أخبار عاجلة

تجليات «ألف» ابن عربي في قصة «الألف» لبورخيس

 تهمس قصص بورخيس الصادرة ضمن مجموعة «الألف» بصوت ابن عربي، تهمس بهدوء ولا تجهر به، لأن القاص يستحضر لغته وفكره وصوره التشبيهية لكنه يتعمّد حجبه. كما أنه بذكاء أدبي متميز، لا يستحضر مادة الآخر بالاستشهاد أو بالإحالة، إنما يبدد المادة الموظَّفَة ويذيبها بين ثنايا نصه كي لا تظهر. لذا، لا يبدو  الصوت الصوفي للشيخ الأندلسي جليا إلا بعد جهد ومؤانسة بنصوص بورخيس، التي تتمنع عن الإفصاح عن خلفيتها وعضدها الفلسفي. وقبل أن نبين تجليات الصوت الصوفي لابن عربي في متن بورخيس الأدبي، يجدر بنا أن نعرّف بهوية وثقافة مصدره.
الشيخ ابن عربي هو محمد بن علي بن أحمد بن عبد الله الحـاتمي الطائي من ولد عبد الله بن حاتم أخي الصحابي عدي بن حاتم، ويلقب بمحيي الدين، ويُكنى أبا عبد الله وأبا بكر ويعرف بالحاتمي أو الطائي. ولد الشيخ ابن عربي في شهر رمضان سنة 558  للهجرة الوافق لعام  1164 ميـلادية في مدينة مرسية شرقي الأندلس. كان والده من أئمة الحديث والفقه والزهد، وكـان صديقا لابن رشد  فيلسوف قرطبة. وفي عام  568 هجرية، انتقل ابن عربي الطفـل وأسرتـه للإستقرار بإشبيلية، فأقام بها حوالي عشرين عاما. درس الشيخ ابن عربي في إشبيلية عند الشيخ أبي بكر بن خلف، وقرأ على يديه القراءات السبع ودرس التفسير والحديث.  
وعندما أتمّ القراءات، أسلمه أبوه إلى أشهر رجال الحديث والفقه، فسمع في وقت مبكر من «ابن زرقون» و«الحافظ بن الجد» و«أبي الوليد الحضرمي» والشيخ «ابن الحسن بن نصر». كما درس أيضا على يد الشيخ «أبي يعقوب يوسف بن خلف الكومي» والشيخ «محـمد بن خلـف اللخمي». وأخذ علوم التصوف من الشيخ «أبي العباس العريبي» و« فاطمة القرطبية» والشيـخ «أبو عمران موسى بن عمران الميرتلي» وفي العشرينات من عمره، اختار ابن عـربي الخـلـوة و التصوف.
وأثناء طلبه العلم، قام الشيخ ابن عربي بعدة رحـلات وزيارات لمناطق شتى، فقد زار، المغرب وتونس عدة مرات، وأقام هناك لفترات متقطعة ثم ارتحل إلى المشرق للحج عام 598 هجرية/ 1201 ميلادية. ولم يعد بعدها إلى الأندلس، وفي المشرق أقام في مصر مدة قصيرة، ثم انتقل إلى مكة، وعكف على العبادة والتدريس في المسجد الحرام، ويقال انه خلال إقامته بمكة أفاض الله عليه أسرارا وعلوما أودعها في كتابه « الفتوحات المكية». بعد ذلك انتقل الشيخ إلى العراق حيث زار بغداد والموصل، واجتمع برجالها ثم طاف في بلاد الروم وأقام فيها مدة، وقد أكرمه ملكها المسلم «كيكاوس».
 بعد ذلك قام الشيخ برحلات طويلة بين العراق ومصـر وسوريا وفلسطين، ليستقر أخيرا بدمشق عام 620 هجري والموافق لـ 1223 إلى أن وافته المنية في شهر ربيع الثاني سنة 638 هجرية الموافق لشهر نوفمبر 1240، وقد دفن بسفح جبل قاسيون، وتسمى المنطقة التي يوجد بها ضريحه باسمه (الشيخ محيي الدين). ذاع صيت الشيخ «محيي الدين» في علم التصوف وكتب فيه المئات من الكتب والرسائل، زاد عددها عن خمسمائة كتاب حسب «عبد الرحمن جامي» صاحب كتاب «نفحات الأندلس». فيما ترى الدكتورة «سعاد الحكيم» أن هناك ما يزيد عن مائتي مخطوط ومطبوع من كتبه، ذكر منها «كارل بروكلمان» (1868-1956) «أكثر من مائة وخمسين عنوانا، مع التحقق من وجودها»(1). 
ومن أشهر مؤلفاته «الفتوحات المكية» و«فصوص الحكم» وكتاب «تفسير القـرآن» الذي لم يتمه بسبب انقضاء أجله، إذ بلغ في تفسيره سورة الكهف عند الآية «وعلمناه من لدنا علما». كما كتب أيضا كتاب «إنشاء الدوائر» و«عقلة المستوفز» و«ترجمان الأشواق» و«محاضرة الأبـرار» و«التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية» و«كشف المعنى في تفسير الأسماء الحسنى» و«الإسرا إلى مقام الأسرى» و«الأحاديث القدسية» و«الفتوحات المدنية» وغيرها من الكتب.
لكن كيف تجلى أثر فكر ابن عربي في النص الأدبي لبورخيس؟ 
يمكن القول، إنه لا يوجد أثر واحد لتمثل فكر ابن عربي، بل هناك أشكال وأنماط لتمثل فلسفته ولغته وصوره التحليلية. ويمكننا أن نرصدها فيما يلي: 
1-1  تجلي الألوهيهة / الكون فـي الحرف
 يعد كتاب «الألف» أشهر مؤلف لبورخيس، وهو عبارة عن مجموعة قصصية نشـرت لأول مرة عام 1949  ببوينس آيرس (الأرجنتين)، وتجلي قراءة عمودية لمتن نصوصه بوضوح نوعيةالبعد اللاهوتي للقصّ الأدبي عنـد بورخيس، فرغم أنه يجهد القارئ بتوزيع تركيزه على أكثر من جهة أدبية، ومذهبية ودينية إلا أن أثر النص الصوفي الإسلامي يظل طاغيا وجليا بين كلماته، وإن كان اكتشافه ليس هينا لمن يجهل لغة النص المصدر ومعانيه، ورموزه. كما أن توظيف مثل هذا النص ليس يسيرا في الحقل الأدبي، لا سيما وأن بورخيس اختار نصوص ابن عربي التي تتجاوز المنطق وحدود العقل أحيانا، ليلقحها بخيالات الأدب وفن السرد. 
  ونحسب أنه أدرك هذا التحدي لكنه آثر استثمار نصوص غير رائجة لدى أوسـاط قرائـه، كنوع من المباغتة بإبداع منفرد، وكتقليد جديد يخرق به توقعات متلقيه. ولعله لهذا السبب، عُدّ هـذا القاص متميزا، لأن قراءة نصوصه تضفي على القراء صفة العبقرية وتغيرهم، على حد تعبير «كلود مورياك»(2) لأنه لا يفصح عن خطه الأدبي بل يستثمر نصوصـا معقـدة في لغتهـا وفي ثقافتـها الأصليتين، ليحولها إلى نصوص أدبية تبدو ملغّزة لا تبوح بالإجابة. ومـن ثمـة تغـذو أسـرار النـص المصدر مضاعفة التعتيم والغموض حين يعيد القاص كتابتها، مدمجا إياها في بيئة ولغة مغـايرتين، ناهيك عن نمط إعادة تمثلها الذي يغير في الأصل ويحرفه.  
اختار بورخيس قصة «الألف» لتكون واجهة لمجموعته القصصية دون باقي عناوين القصـص الأخرى. ويوحي هذا الانتقاء بحدس أدبي لوقع العنوان على القراء، وبإثارة فضول وإشهار لهذا النص بشكل خاص، إيمانا منه – على ما يبدو – بنوعية التجربة الأدبية التي ستفـاجئ المتلـقين، ذلك أن انتقاء حرف من أبجدية اللغة ليكون اسما للكتـاب ليست تقليدا شائعا في الآداب، لكنه منتشـر لدى المتصـوفة المسلمين، إذ يحيلنا هذا العنوان مباشرة لـ«كتاب الألف»(3) لابن عربي، ولا ندٌعي هنا إحالة قسرية لهذا المصدر بحكم التطابق العنواني، بل نشير إليه مبدئيا بحكم التناص الحرفي بين جملتي العنوانين المعلنتين عن نصين أحدهما سردي قصصي والآخر صوفي إسلامـي. وإن كان هذا لا ينفي بأن بورخيس يبرر ضمنيا- ولربما خطأ وبدون وعي – هذه الإحالة التي يسكت عنها، من خلال محاكاته لوصف ابن عربي لحرف الألف بل ولفلسفته أيضا، فضلا عـن اعتمـاد بعض مصطلحاته بنفس حمولتها الصوفية.
في جو يجمع بين الوصف الواقعي والسرد السحري يستعرض بورخيس في  قصة «الألـف» صدمة الشخصية القصصية، التي يمنحها  بورخيس اسمه، عندما تتلقى يوما مكالمة هاتفية من قريب، يخبرها أنه يعارض هدم بيته لأن ذلك سيؤدي إلى فقدانه حرف الألف الموجود بقبـو البيت. وعندما ينتقل بورخيس (الشخصية القصصية) إلى ذاك البيت يتفاجأ برؤية حرف الألف:
 «… حينئذ رأيت الألف. 
…… في الجزء السفلي من درجة السلم، إلى اليمين، رأيت دائرة صغيرة مموجة الألوان، ذات وميـض يؤذي العين تقريبا. في بادئ الأمر، اعتقدت أنها تتحرك دائريا ثم تبينت أن تلك الحـركة كـانت خداعا بصريا نتيجة لتلاحق العروض السريعة داخلها. قد يكون قطر الألف سنتيمترين أو ثلاثة بيد أن الحيز الكوني جميعه كان هناك بلا اختصار في حجمه.كل شيء (صفحة المرآة مثلا) كان أشياء لا نهائية، لأنني بالطبع كنت أراه من كافة أنحاء الكون».(4)
هذا الوصف الغريب  لرؤية الحرف لا يختلف كثيرا عما وصفه الشيخ ابن عـربي لحـرفي الهـو، فذات يوم «أصابته هلوسة بصرية حادة جدا: فعلى أرضية من النور الأحمر ظهر لعينيـه شكـل هندسي ذو لون أبيض يحيط باسم «هو»، الذي يدل عند الصوفية على الماهية المشخصة لله، فلمـا شاهد ابن عربي ذلك غشي عليه.(5)
يقول في كتابه الفتوحات في جزئه الثاني: «في ليلة تقييدي هذا الفصل، وهي الليلة الرابعة من شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وستماية الموافقة ليلة الأربعاء الذي هو في عشرين من شهر (شباط)، رأيت في الواقعة ظاهر الهوية الإلهية شهودا وباطنها شهودا محققا، ما رأيتهـا قبـل ذلك في مشهد من مشاهدنا، فحصل لي من مشاهدة ذلك من العلم واللذٌة والابتهاج ما لا يعرفـه إلا من ذاقه… وصورتها مثالا في الهامش كما هو، فمن صوره لا يبدله، والشكل نور أبيض، في بساط أحمر له نور أيضا في طبقات أربع… فما رأيت ولا علمت ولا تخيلت، ولا خطر على  قـلبي مثل صورة ما رأيت في هذه الهدية. ثم إنها له حركة خفيفة في ذاتها أراها وأعلمها من غير نقلة ولا تغير حالته ولا صفة.»(6) 
  يلتقي إذن النصان في المشاهدة العينية للحرف، فقد رأى بورخيس ألفا ورأى ابن عربي حرفي الـ(هو)، وكلاهما تجلى له الحرف في هالة ضوئية:
_ ابن عربي: 
  رأى الهو على شكل نور أبيض ــــــــــ في بساط من النور الأحمر ــــــــــ أصابه بهلوسة بصرية. 
_ بورخيس:  
 شاهد الألف ضمن موجة من الألوان ذات وميض ــــــــ يؤذي العين ــــــــ في حركة ذات خداع بصري.
إن التماس بين الموقفين ههنا لا يتجسد في وقع المشاهدة _ (المفاجأة التي تلاها الأذى/ الخداع البصري ـ نور أبيض/ هلوسة بصرية)، ولا في موضوع المشاهدة_ (الحرف أو الحرفان)_ فحسب، بل في شكل ظهور هذا المشاهَد النوراني والذي أحاط به النور. مما جعل النصين يلتقيان في نـفس التفاصيل وملامح تجلي الحروف. فضلا عن كون بورخيس يحتذي بمصدره في تحقق التجـلي في أجواء تطغى فيها العزلة والبعد عن عيون الآخرين عند رؤية الحرف، إذ يختار لشخصيته النزول في القبو، والانتظار في مكان مظلم حتى يظهر الألف. 
 وفي هذا السياق، كان الباحث الإسباني «أسين بلاثيوس» قد شرح في تحديده لشروط حصول المكاشفة، بأنها لا تتم إلا بالتخلي عن المخلوقات التي تحول بينها وبين الله، باعتبارها حجبا تمنع إدراك الجلال والسر الإلهيين. معنى هذا أن نص بورخيس يتقاطع مع نص ابن عربي في موضوع التجلي وشروطه، وإن كان الكاتب الأرجنتيني قد انتقى أجواء بيتية في تشكيل نصه القصصي.
 من جانب آخر، نجد أن بورخيس أسًس قصته منتقيا حرف الألف العبري من مجموع الحروف الأخرى، وهو حرف يشبه في تشكيله الهندسي نفس الرسم الذي وضعه الشيخ ابن عربي للمشهد الذي رآه حين تجلى له الهو، حيث وثقه في هامش كتابه، ودعا كل من يصوره بألاٌ يغيره. ومن هنا فإن الحرفين يختلفان نطقا ويتقاطعان رسما، ذلك أن تشكيل حرف الألف العبري يشبه في الأصل رأس ثور بقرنين، حسب تحليلات اللاٌهوتيين اليهود، ويرمز بشكله هذا إلى القوة الجنسية 
والخصوبة، كما يرمز القرنان إلى قدرة تأثير المعلم في تلميذه، الذي لا ينبغي أن ينحرف عن أثلام المعرفة التي خطها له، ويقصد بها تعاليم التوراة. 
 وما يثير الانتباه والدهشة في آن واحد، أن رسم هذا الحرف الذي انتقاه بورخيـس يشبه إلى حـد كبير ما صوره ابن عربي لمشهـد الهـو الذي رآه، وهوما يجعلنا نتساءل إذا كان تماس الشكلين قد أيقظ الألف العبري في ذاكرة بورخيس، خاصة، وأنه ما ينفك يتحدث عن مصدره في القبالاة، ثم يقفز إلى ذكر المصادر الإسلامية. ويتمثل تشكيلا مشهد الهو، ورسم حرف الألف العبري كالآتي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  مشهد الهو كما وثّقه الشيخ ابن عربي
 
أما الألف العبري، فيتمثل رسمه كالتالي:
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
الحرف ألف في اللغة العبرية
 
ورغم هذا التقارب في الشكلين، والاستشهاد بالإسلام والمسلمين أكثر من مرة، في القصة، إلا أن بورخيس المولع بعرض مقروءاته ومصادره، لا يذكر اسم ابن عربي في نصه، بل يـراوغ مضللا بذكر أسماء أخرى. غير أن أرملته أعلنت في حوار أجراه معها المغربي «محمد آيت لعميم» عـام 1999 بمناسبة الذكرى المئوية لوفاته التي احتضنتها مراكش، أعلنت أن بورخيـس من فرط حبه للغة العربية عنون أحد مؤلفاته بالحرف الأول من أبجديتها، مضيفة أنه «استمد… قيمة هذا الحرف من خلال قراءاته لابن عربي الذي يعتبر أن حرف الألف أصل الحروف، ويستمـد قوته من رمزيته الإلهية.»(7) 
 غير أن القاص يحجب المصدر وصاحبه كليا، مستشهدا بأسماء أخرى، وبالقبالاه خصوصا للإحالة إلى الألف العبري وليس العربي. لكن مع ذلك، يطغى سحر المصدر المسكـوت عنه الذي يفتنه على ما يبدو، إذ يفلت منه إطاره العام لكن دون تعيين الاسم. 
يقول بورخيس بعد صدمة مشاهدة الألف:
«إن المتصوفة، في حالة مشابهة، ليسرفون في الرمز: فللإشارة إلى الألوهـة يتحدث متصـوف فارسي عن طائر هو بشكل ما كل الطيور، ويتحدث «ألانوس الأنسوليني»  عن دائرة مركزها في كل مكان ولا يوجد مدارها في أي مكان، ويتحدث حزقيال عن ملاك له أربعة وجوه تتجـه في نفس الوقت  نحو الشرق والغرب والشمال والجنوب (لا أذكر هذه المشابهات غير المتخيلـة هنا عبثا، فثمة علاقة بينها وبين الألف)».(8) 
 يطلق القاص إذن اسم المتصوفة بشكل عام، لكنه لا يحدد اسم المتصوف الأول، بل يـورده نكرة مشيرا فقط إلى أصوله الفارسية، أما بقية الأمثلة فيوردها بالاسم كاملا. وهـذه إشـارة أخـرى إلى أن القاص يجهر بأسماء بعيدة ويتكتم عن الأسماء القريبة من نص مصدره. يحـاول بورخـيس إذن، إبعاد طيف ابن عربي، لكنه يحيل إليه مرة أخرى ، يحيل إليه عنـدما يستعجل التعليق على مشهد رؤية الحرف بذكر المتصوفة، أي الحقل العام الذي يسري في فلكـه نصـه، قائلا «إن المتصوفة في حالة مشابهة»، غير أن بعض الأسماء التي يذكرها ويؤكد على عدم عبثيـة الاستشهاد بها، لا تحقق مشابهة مع ما يسرده، لسببين اثنين:
أولهما أن واقعة رؤية الحرف لم ترد في كتاب «منطق الطير» لفريد الدين العطار الفارسي، ولم ترد أيضا لدى رجل اللاهوت الفرنسي «ألانوس الانسوليني» (1120-1202) اللذين يذكرهما الكاتب. وثانيهما أن المشابهة التي أوردها لا تقع على تخوم المصادر التي ذكـرها بل تقـع في تقاطع هذه المصادر مع المصدر الأول، والمتمثل في فكر ابن عربي، خاصة وأن عددا غير قليـل من الباحثين والمستشرقين يؤكدون تأثير المتصوف الأندلسي في المتصوفين المسلمين والمسيحيين الذين جـاؤا من بعده.(9) وهو ما يوحي بأن تعجٌل نفي المشابهة أدى إلى تأكيدها والاعتـراف بتأثيـر النص المصدر.  
  ومن ثمة فإن العلاقة بين بعض النصوص التي ذكرها بورخيس وبين ألفِه هي علاقة متعدية تتم عبر وسيط مؤثِّر مشترك هو ابن عربي. وفي هذا السياق، أورد «أبو العـلا عفيفـي» (1897-1966) في تعليـقه على بعض كتب المتصوف الأندلسي، أنه «ما من صوفي  إسلامي أتى من بعد ابن عربي، شاعرا كان  أم غير شاعر، عربيا كان أم فارسيا أم تركيا، إلا تأثر بمصطلحـه، ونطـق عن وحي كلمه».(10) إلا أن  الكاتب الأرجنتيني وإن وصفه بالإسراف في  إشارته إلى الألوهة إلا أنه لم  يذكره بالاسم. وكأن به، يعمد إلى التمويه بمصـادر أخـرى تحـجب النص الأصلي.
