أخبار عاجلة

تشكيل الأذى: ميسون صقر الشعر فيوضات روح تتجوى وجسد يحترق

  -1-

ليس للشعر سوى الاطلالة على عالم الغيب والشهادة وهو يشهد للكائن على وجوده، كما أنه يشهد على صيرورته في الحياة، وعلى فنائه وعدمه، وما بين هذا وذاك يقف الشعر كنشاط فاعل خلاق، يمارسه الشاعر على نفسه أولا وثانيا وعاشرا ثم على الآخرين كلفة تعبير يتماهى فيها مع روحه التي تتجوى، وجسده الذي يحترق، ومع الجحيم الذي يعاني، جحيم الرغائب والشهوات وأوهام المسرات واللذائذ، ومتع الحياة، حين تتسع الهوة بين ما يرغب ويريد، وبين ما يستطيع بسبب صلودة الواقع، و كتامته وربما قتامته وعتامته أيضا، الى ذلك يحاول الشاعر  تسييد لغته، وجعلها سلطة معمولا بها في نشاطه القول، وفي خطابه الشعري ومحاولة تمييهها، وتسييلها، حدتي تجيء معبرة عما يصرف ويسرف من مشاعر وأحاسيس تتصادم، تحترب، تعالى، تتقاوى، وتصطرخ وتصطحب، مكونة معمعة غير رشيدة من الخطاب اللاعقلاني، واللاواعي الذي يتنادى ويتنادم فيه الشعر، حتى يصير التعبير سبرا لأغوار النفس البشرية في تماديها وتماديها وجوعها على الانفتاح، على الصوت والصمت والصدى، وعلى الهمس واللمس، والغمغمة والدمدمة، على الاتصال والانفصال، وعلى التواصل والهجران وكأن لا هم للشاعر في هذا الوجود سوى ايجاده، وانوجاده فيه، ونفيه، وتغريبه عبر الأسفار والهجرات، الواقعية والحلمية وحتى عبر التجريفات الكابوسية، والتجوينات العشقية، فيما الحب ملاط الوجود الذي يتفق للشاعر أن يتلظى بنيرانه، وهجرانه وأن يكون بردا وسلاما في اتصاله ومواصلته وعمرانه، والا لماذا الفصول تغير الأرض حين تتوالى، ولماذا الأرض تدور، إن لم يكن للعشاق شأن بهذا كله فكيف يكون العشق ؟ وكيف يكون الشعر إذ لم يكن انجذاب كينونة الى كينونة، ومغنطة وكهربة واستقامة، وانثناء وانطواء وشوق وانحناء روح وجروح. وحنين الى الغامض وتفلت للمكبوت، والمتروك والمهمل والمنسي واحتفاء بالهوامش والمتون، وخلق أساطير جديدة، أو أسطرة الواقع وتخويفه، وكأن الشاعر الذي يلد قصيدته، ينبذها، ويتحول بين الصحو والمحو الى جديد غيرها. لكن مجموع قصائده، هو ما يشكل مناخه الشعري القابل للاتقاد، والانبعاث من عوالم الرماد الى الجمر الدفيء.

وفي "تشكيل الأذى" للشاعرة ميسون صقر القاسمي وهي المجموعة الثامنة لها مضافا اليها مجموعة بالعامية المصرية بينما هي شاعرة من دولة الامارات العربية المتحدة تكون قد خبرت التجربة الشعرية الحديثة ؤ مجال قصيدة النثر، وقدمت كشوفاتها وفتوحاتها، بواسطة التعبير الشعري الجمالي. لأنها تعبر بوسيلة أخرى عما يجيش في داخلها من مشاعر وأحاسيس، وهي الألوان فهي فنانة تشكيلية ولها نشاط مميز على هذا الصعيد، وقد يكون عنوان المجموعة دلالة على هذا النشاط التخييلي أيضا، لأنها في الفن التعبيري التجريدي، وفي الاشراقات الشعرية واللونية الشرقية، وهي في التشكيل الفني والتكوين الشعري، كأنما تمازج اللوحة بالقصيدة، أو القصيدة باللوحة، وهذه حقيقة تتفتح وتتجلى في مستويي التعبير عندها، فاللوحة تحتوي شاعرية الألوان وربما الأشكال، والقصيدة تحتفي بالمرئيات والتصاوير، والخيالات والتجريدات، وكأن الشاعرة تنجم وتنقب في مرآة واحدة لتكتشف ذاتها على وجهيها اللذين يمرئيان الذات الشاعرة التشكيلية كل وجه بما يمكن للشاعرة من تخصص فيه، أو من تحويل وتدويل. وتأويل وترقيم إشارات وعلامات ودلائل ولمح ولمع. ولونيات وتشكيلات. وموسقة، وتواشيح وتواقيع، وربما هارموني يسود كلا المناخين المعبر عنهما من ذات إبداعية ملتئمة ملتغمة. واحدة موحدة.

-2-

إلا أن تشكيل الأذى تعبير ضرير ومرير عن تجربة لافتة تحيق بالانسان الشاعر، وهي تجربة الكينونة وتجاذباتها وتنابذاتها في الوجود والواقع الذي تتلاطم وتتفاعل فيه، والذي بسبب احباط ما يسمى التواصل، تحمل الذات مرارتها وتمارس الانجراح. ثم تأخذ بفصد الدم المتخلف عن هذا الانجراح الكينوني، لأن جرح الحب غائر وعميق، وغير قابل للشفاء، كما جرح الولادة الذي يؤشر العدم، والشاعرة التي توارب وتواري هذه الصراحة الذابحة تحاول بطفولية رائعة، أن تقول عن ذلك بأنه أذى، وهو يخلف حسرة نفازة في روحها، فتلجأ الى ستة أقسام عناوين في الكتاب كي تبوح بذلك. والى أكثر من مئة وستين قصيدة، مرئية محلومة ملموسة، مشهورة ومحسوسة، ومشهدية، تتباين بين لمحة والتماعة في سطرين أو ثلاثة، وبين قصيدة صفحة وبعض صفحة، وبين نصوص قليلة تتجاوز الصفحتين، إذن هي رغم أنها تمارس سرديات نادرة في وديان قصيدتها إلا أنها لا تسهب في تشكيلاتها، وتكويناتها التي تنعقد اللغة الشعرية عليها، بل تخمر التجاريب وتخثرها وتقطرها وتتقاطر بها وكأنها ذوب روح، وفتات جسد، دون أن يدخل في روعها الهذيان، حيث حصادها الشعري وافر، ثر وغزير، بسبب الغنى اللغوي، والكثافة واللطافة التي تتضرى وتتضور في تعابيرها، حتى لو جنحت أحيانا الى بلاغات وسورياليات مخففة، فإنها لا تتنازل عن لغة مشعرنة مشحونة بالقلق والأرق، والسهد والحمى والكتمان وفيها من البوح والتشاكي والضراعات كما لو أنها صلوات سرية أو تعاويذ ورقي وأحجبة، تسوغها الشاعرة كأنما لتشفى من مرض الحب الذي هو مرض الحياة، والذي يدفعها الى تقدير الأذى وتقويمه وادراكه واستدراكه، وتكوينه وتشكيله، وتقديمه على شكل مشهديات شعرية ملغومة بالنادر والنفيس من التعبير الذي يحزم الرؤيا في ضيق العبارة، ولا يترك الشعر في الحصار، بل يسرحه سراحا جميلا.

وكأن الشاعرة ميسون موسومة باللجاجة التجريبية والاختبارات الجمالية، لكنها توسوس وتسوس هذه اللجاجة في قصيدتها، من خلال التهدج والاختلاج، ومن خلال معاناة الوجد والجوى، والعصف العشقي الفادح الذي يزلزل ويتبرعن في الروح، ويخرج من افناء الجسد على شكل مهارات وشواظ، ونثارات وشهب ونيازك، وكل ما يتخاطف ويتسارع، ويتلامع ويحرق.

وقصيدتها صادرة عن محرق وضغوط متبلور مشع، وهي عبارة عن تجويف ذات شاعرة أكثر منها تكوينا لموضوع، إذ في الشعر تطغى كيفية القول على ماذا يقول الشاعر، وهي كأنها استنبطت قصيدتها من مناجمها، وعدنتها من معادنها الكريمة، وربما استخرجت لآلئها من أصداف ذاكرتها، وصيرورة حياتها وكأنها تؤرخ فيها زاهرة الجسد أكثر من شطحات الروح ميالة الى القصيدة العضوية تارة، والشيئية تارة أخرى، فيما لا تستريب في الحيثيات والتفاصيل، بل تحاول تماسا فاجعا معها، ورصد مؤثراتها اللامرئية اللاواعية عليها، وهي تمشهدها وتمفصلها في القصيدة، وكأنها تمارس القبض والبسط، دون ادعاء تصوف غدا موضة. أكثر منه اختبارا وتجريبا. إنها تتواتر وتتوتر بين قطبي العالم، بين الذكورة والأنوثة. مع احتفاء شديد بهما معا. حتى لو تخلل خطابها الشعري تساررات وتساوقات من العتاب وأفانين العذاب، إلا أنها دون الآخر الشريك الموافق والمفارق لا تستطيع عزف موسيقاه الشاعرة ولا الذهاب الى التواقت، والايقاع والتواقع والارتكان الى التعبير الذي يضطرم ويتعانق ويتقادم ويستوطن ويتساكن نصها كجمهرة لا حصر لها في مساحة ضيقة هي القصيدة والجسد والكائن ككون صغير، ينطوي فيه العالم الأكبر.

على أن ذلك ليس كذلك دائما، فهي ما أن تبدأ حتى تتطوى وتتجوى، وتتدله، وكأنها صبة مستهامة، إلا أن مثلها لا يذاع له سر، رغم أنها عاشقة حتى الثمالة، وتنشد الحب مقرونا بالحرية والانعتاق وتريده براءة وطهارة في الرجس والاثم وتحاول إنقاذه من الدنس والرجيمية، وتحاول جوهرته وتنقيته مما يعلق به من شوائب، وكأنها تريد زلاله. ودمعه الصافي، وفجره الأول. والاشراق فيه، وتغدق عليه ما تشاء وكما يشاء، لكن وكأن حبها ملوث بالنكران والغفران معا، فهي ليست قاتلة أو قتيلة فيه، كما أن الغائب الجلي الحضور معادلها في العالم ليس كذلك وهي تبني قصيدتها على توازنات جلية في التعبير، الواقعي والحلمي فلا تستبد ولا تطغى، ولا تدعي ولا تتداعى مشدودة حتى الانقطاع، رغم انفتاح نصها على فضاءات وآفاق وامداء، ورغم استغراقه أحيانا في سديم حلمي مغمض التفاصيل والحيثيات إلا أن ذلك من حيوية النص، وقدرته على الكشف والبزوغ والاضاءة، وترخيمه وترنيمه بالأصوات والأجراس، وموسقته الخبيثة التي تجعله يتشخص ويتجسد، رغم تكوينه الأثيري النوراني.

-3-

على أن للشاعرة تزامنا دقيقا مع مجريات حياتها، ومواويل تغنيها بصمت، وكأن ما تصمته، أكثر مما تكتبه، وهذه دلالات شعرية، على أن الجيشان، والفوران الداخلي يقعان في مصاف عسيرة حسيرة، ولا يخرجان الى الفوضى، وكأن ذهب الزمان يتغلغل في سراديب وأروقة قصيدتها، كما ذهب الحنين. وذهب التعبير وقصدير المرايا، وفضة الأقمار والشاعرة عاكفة على تخريم ذلك كله، وترقيشه، وتلوينه، وزخرفته، وحمله على الانتظام في الطراز الشعري الذي تستهله ولا تنتهي ولا تتناص فيه، حسبها اعتماد ترجمتها الذاتية وتفلية مراياها عن الظلال والاشباح والأطياف والغياب، ومن مروا ومن حضروا ومن زالوا إن كينونتها تتوزع في كينونات، وتتكرم على كائنات، وما تلجمه في الحضور، لا تستطيع لجمه في الغياب، وكأن الحياة سراب، وهي تتحرق وتحترق، وتنظر الى ما يتسرب من أصابعها، سواء كان الوقت، والانسان هو الوقت، أو في العلاقة والعلاقات والانسان مجمع علاقاته فيما هي تنهم تهتم بنفسها، وتحولاتها وتناسخاتها وتقمصاتها، تهتم بموقعها وحركتها ولعبة مضاعفات واستنساخات صورها في مراياها، كذلك تفعل بالانسان المقابل، الموازي المجاور، الحاضر الغائب، العاشق، المعشوق، وبكل مطارحاته ودويه، وصوته وصمته، وحتى موته.

إنها تقرب ما يبتعد أو تعيد صياغة ما يختفي ويزول، فيما تباعد ما يقترب، وكأنها تتحكم بالمسافة المحكومة في الزمن وتشعر بوهنها أمامها، فتتمرد وتحاول الحلم والشعر، سبيلان موهومان الى الواقع لكنهما سبيلان على الأقل، والاشكالية في الجسد كمكان وزمان وعلائق، وخفق ودفق، ونبض ورغائب وتشه وغوايات وغلمة ومجون، وشياطين وملائك، ومحاولات تبريك، وطوبى، ونعم وجنائن، واحتمال حب وحنان، وحنين والفة وسكون ثم انفجارات لا مواعيد ولا مواقيت لها يعصبها الشعر في عصبه، ويحصبها ويحزمها. ويتوارى فيها كما يسطع ويتوهج عبر القصيدة التي تذهب من وجودها بالقوة الى وجودها بالفعل، ومن إمكانها , الى مستحيلها وتلك معضلة الشاعرة، مع القصيدة، ومع استشعارها وتحضير أرواحها وجراحها وحفيفها وهبوبها، والتحول بها الى طقوسية واحتفالية، وسياحات وبحرانات في فضاءات الجسد والروح والعشق وفي تهريمات وتديومات المكان والزمان.

وبعد قراءة مئتين وعشر صفحات من هذا الشعر ستكون نشوان أو جذلان، بما يتوارد فيه من مشقات واوراد وأفكار، وخصوبة وتروية وأنوثة تشتق الى أنوثات، وستحس بالرقة والعذوبة والتموج والترقرق في جسدانية النصوص، وفي جدرانياتها الجمالية، وكأن الشاعرة تنفتق عن حدائق الوجود، ونعميات الحب. وصعوبات الهجر، والوحدة والعزلة، والتوحد والاستيحاش لكنها تظل في أنسي الكلام، ولا تذهب الى وحشيه. إنما لا تتعاظل ولا تتقعر، لكنها تلجأ الى تفكيك الجسد ومؤثراته وتفكيك العلائق، والتعاشقات والاعتناقات وتوليفها ومنتجتها، وتحويلها وازاحتها، وتركيبها غير ما كانت عليه وكأنها تعيدها سيرتها الأولى، أو تخلق بها سيرة جديدة، ومسارات متواشجة.

وما بين الالفة والاجتماع، ما بين التساكن والاستيطان، تتماكن، وتتافتن الشاعرة وتتقاوى في قصيدتها، وتتغاوى، عبر وقائع الحياة، ويومياتها، وعبر تباريح الأمكنة ومنعرجاتها ومطاويها، والأشياء، بإضاءاتها وظلالها واشتدادها وامتدادها وتقاصرها وجزرها في هذه الطقوسية المحلومة المحكومة بالقمر والماء الأنوثة ومشاغل القصيدة يتوارد ويتوالى الشغف الضاري الذي يستحوذ على الشاعرة ويمور فيها الى التجويد والتجديد في قصيدة النثر التي تتولاها، كما لو أنها لوحات معتمدة في معمودية النار كاوية بسبب الأذى المتناسج في اللحمة والسداة من طبوغرافيا القصيدة، ومن جفرافيتها وجيولوجيا أعماقها، ومن ليليات معزوفة الأنغام والتناغمات، ونهاريات، موطوءة بالعبث واللاجدوى، ومن أبعاد فلكية عبر الأجرام والمجرات لمتعة النظر وتخاطراته الخلابة.

تشكيل الأذى على مراوداته العشقية، وبراعاته. وارتقاباته التعبيرية، شعري ضميري ضمائري تفرد فيه الشاعرة في رحابة روحها المحمومة للآخر الخير الذي يليق والمرايا التي تتألق وتتقد وتحول، ويعتق قصديرها وتنمحي محتوياتها، لكن للشعر ملكة إنقاذ ما يمكن إنقاذه وانفاذ ما لا يمكن نفاذه إلا عن طريقه، حين يفيء الى اغترابه اللغوي والمعنوي، ويكتمل في سماء شاعرة تتألب على صفائها فترفده بصفاء الشعر، وكأنها في التدريبات والتمارين. تتبارى مع روحها الجارية رخاء في ريح رخاء، ومع جسدها الذي يندلع ويهب، ينجرح ويندمل وتتوالى عليه نحوسات الأيام وسعوداتها.

ــــــــــــــــ
* تشكيل الأذى (شعر)
* ميسون صقر القاسمي
* منثورات كتاب شرقيات (القاهرة)
* 220 ص قطع متوسط، غلاف أبيض أسود, رمادي، صورة
الشاعرة
 
 
زهير غانم (كاتب من سوريا)

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …