أخبار عاجلة

تحولات المجتمع والدراما المحتملة والغامضة في المسرح العربي

صار متداولا، اليوم، بسبب هيمنة خطاب الإعلام والوسائط الجماهيرية، استخدام عبارة «الثورة» لتوصيف ما حدث ويحدث في العالم العربي منذ السنة الماضية. فما الذي يعنيه مفهوم الثورة؟ وهل ما حدث في الربيع العربي يُعتبر ثورة فعلا؟ وإذ سلمنا بذلك تجاوزا، فهل ينبغي أن تتطابق تحولات الإبداع الدرامي مع تحولات المجتمعات العربية؟ وهل من اللازم أن ينعكس زمن المسرح عن زمن التاريخ؟
 تُجمع النظريات السوسيولوجية المعاصرة على التمييز الدلالي والإجرائي بين التمرد والتغير الاجتماعي والثورة، ونقدم هنا تركيبا نظريا مركزا بخصوص المفاهيم الثلاثة. 
* يأتي التمرد (révolte) نتيجة لاحتدام الوعي بالظلم والاضطهاد واللامساواة داخل مجتمع معين، ويمكن أن يؤدي إلى الانتفاضة ضد النظام القائم، لكن فاعليته قد تكون ضعيفة إذا افتقد للتنظيم وللمشروع السياسي الواضح والمحدد.وينبغي هنا استبعاد النظرة الدونية للتمرد – كما يجري الاعتقاد أحيانا – وعدم خلطه بالتمرد بمعناه الفلسفي الوجودي كما هو الأمر عند (ألبــرت كامــو) مثـلا ) (A. Camus « e me révolte donc nous sommes »
* أما الثورة (révolution) فهي تغيير جذري وعميق وعنيف، في أغلب الأحيان، للنظام الاجتماعي القائم. وتحدث عندما يتنامى وعي الطبقات المضطهدة بالاستغلال الذي تعانيه، وتنظم نفسها للاستيلاء على السلطة وتحقيق أهداف ومثل جديدة. وبصفة عامة، هناك الثورة الصناعية والثورة الثقافية والثورة الوطنية والثورة الدائمة والثورة الجنسية…ويتقاطع مفهوم الثورة بمفهوم التمرد دون أن يتساوى معه أو يستنفد الثاني الأول.
* وأما التغير الاجتماعي – الذي هو أيضا مرادف للتحول : mutation , changement – فيقوم على أربعة أسس، وهي: أ- أنه يؤدي إلى خلق أشكال تنظيم جديدة ؛ ب- أنه يتحدد بعامل الزمن، أي بالنظر إلى وضع سابق عليه، في شكل تحول يكون قصير أو متوسط المدى؛ ج- أنه مستمر ودائم؛ د- أنه أيضا وأخيرا ظاهرة اجتماعية.
 لنترك التحديد النظري أو المفهومي والجدال الذي قد يثيره، لا سيما أن الأحداث والوقائع وتداعياتها الكثيرة والمتنوعة لا تزال قيد الفعل والتشكل، كما أنها لا تزال تصطبغ بطابع الحرارة والتوتر الشديدين، وننتقل إلى النظر في علائق التحول الاجتماعي بتحولات الإبداع والمسرحي منه على الخصوص، ومدى وحقيقة انعكاسات أحداث «الربيع العربي» على المسرح العربي وعلى مكوناته الجمالية والفنية.
 لكن قبل ذلك، لابد من التشديد هنا على أن زمن الإبداع عموما وزمن المسرح تحديدا، يختلف كثيرا عن زمن التاريخ، لأن المسرح هو فن القطائع (ruptures) والمـدد الطويلـة (les longues durées)، والذي ارتبطت نماذجه العظيمة بتجارب اجتماعية وتاريخية اتسمت بــ الغليان الجمعي وباضطراب المعايير والقواعد الاجتماعية والتمثلات الجمعيـة، أو ما يسميه عـالم الاجتمـاع الفـرنـسي (دوركهـايـم) بـ «L’anomie» التـــي لا تعني الفوضى المبتذلة والغوغائية. وإذا كان تاريخ أب الفنون يمتد على أكثر من خمسة وعشرين قرنا من الزمن، فإن عصور ازدهار المسرح وفترات تواتر الكتابات الدرامية العظيمة محدودة كثيرا في هذا التاريخ الطويل: المسرح اليوناني والإليزابيتي والدراما الشكسبيرية والقرن السابع عشر الفرنسي والإسباني ومع المسرح الجديد في أوروبا. أما على مستوى المسرحيين الأفراد، فنجد ظاهرة مكرورة تتمثل في أن لحظات التألق الإبداعي في حياة هؤلاء، تكون محدودة ومحددة في الزمن (أمثلة شكسبير، راسين وموليير).
 أما بالنسبة للعالم العربي، فإن القطائع في الوعي والوجدان ارتبطت دائما بالهزائم والانتكاسات، ويمكن استحضارها كالتالي: سقوط الأندلس، الحروب الصليبية والهجمة المغولية. ثلاث هزائم توازيها ثلاثة أشكال فنية أدبية، لا بمعنى العلاقة أو التعالق الانعكاسي، وإنما من منظور علاقة الأشكال بالتاريخ، أو بالمعنى الهيكلي / اللوكاتشي الــذي يــربط الأشكال بالروح (L’âme et les formes ) . وهذه الأشكال الفنية هي : المقــامة وخيـال الظـل والأشكـال البسيطـة لـلأدب الشعـبـي (les formes simples): الحكاية الشعبية، المداح، الملحون، الملوف… 
 وتشكل الظاهرة الكولونيالية لحظة تاريخية شهدت ميلاد المسرح العربي ضمن الشرطية الاستعمارية التي أدت إلى انشطار وتمزق عميقين في البنيات الثقافية والوجدانية وفي الوجود الجمعي الأصلي للمجتمعات العربية .