غير أن النص يقاوم العتمة  فتكشف بعض التلميحات عن المسكوت عنـه، عندمـا يربـط صاحب الألف بين رؤية الحرف وبين الألوهة مثلما وردت عند الشيـخ محيي الدين كـواقعـة حقيقية رآها، فينسج على منوالها بورخيس مشهدا مماثلا ويدافع عن واقعيته من خلال اتهام الآخر بالمبالغة في الرمز. كما يؤكد بورخيس استعطاء مادته من نصوص ابن عربي عندما يبوح جهرا، بما صمت عنـه في نص «الألف» داخل قصص أخرى. ففي قصة «المعجزة السرية» عندما يسأل أحد المكتبيـين الشخصيـة القصصية «هلاديك»:
«عمٌ تبحث؟»، تجيب الشخـصية «أبحث عن الرب» فيرد المكتـبي «إن الرب موجـود في أحد الحروف…»(11)
 هذا الاقتران بين الألوهة وبين الحرف ليس جديدا، فقد قال به المتصوفة المسلمـون، من ذلك «الحسين بن منصور الحلاج» (858-922) مثلا الذي اعتبر الحروف « آياته ووجـوه إثبـاته» وكذا الشيخ «عبد الكريم الجيلي» (767-826) الذي وصف الحرف بأنه «هو الاسم والصفة الإلهية»(12). لكن بورخيـس يقـلب الموقف مرتين، ففي قصة الألف يرى الكون في هذا الحرف، أما في قصة «المعجزة السرية» فيقر بوجود الرب في الحرف لكنه يعدم رؤيته فيه. ورغم تردده في الفصل بين المفهومين أو بالأحرى بين الكلمتين، إلا أنه ما ينفك يفسر أحدهما بالآخر. لاسيما وأنـه لا يصف ظاهر الألف بقدر ما يصف باطنه، فقد بكت عيناه عندمـا رأى «ذلك الشـيء الخـفـي والحدسي»(13).  
من هنا، فإن بورخيس لم يحاك فنيا مشهد الرؤية العينية للحرف فقط، (الألف/ هو)، ولكنه حاكى أيضا مواصفات أخرى لألف ابن عربي، الذي يرد في كتبه بأنه قرين الأحدية أي فردانية الله ووحدانيته، وأنه يضمر سرٌ الألوهية، فمثلما أن الله أحد صمد يتعلق كل الخلق برحمتـه و لطفه، كذلك الألف تتعلق به كل الحروف الأخرى، ولا يتعلق هو بها، لذلك عدٌه (قيوم الحـروف). يقول «… لما كان الألف يسري في خارج الحروف كلها سريان الواحد في مراتب الأعداد كلها لهذا سميناه كتاب الألف وهو قيوم الحروف وله التنزيه والقبلية وله الاتصال بالبعدية فكل شيء  يتعلق به ولا يتعلق هو بشيء».(14) 
 لم يعد الحرف نقشا يرسمه القلم خطيا، أو رمزا مطبوعا بتعريف اللغويين، وإنما غذا سرا، لأنه ليس مجرد صورة شكلية لصوت وإنما هو صورة ذات باطن، فكأن شكل الحرف هو حجابه الذي يخفي مكنونه، لأن سره الدفين في الباطن، مودع «في النقط»(15) على حد قول الدكتور «عبد الحميد صالح حمدان». هذا الاهتمام بالباطن يوليه بورخيس أهمية قصوى، إذ يبطل سحر مشاهدة الألـف الظاهر في القبو، بالكشف عن أسرار أكثر تعقيدا ظهرت في باطن الحرف. فكأنه لم يتخذ من ألفه سوى حجاب  ليسترسل في الكلام عما استودعه من صور. ومن ثمة، تتحول الرؤية البرقية السريعة لشكل الألف إلى مشاهدة طويلة لمظاهر متعددة تختلف أمكنتها وأزمنتها. 
  وصنو ابن عربي الذي وضع كتابين أحدهما حول حرف «الألف» والآخر حول حرف «الباء»، ألّف بورخيس قصتين، اختار لإحداهما الحرف الأول من الأبجدية العبرية على حد قوله، و عنْـوَن قصة أخرى بـ«يانصيب بابل»، التي سخر مقدمتها لتمجيد حرف الباء، من خلال شخـصية يعرضها القاص بملامح يهودي من سبي بابل، قُطِعت سبابته، تحمل وشما قرمزيا على بطنـها، هو عبارة عن حرف «بيث» وهو ثاني حرف في الأبجدية العبرية، ويقابله الباء في الحروف العربية. غير أن هذا الـ«بيث» هو حرف غير عادي، لأنه يمنح الشخصية «في الليالي التي يكتمل فيها القـمر بدرا، سلطة على الرجال الذين يحملون رمز حرف «غيمل» لكنه يخضع(ها) لرجال حرف «الألف»، الذين يدينون بالطاعة في الليالي غير المقمرة لأولئك الموسومين برمز حرف «غيميل»(16).
  في ضوء هذا الثالوث الحرفي، يحاول بورخيس استثمار المعاني الخفية للحـروف العبرية في نص قصصي، مستعينا بدلالاتها الرمزية مثلما تجسدت في التوراة. فقد ربط بورخيس حرف البيث بالقوة وحرف الألف بالطاعة، وجعل أحدهما ذا سلطة على حرف «غيميل»، والآخر خاضعـا له. والمتأمل في الصفات المسندة للحروف يجد أن كل واحد منها خاضع للآخر، ولا أحد منها ينفرد بالسلطة المطلقة، طالما أن علاقته بالحرف الثاني تجعله مواليا له، مثلما يمكن أن نوضحـه في هـذا الشكل:
 
  غيميل
 
 
 
 
 
 
   بيث
 
 كل حرف يبدو منفردا بالسلطة، وفي الوقت نفسه، خاضعا لتبعية حرف آخر. وهو ما يتساوق مع موضوعة القصة التي تقوم على وصف نظام اجتماعي تحكمه  المصادفة «مع إلغاء كل إمكـانية للإرادة الحرة أو حرية الإرادة.»(17) حسب تحليل الباحثة «بياتريث سارلو» لهذه القصة. لكنه لا يتساوق مع صفات الألف التي منحها بورخيس لهذا الحرف في نصه السابق (الألف). بل على النقيض من ذلك، يفتقد الألف في قصة «يانصيب بابل» للاستقلالية، على خلاف الألف المشاهَد في القبو من قبل بورخيس الشخصية، وعلى خلاف الألف العربي أيضا الذي يعد حرفا متبَعا لا تابعا، لأنه منه اشتقت الحروف. 
  غير أن بورخيس بتأثير التوراة، يهب البيث سلطة، وحرف «غيميل» هيبة، يذعن له الألـف طائعا، باعتباره يمثـل حركة وتحولا عبورا واجتيازا: ذهاب وإياب. وهي السـمة التي تبـدو مرسومة في النص، من خلال اتجاه الحرفين الآخرين ألف وبيث نحو غيميل. ومهما يكن، فـإن الحرف عنـد بورخيس يقتـرن دائما بانبعاث طاقة سحرية منه، أو هالة خـارقة، فقد غـذت الشخصية القصصية الأسيرة فجأة لامرئية، حيث لم يعد الناس يرونها، بفضل سلطـة «بيـث». 
ويبدو هذا الموقف الأدبي راسخا عند بورخيس في تعامله مع الحروف تعاملا توراتيا، يضفي عليه مسحة صوفية إسلامية، بتأثير من ابن عربي، وهو التمازج الفني الذي يضفـي عـلـى النـص البورخيسي غموضا وانسدادا في مسالك السطور لبلوغ المعنى.  
 1-2- المشاهدة / المكاشفة:
  إذا كان ابن عربي قد ذكر أن الحق  أشهده قائلا إن «الحروف موسى والألف العصا»(18)، فإن بورخيس أراد أن يصنع من ألفه العبري معجزة أدبية كمعجزة الألف العربي الذي احتـوى كـل الكون وسر الألوهة. وعليه، تتحول محاكاة المشاهدة التي تتسم بسحرية المرئي إلى محاكاة الوصف الذي يتطور عبر أسطر القصة البورخيسية إلى تبني نفس الطرح الصوفي الإسلامي حول حـرف الألف، إذ يغدو كل العالم ألفا، ويغذو الألف مرآة صغيرة تجلي كل الأفعال والمشاهِـد العامـة  والخاصة التي تراءت لبورخيس الشخصية في نقطة واحدة فقط. يقول: «ففي تلك اللحظة العملاقة، رأيت ملايين الأفعال الممتعة والوحشية ولم يذهلني أي منها بقدر ما أذهلتني مسألة أنها جميعا احتلت نفس النقطة دون تراكب ودون شفافية.»(19) 
من جديد يبطل بورخيس سحر المشهد ليعرض سحرا أقوى منه وأشد فتنة، فقد تجلت كـل الصور «ملايين الأفعال» في نقطة واحدة دون تراكب. وبالتالي، يزول الإندهاش برؤية الألـف، لتحل محله صدمة مشاهدة كل الكون، وقد تجمع في نقطة واحدة. إنه باختصار تجلي الكـون في صور متكثرة، صدرت جميعها عن جسم واحد صغير جدا. أي إن القاص يمنح النقطة وصفا صوفيا، باعتبارها «سر الأسرار» والفيض الذي انبجس منه العالم. وباعتبارها أيضا الواحد الذي انبـثقت منه/ فيه الكثرة.  
 وقد ورد هذا طرح لدى المتصوفة بإسهاب خاصة لدى الشيخ ابن عربي، إذ تستأثـر النقطـة باهتمامه، ويفرد لها تحليلات واسعة في خطابه الصوفي، كما ورد موضوع النقطة أيضا في كتابات العديد من رجال الصوفية المسلمين، من ذلك مثلا الحـلاج الذي يرى أن « علم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية في الأزل، وعلم الأزل في المشيئة، وعلم المشيئة في غـيب الهـو، وغيب الهو «ليس كمثله شيء»(20).
  كما أن النقطة كثيرا ما تقترن في كتب المتصوفة بالألف، باعتبارها مصدرا له ولنشأة الكون أيضا(21). وهو ما يتجـلى في قول ابن عـربي عندما يصف الألف بأنه» نقطة الدائرة ومحيطـها، ومركب العوالم وبسيطها»(22)، ويقول في موضع آخر من الفتوحـات المكية إن «أصل الأشكال الخط، كما أن أصل الخط النقطة والخط هو الألف، فالحـروف منه تتركـب وإليه تنحـل فهو أصلها «(23). 
  إذن، فالنقطة عنده هي أصل للحرف والخط والكون معا. هذا التصور الصوفي  تجسٌـد عند بورخيس وصفا وسردا في قصته، عندما رأى  في نقطة واحدة (الألف) قارات وأحياء وصحارى وأزمنة مختلفة، كما رأى أيضا كل الحروف وفي جميع صفحات الكتب عبر ألفه الذي تجلى نقطة استوعبت كتابات وجغرافيا وتاريخ وذكريات متنوعة:
«رأيت البحر الزاخر، رأيت الفجر والمساء، رأيت الحشود في أمريكا، رأيت نسيـج عنكبوت  فضيا في مركز هرم أسود، رأيت متاهة محطمة (كانت لندن) رأيت عيونا متجاورة لا تنتهي تتفحص نفسها في كأنها تنظر في مرآة، رأيت كل مرايا الكوكب بيد أن أيا منها لم تعكس صورتي، رأيت في فناء خلفي بشارع «سولير» بلاطا كنت رأيته منذ ثلاثين عاما في دهليز منزل بـ «فراي بنتوس» رأيت عناقيد، جليدا، تبغا، عروقا معدنية، بخار ماء، رأيت صحراوات استوائية محدبة وكل حبة من رمالها، رأيت في «انفرنس» امرأة لن أنساها، رأيت فروة الرأس العنيفة والجسد المتشامخ، رأيت سرطانا في الصدر، رأيت دائرة من الطين الجاف محل شجرة  في الطريق، رأيت منزلا في «ادروجيه» ونسخة من أول ترجمة انجليزية لبلينيوس، قام بها فيلمون هولاند، رأيت في ذات الوقت كل حرف في كل صفحة (في الصغر كنت أتعجب لأن حروف أي مجلد مغلق لا تختلط وتضيع أثناء الليل)، رأيت الليل والنهار معا، رأيت غروبا في «كريتارو» لاح كأنه يعكس لون وردة في «بنجالا»، رأيت غرفة نومي خاوية…»(24) 
إن ما ورد مكثفا في لغة المتصوفة وبالذات في الخطاب الصوفي لابن عربي حول حرف  الألف الذي استودعت فيه كنوز الأسرار، يحاول بورخيس تفكيكه وتوسيعه إلى عناصر سرد سحرية في خطاب تخييلي يغرق في الغموض. ذلك أنه يعمد إلى طمس موضوعته ليجعل منها استعارة مفتوحة على كافة الاحتمالات، دون أن يحيد عن مواصفات أطر النص المصدر، بل إنه يتبنى نفس الاصطلاحات الصوفية ويدمجها دمجا في نسيج قصته.
 إن حرف الألف يغدو عنده «نقطة في الفضاء تحوي كافة النقاط»(25) وتتراءى فيها كل الموجودات بما في ذلك الحروف الأخرى المطوية في الكتب، والأرض كلها، فيرى «الأرض في الألف والألف في الأرض مرة أخرى، والأرض في الألف»(26)، واصفا كل ذلك بألفاظ تطغى عليها مسحة صوفية من قبيل: «شعرت بقدسية لا نهائية وبحزن لا نهائي»، أو في قوله «رأيت منظومة الحب والتحول بعد الموت»، أو «وبكيت لأن عيني رأتا ذلك الشيء الخفي الحدسي الذي ينتحل البشر اسمه مع أن أيا منهم لم يره: الكون كما لم يدر بمخيلة أحد»(27).
لقد تدفق كل الكون من نقطة واحدة، وتحول الحرف الظاهر إلى مُظهِر لكل الأرض. معنى هذا، أن «ألف» بورخيس لا يختلف في جوهره عن ألف ابن عربي الذي وصف مقامه بأنه «مقام الجمع» لأن منه تتركب العوالم على حد قوله، فهو يشكل النقطة ومحيطها، و«يخفي اسمه في جميع المراتب»(28). كذلك صنع بورخيس حين جمع كل مشاهد الكون في نقطة الألف، فراح يعددها مشهدا مشهدا وقد تركبت جميعها في نقطته واختفت في باطنه.
من جانب آخر، يتقاطع ألف بورخيس أيضا مع «هو» ابن عربي، من حيث الانبثاق الضـوئي المفاجـئ، وانبجاس السرٌ الذي انكشف في المرئي. فقد تجلى هذان الحرفان فجأة للشيخ الأندلسي، وتحققت له المشاهدة، أي مشاهدة(29) «ظاهر الهوية الإلهية شهودا وباطنها شهودا محققا» على حد تعبيره. أما بورخيس الشخصية، فقد شاهد ألفا، ومن هذه المشاهدة تحققت له المكاشفة، لأنه أدرك عبر الحرف المرئي سرا معنويا، وهو الكون كما لم يره أحد، على حد قوله، أي حقيقة معنوية لماهية موضوعية. وبالتالي، جاء نص الكاتب الأرجنتيني ترجمة أدبية لأفكار ابن عربي الصوفية.
كما يملأ الحرف بشكل عام، حضورا مميزا في الخطاب الأدبي البورخيسي، بل يمكن القول، إن القاص لا يوظف شخصيات بشرية في نصوصه بقدر ما يوظف الحروف والكتب والمخطوطات الملغّزة. ففي قصة « مكتبة بابل» يتحدث السارد عن حروف موجودة بظهر كل كتاب، لا تقول شيئا، فهي «لا تشير أو تنبئ بما سوف تقوله صفحاته.»(30) كما يوجد بهذه المكتبة كتاب قوامه ثلاثة حروف فقط، وهي (mcv)  تتكرر «بطريقة شريرة من السطر الأول إلى السطر الأخير.»(31) إضافة إلى كتاب آخر هو مجـرد متاهة من الحـروف، لكن الصفحة قبل الأخيرة تقول « أيها الزمن أهرامك»(32). وكتاب ثالث يحتوي على صفحتين من السطور المتجانسة لم تفكك شفرته إلا بعد مرور قرن، إذ تم تحديد اللغة، التي كانت عبارة عن « الجوارانية بلهجة سامويدو – ليتوانية بتصريفات من العربية الفصحى.»(33) 
ويرى بورخيس أن هذه الحروف المشفرة تنبثق عن اللغة العبرية، وإن كان لا يسميها بالاسم لكنه يشير إلى طبيعتها المكونة من خمسة وعشرين حرفا، واصفا إياها بأنها « لا تسمح بهراء مطلق واحد. فلا طائل تحت الزعم بأن أفضل مجلد في القاعات العديدة التي أديـرها عنـوانه «رعد ممشط»… أو ثالث يحمل عنوان «Axaxaxas mlo». هذه العبارات التي تلوح غير ذات معنى للوهلة الأولى تحوي بلا شك ما يبررها ككتابة سرية أو موازاة رمزية، هذا التبرير لفظي ومفترض وجوده في المكتبة. فأنا لا أستطيع أن أنظم رموز (هكذا):
 «dhcmrlchtdj» إلا وتكون المكتبة المقدسة قد نصت عليها وانطوت على معنى رهيب في واحدة من لغاتها السرية. ولا يستطيع أحد أن ينطق بمقطع واحد لا يكون مفعما بالحنان والخوف، لا يكون اسما قادرا لإله في واحدة من تلك اللغات.»(34)  
ورغم أن بورخيس لا يسمي هذه اللغة، إلا أن دلائل عديدة توحي بأنه يلمح إلى اللغة العربية، لسان القـرآن الكريم، الذي افتتحت بعض سوره بحروف لا تخلو من معنى رغم أنها تظل غامضة تقاوم كل تفسير. ومن هذه الدلائل إيماءات الكلمات التي ذكرها السارد مثل المقدس، ووقع الحروف عند نطقها والمعنى الرهيب الذي تحمله. فضلا عن حديثه في النص عن لغة «مستخدمة على بعد أميال إلى اليمين» مثل نظام اللغة العربية. 
وفي قصة «الخالد» نقرأ أن بطل القصة يتبعه أحدهم في رحلته بحثا عن الخلود، وذات يوم يكتشفه «عند مدخل الكهف مستلقيا على الرمال يخط ويمحو، على نحو أخرق، صفا من الرموز كانت كحروف الأحلام، عندما يهم المرء بفهم معناها يختلط ببعضها البعض. في أول الأمر، ظننت أنها كتابة بدائية، ثم رأيت أن من العبث تصور أن يعرف الكتابة بشر لم يعرفوا الكلام.»(35) 
  انطلاقا من هذه الأمثلة يتضح أن بورخيس يتعامل مع الحروف كأسرار مغلقة، تبطن معنى خفيا، وأحيانا يوظفها على أنها أسرار في ظاهرها أيضا بحيث لا تفهم ولا تقرأ، وبالتالي فهي أشبه بلغز في مبناها ومعناها. ولا نحاول هنا أن ندعي استعطاء بورخيس من النص الصوفي في هذا المجال، لكن ذلك لا يمنع أن وصف الحروف بالأسرار المغلقة التي يصعب فكّ طلسمها، قد ورد فعلا لدى المتصوفة المسلمين في تعاطيهم مع قراءة فواتيح بعض السور القرآنية. وفي هذا السياق، يقول الحلاج «في القرآن علم كل شيء، وعلم القرآن في الأحرف التي في أوائل السور.»(36) 
وللعلم، فإنه في الفصل الخاص بالطواسين، يكتب الحلاج حروفا لا تبدو واضحة ولا يمكن فهم معناها، وهو ما يتماثل بصنعة بورخيس الذي يرتب حروفا في هذه القصة بطريقة تبدو غير منسجمة ولا تفضي إلى معنى واضح. ويسمي بعض المتصوفة حروف أوائل السور بالحروف المقطعة، وقد اختلفت التأويلات حولها فهناك من يصفها بأنها أسماء الملائكة مثل ابن عربي، وهناك من يرى أنها أسماء الله تعالى، لكن معظمهم اتفقوا على أنها رموز وإشارات غامضة، لأن «كل حرف منها يدل على معاني كثيرة كالآيات».(37) 
أما في نصوص بورخيس فنجد تقطيعا غير متكافئ للحروف (mcv) أو (Axaxaxas mlo) وقد جمعها القاص في وحدة لفظية لا تحمل معنى، بل إنها تشكل شذوذا لغويا لا ينتمي لأي لغة، وذلك لأن الكاتب يود خلق حروف مشفرة شديدة الترميز لإبطال أي محاولة للتأويل، لربما، كنوع من المحاكاة لحروف فواتح السور بالقرآن، ذات الأسرار التي لا يعلمها إلا الله. 
وما يبرر هذا الإحتمال أن بورخيس نفسه يصف الكلمات الغريبة التي أوردها بأنها كتابة سرية ذات معنى رهيب، تنتمي لمكتبة مقدسة (لغة مقدسة/كتاب مقدس)، حيث يشكل المقطع فيها اسما قادرا لإله، في لغة لا يُعرِّفها ولا ينسبها هذه المرة للعبرية، بل يتعمد تقديمها نكرة، وهي مواصفات توحي جميعها أن القاص لا يتحدث عن كلمات شاذة وضعها بشر، وإنما كلمات ذات معنى خفي وضعها إله. كما يورد في ذات القصة أن تفكيك شفرة أحد الكتب استغرقت قرنا، تبين في الأخير أنها لغة مركبة من الجوارانية والليتوانية، بتصريفات العربية الفصحى. وفي هذه الكلام إشارة إلى الأفق اللغوي المتعدد الذي تتحرك فيه مخيلة القاص، حيث لا تغيب عنه لغة القرآن الكريم. 
 وحاصل تحصيل ما تقدم، فإن النص الصوفي ومصدره (القرآن) لا يمكن نفيهما عن ثقافة الكاتب، ويمكن القول، إن ألف بورخيس العبري لا يختلف عن ألف ابن عربي العربي، فكلاهما استوعبا الكون، وكلاهما تجلت فيه كل الحروف وكل الخطوط والسطور، غير أن القاص اللاتينوأمريكي، يتناقض في نصه، حين يجمع في صفحتين متتاليتين بين فكرة الكثرة المتجمعة في واحد (رؤية الكون في نقطة الألف) المستمدة من عقيدة التوحيد الإسلامية، وبين فكرة تجسيد الألف لمبدأ «الكثير في القليل» المستوحى من الصوفية اليهودية، باعتبارها المصدر الأول لقصته. 
ورغم أن هناك قرائن لغوية ووصفية وتعليقية كثيرة تؤكد حضور المتن الصوفي لابن عربي في نصه، ناهيك عن اعتماده مبدأ الكثرة في الوحدة لا الكثرة في القليل، مثلما يدّعي، إلا أن بورخيس يشتت انتباه القارئ بين عدة إحالات ويقوده إلى طريق مسدود. وكأنه يعي صنيـعه، ويدرك خطورة وصعوبة تحويل نص صوفي إسلامي إلى قصة في بيئة ثقافية واجتماعية وعقائدية مختلفة، فإنه يصف نصه بأنه مجرد «… تقرير… دنسه الأدب والزيف.»(38) 
تتطور قصة «الألف» من سرد حدث عادي (الحديث عن صديقة متوفاة وعن قريبها)، إلى سرد حدث خارق (رؤية حرف الألف والكون)، وبهذا التحول يُحدث النص وثبة كبرى في معناه، ويتجاوز تخوم الدلالة الأدبية إلى أفق المعنى الصوفي بتعقيداته وغموضه ورموزه، ويبدو أن إسراف بورخيس في الغموض جعله يستدعي مفاهيم النص المصدر، وأحيانا يستبدل لغته بوصف، ظاهره أدبي وباطنه صوفي. من ذلك مثلا حرصه على ترتيب أفعال الزاهد التي تترقى من المشاهدة إلى المكاشفة. 
إن الحرف المرئي لم يكن سوى ستار حجب حقيقة كبرى خلفه، ومن ثمة فسِرٌه لا يكمن في ظهوره أو في شكله النوراني الذي تجلى به بل يكمن فيما هو محجوب وراءه: الكون كما لم يدر بمخيلة أحد. ويقابله عند ابن عربي: الألوهة. وههنا أيضا يلتقي بورخيس بالمتصوف الأندلسي عندما اقتبس منه معاني المشاهدة والمكاشفة عبر رؤية الحرف، وعندما اتخذ من الألف وعاء لمعان خفية مودعة فيه، لكنه يحوٌل الموضوع المخبوء فيه إلى شيء مادي (الكون)، وإن صرح في مقدمة قصته أن غيره رأى فيه الإله.
 1-3- الألف في حجر العمود:
لكن لماذا اختار بورخيس رؤية حرف الألف بالذات وليس حرفا آخر؟
 يجيب بورخيس لأن «الاسم كما هو معروف هو اسم أول حرف في أبجدية اللغـة المقدسـة.
ولا يبدو أن إطلاقه على دائرة قصتي من قبيل الصدفة. في القبالة اليهودية، يعني هذا الحرف الـ(En Soph) الألوهة المطلقة وغير المحدودة. وقيل أيضا أنه له هيئة رجل يشير إلى السماء والأرض مبينا بذلك أن العالم السفلي هو مرآة وخريطة العلوي.»(39)
هذا التعقيب التبريري يمرر عبره بورخـيس، إذن، مصدرا آخـر من مصادره، وهو الكبالية  أو القابالاه، والتي ترد في القصة بلفظة القباٌلة مرتين، حيث نعثر عليها في موضع آخر على لسان الشخصية القصصية «كارلوس أرخنتينو»، قائلا «…سترى الألف، الكون المصغر عند علماء القبٌالة اليهود والسيميائيين القدامى، صديقنا المحدد الأمثل، الكثير في القليل.»(40) لكن المـثير للتسـاؤل أن بورخيس يذكر القبٌالاة، ولم يذكر كتاب التوراة  _و إن كان قد استشهد به في تعليقه على قصيدة  «كارلوس أرخنتينو»_ رغم أنه ورد فيه ذكر الألف في العهد الجديد، كالآتي:
  سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 8:1
«أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية، يقول الربٌ الكائن والذي كان والذي يأتي، القادر على كل شيء».
 سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 11:1 
« أنا هو الألف والياء، الأول والآخر. والذي تراه،أكتب في كتاب وأرسل إلى السبع الكنائس في أسيا…»
 ـ سفر يوحنا اللاهوتي  6:21
ثم قال لي «قد تم، أنا هو الألف والياء، البداية والنهاية»
 سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 13:22
«أنا الألف والياء، البداية والنهاية، الأول والآخرة»(41)
يتضح من خلال هذه الاستشهادات أن الألف حرف مقدس في التـوراة كذلك، وهذا ما لم يذكره بورخيس الذي يلح بتكراره للقبٌالاة على أنها المصدر الرئيسي الذي أوحـى له بكتابة هذا النص. وللعلم، فإن القبٌالاة هي مذهب يهودي متشدد. ويعرٌفها الدكتور المصري «عبد الوهاب المسيري» (1938-2008) رحمه الله، بأنها اسم مشتق من كلمة عبرية تفـيد معنى التواتـر أو القبول أو التقبٌل، ثم أصبحت الكلمة تعني ابتداء من القرن الثاني عشر أشكال التصوف المتطورة والعلم الحاخامي. ومن هنا، صارت القبالاة تطلق على التراث الصـوفي اليهـودي الذي وضـع «أسس التفسـيرات الصـوفية الحلولية في الزوهار والباهير وغيرهـا من الكتب، وحلٌ محـل التوراة والتلمود.»(42)
  وخلافا للتصوف التوحيدي، يصدر هذا الضرب من الصوفية اليهودية عن فكرة حلول الاله في الطبيعة والانسان والتاريخ، ويرمي إلى محاولة معرفة الإله بهدف التأثير في الذات العلٌية حتى تنفذ رغبات القبٌالي والمتصوف.(43) وهو ما جسٌده بورخيس بذكاء في قصته، حين أسند كتابة الشعر لرجل «غير فعال»، وذي نشاط عقلي «متصل ومتأجج ومتقلب وغـير ذي جـدوى علـى الاطلاق»(44) مثل شخصية «كارلوس أرخنتينو» الذي سخٌر الألف لخدمته، لينفذ له رغبات أدبيـة مبتذلة تبعا لذوقه الذي يفتقد للجمالية الشعرية. 
وللأبجدية العبرية قداسة خاصة عند القبٌاليين، لأنها تلعب دورا في عملية الخلق وتنطوي حسب اعتقاداتهم، على قوى غريبة قوية ومعان خفية. ويرى الدكتور المسيري أن الأحرف الأربعة التي تكون اسم يهوه (تتراجرماتون) تنفرد بمنزلة خاصة لديهم. «ومن هذا المنطلق، فإن الحروف تنقسم بصفة عامة إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى الهمزة (رمز الهواء) والمجموعة الثانية الميم (رمـز الماء)، والمجموعة الثالثة الشين (رمز النار). وبامكان الخبير بأسرار القبالاة أن يفصـل الحـروف ويجمع معادلها الرقمي ليستخلص معناها الحقيقي كما كان من الممكن جمع الحروف الأولى من العبارات وأن يقرأ عكسا لا طردا ليصل المرء إلى معناها الباطني.»(45) 
واستنادا إلى ما تقدم، نحسب أن إشارة بورخيس إلى القبٌالاة ليست وهمية، ولا زائفة، وأنه يقصد جزئيا وضمنيا في بعض التفاصيل الحرف العبري الألف، رمز القوة والصيرورة في التصور القبٌالي. لكن الألف المجسٌد في القصة ليس ألفا عبريا خالصا، لأن خلفيات القصة ليست محصورة في مذهب القبٌالاة لوحده، بل في خلفيات أخرى متعددة متداخلة، كوٌنت منظورا متعدد الأفق، هو حاصل تقاطع مقروءات مختلفة، مما لا يعدم أثر التصوف الإسلامي المستتر قي القصة والممثٌل بابن عربي، سواء على مستوى تطابق مشهد الرؤية، أو على مستوى تماثل تفاصـيل الوصف، مثلما سبق ذكره، وهو ما يجعل الكاتب الأرجنتيني  يخفق في حجب مصدره الذي يتستر عليه، عندما يقول:
«وكنت أود معرفة ما إذا كان كارلوس أرخنتينو قد تحيز هذا الاسم أم أنه قرأه مطبقا على نقطة أخرى تجتمع فيها كافة النقط، في واحد من النصوص التي لا تحصى والتي كشف له عنها ألف منزله. وأعتقد أن ثمة (أو كان ثمة) ألف آخر، أعتقد أن ألف شـارع»جاراي» كان ألفـا زائفا.»(46) 
  إنه يشوٌش بحرفه القصصي إذن على ألفه، ويشكك في المصدر الذي أعلن عنه (القبٌالاة)، إذ يذهب به الظنٌ إلى إمكانية قراءة هذا الألف في مصدر آخر، لكنه لا يرجـح أي عنوان في هـذا المقام، بل يبرهن عن شكـوكه من خلال مخطـوط يتحدث عن مرآة  تنتمي إلى الإسكندر ذي القرنين أو الإسكندر المقدوني، ويذكر صاحب المخطوط أشيـاء أخـرى مثل قدح كيخسـرو والمرآة التي عثر عليها طارق بن زياد في برج «ألف ليلة وليلة»، وهذه الاستشهادات المذكورة ورد بعضها في حكايات صـوفية خاصة لدى شعراء الفرس مثل «فريد الدين العطار» و«جلال الديـن الرومي»، والتي ترجمت بعضها (لجلال الدين) الفكـر الصوفي لابن عربي حسب تأكيد أكثر من باحث متخصص في هذا الحقـل مثل» أسين بلاثيوس» و«أبو العلا عفيفي».  
وما يؤكد أثر فكر ابن عربي في «ألف» بورخيس قوله في آخر القصة:
 «إن المؤمنين الذين يعمرون مسجد عمرو بالقاهرة ليعلمون جيدا أن الكون حبيس أحد الأعمدة الحجرية المحيطة بصحن المسجد المركزي… وبالطبع، ليس بوسع أحد أن يراه، لكن من قربـوا آذانهم من سطحه أقروا أنهم بعد وهلة سمعوا لغطه الذائب. ويرجع بناء المسجد إلى القرن السابع، وتنتمي أعمدته إلى معابد أخرى لديانات سابقة على الإسلام، فكما كتب ابن خلدون، في الدول التي يؤسسها البدو لابد من اللجوء إلى الأعاجم في كل ما يختص بالمعمار.»(47) 
بعد دورة كاملة إذن، من الحديث عن القبٌالاة واللغة المقدسـة، وعـرض الكثير من أسمـاء الكتٌـاب وعناوين الكتب، يختتم بورخيس قصته بالحديث عن الاسلام ومسجد عمرو بالقاهرة(48) كخلاصة نهائية يستقر فيها بعد تعب الريبة في مصادر الألف، ليعلن أن الكـون الذي رآه في ذاك الحرف السحري يعلم المؤمنون أنه موجود في عمود حجري بأول مسجـد في مصر، الأرض التي سكنها من قبْل اليهود واضعو القبٌالاة ومعتنقوها. ولم يُعـرف أبدا عبر التاريخ أن هذا العمـود يصدر منه لغط. ولربما يلمّـح هنا بورخيس إلى العمود الذي يسمـى «الحنانة» أي  الذي كان يستند عليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بمسجده، وقد بكاه هذا العمود عندما فارق الرسول عليه الصلاة والسلام الحياة.(49)  
 كما نقرأ في قصة «الظاهر» المنشورة في كتاب «الألف» في نسختيه الإسبانيـة والفرنسيـة، أن الظاهر كان «شريانا في مرمر واحد من ألف ومائتي عمود في مسجد قرطبة، في قيتو بتيطـوان، في عمق بئر».(50) توحي هذه العبارة أن وصف الألف داخل العمـد لم يكن عابرا أو وليد تمثيل بلاغي، وإنما هو صادر عن رؤية متجذرة في فكر الكاتب، نابعة من مقروءاته الصوفية الإسلامية. فقد أدمن على دسّ أشيائه السرية في عمق الحجر (عمود، بئر..)، وعلى اتخاذ عمود المسجد سواء أكان في مصر أو قرطبة، قلبا ينبض بشيء يضخ داخله. هذا الشيء يصفه القاص تارة، علـى أنه حرف الألف، ويصف تارة أخرى على أنه «الظاهر».
وسواء كان بورخيس يوظف كلمة عمود مجازيا أو حقيقة، فإنه عموما، يعود لفكرة الألوهة التي حجبـها واستبدلها  فيما سبق بالكون. ويلمح بذلك إلى أن مصدره لم يكن القبالاة وإنما النص  الصوفي الإسلامي. بمعنى أن الألف الذي يقصده ليس ملتفا حسب رسمه العبري مثلما ادّعى ذلك ولكنه مستقيم كالعمود (عمود المسجد) حسب تشكيله العربي.  فالكلام ههنـا،لم يعـد تخمينات أو افتراضات مثلما تعود بورخيس أن يفعل ـ في هذه القصة وغيرها من القصـص ـ وإنما اتخذ شكل استنتاج يختتم به نصه بعدما وصل إلى نهاية قصته: الألف لا يسكن في قبو منزل أرخنتينو بل في عـمـود حجري بمسجد للمسلمين.
وللعلم، فإن هذه الخاتمة لا تخرق كثيرا توقعات القارئ حين يضع بورخيس ألفه في سياقـه  الأصلي (أي المصدر الاسلامي)، لكنها تفاجئ المتلقي حين يوحد بورخيس رؤيته للألف مع رؤية ابن عربي، بفارق واحد هو أن ابن عربي تحدث بصيغة اليقين، أما الكاتب الأرجنتيـني فيعلق على خاتمته الاستنتاجية  بسؤال يوقظ لديه الحيرة والريبة من جـديد. فعندما يسأل ابن عربي الحق عن اسم الحجر الذي استخرجه من البحر، يأتيه الجواب: أن ينظر في كل شيء، ويرفع ابن عربي رأسه فيرى في كل شيء «أ»:
«أشهدني الحق بمشهد نور الستور….ثم أحرق الستور فرأيت العرش وقال لي احمله، فحملته، فقال لي ألقه في البحر، فألقيته فغاب العرش ثم رمى به البحر، فقال لي: «استخرج من البحر حجر المثل» فأخرجته، فقال لي: «ارفع الميزان» فرفعته، فقال لي: «ضع العرش وما حواه في كفة، وضع حجر المثل في الكفة الأخرى، فرجح الحجر فقال لي: «لو وضعت من العرش ألف ألف إلى منتهى الوقت لرجحه ذلك الحجر»، فقلت له ما اسم هذا الحجر فقال: «ارفع رأسك وانظر في كل شيء ستجده مرقوما» فرفعت رأسي، فرأيت في كل شيء « أ ».(51)  
 إن الألف عند المتصوف الأندلسـي يقترن بالحجر. ولعله يقصد بذلك الإيمان بوحدانية الله الذي تجلٌى في كل شيء، ممثـلا في هذا الحـرف القائم للخالق. كما يقترن أيضا بالعمد، حيث يذهب ابن عربي في كتابه مشـاهدة الأسـرار القدسية إلى أن في ارتبـاط اللاٌم بالألف سرٌ لا ينكشف، أودعه  الله تعالى في قوله «وهو الذي رفع السموات بغير عمد»(52) مضيفا أن الله أطلعه على نور العمد الذي حجبه عن الرؤية في الفناء وأظهره في البقاء «حجبتُه فيما ظهر وأظـهرتُه فيما غاب وخفى.»(53) 
ففي نص تمتزج فيه الرموز والإشارات، يورد «الشيخ محيي الدين» حوارا صوفيا غامضا مع الله الذي ضرب قبة وأركز العمد وأوثق الأوتاد وأذن لكل الخلق بالدخول، متخذا من العمـد أداة اختبار لهم. فمنهم من حجب العمـد بذات القبة وحسنـها. ومنهم من حجب العمد بالأوتـاد فاستمسكوا بها. وطائفة أخرى حجبت العمد بأسباب القـبة. ورابعـة حجبته بأثاثها ومتاعها. يتضح مما تقدم أن ربط الألف بالحجر والعمد قد ورد في الخطاب الصوفي لابن عربي.(54)
 ومن ثمة، فإن بورخيس تبنٌى مصطلحات صوفية بنفس حمولتها الإسـلامية مثلما وردت عند «الشيخ محيي الدين»، وذلك «حين ختم قصته بقوله إن الكون حبيس عمود بمسجد عمرو (الكون الذي رآه في الألف)، وحين تساءل: «هل يوجـد هذا الألف في قلب الحجر؟» مضيفا: 
«فأنا نفسي تحت تأثير السنين المأسوي (هكذا) أزيف وأفقد ملامح بياتريث».(55) هذا التزييف الذي يجهر به الكاتب في نصوصه وحواراته ليس ادعاء أو شبهة، لأنه جوهـر الإبداع في نظره. وقد مارس هذا الابداع بطريقة فنية لا تخلو من المراوغة والتكتم على مصدره لولا فلتات التصـوير والوصف التي لم يقاومها نصه. فضلا عن حضور خلفية النص المصدر ونقصد بذلك الإسلام الذي انبثق عنه النص الصوفي. رغم أن بورخيس يوظف أحيانا عبـارات تهكمية في حديثـه عن هـذا الموضوع. من ذلك مثلا قوله على لسان « كارلوس أرخنتينو» في حديثه عن الانسان الحديث: 
  «أتصوره في حجرة مكتبه، لنقل في برج منعزل بالمدينـة، مـزودا بالهاتـف والتلغـراف والفونغراف والأجهزة اللاسلكية والسينما والفانوس السحري والمعاجم وجداول المواعيـد  والمذكرات والنشرات… ورأى أن السفر في حالة انسان في مثل هذه الإمكانات قد يكـون بلاجدوى، فالقرن العشرون قد غيٌر حكاية محمد والجبل، لأن الجبال الآن تتقارب من محمٌـد الحديث»(56)
أو في قوله حول مسجد عمرو بالقاهرة:
«فكما كتب ابن خلدون، في الدول التي يؤسسها البدو لابد من اللجوء إلى الأعاجم في كـل  ما يختص بالمعمار.»(57)
 إن نبرة السخرية تبدو جلية جدا لدى بورخيس كلما ذكر العرب أو نبيهم، وقد يعود ذلك إلى نزعة التعالي لديه في تلك الفترة (الأربعينات من القرن الماضـي)، والأفكار التي ورثهـا أسريـا أو عقائديا، حيث يتهكم ضمنيا في حديثه عن النبي محمد صلٌى الله عليه وسلم من مسألة الوحـي باعتبار أن الرسول صلوات الله عليه، عاش في فترة انعدمت فيها وسائل الاتصال المتطورة لكنه حظي مع ذلك بالتواصل مع السماء انطلاقا من غار حراء، عبر وساطة جبريل عليه السلام. وهي إشارة أخرى إلى طبيعة الموضوع المؤثر في الكاتب بدءا من السطور الأولى للقصة، وكذا إلى هيمنة موضوعة الألوهة في نسيج النص، رغم ادعاء الحديث عن الكون كما لم يره أحد.  
أما في النص الثاني فيستشهد بورخيس بنص عربي لـ «ابن خلدون» للتهكـم على العـرب، باعتبارهم بدوا لا يجيدون فهم فن المعمـار. وتساوقا مع موضوع القبٌالاة، مصدر القاص المعلن عنه في النص، نحسب أن بورخيس يشير ههنا إلى بني اسرائيل الذين سكنوا مصر في عهد الفراعنة، لا سيما وأنه يقول إن العمود الحجري الذي يسكن فيه الكون ينتمي لديـانات سابقـة عـلى الإسلام. ولا نظن أنه يقصد بذلك دين الأقباط لأن قصته يحكمها منذ البداية قطب واحد يشهر به باستمرار، وهو الألف العبري المستوحى من مذهب القبالاة اليهودي. 
 لكن رغم نبرة التهكم، فإن بورخيس لا يسلم من تبعيته للنص الصوفي الإسلامي، وقد يكون هذا التهكم وسيلة دفاع مضادة لحماية مصدره من التجلي والظهور. فرغم اتخاذه من ألفــه العبري موضوعة لقصته، ورغم تأكيده على مصدرية القبالاة، إلا أن أثر النص الصوفي الإسلامي  لابن عربي يبدو جليا في قصته، إذ يتخذ الكاتب الأرجنتيني من مصطلحاته ورموزه وحدات بناء أساسية في تشكيل نصه.
لكن هذه العناصر لا تنصهر كلية في خطابه الأدبي، بل تقاوم حضـورها ذلك أن هويتـها تقود القارئ، رغم مراوغة الكاتب وحيله الفنية إلى المصدر الأصلي، لتكشـف بذلك عن لعبة معقدة مارسها القاص لتقديم رؤية ذات أبعاد متعددة ومتداخلة يتقاطع فيـها الأثر الإسلامـي بعناصر مستمدة من مذهب يهودي. كل ذلك في نسيج أدبي يُحمٌله بورخيـس عبء لقـاء حضـارات وديانات وتراث وآداب أيضا. ومن ثمة يجعله ينوء بثقل فكـري وتنويعـات  معرفيـة متشابكة تضع فعل القراءة أمام تحدِِِ صعب، في حقل ملغم بأفخاخ عناوين ونصـوص  و إحالات تضلل القارئ أحيانا أكثر مما ترشده. 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 الهوامش:  
1- الحكيم، سعاد، ابن عربي مولد لغة جديدة، المؤسسة الجامعية لدراسات والنشر والتوزيع،  دندرة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1991، 
ص 15.
2-  انظر المقولة موجودة على ظهر غلاف كتاب « خيالات» لبورخيس باللغة الفرنسية:
« Après l’avoir approché, nous ne sommes plus les mêmes. Notre vision des êtres et des choses a changé. Nous sommes plus intelligents. » Voir : Fictions, Traduit par P. Verdevoye, Ibarra et Roger Caillois, Editions Gallimard, 2007. 
3- انظر كتاب الألف لابن عربي،  في كتاب الباء، المطبعة المنيرية بالأزهر الطبعة الأولى، 1954،  ص 39. كما وضع ابن عربي كتابا آخر حول الحروف، ونجد عند متصوفة آخرين اهتماما بالغا بالحروف مثل الحلاج  وعبد الكريم الجيلي والبسطامي وغيرهم. 
4- الألف، ص 152 و153. 
5- أنظر: ابن عربي حياته ومذهبه، ص 86  
6-  المرجع السابق  ص 86 و87.
7 – خ. ل. بورخيس أسطورة الأدب، ص 25. لقد أثارنا هذا التصريح وفاجأنا لا سيما أننا حصلنا عليه بعد شهور من إنجاز هذا الفصل. لكننا عدنا إليه لدعم قراءتنا بشهادة أرملته التي أكدت إطلاع بورخيس على آثار ابن عربي.
8-  الألف، ص 152.
9-  رغم أن بلاثيوس يؤسس  بحثه حول ابن عربي على فكرة تأثره  بالرهبانية النصرانية القديمة إلا أنه مع ذلك، لا يتوانى عن ذكر التقابلات  
 والمطابقات بين أفكاره وأفكار القسيسين والرهبان في اسبانيا خلال عصر النهضة، انظر: ص 192 و203 و208 وما بعدها. كما يورد أيضا أن ابن عربي كان مدرسة تعلم فيها شعراء الفرس الصوفيين، قائلا لقد أصبح(أي ابن عربي) منذ القرن الثالث عشر النموذج الأدبي والفكري لكل الشعراء الصوفية الفرس، انظر  ص 97 و98. من جهة أخرى يورد علي وشو كيفيتش في كتابه الولاية والنبوة عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي،  أن الاهتمام بابن عربي بدأ على يد  الاستشراقيين ابتداء من 1845 على يد جوستاف فلوجيل ومنذ ذلك الحين بدأت ترجمة بعض رسائله 
و أشعاره إلى اللغات المختلفة، وكان الانقلاب في الأوساط العلمية عام 1914 عندما نشر بلاثيوس  كتابه حول تأثير ابن عربي في الكوميديا الالهية لدانتي، وهو ما يعني أن  الرحلة إلى  العالم الأخر كتبت من منظور إسلامي وليس من منظور مسيحي. انظر هذا الكتاب ترجمة  د. أحمد الطيب، دار القبة الزرقاء المغرب، ص9. كما يرد بقلم الدكتور حامد أبو زيد أن ابن عربي أثر في ريمون لول وفي متصوفين  آخرين جاؤوا من بعده، انظر كتابه هكذا تكلم ابن عربي، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، 2002 ص 25 و26. أما الدكتور محمود قاسم فقد وضع كتابا في تبيان أثر أفكار المتصوف الأندلسي  في الفيلسوف الألماني  ليبنتز، انظر:  محيي الدين بن عربي، مكتبة القاهرة الحديثة،الطبعة الأولى 1972.
10- فصوص الحكم للشيخ محيي الدين ابن عربي، تعليق أبو العلا عفيفي، دارالكتاب العربي، لبنان، (السنة والطبعة غير واردتين) ص 7.  
11-« Dieu est dans l’une des lettres… » Voir : Fictions, p 154.
12- وردت الجملتان (للحلاج والجيلي)  في كتاب الشيخ: الكسنزان الحسيني، محمد عبد الكريم، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، دار آية بيروت، الطبعة الأولى، 2005، الجزء الخاص بحرف الحاء، على التوالي، ص 297 و299 
13 – الألف، ص 154.
14- ابن عربي، كتاب الألف، ص 49. ويقول أيضا في كتابه الفتوحات المكية في جزئه الأول « الألف ذات  الواحدة لا يصح فيها اتصال شيء من الحروف إذا وقعت أولا في الخط. فهي صراط مستقيم، صراط التنزيه والتوحيد «  نقلا عن  موسوعة الكسنزان،  الجزء الأول الخاص بحرف الألف،  ص 50.  
15 – يقول الدكتور عبد الحميد صالح حمدان « العارفون يسمون الحروف: أرض الكلام، والنقط: جبال الحروف، وأسرارها مستودعات في النقط» انظر كتابه:  علم الحروف وأقطابه، نقلا عن المرجع السابق، الجزء الخاص بحرف الحاء، ص 316 و317.
16-  « Les nuits de pleine lune, cette lettre me donne le pouvoir sur les  hommes dont la marque est Ghimel, mais elle me subordonne à ceux d’Aleph, qui les nuits sans lune doivent obéissance à ceux de Ghimel. » Voir :  Fictions, p 61.
17 – سارلو، بياتريث، بورخيس كاتب على الحافة، ترجمة خليل كلفت، مطبوع كتاب هدية من المترجم، ص 69.
18- ابن عربي كتاب مشاهدة الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية، تحقيق أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العالمية للنشر، لبنان 2006، ص217.  
19- الألف، ص 152.  
20- قاسم محمود،عباس، الحلاج الأعمال الكاملة، منشورات رياض الريس، بيروت، الطبعة الأولى 2002، ص 117.  
21- يعرف الشيخ محمد بهاء الدين الألف بأنه « أصل الحروف وأولها، ومنها تألفت. فلها مرتبة الأولية، وحقيقة الأحدية، وإطلاق الجمعية. وهي الحضرة المحمدية، وامتدادها من نور نقطة الذات « كما يرد وصف الألف مقترنا بمصدريته النقطة  عند الشيخ محمد أسعد الخالدي كالآتي «: هو النقطة الواحدة الممدة كل مكون، ولهذا كانت أول الحروف النورانية، لا يكون معها شيء، وهي معنى الوحدة القائم في رتبة الواحد حقاً «. ولا يختلف  الشيخ ابن علوية المستغانمي في تعريفه للألف عمن سبقه، إذ يرى في  كتابه  «الأنموذج الفريد المشير لخالص التوحيد» أن النقطة هي مصدره الأول  قائلا  «أول ما تجلت به النقطة، وظهرت به ظهوراً يقتضي التعريف هو وجود الألف، فجاء على صورة التنـزيه أقرب منه للتشبيه، ليكون موجوداً في كل الحروف بصفته مبايناً لها بحقيقته. ثم اعلم أن ظهور الألف من النقطة ليس معللاً بشيء وإنما رشحت النقطة به فكتب الحُسن على وجناتها ألِفاً كما ترى. فالألف الأصلي ليس هو أثر القلم، ولا من متعلقاته، إنما هو ناشئ من ميلان النقطة عن مركزها الأصلي، ومهما سالت منها رشحة نشأ عنها ألف لا غير. وقولنا لا يتعلق به القلم، أي لا إيجاداً ولا استمداداً لاستقامته وتنـزيهه عمّا وُجد في بقية الحروف من الاعوجاج والاحتداب وغير ذلك». ويرد  وصف الألف  عند الشيخ محمد أسعد الخالدي كالآتي «: هو النقطة الواحدة الممدة كل مكون، ولهذا كانت أول الحروف النورانية، لا يكون معها شيء، وهي معنى الوحدة القائم في رتبة الواحد حقاً « انظر: الكسنزاني الحسيني، محمد، موسوعة الكسنزان فيما اصطلح عليه أهل التصوف والعرفان، الجزء الأول، ص 51 و52. 
22- المرجع السابق، ص 54.  
23 – الشيخ ابن عربي – الفتوحات المكية – ج 2،  نقلا عن: المرجع السابق، ص 53.
24- الألف، ص  153. 
25- المصدر السابق، ص 149. 
 المصدر السابق، ص 154.26 
27- كل هذه الاستشهادات الثلاث مأخوذة من المصدر السابق، ص 154. 
28 – ابن عربي كتاب الألف، ص 49. 
29-  يفرق ابن عربي بين ثلاثة مصطلحات صوفية  وهي التجلي والمشاهدة والمكاشفة. أما المشـاهدة فتكون مع التجلي وتكـون مع غيـر التجلـي. 
و التجلي يكون مع المشاهدة ومع غير المشاهدة. وهما لا يكونان إلا مع المكاشفة. في حين أن المكاشفة هي إدراك معنوي مختصة بالمعاني. فالنفس في المكاشفة تدرك المعاني المتمثلة للحقائق الإلهية لا ماهيتها الموضوعية كما في المشاهدة، لذلك كانت أكمل من المشاهدة.  وأخيرا التجلي، هو نفس محتوى المكاشفة لكنه يختلف عن سائر الأشكال من حيث الكيف فقط. وفيه يدخل رمز النور بدلا من رمز الحجب. فالتجلي عبارة عن ظهور نوراني للذات الإلهية وصفاتها وللأمور الروحية والإلهية. انظر: كتاب بلاثيوس، ابن عربي حياته ومذهبه، ص 212 إلى 214.
30 – الألف، ص 62.
31- المصدر  نفسه، ص 63.
32 – المصدر نفسه، ص 63.
33-  المصدر نفسه، ص 65. وللعلم فإن اللغة الجواراني هي لغة الباراغواي الرسمية، كما تنتشر في شمال الأرجنتين وشرق بوليفيا وجنوب وشمال البرازيل. ويتحدث بها في العالم 6 ملايين نسمة، وهي تكتب بابجدية لاتينية، وتعد ثالث لغة بعد اليونانية واللاتينية من حيث أهميتها كمصدر للكلمات العلمية في حقل النباتات والحيوانات.
 الليتوانية  لغة تنتمي للغات الهندوأوروبية، وصارت لغة ليتوانية رسميا ابتداء من عام 1918، وتنشر في ليتوانيا وبعض الضواحي في روسيا وبيلوروسيا وكازاخستان وإسبانيا وغيرها. نقلا عن موسوعة ويكيبيديا على الشبكة الإلكترونية.
34  – المصدر نفسه، ص 69.
35 – المصدر نفسه، ص 111.
36 – الحلاج الأعمال الكاملة، ص 121.
37 – موسوعة الكسنزان، الجزء الخاص بحرف الحاء (الأول)، ص 333.
38 – الألف، ص 152.
 39- الألف، ص 156.  
40- المصدر السابق، ص 151.  
41- العهد الجديد، موقع الأنترنيت  
42- موسوعة اليهود واليهودية الصهيونية، نموذج تفسيري جديد، المجلد الخامس، الجزء الثاني، دار الشروق، مصر، الطبعة الأولى، 1999،
 ص 131 وما بعدها. 
43- يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله،أن المتصوف اليهودي الذي يدين بالقبالاة  لا يتجه نحو تطويع الذات الانسانية الفردية وخدمة الإله، وإنما يحاول الوصول إلى فهم طبيعة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية (الغنوص أو العرفان) بهدف التأثير في الاله والتحكم الأمبريالي في الواقع. ومن هنا كان ارتباط التصوف اليهودي أو القبٌالاة بالسحر. انظر: المرجع السابق، ص132.
 لكن الملاحظ من عرض الدكتور المسيري لتاريخ وأفكار هذا المذهب أن أشهر رواده هم من اليهود الذين سكنوا إسبانيا أو المغرب أمثال إبراهيم أبو العافية (1240ـ1292) الذي استفاد من أفكار الدين الاسلامي، إضافة إلى اسحق ابرابانيل (1508ـ) وهو الآخر يهودي من بلاط اسبانيا وموسى كورديرو (1522ـ1570) وهو قباٌلي من أصل إسباني، ويوسف بن طبول (1545ـ القرن السابع عشر) قبالي من المغرب ويعقوب أبو حصيرة (1807ـ 1880)، وغيرهم ولربما يكون هؤلاء القباليون قد استفادوا من أفكار التصوف الإسلامي التي كانت منتشرة في المنطقة في شرحهم للتلمود وهو ما يستدعي الاهتمام بالبحث في هذا الموضوع. 
44- الألف، ص 141.  
45- موسوعة اليهود واليهودية الصهيونية، المجلد الخامس، الجزء الثاني، ص 132.  
46- الألف، ص 156. 
47 – الألف، ص 157.  
48 – يعد مسجد عمرو بالقاهرة أول مسجد بمصر وإفريقيا كلها أسسه المسلمون بعد فتح هذا البلد، وتم توسيعه لأول مرة علي يد مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر في عهد معاوية بن أبي سفيان. وفي عام 564 هجرية  وإبان الحملة الصليبية خاف الوزير شاور من احتلال الصليبيين للفسطاط فأحرق المدينة والمسجد. وعندما ضم صلاح الدين الأيوبي مصر إلى دولته، أمر باعادة إعمار المسجد من جديد عام 568 هجرية، فأعيد بناء صدر الجامع والمحراب الكبير. وقد ألقى فيه أئمة وعلماء كبار دروسا وخطبا أمثال الشافعي والليث بن سعد والعز بن عبد السلام، 
وابن هشام صاحب السيرة والشيخ محمد الغزالي. وقد نسجت عدة خرافات حول كرامات تحدث بهذا المسجد مثل قصة العمود الذي بنت حوله وزارة الأوقاف قفصا من الحديد، ثم اضطرت بعد ذلك إلى ازالته كليا. فقد شاع أن أحد الأعمدة يحمل أثر ضربة على شكل خط حلزوني أحدثها الخليفة عمر بن الخطاب بسوطه، فعندما استعصى على العمال حمل هذا العمود لنقله من المدينة إلى القاهرة ضربه الخليفة عمر فاستجاب. وقد كان الناس يقصدونه للعلاج، وذلك بأن يمسح المريض العمود بلسانه عدة مرات. كما نسج الناس أساطير اخرى حول عمودين آخرين اتخذهما عمرو بن العاص حكما بين المتخاصمين، حيث كان الانسان الصادق يمر بين العمودين حتى وإن كان بدينا أما الكاذب فلا يعبر بينهما وإن كان نحيلا. لكن تبين تاريخيا أنه في عهد الخليفة عمر وفاتح مصر عمرو بن العاص لم يكن بالمسجد أعمدة لأنها أنجزت بعدهما. 
49- العطار النيسابوريي، فريد الدين، منطق الطير، دراسة وترجمة الدكتور بديع محمد جمعة، دار الأندلس للطباعة وانشر والتوزيع، بيروت، 2002، هامش  ص 161
50- « ? la mosquée de Cordoue, selon Zotenberg, une veine dans le marbre de l’un des mille deux cents piliers; au ghetto de Tétouan, le fond d’un puit » L’Aleph, p 131 
51- كتاب مشاهدة الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية، ص، 215. 
52- الرعد الآية 2. 
53- كتاب مشاهدة الأسرار القدسية ومطالع الأنوار الالهية، ص 225.  
54- يذكر أن كلمة وردت «حجر» كاستعارة صوفية أيضا لدى المتصوف «النوري البغدادي» -(لا يذكر تاريخ مولده، توفي عام 295 هـ/907م)- في تعداده للمقامات التي يسلكها العابد من خلال التدرج الروحي للنفس في قطعها للقلاع السبع: قلعة الطين، الحجر البرونز، الحديد، الفضة، الذهب، إلى غاية الوصول إلى القلعة الداخلية للاتحاد مع الله. ويرمز الشيخ البغدادي بقلعة الحجر إلى «أداء وصايا الله بالأمر وبالنهي». انظر  كتاب:
 بارالت، لوثي لوبيث، أثر الإسلام في الأدب الإسباني، ترجمة د. حامد يوسف أبوأحمد ود. علي عبد الرؤوف البمبي، مراجعة د. أحمد إبراهيم الشعراوي، مركز الحضارة العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 2000، ص 172.
55- الجملتان وردتا في الألف، ص 157.  
56- المصدر السابق، ص  142.  
57- المصدر السابق، ص 157. 

عائشـــــة زمــــام
كاتبة وأكاديمية من الجزائر

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …