعادلة، وهو ينفيها.

ماريو سوارين. المخرج الذي سيتبين لنا فيما بعد أنه يعمل على إنجاز عرض بعنوان (تانغو) يقلب مخطوطة عمله ويتذكر ماضيه،حيث تأتي أغنية من خارج الكادر، أغنية طويلة، كاملة، بصوت فتاة تردد: الحياة غريبة جدا يا صديقي.

تبدو الأغنية هنا محاولة لتلخيص حكاية الشخص الواقعي الذي نواه على الشاشة أمامنا: المخرج، ولكنها ستكون حكاية الشخص الوهمي الذي سنواه بعد قليل على الخشبة يوجه الراقصين. باعتباره بطلا للفيلم،لأن الفتاة التي تفني الأغنية القادمة من ماضيه، لن تلبث أن تخرج من الكلمات في العرض الذي يعمل عليه على صورة فتاة أخرى.

وهي جزء من العرض هنا، بل الجزء الأكبر لأنها ستغدو بطلته. وتفنيها أمامنا في مشهد حميم بعد ذلك، كما لو أنها تمد يدها في اللحظة الأخيرة لإنقاذ ماريو من الغرق.

في هذه اللحظة تبدو نجاة ماريو داخل عمله، كما بدا لنا للحظة أن هلاكه كان في عمل أخر. إذ حين يمضي ساوراه عبر عتمة المشهد لرؤية ما يدور في داخل ماريو، يتبين لنا أن ما حدث له من جرح في الروح تم على الخشبة أيضا، ثمة امرأة يحبها، تتخلى عنه، أو لا تبادله الحب، فيستل خنجره ويقتلها. لكننا فيما بعد سنرى المرأة نفسها تؤدي الدور الأول في العرض الموسيقي، قبل أن تظهر الفتاة الثانية (إيلينا ) لتحتل مركز البطولة مقصية (لورا) بعيدا نحو الدور الثاني.

هنا يحدث الالتباس، الذي نحاول فيه أن نعرف جاهدين، دون أن نظفر بإجابة قاطعة، هل نرى الماضي الفعلي لماريو ؟ أم رغباته الدفينة أم كل ما في الأمر أن ما نشاهده هو مجرد تمرينات لساورا على نص قائم أصلا.

يتيح لنا كارلوس ساورا حرية الوهم في أن نذهب نحو تفسير أن حكاية المخرج مع بطلتي عرضه، الرافضة له، والقابلة به، جزء مستقل عن العرض المسرحي، أي علاقة حقيقية كل ما في الأمر أنها تحدث بين زملاء المهنة، ولذا نرى إيلينا تهجر أنجلو الرجل الغني. المساهم الأكبر في إنتاج العرض، والذي كان سببا وراء  بث الحماس في ماريو لامتحان قدراتها الفنية فينتهي معجبا بها، مثلما هي معجبة به، مما يتسبب لها الوقوع تحت مس أنها مراقبة، وأن أنجلو لن يسامحها على ما قامت به، لأنه سبق وأن قال لها انه سيقتلها إذا ما هجرته.

كل هذه التفاصيل تبدو كما لو أنها خارج العرض. البروفة، خاصة حين يصور لنا ساورا عدم رضا المنتج عما يقدمه ماريو في المسرحية الموسيقية، إذ يجري الحديث بصورة مباشرة، في المرة الأولى عن الجمهور الذي تحول اليوم إلى مجرد مشاهد للتليفزيون، وكيف تحدد الشاشة الصغيرة معاييره الفنية، ولذا فإن أي عمل ينتج يجب أن يراعي هذه النقطة الحساسة التي قد تقصم ظهر أي إنتاج فني، ونبي المرة الثانية عندما يتم الحديث عن الماضي، حين يرى المنتج. الذي يكن كراهية للمخرج أصلا بسبب اختطافه لفتاته إيلينا. أن نبش جراح الماضي عبر استحضار مذابح الحرب الأهلية الإسبانية والهجرات القسرية شيء لا يمكن أن يحتمله عمل موسيقي مسرحي في هذا الزمان.

لكن هذا الإحساس الذي يصيبنا بشدة، أي كون هذه التفاصيل خارج البنية الفعلية للحدث المسرحي أو للزمن المسرحي تنهار بعد ذلك، فحين يقدم ماريو البروفة الأخيرة بحضور المنتج، ونلمح العصبية الظاهرة على الثاني، ومدم رغبته في التصفيق لأي مشهد يستحق ذلك، ويصفق له فعلا كل من يحضر البروفة، يصعد  ساورا الأحداث، ويحول الخشبة كلها إلى لحظا حياة حقيقية، حين يقدم أحد الرجال الذين يعملون لصالح المنتج. متسللا. على طعن إيلينا طعنة قاعة، وهنا يصرخ ماريو.مخرج العرض : لا. ويركض نحو الخشبة مخترقا جموع الراقصين بهلع حقيقي، ويصرخ أنجلو في اللحظة ذاتها ويتبعا، وهناك نرى إيلينا غارقة في دمها لحظات تطول، قبل أن تفتح عينيها، لندرك أن ما حدث ليس حقيقة ونتيجة لتهديدات أنجلو لها بالقتل إن هي هجرته، بل ان ذلك جزء من العمل المسرحي، فما يلبث أنجلو أن يقول لماريو: أظن أنني أطلقت الصرخة في اللحظة غير المناسبة، ولكنني حين سأعتاد الإيقاع سأنجح في ذلك ! ! !

إنها عبقرية كارلوس ساورا، القادرة على تفجير كل تلك الأوهام المتضاربة، التي تختفي فيها المسافة بين الفن وما يريد أن يقوله، لأنه الحياة كلها مكثفة في اعمق حالاتها.

***

وبعيدا عن المنظور العام الذم يتحرك فيه الفيلم فنيا، يمكن أن نذهب لقراءة بعض محاوره الموازية التي ة تشتبك إلى حد بعيد مع هواجس كارلوس ساورا نفسه، فالفيلم الذي يسعى لتقديم مسرحية غنائية، يسعر لتقديم سيرة داخلية لبطله ماريو سوارين حيث يظهر ومنذ المشهد الأول رجلا في العقد السابع من عمره تقريبا، مطاردا بماضيه الشخصي:

هجرة المرأة له، إحساسه القاتل بأنه لم يعد مرغوبا، لأنه أشبه ما يكون بـ (أسد عجوز يجوب الصحاري القاحلة ) ثم إدراكه لهول المسافة الزمنية التي تفصله عن بطلة عمله (إيلينا) إنها في الثالثة والعشرين، ويتصور هو أنها لم تزل في الثامنة عشرة لا غير، ولعل حسه المفرط هنا وهو يقدر عمرها، جزء أساس لمدى تضخم إحساسه بعمره، ولذا فإن الفيلم يقدمه كرجل منهك تماما على المستوى الإنساني الخاص، وإن كان يقدمه في مشاهد تالية على أنه رجل صلب على صعيد تعامله باحترام مع فنه بحيث لا يسمح لأحد بالتدخل في مسرحيته، رافضا كل الضغوط بإباء الفنان الذي يدرك ما يقدمه. لكنه وهو يواجه إيلينا لا يخفي إحساسه برحلة حياته الفنية (ما الحياة التي عشتها؟ أشعر بآنني ضيعت وقتي، وكل ما فعلته أنني سبحت بهلع فقط لأتجنب الفرق ) وفي مونولوج طويل يبوح في المسرح ليلا أثناء وجوده وحيدا ( المدينة قمة باردة، من نحن ) كيف نعيش أ يا لضألتنا… لقد انسقت وراء خيالك، رجلا ينهار أمام امرأة تظهر، رجلا يقع في الحب، يلاحقها بيأس ).

يقول له أحد العاملين معه في بداية الفيلم (إن حياتك كلها كانت أشبه بلحظة وميض ) بعد أن يصف هو الطريقة التي داهمته به الشاحنة وأوشكت أن تقتله، وفي تلك الجملة يكمن سوى عميق بانفلات الزمن وبمدى قدرة المرء على أن يبهر الآخرين فيه، ولكن ذلك أيضا، يشير إلى تلك الهشاشة التي لا تجعلنا نرضى عن أي إنجاز كبير حققناه، مادامت المسافة بيننا وبين القبر تضيق، وبيننا وبين معايشة الجمال تتسع.

إن مشهد ماريو أمام إيلينا في المطعم يثير الأسى، حيث يجلس مرتبكا متلعثما باحثا عن كلمات تليق، كما لو انه ليس ذلك الفنان الصلب الذي يواجه كل محاولات النيل من فكرته ومن مشروعه الفني، ولا شي، يهزه هنا سوى ذلك الفرق الهائل الذي يحس به بين جمال يحاول أن يتحاشى النظر اليه كيلا يتعذب أكثر، وبين حسه بأنه قد أصبح خارج الحياة لهذا السبب بالذات. هل يقدم كارلوس ساورا سيرته الذاتية الخاصة، وما الت اليه أفكاره تجاه العالم، وهو يرثي مصير المشاريع الفنية الكبرى التي تقف عارية اليوم ووحيدة في مهب منطق الشاشة الصغيرة ومعاييره الضحلة ربما، فساورا أيضا في عمر بطله، فقد ولد عام 1932 وهو مخرج أيضا! ! ويسعى دائما لردم المسافة بين الممثل والشخصية حين يجعلهما. كما قلنا.

يحملان الاسم الحقيقي.

أما على صعيد سعيه لإنجاز رباعية سينمائية فيظهر ذلك واضحا، عبر الموضوع / الأسلوب، وعبر مسيه أيضا وإصراره على أن تكون بطلة عمله الجديد (تانغو) الممثلة ميا مايسترو، صورة للممثلة لوراديل سول، بطلة فيلمين من هذه الرباعية (الحب المسحور، وكارمن ) إنه يقدم

ممثلة تكاد تكون نسخة مطابقة للبطلة الضائعة، وذلك أمر يدعو للتساؤل حقا، لكنا حين يقدم المرأة الأخرى البديلة للممثلة كريستينا هويوس، يتنازل قليلا عن الشبه الذي كانت تتمتع به تلك الممثلة التي كانت تقف دوما نقيضا لبطلت الأساسية : ويمكن أن يفسر لنا ذلك ما صرح به ساورا ذات يوم عن إحساسه الخاص بصورة الفتاة التي يمكن أن تكون عليها كارمن : (مذ كنت صغيرا كان لاسم كارمن دلالة خاصة عندي، إنني لا أعرف لماذا كنت أربط ذهنيا هذا الاسم بامرأة جميلة من الأندلس، شعرها أسود، شفتاها ممتلئتان وعيناها داكنتان كعيني غزال.. حكايتها قصة بدائية تنبع مباشرة من الأرض ولا يمكن استيعابها إلا من خلال بيئة البحر المتوسط وجوه ). وفي هذا الوصف ما يحيل أيضا إلى فيلم (تانغو) وبطلته، سوى أنه يعمل هنا على خلفية المشهد الراقص وحكاياته حين يمزجه بمشاهد من الحرب الأهلية الإسبانية، ويستحضر صورة الهجرات التي سببتها، وخل الفاشية الذي يرزح تحته البشر.

يبدو ساورا هنا غير قادر على التخلي عن أي شيء من الماضي (كبطله المخرج )، ومفرطا في أعانته لعناصر أعماله التي تشكل صورة رباعيته على شيء الشكل وعلى مستوي الرؤيا، وفي ذلك ما يثير الإعجاب، إذ كيف يستطيع مخرج أن يقدم العناصر نفسها دائما في فيلم جديد نقبل عليه كما لو أننا لم نر أيا من عناصره من قبل : ولعل في ذلك ما يشبه رقعة الشطرنج التي تمثل المسرح، وأحجار الشطرنج التي تمثل الشخصيات، فرغم أن رقعة الشطرنج لا تتغير وقانون اللعبة لا يتغير، وكذلك الأحجار، إلا أننا قادرون على أن نستخدمها لنلعب ما لا يحصى من المباريات، وتكون كل لعبة جديدة بالضرورة في كل مرة.

ثم أننا نستطيع الذهاب إلى هذه المجموعة من أفلامه لنكتشف أن إحساسه بالمدينة كـ (قمة رمادية ) يتعدى كثيرا حس بطله في هذا الفيلم بها، لأنه ذلك الشخص الذي لا يغادر مكانه، أو عالمه المتمثل في المسرح إلا مضطرا، ويسعى ما استطاع أن يقفز هذه الحاجة، وهذه المسألة سمة من سمات ممانع العمل، لا من سمات أبطاله، لأنها لو كانت من سماتهم، لما كانوا كلهم يصلون للنتيجة ذاتها، الاكتفاء بالمسرح كعالم بديل عن أي عالم سيهربون منه.

ثم أن نظرة متأملة لسينما ساورا هنا ستكشف لنا أنه يبني فكرته من الخارج، كما يبني علاقة سينماه بهذا الخارج أيضا (عبر هذه الرباعية )، فعلى الرغم من أن السينما. في بعض أسباب وجودها. قد وجدت ليتمكن المخرج من مغادرة فشبة المسرح المقيد بها واليها، لكي يحول العالم كله إلى خشبة واسعة بلا حدود، إلا أن ساورا يعيد السينما ثانية للخشبة، قانعا بأن لا شيء يمكن أن يحدث في الخارج أكثر غنى مما يمكن أن نواه في هذا الداخل. لكنه وهو يأخذ هذا القرار كنمط للحياة، يعمل بكل موهبته العظيمة ورؤاه كي يجعل من هذا الداخل شيئا مختلفا في الداخل المعتاد: وفي هذا الفيلم تبلغ فنيته ذررتها، كما لو انه يضع خلاصة منهجه في هذا العمل. إنه لا يكتفي من المسرح بخشبة واحدة، إنه يبني مجموعة خشبات تتحرك الكاميرا لتصور ما عليها تماما كما يمكن أن تتحرك وهي تنتقل عبر لقطة واحدة بين مبنى وشارع ومبنى ونافذة بعيدة، وبين قمة وسفح وقارب يجرفه تيار نهره. كما أنه يعمل على إيجاد صياغات فنية مذهلة، من خلال الحواجز الشفافة التي يبنيها فوق فشبة المسرح ويستخدمها لتحركات الظلال، وكذلك الدور الذي كلعبه المرأيا والديكورات الفخمة التي تعبر

عن الطبيعة في الخارج سواء البيوت أو المقابر الجماعية أو الأفق العريض الذي يستحضره بإتقان : يقول أحد العاملين الفنيين معه : (نستطيع أن نستخدم تأثيرات المشهد وأن نتحرك فيه بين الغروب والشروق بيسر). كما أن ذلك المشهد الساحر الذي يصوره حين يوجه المروحة الضخمة نحو ملابس الراقصات المعلقة وما يحدثه الهواء من تأثيرات، حيث تبدأ الملابس بالرقص بصورة مذهلة، لا كبث أن تتقاطع وتتداخل مع صورة الراقصات أنفسهن وهن يدخلن المشهد ويملأن الثياب.

ثم أن انصهار المخرج بعمله يدفعه للبقاء في المسرح باحثا عن حلول فنية للمشاهد، كل هذا يبين أن في الأمر بعضا من سيرة ساورا نفسه، إن لم نقل معظمها.

وإذا كان ساورا يلعب على توسيع حدود المكان بالرؤيا، فإنه يعمل كثيرا على اللون الذي لعب دورا غير عادي في الفيلم وجمالياته، كما يعمل على إيجاد صيغ فنية نادرة على المستوى السينمائي، حين يركب ثلاث طبقات من المشاهد فوق بعضها في مشهد واحد ليشير إلى ثلاثة أزمنة أو حالات متصارعة، كل منها تشكل النتيجة لسابقتها. كما أن استخدامه لمقاطع من أفلام قديمة، ومحاولة الاستعانة ببعض أعمال الفنان التشكيلي الإسباني غويا، بل وإعادة تصوير بعض اللوحات، على تقديمها حية على فشبة المسرح، ذلك كله دليل على العلاقة الوثيقة بين التاريخ الخاص والتاريخ العام : حيث يظهر هذا التاريخ على مستويين : المستمد، الأول : علاقة زمن المسرحية الراهن، بسياقها العام المتمثل في الهجرات والمذابح، والقتل والاغتصاب كظلال للفاشية السوداء. وفي المستوى الثاني علاقة تاريخ اللحظة الواهنة، لحظة العمل للمخرج. ماريو بماضيه وكيف يضحي عمله جزءا من السياق العام لما عاشه ويعيشه ويطحنه. ويتقاطع المستويان في نقطة دفاعه كفنان في فكرته، أمام المنتج وبعض العاملين معه.

يمكن القول إن فيلم ساورا هذا محاولة مزدوجة لتأمل التاريخين الخاص والعام في مرآة مزدوجة أيضا، يرثي عبرها ما آلت اليه المدينة أو (البلاد) وهي تتحول إلى قمة رمادية باردة، وما آل اليه حال الفن الحقيقي وهو يتحول إلى كائن محاصر بالضحالة، وما آل اليه الواقع المعلق بين الماضي الرازح تحت وطأة الفاشية، وظلها الحاضر، وما آل اليه البطل. المخرج وقد تحول إلى أسد عجوز.

ثمة انتصارات كثيرة قد تحققت، لا شك، ولكنها تظل نمطا من تلك الانتصارات الجريحة التي لا تكتمل والمكللة دوما بتيجان الخسارات.
 
 
ابراهيم نصر الله  (شاعر من الاردن)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …