أخبار عاجلة

تهويمات الأحمر

  ياقتك المتهدلة، دشداشتك المبقعة ، حذاؤك الرياضي وخيوطه المسودّة ، تقف. تراه منكبا على  ورقة  باهتة ، تبقعها مجموعة  أرقام/ خربشات حمراء مضيئة، زعقت:

_  تأخرت  في الدفع..

بهت ،سألك:

_متى جئت؟  

_منذ دقائق.

_لم انتبه .

_الآن انتبهت، اعطني  إيجارك…

 يلجم كلماته  متصنعا الهدوء :

_عدنا لذات الموضوع؟

تضرب بقبضة يدك  طاولته ، يهتز كوب شايه، ترتجف الورقة، الخطوط، الأرقام ، علب علك ، القداحات، بينما أكياس المكسرات تنظر ببلادة لك..

غاضبا تؤكد:

_إيجار يتكرر في نهاية كل شهر…

_معك حق..و

ممتعضا تقاطعه:

_ سأعود  بعد ساعة لا أكثر …

تنصرف من  البقالة، تربّت على رقبتك تنهيدته …

 متجها لاستيفاء بقية الإيجارات ، تتحين  في مواعيدك الأوقات الهادئة ، لا إزعاج  من مزامير السيارات ، لاتعليقات دبقة تلتصق بمزاجك ،لا ابتسامات هازئة  …

تعبر الشارع ، تتجه  للعمارة …

 مقصدك الأبواب الجاحدة،  تعلم مدى تجنبهم إياك ،لكن عنادك حرون ..

الشقة الأولى

تتردد صوت خطواتك على الدرج، تصل ..

 تضم قبضتك طارقا الباب الموصد ،يبقى محكما بخرسه..

 تهتز جملة welcome   الحمراء الفاقعة على صدره، ينبثق  بكاء  حارق لطفل رضيع تطمره لكنّة ترد عليك بتهشم عباراتها :

_لامفتاح لدي، هم بالخارج.

_ اخبريهم لن أسمح بأي تأخير.

_سأبلغهم  .

تسمع الخادمة تنهر الرضيع، تتخيله مسجى  تثرثر قدماه رفسا ، حاضنة  قدميها الصامتتين ، تطلي أظافرها بالأحمر ..

تطرق الباب مجددا، لاترد

تصرخ:

يوما ما سأطردك

الشقة الثانية

 تتردد ناظرا لحذائك ،تمسح بيدك مقدمته المغبرة..

 تفرد راحتك طارقا الباب الموصد ،يسعل  المفتاح مختنقا في القفل ، يفتح ،يوارب …

 تطالعك بشعرها المنكوش  ،جسدها الممتلئ، خصرها الضامر، عيناها الناعستان ،صدرها المنتبه ،تقضم تفاحتها الحمراء وتبصق سؤالها المتذمر:

_ نعم

_ الإيجار

_ دفعناه

_ لم يصلني

  بازدراء تلقي  تفاحتها عاليا ،تتجاوزك،تهبط في قعر قمامة بقربك، ترتفع  داخلك  رغبة الإعجاب لدقتها ،تلتفت ، يصفق الباب في وجهك..

تصرخ:

_ يوما ما سأطردك..

الشقة الثالثة

تحوم اقترابا وابتعادا ، تحسّم موقفك، تضرب مقدمة حذائك بالأرض، وبإصبع وحيد و شجاع  تطرق الباب الموصد ،يفتح بتعالي زعيقه ،يشرّع…

 ينكمش صوتك ، تتمدد ضخامة هيئته، فوجئت بوجوده والتماعة صلعته ، زوجه السليطة بأنفها المزكوم من تصادفك غالبا ، أزعجك  قميصه بمربعات صغيرة اندلعت حمراء …

 يتجاهلك ،ينحني ، تفرد ظهرك، يقترب تجاه رجليك، تتراجع لوقوفك على  حافة الصحيفة ، يجذبها …

 يهتف صافقا الباب :

_ لا أخبار جديدة.

تهمس:

يوما سأطردكما…

 تنتهي ،تؤوب للبقالة ، تجده جهز عصيرك البارد،تلحظ الأرقام /الخربشات تدفن حمرتها في الورقة  ،تتلاشى  خطا فآخر..في البياض..

يقول:

_تأخرت

_سيئون

_ لا عليك.

يسألك:

عاركت خادمكم؟

تتفحصه ،تسأله:

_ ما أدراك؟

جاء يبحث بملابس مهلهلة، لم أخبره أين أنت ، ستسامحتى على الايجار ؟

_ نعم

_ خذ  ، امسح عرقك .

 تأخذ جرعة أخرى من العصير وتمسح عرقك وفمك بمنديله الأبيض ، تقول:

أنت ستبقى.

 تقعد على عتبات الدكان ، ترى الجار الثالث قادما ..

ينظر لك شزرا ، يصرخ بوجهك:

_قم،  افسح،  وان رأيتك مجددا

مشيرا  لرسغه ور جله قائلا:

  سأقطعهما لك .

 تقفز فارا برجلك ، متحسسا يدك ..

متذكرا زوجة أبيك ، مقاطعتك إياها تكرارا بينما تحصي النقود،  حذاؤها الأحمر المقذوف في وجهك ، رفسك الطاولة،تناثر إيجارات العمائر، تفلتك من قبضة خادمكم وخاتمه بفصه الأحمر ، ، تسديدك للكمة حمراء على وجهه ، وصوتها يفح خلفك ، شع الأحمر في يومك :

معتوه،  يوما سأطردك …
 
استبــرق احمــــد
قاصة من الكويت

شاهد أيضاً

نصوص

البيوت التي كنا نقصدها خلال طفولتي كانت نوعين: أماكن زيارات مرتبطة بصداقات اختارتها أمي طوعاً، …