 وتعتبر هزيمة حزيران 1967 أهم تحول وارتجاج في تاريخ الوطن العربي ما بعد الكولونيالي. تحول أرخى بظلاله على التفكير والوجدان، بل لقد بلغت آثاره الحادة الإحساس بالهوية نفسها وزحزحتها، باعتبارها البعد الأنطولوجي الأكثر صميمية وعمقا بالنسبة للكائن العربي في جوهره. وإذا كانت الهزيمة مجرد حدث سياسي عرضي بالنسبة للأنظمة العربية، طالما أنها لم تشكل تهديدا فعليا لمصالحها، اللهم ما كان من هزيمة شنعاء وفقدان نهائي لمصداقيتها، فإنها شكلت تحولا كبيرا في المنظور السياسي الجماهيري، انعكست آثاره العميقة على كل أشكال التعبير الفكري والفني والإبداعي بصفة عامة .وهكذا جاءت الأعمال الفنية والأدبية الكبيرة في مجالات الرواية والشعر والقصة والمسرح والسينما والتشكيل والمقالة، والتي تعتبر اليوم روائع إبداعية تؤشر على الفترة الذهبية للإبداع في العالم العربي في العصر الحديث. 
 إن ارتباط المسرح بالقطيعة التي ترادف بدورها الاضطراب وغياب القواعد وانهيارها، يدل على أن الإنسان في هذه المراحل واللحظات التاريخية، يعيش وفق قيم لم تعد صالحة، في حين يكون نظام اجتماعي جديد قيد التكون بعيدا عن الأنظار (1). 
 ولا يقتصر الاضطراب وانهيار القواعد على الجماعة الاجتماعية، بل يتعداه لينعكس على الأفراد. ولذلك يمكن الاستنتاج بأن الانتقال من التاريخ إلى المسرح، يحدد فردية غير نظامية ومضطربة «anomique» (2). إن ارتباط المسرح بالقطيعة تدل عليه الأعمال الدرامية الكبيرة، منذ قدماء الإغريق إلـــى مشــارف العصر الحديث. لأن اللحظة الدرامية – ونموذج التراجيديا مثال ساطع على ذلك – هي اللحظة التي يتم فيها، في قلب التجربة الاجتماعية، بروز مسافة وتباعد بين القديم والجديد، دينيا وقانونيا وأخلاقيا ووجدانيا. وينبثق الحس الدرامي – التراجيدي – بالمسؤولية حين ينقطع المقدس عن الدنيوي، ويصبحان متعارضين دون أن ينفصلا تماما ونهائيا. ويحتد هذا الوعي في اللحظة التي يصبح فيها الفعل الإنساني موضوعا للتفكير والحوار، لكن دون أن يتخذ أساسا مستقلا، ودون أن يكتفي بذاته بشكل تام (3).
 ومن هذا المنظور، فإن قوة الجذب التي يمارسها المسرح، تنشأ عن كونه يقدم لنا تحديدا، شخوصا غير مطابقين للقواعد المقبولة وللتجربة المشتركة. ويمكن القول بأن العناصر المكونة للمسرح في عصر من عصور الانتقال، إنما تستجيب للظواهر المتصلة بالقطيعة التي تحدث في التوازن الاجتماعي (4).
 يتأثر الفن المسرحي، لارتباطه بالتجربة الجمعية، بالتحولات الاجتماعية والغليان الجمعي، وهذا ما تدل عليه تحولات المسرح مع الثورة الفرنسية. فقد عرفت هذه الفترة (1789) زخما مسرحيا استثنائيا، وظهرت المسرحيات بالمئات وأيضا ما يعادلها من المسارح، وانعكس هذا بوضوح في الأعمال الدرامية وفي مسار رجال المسرح أنفسهم لهذه الحقبة . وقد قدم (مارفن كارلسون ) دراسة هامة عن مسرح الثورة الفرنسية، يرصد فيها بشكل مستفيض أبرز تجارب هذا المسرح ضمن التحولات التاريخية والاجتماعية التي أحدثتها الثورة (5). وليس غريبا أن يكون (كارلسون) نفسه هو أحد منظري مسرح ما بعد الحداثة، أي المسرح القائم على أدوات وتقنيات ووسائل ادائية جديدة، بوصفه فرجة (Performance) أو فنا أدائـيا (art de performance ) بالمعنى المستحدث في الكتابات النظرية الألمانية والأنجلوساكسونية الجديدة. 
 غير أنه إذا كان المسرح في جوهره وفي تاريخيته يرتبط بالقطائع والتوترات الناتجة عنها، وبالتمزق والانشطار في الوعي الجمعي والفردي، فإنه لا بد من التأكيد على أن الجمهور المعاصر لم يعد يدرك المسرح كما كان يفعل منذ مائة سنة، أو كما لا يزال يفعل في بعض التظاهرات التي تجامل الأذواق التقليدية (6). 
 وهنا يمكن أن نستحضر صيحة المسرحي الرائد (انتونان أرطو) : « فلننته من الروائع» كما لو أنها صدرت عنه للتو، وليس قبل أكثر من سبعة عقود من الزمن، وبذلك يكون أحد أكبر منظري ما بعد الحداثة الدرامية وما بعد الدرامية. يقول أرطو في هذا النص الباذخ : يجب أن ننتهي من فكرة الواقع المخصصة لصفوة مزعومة والتي لا تفهمها الجماهير العريضة . فروائع الماضي، تصلح للماضي، لكنها لا تصلح لنا. ومن حقنا أن نقول ما قيل وحتى مالم يٌـقل بطريقة خاصة بنا، طريقة مباشرة، تتفق مع طرق الإحساس الحالية، تلك التي يمكن أن يفهمها الجميع . ومن الحماقة أن نعيب على الجماهير عدم إحساسها بالسمو، عندما نخلط بين السمو وأحد مظاهره الشكلية، وهي ميتة دائما. وعلى سبيل المثال، إذا كانت الجماهير الحالية لا تفهم « أوديب ملكا»، فأنا أقول الذنب ذنب تلك المسرحية لا ذنب الجماهير . لنعترف بأن التعبير لا يُستخدم مرتين، ولا يحيا مرتين، وبأن كل كلمة منطوقة كلمة ميتة لا تؤثر إلا في اللحظة التي يتم النطق بها، وبأن الشكل المستخدم لا يُستخدم ولا يدعونا إلا إلى البحث عن شكل آخر، وبأن المسرح هو المكان الوحيد في العالم الذي لا تتكرر فيه الحركة مرتين (7). 
 يقدم لنا ما اصطلحنا على تسميته بمسرح التحولات الاجتماعية في الغرب، أمثلة قوية على وظيفة المسرح الجديدة وتغير آليات اشتغاله في هذه الفترات. ونجد من تلك النماذج تجربة مـا سُمي بـــالارتجال البـروليتاري فـي ثـلاثينيات القـرن المــاضي فــــي ألمانـيـا 
« L’improvisation prolétarienne»، والـتي تنـدرج ضـمن مسرح L’Agit–Prop، ويعود الفضل في ظهورها لمؤسسها (Maxim VALLENTIN) سنة 1927، واستمرت إلى غاية 1934، وكان من الممكن أن تحتل مكانا مركزيا في المسرح المعاصر .
 لقد أحدثت هذه التجربة تغييرا في طـُـرق الإنتاج المسرحي السائدة في تلك الفترة، واتخذ فيها الارتجال موقعا مركزيا. وهكذا انقلبت مراحل الإنتاج الدرامي من النص إلى الركح، أي من المخطوط إلى العرض الأول؛ إلى مخطط معكوس يقتضي الانتقال من الارتجال إلى تسجيل النص. ولا يعني هذا غياب تصميم محدد، فالارتجال هنا يقوم على محاولات التشخيص المراقبة من قبل المجموعة، لكن هذه المنهجية لم يتم تقعيدها أو توثيقها في أثر مدون،باستثناء بعض المقالات المتفرقة في عدد محدود من المجلات، ويظل العمل الأهم هو الدراسات التي أعدها المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا عن مسرح (L’Agit-Prop ) وتجربتـه مــا بـين 1918 و1932 (8). 
 يعتمد الارتجال المسرحي في هذه التجربة على «الأشكال الصغيرة» كالخشبة الصغيرة مثلا، أو المسرحية الثورية القصيرة، وهذه الأشكال قابلة بطبيعتها للتداول من قبل الجماهير، بعيدا عن منظومة المسرح المؤسس، وقادرة على التكيف بحسب رواجها وتمكنها من التعبير على مختلف النضالات.
 هل استطاع المسرح العربي، مسرح الشباب في ميدان التحرير أو في تونس – وهو مسرح معيش – أن يبتكر تجارب من هذا النوع ؟ هل استطاع أن يحول أجزاء من ساحات الانتفاضات إلى نوع من المسارح الصغيرة، حيث يحَاكَمُ – رمزيا وأدائيا – الطغاة الدكتاتوريون والمفسدون مثلما وجدنا في الارتجال البروليتاري في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي فنون الأداء الأمريكية باستثمارها لموضوعات تخص نضال الحركات النسائية وحركة المثليين التي تناولها (كارلسون) فـي كتابـه التركيبي عن فنون الأداء؟ (9) . هل تحقق إبداع تجارب من هذا النوع، على الرغم من المفاجآت التي أحدثها التواصل الالكتروني في تونس أولا، ثم في مصر، حتى أن النظام قام بمنع وتجميد إمكانيات التواصل الالكتروني، لولا الضغوط الخارجية ولولا حذق الشباب ونباهتهم وخبرتهم في هذا الباب ؟…
 هذه أسئلة جديدة تنضاف إلى أسئلة الدراما والدرامية التي ما تزال قائمة في عمق الأسئلة الكبرى التي لم تجد حلها في حقل المسرح العربي من الناحية الجمالية والأجناسية، في الوقت الذي بدأ فيه هذا المسرح – من خلال التجارب الجديدة في العقد الأخير – يستشرف آفاق المسرح ما بعد الدرامي والاتصال مع فنون الأداء الطارئة على المسرح العربي في مطلع الألفية الثالثة. كما تنضاف إلى أسئلة الشكل الدرامي المنشود، وأسئلة هوية هذا المسرح نفسه، وقضايا التأصيل والاستنبات وغيرها . وكلها إشكالات لا ندعي الإجابة عليها هنا، وإنما نكتفي بإثارتها وعرضها للمناقشة والمساءلة والاستشكال ..
لا بد هنا من تأمل التحولات الاجتماعية والثقافية والقيمية الجديدة وانعكاساتها السياسية التي أدت إلى إفرازات لم تعرفها المجتمعات العربية من قبل. ويتعلق الأمر بهذا «الحراك» أو لنسميه تسمية منسجمة مع مقاربتنا، هذا الغليان الجمعي الذي غابت فيه كل أدوات وآليات الممارسة السياسية التقليدية (الأحزاب، النقابات، التشكيلات الجماهرية القديمة …)، وكان فيه المرجع والأداة هو التواصل الالكتروني، إذ تحققت فيه كاملة مقولــــة (مارشال ماك لوهان): الـرسالة هـي الـوسيط، أو الـرسائل وسـائـل» le message c›est le medium «. ففي الواقع والممارسة تظل الرسالة الحقيقية هي الوسيط نفسه، أي أن آثار الوسيط على الفرد أو على المجتمع تخضع للتغير في المستوى الذي تنتجه كل تقنية جديدة في حياتنا (10). وهذا ما حدث فعلا بسبب التيار الجارف للتواصل بواسطة الفيسبوك أو هيمنة «الفيسبوكية» في أوساط الشباب العربي، بوصفها ظاهرة ثقافية جديدة، فريدة وغير مسبوقة .ولا يمكن تأمل هذه الظاهرة دون ربطها بتفكير نظري معمق، ورصد ميداني تحليلي لا نتوفر على أكثر عناصره الآن، لجدة الظاهرة وطابعها الطارئ وراهنيتها. 
 لقد أبرزت سوسيولوجيا التواصل الحديثة منذ أربعة عقود من الزمن، شروط حلول حضارة السمعي البصري محل حضارة الكتابة والكتاب، بعد أن صار من البديهي المقابلة بين «ثقافة الجماهير» التي تدين بتناميها للوسائل السمعية البصرية، وبين «ثقافة النخبة» – أو الثقافة التقليدية – التي يجري حفظها ونشرها بواسطة الكتابة . وقد كان لأعمال (ماك لوهان) الأثر الكبير في انتشار هذا المنظور الجديد للتواصل عبر الوسائطية، وأثر هذه الأخيرة في التحولات الثقافية الراهنة. إذ نجد أن الفكرة الرئيسية لـصاحب «مجرة كوتنبرغ» تتمثل في انتقال الحضارات عبر مراحل متتالية، يتحكم فيها ويحددها النمط التقني للتعبير والتواصل وانتشار المعلومات والمعارف. فتـكون الحضارات قد قطعت مراحل متتالية من الأمية إلى حضارة القراءة والكتابة التي تقوت بالطباعة، وأخيرا انتشار التقنيات الإلكترونية. وتتلخص أطروحة (ماك لوهان) في أن الأنماط التواصلية المتتابعة (الكلمة، الكتابة، الوسائط الجماهيرية) تؤدي إلى هيمنة أحد الحواس (السمع أو البصر مثلا)، ومن ثم تنشأ أنماط مختلفة من الثقافة والمجتمع. ويهمنا من كل ذلك ما يتصل بالمرحلة الإلكترونية حيث تهيمن كل الحواس المذكورة، واعتبار (ماك لوهان) التلفزيون (السمعي البصري) نمط الوسائطية الباردة التي تؤدي إلى الاندماج الشخصي والمشاركة الكاملة (11). لنستحضر هنا ما فعلته الفضائيات بالأنظمة العربية وزعاماتها المخلوعة حتى كادت أن تتحول إلى أداة حاسمة في إشعاع هذه الأحداث الكبيرة، بل وفي توجيهها والتأثير القوي على مآلها. وإلى جانب التلفزيون وبعده، فقد استطاعت السينما أن تمتص وتستوعب الحاجة إلى الانصهار والتماهي لدى المشاهد، لأن سحر السينما أقوى وأكثر أثراً بما لا يقاس مع سحر المسرح، كما أبرز ذلك (إدغار موران ) (12). 
 إن الحضارة الإلكترونية قد تضعنا في حالة من الفوضى إذا لم نتأقلم مع متطلباتها الجديدة. وإذا كانت تدعونا إلى التشكك في الثقافة الكتابية الورقية، فلأنها أنتجت ثقافة أخرى تفرض تبعية قوية إزاء أنماطها التعبيرية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هذا التطور قد يؤدي إلى الخلط بين الواقعي والفرجوي، وإلى اختزال الفكر الذي ينشد الكونية والشمولية إلى الملموس والمباشر. ومن ثمة تكون الإنسانية مطالبة بإيجاد وسائل إنقاذ القيم الجوهرية ودمجها في إطار العلائق الجديدة مع الواقع (13). 
 يكثر الحديث، اليوم، عن أزمة المسرح الغربي (والعربي أيضا)، وكما هو معلوم فهي ليست أزمة جديدة أو طارئة، بل إن حياة المسرح نفسها لا تنفصل عن حالة الأزمة هذه. أما أسباب ذلك، فهي اليوم عديدة، ولا يتسع المقام هنا للخوض في تجلياتها. وأما أحد مظاهرها الجديدة والتي يمكن اعتبارها مؤشِّرًا على هــزّة عميقة في صرح المسرح المعاصر، فهو المتصل بالمُخرج الذي ظل يهيمن على صناعة الفرجة المسرحية إلى غاية سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يَحتل مكانه ويجرفه فاعل مسرحي آخر هو الدراماتورج. وما يسمى اليوم بــ «المسرح ما بعد الدرامي» يؤسس لإستيطيقا درامية جديدة، ويؤشر على أسلوب متكامل في ممارسة المسرح وتوجهاته، ويضع موضع نقاش ومُساءلة الأساليب السابقة (14).
 ومهما كان النمط المسرحي دراميا كلاسيكيا أو حداثيا أو مسرحا ما بعد دراميا – فإنه توجد دائما علاقة متناقضة (تناقضية ) متوترة مع الحاضر. فالمسرح ليس فقط فنا حيا، فنا ينتمي إلى الحاضر، ترهينا لنص، بل يمكن أن يكون، ولو بعد حين، زبدة هذا النص وهالته. فالمسرح هو، في الآن نفسه، دائم ومؤقت، دائم لأنه يبحث في النص وفي زمنه (عصره) عن نقط التقاط ؛ ومؤقت لأنه ليس هناك عرض أو إخراج، مهما كان غنيا ومتعدد المعنى، يستطيع أن يستنفذ النص الدرامي. المسرح هو، جوهريا، عمل تفكيكي (بالمعنى الذي وضعه جاك دريدا)، مُساءلة وتأزيم، وأيضا تأزيم لحاضره الخاص. وإذا كان للحاضر مستقبل، فإن للمسرح مستقبلا (15). 
 ولأن المسرح يبدو اليوم عتيقا وسط التكنولوجيا الحديثة، ولأنه فن عتيق وغير قابل للاحتواء والاختزال والاستنساخ، فإن المسرح تنتظره أيام جميلة. لذلك يذهب (جاك أتالي) إلى أن المسرح وإن كان نشاطية قديمة طقوسية، فإن التكنولوجيا الجديدة ستمكن من انتشاره أكثر، بفضل وسائل البث والإرسال المتواصلين للأعمال المسرحية، عبر قنوات خاصة تجعل الأعمال الدرامية الكبيرة في متناول الجمهور العريض (16) . 
بالارتباط بما تقدم، نشير إلى أهمية خلق انفتاحات جديدة في مسار المسرح العربي، ومساءلة هويته الفنية التي صارت عتيقة بفعل التقادم وتكرار التجارب الدرامية نفسها منذ عقود من الزمن. ومن هذه الانفتاحات الممكنة، استشراف الآفاق التي يمكن أن تخلقها فنون الأداء أمام المسرح العربي، خصوصا أنها تتناسب فنيا وسياسيا مع التحولات الراهنة التي يعيشها العالم العربي. وهنا لا بأس من تقديم فكرة ولو مختصرة عن هذه التجربة المسرحية في أصولها الغربية.
ظـهـرت فنـون الأداء (la Performance, le Performance Art ) – وترجمتها الفرنسية «مسرح الفنون البصرية» (Théâtre des arts visuels) – خلال ستينيات القرن الماضي، ولم تكن تختلف كثيرا عن مسرح (Happening) أو مسرح الواقعة / الوقائع التمثيلية الذي يقدم عروضا تمثيلية جماهيرية تحكمها مجموعة من الأحداث غير المميزة الشكل، والتي تهدف إلى مزج الدراما بالحياة، لأن كل أحداث الحياة اليومية في رأي أصحاب هذا المسرح، تشكل مادة صالحة للتمثيل تبحث عن شكل يوائم بينها ويُمسرحها. وقد تأثرت هذه التجربة بالأعمال الفنية للموسيقار (John CAGE)، وفنان الرقص والتعبير الجسدي (Merce CUNNINGHAM)، والنحات (Allan KAPROW) الذي أبدع التسمية في عرض مسرحي كتبه وأخرجه سنة 1959 بنيويورك تحت عنوان « ثماني عشرة واقعة في ستة أجزاء» . وسرعان ما انتقل مسرح الواقعة من أمريكا إلى إنجلترا وألمانيا وغيرهما من بلدان أوروبا. وقد تبلورت صيغة فنون الأداء وبلغت قمة نضجها في ثمانينات القرن العشرين. 
 تمزج فنون الأداء، دون فكرة أو تصور قبلي، الفنون البصرية والمسرح والموسيقى والرقص والسينما والشعر؛ وليس مكان عرضها هو المسارح، إنما المتاحف والأروقة . وهي تركز على الطابع العرضي وغير الناجز (inachevé) للإنتاج، أكثر من اهتمامها بالعمل الفني المكتمل والنهائي. والمؤدي هنا (Performer) ليس ممثلا يلعب دورا، وإنما يكون على التوالي مؤديا لنص ورساما وراقصا. وبفعل التركيز على حضوره الجسدي، يظهر كراوٍ لسيرة ذاتية على الركح يمتلك علاقة مباشرة مع الأشياء ومع وضعية التلفظ. ولا يعتني فنان الأداء بوضع تعريف دقيق لعمله، ولا يهتم كثيرا بمعنى المسرح ودلالته المتداولتين، وإنما يركز أساسا على حيوية الفرجة وأثرها، أكثر من التحديد النظري لما ينجزه ويؤديه (17) . 
 إن تجارب المسرح العربي القادم والمفترض مطالبة بأن تكون أكثر اتصالا – على حد تعبير دوفينيو بخصوص سياق ثقافي مغاير – بالتجارب الراهنة منها بالتأثيرات العتيقة التي تنحدر من ماضي أسطوري بعيد. وعلينا أن نطلب من حاضر المجتمعات العربية، وهو حاضر يتجدد اليوم تبعا للأطر والبنيات، أن يوضح لنا القوى الحالية التي تؤثر في الخلق الدرامي (18) . 
 ومع ذلك، نستطيع القول بأن إرهاصات الدراماتورجيا الجديدة في المسرح العربي قد ظهرت منذ العقد الأخير من القرن الماضي. وقد جاءت متأثرة بشدة بآثار الثقافة الرقمية والوسائطية التي انعكست في كل مستويات العمل المسرحي، وأدت إلى تجاوز مفهوم السرد الدرامي وبنــاء الحدث والفعل الدرامي ومفهـوم التمثيل التقليــدي وتمثــل العــرض ذاتــه (représentation)، والاستناد إلى الكتابة الركحية (écriture scénique )، واعتماد سينوغرافيا بسيطة أو أدنوية (minimaliste)، والبحث عن لغات درامية جديدة ومنظور جديد لجسد الممثل بوصفه علامـة (signe)، وليس مجرد دال (signifiant). ومن المعلوم أن هذا المنظور يذكرنا بخطابات (أرطو) المذكورة آنفا. ينضاف إلى ذلك اللجوء إلى استخدام الوسائط كالسينما والتشكيل والــفيديو والسمعي البصري والبرامج الحاسوبية. 
 من بين التجارب المسرحية التي أرهصت بهذه التحولات في المسرح العربي، نجد في لبنان تجربة الفنان (ربيع مروة) مع رفيقته (لينا صانع)، والتي صنفت كـمسرح مضاد يقطع حتى مع تراكمات المسرح التجريبي نفسه عندما تحول إلى تقليد سلطوي. ونجد من عطاءات هذه التجربة: «بيوغرافيا» (2002) وهي عمل يستعصي على التصنيف، وكذلك» ثلاث ملصقات»(2004) الذي هو عمل تركيبـي تسجيلي كان قــد وضعه (ربيع مروة) بمشـاركة (إلياس خوري) سنة 2000، وتتداخل فيه الفرجة بالمحاضرة. ينضاف إلى ذلك عملان آخران : «وجه أ وجه ب» (2001) و«من يخاف التمثيل ؟» (2005)، وهي أبرز المنارات في هذه التجربة .
ويشكل المسرح التونسي الجديد نموذجا للكتابة الركحية – وللتذكير تعود الترجمة إلى المسرحيين التونسيين – وقد كانت الريادة في هذا الباب إلى المسرحي التونسي (توفيق الجبالي) ومسرح ((El Theatroالمستقل الذي يرجع تأسيسه إلى 1987. ويعتبر عمل « كلام الليل: لصوص بغداد « تجربة متميزة في مسار (الجبالي) المسرحي. وقد أصاب بعض الدارسين في اعتبار الكتابة الركحية تراثا متراكما في المسرح التونسي، بـدأ مـع فرقة (الكاف) لـ (المنصف السويسـي) و(رجاء فرحات)، ثم فرقة (المسرح الجديد) في بداية سبعينيات القرن الماضي . ولا يـزال (فاضل الجعايبي) و(جليلة بكار) يواصلان جهودهما في الكتابة الركحية – ونضيف هنا المشهدية / البصرية / التشكيلية / الموسيقية – إلى اليوم. ثم سرعان ما تبرعمت تلك البدايات وتفرعت إلى فرق متعددة خرج من رحمها (المسرح الوطني التونسي) بقيادة (محمد إدريس) و(مسـرح التياترو) المـذكـور و(مسرح فـو) لـ(رجاء بن عمار) و(مسرح الأرض) لــ (نور الدين الورغي ) وفرقة (المسرح العضـوي) لـ (عز الدين قنون) (19). 
كما تنبغي الإشارة، هنا، إلى الحساسية الجديدة التي تتجلى في الأعمال المسرحية لجيل الشباب في المسرح المغربي مند ما يقارب الآن العقدين من الزمن، ومن الأمثلة البارزة على ذالك أعمال (إبراهيم الهنائي) التي ترتكز على الكتابة الركحيـــة وعلى الاشتغال النسقي والرصين بغاية استنبات كتابة درامية جديدة من خلال نصوص (كولتيس) و(جمال الغيطاني) و(?زينييك) وغيرهم.
 تستند الكتابة الدرامية عند (الهنائي) إلى استراتجية كتابية توضح الانتقال من مستوى النص إلى مستوى الإخراج، وهذا الانتقال يؤدي بالضرورة إلى إحداث نوع من الانزياح عن دلالات النص «الأصلية»،لا بمعنى تحويل خطابه عن قصديته أو غايته، وإنما توجيه خصائصه وسماته في اتجاه إبرازها بحسب التلقي المقصود أو المستهدف. هكذا تحدد القراءة الدراماتورجية اختيارات الإخراج وتوجهاته، أي أن التحليل الدراماتورجي يكون جوابا على السؤال/الأسئلة التي يثيرها النص في سياق معين. ما الذي يرويه النص عن واقع المتلقي، وما الذي يتلقاه هذا الأخير من الحكاية المعروضة ؟ والأهم من كل ذلك ما هو الخطاب الذي يرسله الإخراج انطلاقا من النص ؟… هذا ما تبرزه أعمـــاله المسرحية – دراماتورجياً ومخرجاً – التي تمتد على أكثر من عقدين من الزمن: « أخبار بنوزبيبة»، «تشيكو يات»، «فاطما»، «المفتش»، «في عزلة حقول القطن» وغيرها.
 إن هذا الاشتغال الرصين والهادئ والعميق على المسافات الجامعة والمائزة في نفس الان، بين نص المؤلف ونص المخرج (الدراماتورجيا)، وهذا التصور الجديد الذي يستند إلى قراءة عاشقة للنصوص الدرامية الجديدة المندرجة في سياق الحداثة الدرامية وما بعدها؛ هما ما يجعل من تجربة (الهنائي) المسرحية تجربة متميزة في مسار المسرح المغربي في العقدين الأخيرين، في تواضع وبعيدا عن البهرجة والجعجعة والنجومية الخاوية التي يعج بها مشهدنا المسرحي اليوم … 
 كما نجد (فوزي بنسعيدي) في مسرحية «إثني عشرة أغنية وثلاث وجبات وقبلة واحدة»، و(يوسف الريحاني ) في «عدوى بيكيت»، وتجربة المسرحي الشاب (بوسلهام الضعيف)، وتجربة المخرج والسينوغراف المبدع (عبدالمجيد الهواس) وعلى رأسها مسرحية (?يولون سين)؛ وتجربة الممثلة (لطيفة أحرار) في إخراج وإعادة قراءة ركحية لنصوص (ياسين عدنان)، والتي أثارت زوبعة من الجدال لفترة بعد عرضها. 
تندرج ضمن التوجه الجديد الذي سار فيه مسرح الشباب العربي في ظل التحولات الاجتماعية والسياسية الـراهنة، التـجربة الجـديدة لفرقة (إناء السماء) بمصر، من خلال مسرحية «أنا كارمن»، وهي مونودراما تبرز أن هذه الصيغة الدرامية ما تزال قادرة على استثمار الإمكانات الفنية والجمالية للمسرح الجديد في مجال اشتغالها، والتي تتجلى هنا في توظيف فن الأوبرا توظيفا حداثيا رائعا. يصور هذا العمل المسرحي المتميز لحظات أو أشطرا من الحياة اليومية للفتاة (كارمن) في حالات عشقها وآلامها وإحساسها الأليم بالهوية والانتماء، ومعاناتها السياسية والوجودية. كما تشتغل المسرحية بإبداعية عالية على صيغة «المسرح داخل المسرح»، وعلى اللغة التي جاءت، بصورها وإيحاءاتها واستعاراتها، لغة شعرية باذخة في شاعريتها البسيطة .
 غير أن تلك الانفتاحات والإرهاصات التي كان يحبلُ بها جسد المسرح العربي الجديد منذ فترة، ازدادت قوة وانتشارا بسبب تفكك مفهوم الدراما نفسه وتمثلاته التقليدية، وظهور منظورات وممارسات جديدة في مجال صناعة الفرجة. لكن العامل الحاسم في هذه التحولات يتحدد بتحولات المجتمعات العربية نفسها، لا بالمعنى الانعكاسي الآلي، ولكن في إطار ارتباط زمن المسرح بـزمن التاريخ كما أشرنا إلى ذلك.
 واليوم يولد تيار جديد من المسرحيين الشباب الذين يصنعون اللحظة المسرحية الجديدة، تحت سطح الحياة الراكدة التي يعاني منها المسرح العربي منذ فترة. ويشكل مسرح الشباب في مصر مثلا، فصيلا من فصائل شباب المجتمع المصري الذي أسقط النظام وسعى إلى تغيير الأوضاع الفاسدة. والمثير هنا بالنسبة للمتتبع لهذا التيار، أنه لا يقتصر على الكتاب والمخرجين، بل ويشمل جيلا جديدا من النقاد الناشئين. ثم إن هذا التيار يشكل تمَرداً على كتابات الأجيال السابقة، ويؤشر على نهاية مرحلة مسرحيةٍ بمواصفاتها وتقاليدها، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى قطيعةٍ مطلقةٍ ونهائية معها. وهذه نماذج من النصوص الجديدة التي أفرزتها تحولات الربيع العربي بمصر :
 «حكاية ضحى»: حاتم حافظ.
 «مأساة ديك الجن» : صفاء البيلي.
« أرض الميعاد «:عيسى جمال.
« المفروكة « : ياسر علام.
« شباك مكسور» : رشا عبد المنعم.
« قول يا مغنواتي»: بكري عبد الحميد.
« الوردوس»: شريف صلاح الدين.
«في صالون مدام إيمان»: يسرا الشرقاوي.
«وليمة عيد» : يوسف مسلم (20) 
وإلى جانب ذلك ما تزال النصوص القديمة – عربية تراثية وغربية – تستهوي المسرحيين الشباب بمصر، لكن برؤى إخراجية جديدة وقراءات مختلفة تتلائم مع طبيعة التحولات الاجتماعية وتحولات الدراما. وعلى سبيل المثال نذكر مسرحية «أنا الثورة» عن «مارا صاد» لـبيتر فايس من إخراج أحمد ثابت الشريف، نادي مسرح أسيوط؛ و«جان دارك» لـبرتولد بريشت وإخراج محمد فتح الله، نادي مسرح طنطا.
 ومن نماذج الأعمال المسرحية المصرية الجديدة خلال (2011) : 
«مايم شو» :
إخراج روان محمد، المعهد العالي للفنون المسرحية.
« البيع بالمزاد العلني»:
تأليف وإخراج محمد المصري، فرع ثقافة دمياط.
« إحنا وظروفنا «:
ورشة ارتجالية، إخراج حسام عطا.
«القناع»:
دراماتورجيا وإخراج محمد علام، المعهد العالي للفنون المسرحية.. 
 كما نجد المسرح الإماراتي يدشن مرحلة إعادة تأسيس واعدة بفضل جهود جيل الشباب الذي نراه اليوم قادما بقوة، ويشي بالكثير من الوعود على مستوى الكتابة الدرامية والبحث والاستنبات في مجالي الإخراج والعرض بكل مستوياته السينوغرافية وأداء الممثل وغيرها. ويمكن القول بأنه بعد جيل التأسيس في المسرح الإماراتي الذي أرسى دعائم الحركة المسرحية وأقام أسسها في شروط لم يكن مُمكناً فيها تصور قيام ممارسة مسرحية بهذا الربع من الوطن العربي، نحن اليوم نلامس ظهور جيل مسرحي جديد يريد أن ينتقل بهذه الحركة إلى طور جديد بحثا عن آفاق مسرحية جديدة. يتجلى ذلك في كل مستويات الفرجة المسرحية من خلال العروض التي تشهدها مهرجانات الشارقة والفُجيرة ودُبي وغيرها.
 غير أن هذا الأفق يبقى مثقلا على مستوى المواضيع الدرامية المطروقة، بنفس القضايا والإشكالات الاجتماعية مثل مواضيع الأسرة، العشيرة، صراع القيم في شروط ومستلزمات التحديث ونمو مجتمع استهلاكي ناشىء. وتبقى جل الأعمال الدرامية مرهونة ببنية الحكاية الاجتماعية ذات القيمة والدلالات الأخلاقية المستندة إلى بناء درامي يقوم على البداية والوسط والنهاية، على الرغم من وجود نفحات وبذور جديدة تحاول أن تفتح أفقا لكتابة درامية حديثة وتجريبية، إذا ما تضافرت لها جهود الجيل الجديد من كتاب الدراما الإماراتيين.
 أما بخصوص لغة الحوار، فإن هذا المسرح يواجه إشكالية هامة تتصل بالعامية المحلية وهيمنتها القوية التي تحول دون الانتشار المطلوب للإبداع المسرحي الإماراتي على الأقل عربيا. ففي أغلب الأحيان نكون أمام لهجة غير مفهومة خارج منطقة الخليج، وهذا يطرح إشكالا كبيرا على مستوى التواصل والتلقي المسرحيين المنشودين.
 ومن حيث العرض والإخراج فلا بد من الإشارة هنا إلى أننا بدأنا نلاحظ تطورا كبيرا ورائعا في مجال البحث السينوغرافي الذي يكاد يهيمن على بقية مكونات العمل المسرحي الأخرى، بل وحتى على الإخراج نفسه، إذ يتم اختزال العملية الإخراجية في البحث السينوغرافي الذي غالبا ما يدعو الى التنويه الكبير. ولا شك أن ذلك يعود إلى تأثير الإبداع التشكيلي الإماراتي الحديث، وليس هذا غريبا لأن بعض المخرجين أنفسهم هم أيضا فنانون تشكيليون.
 ويحق للمسرح الإماراتي أن يعتز بهذا الجيل الجديد من الكتاب والمخرجين الشباب القادمين بقوة وصبر وبتحد إلى ساحة المسرح العربي، على الرغم من كل آليات المقاومة والممانعة على المستوى الثقافي واللاوعي الجمعي..
 في مقابل ذلك، نسجل تراجعا ملموسا في المسرحين اللبناني والسوري، وكذلك بالنسبة للمسرح المغاربي، عما كانت عليه هذه المسارح في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وهو لاشك تراجع مؤقت يعود للظرفية التي تعيشها بعض هذه البلدان. ويمكن استثناء المسارح الجامعية وبعض التجارب المسرحية ذات النزعة الطليعية في هذه الأقطار، والتي تظل قِلاعاً للصمود في وجه التراجع والركود المسرحيين، واجترار التقاليد والأساليب الدرامية العتيقة، لما تَكتنزه المسارح الجامعية والشبابية من طاقات وإمكانات حية متجددة في العطاء والابتكار، وقدرة دائمة على النقد والمراجعة والتخطي ..
  إن هذه التجارب المسرحية العربية لجيل الشباب – وهذه مجرد عينة محدودة جدا من نماذجها – تستحق دراسات تحليلية دقيقة وعميقة ومتأنية، وبإجرائيات منهجية مخصوصة، في ضوء قراءة واستحضار رصينين لمنجز نظرية الدراما الجديدة، في إطار ما أصبح يصطلح عليه منذ سنوات، في العالمين الالماني والأنجلوساكسوني بـالمسرح ما بعد الدرامي (Le théâtre postdramatique (، والذي نجد توصيفا نظريا لبعض أسسه في كتابات (Richard Schechner) و(Erika Fischer-Lichte) وغيرهما (21) . 
 تضعنا التحولات الراهنة التي تعرفها المجتمعات العربية، أو ما يسمى بالربيع العربي، أمام الآفاق الممكنة والغامضة سياسيا واجتماعيا وحضاريا بالنسبة لهذه المجتمعات، وهي نفس آفاق المسرح في اللحظة الراهنة. لكن لا ينبغي أن تتجه بنا هذه الانفتاحات والانزياحات في مسار المسرح العربي وفي آفاقه الممكنة والافتراضية، إلى نوع من التقهقر أو العدمية تجاه التراث المسرحي الكوني العريق إبداعا وتنظيرا، والذي يجعل من المسرح أب الفنون؛ وحتى لا ننتهي إلى الاستنتاج المرير الذي انتهى إليه، في زخم تحولات المسرح العربي الراهنة، واحد من كبار المسرحيين العرب (فرحان بلبل )، قائلا : مع ظهور المسرح التجريبي الحديث في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، هجر المخرجون والممثلون النص المسرحي القوي بأركانه الدرامية. وتم هذا الهجران دفعة واحدة في جميع أنحاء العالم وفي الوطن العربي على الخصوص .. تمزقت النصوص المسرحية القوية التي ورثتها البشرية، فلم يعد يظهر منها إلا اسمها، واحتلت النصوص الضعيفة خشبة المسرح العربي. ونتيجة ذلك غلبت الشكلانية الباهظة على العروض المسرحية. وإذا بالسينوغرافيا تصبح المطلب الرئيسي للعروض المسرحية (22) . 
 وأخيرا، نريد أن نسجل الاستخلاصات الأولية التالية : 
* ينبغي أن يأتي مسرح التحولات الاجتماعية والسياسية الراهنة معبرا عنها ومرتبطا بها وخارجا من رحمها،وليس متهافتا لاهثا وراء آخر التقليعات النظرية والفنية الغربية. 
* من المفروض أن تمس تحولات المسرح العربي الممكن والمفترض كل مستويات الفرجة المسرحية، بأن يتحول العرض نفسه إلى نوع من الأداء (Performance)، يستلهم بوعي عميق وتـــمثل منسجم مع شرطية الخصوصيات الثقافية – وليس الخصوصانية – إنجازات الصيغ والأشكال المسرحية الجديدة، وأن تنعكس تلك التحولات على النص والإخراج والسينوغرافيا وأداء الممثل، وكلها صارت مفاهيم ذات حمولة تقليدية…
* وجوب إحداث ثغرات أو شروخ في علاقتنا وتصوراتنا للأساليب الفنية التقليدية حتى في شكلها الذي يظهر عصريا أحيانا، وذلك على مستوى الإخراج والتمثيل أو التشخيص والسينوغرافيا وغيرها من مكونات العرض المسرحي. 
* ضرورة إعادة النظر في كيفية تعاطينا مع النصوص الدرامية ذات الطابع الكلاسيكي أو حتى ما بعد الكلاسيكي والحداثي، وإبداع نص درامي يتشكل بالموازاة مع نمط النــــصوص السردية والشعرية الجديدة التي بدأت في الظهور (الكتابة الشذرية والمتشظية، تفجير شكل السرد الخطي،استثمار النص الرقمي…). 
* البحث عن شكل مسرحي / فرجوي /أدائي جديد (وهي رحلة طويلة مكرورة عاشها المسرح العربي منذ بداياته الأولى !)، يصنع العرض من كل المعطيات المتوافرة، ومن أبسط العناصر المادية والدرامية والواقعية الدنيا (minimaliste) التي تتيحها الحياة اليومية المباشرة، بما يعني العودة إلى المسرح المعيش.
* القطع مع المسرح الأدبي القائم على الإنشائية اللفظية، وعلى فخامة العبارة وتقعرها، أي بكلمة واحدة الثرثرة الكلامية التي كانت من آفات المسرح الغربي من قبل، والتي واجهت نقدا عنيفا منذ كتابات أرطو الرائدة .
 هذه تأملات نعتبرها مجرد أفكار أولية تستلزم التفكير العميق والمتأني والهادئ في أوضاع المسرح العربي وآفاقه، في ظل التحولات العامة التي يشهدها العالم العربي في اللحظة الراهنة…
هوامـــــش
1) DUVIGNAUD , J : Les ombres collectives , sociologie du théâtre , 
 Paris , P.U.F , 1965 et 1973, p 192 . 
2(المرجع نفسه، ص 186 .
3 (عبد الواحد ابن ياسر : حياة التراجيديا، في فلسفة الجنس التراجيدي وشعريته، بيروت، الدار 
العربية للعلوم ناشرون، 2011، ص 49 وما بعدها.
4) جان دوفينيو : المرجع نفسه، ص 179 .
5) CARLSON , M : Le théâtre de la révolution française , Paris , Gallimard , 1970 .
6) جان دوفينيو، المرجع نفسه، ص 549.
7) ARTAUD , A : Le théâtre et son double , Ed. Gallimard, 1964 , 
 coll . « Idées », « En finir avec les chefs – d’œuvre » 
أو ترجمته العربية : المسرح وقرينه، سامية أسعد، القاهرة، دار النهضة العربية،1973، « فلننته من الروائع «
8) COLLECTIF : l’envers du théâtre , Revue d’Esthétique , 1977/1-2 
, Paris , UGE, 10/18 ; 1977 ; « 1930 :l’improvisation 
 Prolétarienne » par Philippe IVERNEL.
9) أنظر : مارفن كارلسون : فن الأداء (مقدمة نظرية )، ترجمـة منى ســلام، الشارقة، دائرة 
 الثقافة والإعلام، د.ت . وهو ترجمة لكتاب :
 Performance . A critical introduction , London , Routledge,1996
(10 Mc LUHAN , Marchall : Pour comprendre les médias, Ed . Mame / Seuil, 
 1968, p,25
(11 COLLECTIF : Sociologie des mutations ; sous la direction de Georges 
Balandier , Paris, Ed . Anthropos, 1970, J .Cazeneuve :« communication
de masse et mutations culturelles », pp : 173 –182 .12) دوفينيو : المرجع نفسه، ص 549 و550 . وينظر أيضا :
 MORIN,E : Le cinéma ou l’homme imaginaire, Paris .Ed. de Minuit,1958 
 (13CAZENEUVE :Ibid. 
) ينظر في الموضوع العدد الأخير من مجلة : 14
Critique , n° 774 , novembre 2011. « La mise en scène  : mort ou mutation »
15)ATTALI , J : Le sens des choses ,Ed .R . Laffont, 2009 , (avec Stephanie 
Bonvicini ), p . 166
16 (المرجع نفسه، ص : 171 .
17) PAVIS , P. :Dictionnaire du théâtre , Paris, Ed.Sociales 
18 ) دوفينيو : المرجع نفسه، ص 41.
19) أنظر مثلا : صبري حافظ: « المسرح التونسي بين البوليفـــونية والكتابة الركحية : تجربة توفيق الجبالـي 
 نموذجا، « ضمن الملتقى الفكري : المسرح العربي بين عقدين ؟، الشارقة، دائرة الثقافة 
والإعلام، 2011، ص 36 وما بعدها 
.20 ) أبو العلا السلاموني : « تيار جديد في المسرح المصري»، أسبوعية (مسرحنا )، 
الهيئة العامة لقصور الثقافة، العدد 224،31 أكتوبر 2011 .
21 ) أنظر في الموضوع :
SCHECHNER, Richard : – Essays on Performance Theory , 1970 – 1976, New 
 York, Drama Book Specialist / Publishers, 1977 
– « La représentation postmoderne . La fin de l’humanisme » 
 Jeu, revue de théâtre n°20 (3) , 1981 , pp .35-51 
LEHMANN , Hans – Thies : Le théâtre postdramatique, Paris, L’Arche, 2002. 
 22 ) فرحان بلبل : « التأليف المسرحي العربي المعاصر .. كما صار إليه «، مجلة (كواليس)،
 يناير 2010، العدد 1، ص 37 و39 .

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …