ثلاثية الفن والفلسفة والجمال – في تكوين المُنتج الثقافي لإبداع آمنة النصيري

حاورتها : غالية عيسى


بدأت آمنة النصيري حياتها الإبداعية في سرد القصص الأدبية ككاتبة مبتدئة، تجول في خواطرها أسرار الإبداع العميقة التي حملتها روحا جمالية يعد الأدب والفن أحد مكوناتها الخلقية ، تلك الروح المبدعة التي تنظر إلى تفاصيل الوجود بشكل مختلف، تستوقفها حكايات البيوت الطينية الشامخة بصمت وثبات على جبين صنعاء، تثير دهشتها حكايات الرياح التي تضرب قمم الجبال بقوة دون أن تحركها، يستهويها اللحن القادم من الوديان، ويثير دهشتها لون القمح واخضرار الحقول وزرقة السماء.
السماء التي ترتبط بالحرية والأجنحة ، فربما من هنا جاء تعلقها بالريشة؛ فانتقلت من السرد بالحروف إلى السرد بالألوان، ومع الألوان وجدت ذاتها بعمق فالتصقت بها، فلم تعد بحاجة إلى المرويات بقدر حاجتها إلى الحكايا الصامتة، تخط بريشتها كل فكرة تشغل ذهنها وكل نظرة تجوب تأملاتها، وكل ما يبحر في ذاتها من تساؤلات وآمال ورؤى.
شكلت الألوان لديها سردا وتعبيرا ونقدا وتمردا، فاللون هو الرمز الذي تستخدمه للتعبير عن خيباتها وحزنها ورفضها، وباللون أيضا ترسم رؤاها ومستقبلها وأمنياتها وانتصاراتها .
تجربة آمنة النصيري لم تبدأ إلا عميقة معبرة عن مؤثرات ثقافية وظواهر شائكة في عمق المجتمع المحلي اليمني، والوطن العربي، وفكرة الكون، وفلسفة الوجود .
ربما ذلك ما حدا بها نحو دراسة الفلسفة والتخصص في علم الجمال الذي يغوص في جوهر الأشياء وعمقها؛ فيتجاوز القشور والصدف مستهدفا اللآلئ والدرر.
الفنانة التشكيلية والباحثة الأكاديمية أستاذة الفلسفة وعلم الجمال لابد أن في حياتِك وتجربتِك الكثير من التحديات المشوقة الذي يجدر بنا الوقوف عندها والخوض في تفاصيلها، لكننا ربما نخالف السائد في الحوارات المشابهة، ونبدأ من آخر ما حققته بعد مرحلة حافلة بالتحديات والإنجازات في المجال الاجتماعي والأدبي والفني والفلسفي الجمالي .
إشكالية الفضاء الإبداعي في مجتمع منغلق
آمنة النصيري واحدة من النساء اليمنيات اللاتي عشن في مجتمع منغلق يضع المرأة في زجاجة مغلقة بإحكام، مجتمع لا يؤمن بحق المرأة في التعبير أو ممارسة الإبداع وهذا الأمر صعب بالنسبة للمرأة التي خلقها الله بروح حرة متمردة، وأنتِ لم تعتبري السرد والألوان جناحيك اللذين تحلقين بهما من داخل الزجاجة، بل حاولت وبكل ثقة الخروج من الزجاجة وممارسة إبداعك في الفضاء الرحب الفسيح.. إلى أي مدى نجحت في تحقيق ذلك، وهل مازلت تشعرين بالظلم الاجتماعي و تطمحين إلى مزيد من الحرية والمساحات المفتوحة ؟
هي قضية ملتبسة نوعا ما فأنا على المستوى الشخصي لم أشعر بنوع من الظلم الاجتماعي كوني نشأت داخل أسرة مثقفة، كانت بمثابة الحصن الذي أحتمي به، ووفرت لي الدعم والتشجيع والثقة وأيضا الوعي، غير أن هذا الوعي جعلني في سن مبكرة أدرك معاناة النساء وصعوبات حياتهن، ووجود عوالم تتوفر فيها النساء على الحقوق والاعتراف، بدأت الكتابة حول قضايا المرأة وأنا مازلت في مرحلة الدراسة الثانوية، وأدركت عندما اشتغلت بالسرد أن الكاتب والمبدع يتبنى الهمّ العام، ويستوعب كافة أشكال المعاناة للأفراد، ولهذا رحت أتناول الكثير من حكايات النساء بوجه خاص ( على اعتبار أني امرأة وبالتالي أكثر قربا وإلماما بقضاياهن وحياتهن ) التي تنم عن الضغوط المجتمعية وغياب الحريات والمساواة، وإنكار حقوقهن وتغييبهن رمزيا وفعليا من المشهد الكلي العام بل وقمعهن في حال تجاوزن الهامش الضيق المتاح لهن للوجود في الحياة العملية، وذلك بوسائل مباشرة وغير مباشرة، لعل أهمها توظيف الخطاب الديني المتشدد المعادي للنساء، والتشبث بمنظومة من العادات والأعراف الماضوية .
من هنا ربما أصبحت ثيمة قمع المرأة، والقمع عموما، قضية في كتاباتي وفي تجاربي الفنية، حتى وإن لم يكن مردها بالضرورة التجربة الذاتية، فقناعتي أن من وظائف الفن بكل أشكاله إنتاج الحقيقة وتعرية المحيط الخارجي وإحداث تغيير ما.
ولعلك قصدت بالسؤال المحددات الاجتماعية التي تضيق على المرأة الكاتبة والمرأة المصورة في مجتمعاتنا، وهل تجعلني أعتقد بأنني في حاجة إلى مساحة أرحب من حرية التعبير؟ أو أنني أشعر بالغبن بسبب المحاذير والتابوهات التي تحاصر إبداع النساء على وجه التحديد، فيمكنني القول بأن لغتي البصرية ليست مباشرة، ولا تعتمد على المفردات الواقعية وهذا يضعني في مستوى ينأى عن الاصطدام بالفئات المهيمنة على كل الأصعدة، كما أن اتجاهات التشكيل المعاصرة لازالت نخبوية، فالفنان التشكيلي يصعب أن يتحول إلى فنان جماهيري، وهذا يخلصني وأمثالي من مساءلات السلطة بكل أنواعها، حتى عندما قدمت تجربة (حصارات) التي كانت ذات وقع صادم على الجمهور من حيث المعالجات التقنية أو المضمون الذي كان يدور بوضوح عن القمع في شتى مظاهره، وانتهاك الحريات، أحدث المعرض جدلا في الوسط الثقافي، ولم يتعدَّ ذلك.
أمر آخر يكتسبه الفنان مع الوقت في المجتمعات العربية وهو الخبرة في التحايل على الرقابة المجتمعية بحيث يطرح رؤيته دون أن يثير ضجيجا قد يشكل عائقا للاستمرار، وأتذكر هنا مقولة للصديق العزيز الناقد حاتم الصكر الذي أشار في أكثر من مرة إلى أن المجتمعات العربية صنعت بداخل كل كاتب أو فنان رقيبا ضمنيا، يلاحقه خطوة بخطوة في أثناء إنتاج العمل .
وكثيرا ما أسأل نفسي: إن تواجدت في دولة غربية هل كانت مضامين أعمالي ستختلف عما هي عليه ؟ والحقيقة أنني لا أعلم الإجابة، أو أنني لست مهتمة بالأمر، وربما لو استمررت في الكتابة القصصية كانت الإشكالية ستبدو ذات أهمية أكبر، حيث لغة الكتابة أقرب إلى تداول ووعي نطاق أوسع من الجمهور، ولذا يبقى الكاتب أكثر من المصور تحت طائلة المساءلة وسلطة الرقابة الدينية والاجتماعية والسياسية.

كيف جاءت إلى ذهن آمنة النصيري فكرة التخصص في الفلسفة، وفي علم الجمال بشكل خاص، رغم أنك عشت في مجتمع كان ومازال الجمال أحد همومه الذي يعمد إلى محاربتها وتغطيتها بشتى الطرق، فالجمال المتمثل في جسد المرأة يشكل عبئا ثقيلا عند الرجل اليمني فيسعى إلى محاربة ظهوره ؛ بسبب معتقدات وتقاليد موروثة. أعتقد أن قرار التخصص في الفن والجمال لم يكن سهلا أو متاحا في مجتمع منغلق مثل المجتمع اليمني في ذلك الوقت، فهل كان التطلع إلى إحداث تغيير في نظرة المجتمع إلى الجمال هو أحد دوافعك ؟
كان هدفي منذ البداية منصبا على فكرة السفر للدراسة الأكاديمية للفن، ولكني واجهت صعوبات بالرغم من تفوقي في الشهادة الثانوية وحصولي على المرتبة الخامسة بين أوائل الجمهورية، لكن حينها وبصورة تعسفية طلبوا وجود محرم، فاضطررت لاختيار الدراسة الأقرب للممارسة الإبداعية، ورأيت إن الفلسفة هي الخيار الأفضل. وبالفعل التحقت بقسم الفلسفة، واستمررت أثناء دراستي في الكتابة والمشاركة في المعارض التشكيلية، وعندما كنت في المستوى الثالث تلقيت منحة لدراسة الفنون، وكانت شروط سفر الفتيات قد تم تعديلها، فقررت ترك الفلسفة والسفر إلى الاتحاد السوفييتي الذي كان على حافة التفكك حينها، وبالفعل التحقت بأكاديمية الدولة للفنون في موسكو، وكان أحد أقسامها هو قسم تأريخ ونظريات الفن، مما شجعني على الحصول على الماجستير من هذا القسم الذي يعنى بالنقد والدراسات الجمالية وبذلك أستفيد من دراستي السابقة للفلسفة، وأتخصص في علم الجمال الذي هو مبحث رئيس من مباحث الفلسفة، كما أن الدراسة الفلسفية للفن ستضيف الكثير لتجربتي الفنية، وبعد الماجستير عدت لأعمل في قسم الفلسفة في جامعة صنعاء ثم ابتُعثت من جديد إلى روسيا للحصول على الدكتوراه في العام 1999، وهو ما حدث حيث قدمت أطروحتي في فلسفة الفن، وأعتقد أنه حظ كبير أن مجال عملي الأكاديمي والاشتغال في الكتابات النقدية والجمالية في الفنون يفيد إلى حد كبير المجال الإبداعي الذي أمارسه، فالرؤية الفلسفية تثري الفن، وتثير أسئلة أجد في أن أتمثلها في تجاربي التشكيلية .
الانطلاق نحو ممارسة الإبداع
أول معرض أقمتِه كان في العام 1984 م بصنعاء، تقريبا بعد تخرجك من الثانوية العامة وعلى الرغم من حداثة سنك إلا أنك قدمت فيه لوحات وبورتريهات لمجموعة من أدباء وشعراء يمنيين وعرب وغربيين مثل البردوني ونجيب محفوظ ومكسيم جوركي وبابلو نيرودا وغاندي، فما الذي لفت انتباهك حينها لتلك الشخصيات الكبيرة؛ لجعلها عنوان بداياتك ؟ وهل كانت هناك لوحات أخرى من الطبيعة اليمنية في معرضك الأول؟
تربيت في منزل مثقف، وأسرة ينتمي معظمها إلى ما يمكن أن نسميه بالفكر الليبرالي اليساري، وتوفرت لدينا مكتبة كبيرة، وقبل أن أصل إلى المرحلة الثانوية كنت قد قرأت معظم النتاج المترجم من الأدب العالمي، وشغفت بتاريخ اليسار، وتابعت نضالات الشعوب وتاريخ الثورات، وتأثرت بالشعراء والأدباء الكبار أمثال نيرودا ولوركا وبريخت، وصلاح عبد الصبور وعبدالله البردوني وعبد العزيز المقالح وأمل دنقل ومكسيم غوركي وسعدالله ونوس ونجيب سرور وكثيرين لا أستطيع ذكرهم جميعا، هذه الأسماء ساهمت في تشكيل وعيي، وكان لها مكانة بالغة لدي حتى على المستوى الوجداني، ولذا عندما فكرت برسم مجموعة من البورتريهات المؤثرة في تكويني اخترت تلك الشخصيات، وبعد إنجازها شجعني بعض المعارف الذين كانوا يتابعون ما ينشر لي من رسوم وكتابات في الصحف المحلية – وهم ممن لهم صلة بوزارة الثقافة – على إقامة معرض شخصي، وقد كان، حينها لفت المعرض انتباه الوسط الثقافي ربما لطبيعة الشخصيات المصورة أكثر من المستوى والمعالجة الفنية، فلم تكن هذه الاختيارات واردة في أعمال الفنانين المبتدئين، وبالذات الفتيات حيث يكون عالمهن محصورا في خبرات محدودة، مما ينعكس على مواضيع لوحاتهن، وهذا ما توقفت عنده الكتابات التي استعرضت معرضي حينها. وأذكر أنني حظيت بالحفاوة والتشجيع، ومنذ تلك البداية المتواضعة بدأت في الحضور في المشهد الثقافي المحلي، لكني كنت مدركة في تلك السنوات بضرورة تطوير أدواتي وبضرورة البحث الجاد كي أجد نفسي، خشية أن تكون الحفاوة التي لقيتها من قبيل الترحاب بمشاركة النساء في حركة الإبداع بغض النظر عن تواضع المستوى الفني، وهي ظاهرة سادت في المنطقة العربية لدعم وتشجيع إبداع المرأة، ولذا وعلى عكس المتوقع كنت أقلق في مرحلة البدايات أكثر مما اغتبط إذا ما كُتِب مقالا عني.
التحقت بجامعة صنعاء لدراسة الفلسفة وتخرجت عام 1989م، سافرت بعدها في منحة لدراسة الفن في روسيا، في أكاديمية (سوريكوف) وعدْتِ في العام 1994م إلى صنعاء، وعملت في قسم الفلسفة كمتخصصة في الجماليات، فكنت شعلة من العطاء والعمل حيث مارستِ الرسم وأقمتِ المعارض وكتبتِ في النقد حتى عام 1998م، بعدها ابتُعثتِ من الجامعة إلى موسكو للتخصص في علم الجمال وحصلت على الدكتوراه في عام 2001م ،وعدتِ بعدها إلى صنعاء لممارسة الفن والعمل الأكاديمي. معنى ذلك أنك عشت ما يقارب عشر سنوات في روسيا، فهل كان لتأثير الثقافة الروسية دور كبير في تكوينك الثقافي؟
عندما سافرت إلى موسكو كنت قد قرأت الكثير من الأعمال الأدبية للكتاب من روسيا ومن الاتحاد السوفييتي و وقرأت عن تاريخه وعن الفكر الاشتراكي، لكني وصلت وهذه الدولة العظمى توشك على تفكيك الاتحاد، شهدت مأساوية تفكك المعسكر السياسي الضخم وما صاحب ذلك من انهيارات اقتصادية واجتماعية، سنوات المرحلة الانتقالية عكست كيف تتحول حياة الشعوب من النقيض إلى النقيض بسرعة تفوق المنطق التاريخي، حتى على مستوى الوعي العام، ففي داخل الشعب الكبير ذي القوميات المتعددة المؤمن بالأممية والمساواة وعدالة توزيع الإنتاج وغياب الطبقية، خلال مدى زمني بسيط لايتعدى أشهر برزت جماعات قومية متعصبة وأخرى تكن العداء للأجانب والملونين وتروج لأفكار عنصرية وللعنف بل وللنازية، وظهرت الجماعات الدينية المتطرفة التي لاتعترف ببقية الديانات، ووسط كل هذه الفوضى برزت طبقة ذات ثراء فاحش وسط فئات أفقرها التغيير. باختصار كانت تجربة على كابوسيتها ثرية أيضا، جعلتني أعيد النظر في المقولات والقراءات والقوانين التاريخية النمطية، وأجد أن حركة التاريخ قد تخرج عن سياقاتها وبالطبع فإن لذلك أسبابا كثيرة قد تمت دراستها من قبل المتخصصين، لكنها على المستوى الشخصي كانت شديدة التأثير فيّ.
على الصعيد الفني والثقافي حافظت روسيا على بهائها وبذخ نشاطاتها الثقافية، وقد وجدت الحركات الفنية التي لم تحظ باعتراف المؤسسات الثقافية الرسمية المؤدلجة في السنوات السابقة للبروسترويكا متسعا للتعبير عن وجودها في مختلف مجالات الفنون، وقد حظيتُ بفرصة كبيرة لزيارة المتاحف والمعارض التشكيلية فشاهدت الأعمال الأصلية لأهم المصورين من أرجاء العالم، وحضرت عروضا مسرحية متنوعة وكذا العروض الموسيقية والتظاهرات الثقافية المحلية والمستقدمة من دول العالم، وهكذا بالإضافة إلى الأكاديمية كنا نجد عالما رحبا زاخرا بالفنون من الكلاسيكية إلى الحداثة وما بعدها، ويمكنني القول إن تلك السنوات أضافت لي الكثير إبداعيا وثقافيا وإنسانيا.

منذ بدايتك الفنية في الثمانينيات وحتى اللحظة، بعد تجربة عمرها أربعون عاما تقريبا برفقة الألوان والأفكار، كم عدد المعارض التشكيلية الذي شاركت بها، وكم عدد المعارض الشخصية التي أنجزتِها، وهل هناك عمل معين تعتبرينه الأكثر قربا إلى قلبك، أو أنه شكّل قيمة إبداعية أكثر تميزا في مسيرتك الإبداعية؟
حتى الآن أقمتِ سبعة عشر معرضا شخصيا في اليمن وفي دول أوروبية .
أما عن المعارض التي شاركت بها مع آخرين فهي كثيرة دولية وعربية ( لم أفكر بإحصاء عددها )، بالإضافة إلى مشاركات بأوراق بحثية في ندوات ومؤتمرات حول قضايا الفن.
بالنسبة للسؤال عن العمل الأقرب إلى نفسي، أو ما أعتبره يشكل قيمة إبداعية، فدائما ما يكون هذا العمل هو آخر لوحة أنجزها، ولا يلبث هذا الشعور أن يتلاشى بعد زمن قصير لايتجاوز اليوم في بعض الأحيان، وهذه الحالة وأقصد بها غياب الرضا، أستوعب أنها مسألة إيجابية بالنسبة لي على الأقل، فالقلق وعدم الثقة بالمنجز يشكلان الدافع الأساسي للاستمرار وللبحث وللتجدد.
الملامح الفنية ودلالات الرمز
نلاحظ في بعض لوحاتك روح الفكر الصوفي ورمزية اللغة كالحروف والنقاط وحركة الخطوط التي تتعدى وظيفتها البصرية إلى فضاءات وسيميائيات علاماتية ذات بعد تجريدي ميتافيزيقي، فمن أين استلهمتِ روح هذا الفكر، وماذا يعني لك ؟
هذه ملاحظة في محلها، فأنا لا أخفي ولعي بالفكر الصوفي وبالمنتوج الشعري بوجه خاص، وقد قرأت معظم تراث الصوفية أمثال السهروردي، وابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، ورابعة العدوية، والتوحيدي، والنفري، وغيرهم، ودرست الرموز التي يستخدمها الصوفيون للحروف والتعاطي معها كعلامات والمعاني التي يسبغونها عليها، وكذلك رمزية الأحجار الكريمة، وفهمهم للوجود وللكائنات، وتحويل حركة الكون وظواهره إلى مجموعة من البناءات الخطية، وإنتاج أشكال فنية مجردة يفسرونها بلغة غامضة أكثر تجريدا، وجدت في الفكر الصوفي فلسفة متشبعة بالروح الإبداعية، وتعتمد الفنون طريقة أساسية في الإفصاح عن الفكر، وفي طقوس الاستغراق في المحبة الخالصة والانعتاق نحو المطلق، من هذا المنطلق وجدت في الفكر الصوفي مصدرا يمكن الإفادة منه في النص البصري وظهر هذا الاستلهام في معرض (كائنات) الذي حمل إشارات إلى مستوى رمزي لفضاء اللوحة تجتمع فيه كائنات متخيلة، وتركت النصوص مفتوحة لقراءات المتلقي، ولابد من القول بأنني تعاملت مع الصوفية بذهنية المصور الذي يبحث عن مصادر ملهمة، وحافظت على مسافة كافية حتى ألتقط منها ما يلائم النصوص، فالاستغراق المتطرف كفيل بأن يحول اللوحات إلى مجرد تفاسير بصرية للعلامات المستهلكة سلفا في الفهم الصوفي .
بعد مجموعة كائنات، انشغلت بتجارب أخرى، لكني بين حين وآخر أجد موضوعا أحتاج فيه لشيء من الروح الصوفية، وهذا لا يحدث كثيرا، لأني أعتبر كل مجموعة من الأعمال متمثلة حالة بصرية ورؤيوية معينة والتوقف طويلا عند مصدر معين قد ينزلق بالأعمال إلى التكرار، وهذا الهاجس يقلقني لذلك أحرص على جعل كل مجموعة تتمحور حول ثيمة جديدة .

المتتبع للملامح التعبيرية في لوحات آمنة النصيري يجد أن أغلبها يتسم بالتراجيديا والرمز والغموض خاصة لوحاتك في رسم المرأة ، فهي إما مغطاة بالشراشف البيضاء والملونة ، أو مغطاة بالستارة الصنعانية، أو أن ملامحها غير واضحة، ونرى أن الملامح التعبيرية في لوحاتك عن المرأة تفتقد إلى ملامح الغنج والدلال وغواية الأنوثة. فهل للشكل الظاهري الذي تبدو عليه المرأة اليمنية في الأحياء والأسواق والأزقة دور في ذلك، أم أن هناك نظرة فلسفية أخرى لصورة المرأة التي تعيش داخل ذهنك وتجربتك وتأملاتك؟
المرأة في لوحاتي أحيانا هي الإنسان على وجه العموم، وهي كيان رمزي في أحيان أخرى، كما أنها قد تكون الأنثى التي تعيش هذا الواقع الاجتماعي بكل حمولاته.
أما تحديدا فذلك لأن كثيرا من المجتمعات تقهر الإناث وتقمعهن وتنتصر للذكورة، هنا يمكن أن أتحدث عن غياب الحقوق، عن اختلال مفهوم العدل، عن سيادة الأفكار المتشددة وتوظيفها في إقصاء وتهميش النساء، الذي يشغلني في كثير من أعمالي هو الإنسان المنقوصة إنسانيته المقهور والمعنف والممتهنة كرامته، ولهذا تصبح حياة النساء جزءا مهما من هذه الإشكالية فهن الأكثر عرضة للانتقاص والامتهان، وفي هذه الحالة لا تخلو اللوحات من إشارات “زمكانية” فموضوع التجربة مرتبط بظروف المجتمع الذي أعيش فيه وبزمني الذي هو زمن نسائي، وفي هذه المعالجات تكون نساء اللوحات منتزعات من الواقع الذي حولنا، ولهذا تظهر الستارة أو العباءة أو الملابس الشعبية لكني أحملها الشكل الفني الذي يجسد رؤيتي للموضوع كفنانة وفي الوقت ذاته يبعد الأعمال عن الفجاجة والمباشرة في محاولة الإبقاء على المعالجات البصرية في مستوى يحتمل تعدد القراءات والتأويلات، فأنا لاأحبذ المباشرة أو الصيغ الشعاراتية مهما كانت رغبتي في تقريب المتلقي من الفكرة أو الحالة العامة للمعرض.
لكن الرجل يحضر أيضا في معارض كان موضوعها الإنسان وأدوات القمع دونما تجنيس وهنا يتراجع مفهوما الذكورة والأنوثة.
أما عن افتقاد المرأة للجمال بمفهومه التقليدي، أو تأكيد الأنوثة المقترنة بالغواية، وما إلى ذلك من صفات ملحقة بالنساء، فهو أمر أتحاشاه لعدة أسباب أهمها أن تنميط صورة الأنثى والإبقاء عليها في هذه المساحة سواء في الفنون أو في الواقع أمر فيه تكريس لصورة لا تخدم المرأة، بل إنني أجد في لوحات كثير من الفنانين وبوجه خاص في الفن العربي المعاصر إصرارا على حبس المرأة في القالب الجميل ولا أقول الجمالي فذلك مفهوم آخر، والحرص على إكساب النساء الطابع التزييني أو الايروتيكي، إلى حد اختصارها كجسد مادي ذي قيمة جمالية محدودة بحيث تصلح اللوحة لتزيين أي صالون منزلي، وفي أحايين يصورها الفنانون بروح استشراقية، تستدعي الليالي السحرية والجلسات المترفة في روايات التراث وفي تصورات الفنانين الأجانب (المستشرقين)، وهي ظاهرة تستفزني كامرأة وكفنانة، فأين حياة النساء العربيات بما فيها من كفاح وتعب ومكابدة وقهر من هذه الصور المزركشة؟! وهل بالإمكان اختصار وجود الإنسانة وكينونتها الفاعلة في جسدها الجميل ؟ في اعتقادي إن هذا التوظيف يحمل مفارقة كبيرة.

أكثر ما يثير الجاذبية البصرية في لوحاتك استخدامك للون الأخضر وذكاؤك الفني في توزيعه، حيث تجيدين مزجه مع الألوان الأخرى؛ ليستفيد من بهائها؛ لكنه يتسيد اللوحة في موضعه المركزي والملفت للانتباه. فمن هو اللون الأخضر في فلسفتك وكيف ترينه في داخلك بروح الفنان والناقد الجمالي؟ وهل له علاقة بطفولتك المترفة بعناق العشب واحتضان الاخضرار على أرض صنعاء التي لا يجافيها المطر؟
لا يوجد لون محبب لدي أكثر من غيره فكل الألوان مطلوبة بقدر ما تخدم العمل، على الأقل في المستوى الواعي من رؤيتي، فأنا أضع اللون وفق تصور متخيل، لكنه مبني على علاقات شكلية خالصة في معظم الأحيان، إذ إن ما يشغلني في الدرجة الأولى هو تناغم العلاقات البصرية في اللوحة والحفاظ على ما نسميه هارموني العلاقات اللونية وإيقاعاتها، ولم أنتبه قبلا إلى طغيان اللون الأخضر في لوحاتي ، لهذا يصعب علي تفسير هذا الملمح، وربما لو قرأ العلاقات اللونية ناقد آخر أو محلل نفسي لوجد لها ما يمكن أن يمنحها أبعادا أعمق من ذلك.

على الرغم من ظهور عدد كبير جدا من الفنانين التشكيليين اليمنيين الشباب، وعلى الرغم من نجاح منتجهم التشكيلي في الانتشار ذي التعبير عن هموم الشعب اليمني والانهيارات الإنسانية التي تعيشها البلاد، إلا أن لوحاتك تمتاز بالتفرد دائما سواء في جاذبيتها البصرية وطريقة توزيع الألوان بحرفية عالية أو موضوعاتها الغامضة التي تفسح أمام المشاهد العديد من التأويلات والتأملات في محاولة منه لفهم ماهيتها ورمزيتها وأبعادها الفلسفية. فما سر هذا التفردفي لوحاتك؟
الفنان هو محصلة خبرات كثيرة متداخلة، القراءات والمعرفة والثقافة البصرية والتعليم الأكاديمي والممارسة الفنية المتصلة، والتجريب والتأمل والتشارك مع الفنانين من ثقافات مختلفة في الورش الإبداعية، كل ذلك يصقل التجربة التشكيلية، والجيل الشاب من الفنانين اليمنيين لم تتوفر له كل هذه المعطيات، كما أن الأزمات المتلاحقة تشكل عائقا كبيرا، فهي قلصت من فرصهم في السفر وفي الدراسة، ولكن مع كل العراقيل التي يعايشونها إلا أن عدد الشابات والشباب الذين يمارسون التشكيل في اليمن يظل ظاهرة ملفتة، وأنا على ثقة بأن أسماء كثيرة من بينهم ستحظى بالتفرد إذا ما توفر لها مناخ مناسب، وقد لاحظت في أعمال بعضهم سمات البحث البصري الجاد، خاصة أولئك الذين تمكنوا من اللجوء إلى دول أوروبية في سنوات الحرب، فقد مكنتهم البيئات الجديدة من التطور وتحرير طاقاتهم الإبداعية .
أما الحديث عن محترفي وخصوصية التعبير في أعمالي وبقية السمات التي تفضلتِ مشكورة بذكرها فأجد في ذلك إطراء لا أستحقه، وخلاصة القول أنني أرسم ما أشعر به، وأحاول في مشروعي الذي أقدمه أن أكون صادقة إلى أقصى مدى دون إصغاء لاشتراطات الذائقة في البيئة المحيطة أو إغراءاتها، وفي نصي التشكيلي أوظف كل تراكم الخبرات والمعارف فأنا في النهاية وكذلك تجربتي نتاج هذا التراكم المعرفي والعملي ومنه تشكلت رؤيتي للحياة وللإبداع.
الفن من منظور فلسفي
دكتورة آمنة: الفن التشكيلي بالنسبة لك فلسفة متصلة بثيمات الوجود والإنسان، الوجود بمكنوناته الخارجية كمادة بصرية لونية ملموسة، والإنسان بدواخله وتحولاته واضطراباته وثنائياته المتضادة بين الحرية والحصار، السلم والحرب، الموت والحياة. يبدو ذلك جليا في اختيار عناوين معارضك الفنية : حصارات، الرؤية من الداخل، أبيض، كائنات . حدثينا عن تلك التسميات الرمزية لعناوين معارضك والتي تقدمينها كمجموعة متكاملة بكل تفاصيلها عنوانا وفكرة وشكلا ولونا؟
أنا في العادة لا أسمي لوحاتي منفردة، وإنما أسمي المجموعة ذات الموضوع الواحد، فكل مجموعة من الأعمال تمثل مشروعا بصريا وفكريا بالنسبة لي، حيث تكون نتاجا تجريبيا تقنيا وبحثا ذهنيا في قضية بعينها، هذه القضية قد تكون ذات إحالات فلسفية أو اجتماعية أو أي شيء آخر، المهم أن تتضمن مجموعة لوحات المعرض الواحد ثيمة مشتركة، ولا يعني ذلك عناوين سردية تستدعي حكايا مباشرة، إنما هي تسميات ذات دلالات واسعة لا تحيل إلى حدث أو قصة بقدر ما تشير إلى حالة أو مفهوم يستوعب كافة الإسقاطات والاحتمالات الممكنة، (فالرؤية من الداخل) معرض يطرح حالات متعددة ومتواترة لحياة الإنسانة المخفية رمزيا عبر تغييب كل أجزائها وتغطيتها بطريقة لا تخلو من العنف وبالتالي رسم حدود رمزية للمدى المتاح لها من الوجود، وهو مدى شديد المحدودية، يكاد يشبه العجز واللاحياة، في الوقت ذاته داخل هذا الشكل الخارجي المغلق يعتمل عالم من الأفكار والمشاعر المتباينة بين حزن وغضب وأمل وارتباك وتمرد وانكسار …الخ
إن العالم الداخلي للنساء المحبوسات داخل سجونهن بما يحمله من إيحاءات كثيفة، وكذلك علاقة هذا الوجود المغلق بالفضاء الخارجي الفسيح كفيل بإثارة أسئلة ورؤى غنية، وعلى المتلقي تتوقف قراءة هذه الحيوات الخفية واستنطاقها كيفما يشاء، فتلك وظيفته، حتى أنني أكتفي بطرح العنوان فقط في كتالوجات المعارض ولا أضع أي تبريرات نظرية قد تحدد العمل الفني في مفهوم ضيق، ولقد استرسلت هنا في توصيف مسمى تجربة (الرؤية من الداخل) لتكون بمثابة دليل تفسر المدخل الذي يمكن به فهم بقية المسميات، فالعناوين بالنسبة لي مفهوم واسع يمكن تضمينه اللامحدود من المعاني .
على المستوى التقني في كل مجموعة فنية أخوض أيضا في مساحات جديدة بغرض اكتشاف طاقات للون وتراكيب وتنويعات للسطح مغايرة للتجارب السابقة، حيث إن العمل الفني هو في الدرجة الأولى تشكيل بصري وعلاقات لونية وجمالية، ولذا يشغلني كثيرا التجديد والتجريب والتغيير في أسلوب إنشاء اللوحة واعتماد إجراءات تقنية مفاجئة مع كل معرض، ذلك إن أخطر مآزق الفنان يتمثل في الاستقرار عند شكل واحد للتعبير والركون إلى أسلوب يكرر مفرداته، فالاكتمال لا يحدث في أي محترف فني .

عنوان معرضك (الرؤية من الداخل) إيحاء بأن فلسفة الفن والجمال تكمن بالبصيرة وليس بالبصر فحسب، فالإنسان يرى بروحه وقلبه وتأملاته وليس بعينه فقط. وقد تلعب الذاكرة والمتخيل الذهني دورا مركزيا في الإنتاج التشكيلي. في هذا المقام خطر لي سؤالك عن الفنانين غير المبصرين الذين أنتجوا فنا جميلا ولوحات تسر الناظرين، أمثال: الفنان الألماني كارل أوتو جوتس الذي يعد رائد الفن التجريدي لفترة ما بعد الحرب الكونية الثانية، وكذلك الفنان الأمريكي جون برامبليت الذي قدم للمبصرين لوحات لونية رائعة للطبيعة والمرأة والخيول ورسم لحظات الشروق والغروب في السماء بشكل متقن. بمنظورك الفلسفي على ماذا يعتمد الفنان الكفيف في إنتاج لوحاته الإبداعية؟
في السؤال السابق أشرت إلى الموضوع الذي تضمنه معرض (الرؤية من الداخل) ، لكن المعنى الذي توصلتِ إليه قد أعجبني أيضا وهو يؤكد قناعتي بأن كل مشاهد يجد في النص معناه الخاص.
وبالنسبة للبصر والبصيرة في إنتاج العمل الفني فهما مهمان معا ، ونستند في إنجاز النص البصري على الحدس والمخيلة إلى جانب الرؤية الحسية، وقد يستخدم الفنان لونا معينا دون غيره بوازع من حدسه وليس بصره، إلا أن العين تظل عاملا رئيسا في تنظيم عمليتي الرسم والتصوير على عكس فنون أخرى أبدع فيها المكفوفون بأعداد كبيرة ومنها على سبيل المثال الموسيقى والشعر والسرد، ولذا فالحالات النادرة لرسامين كفيفين لا يقاس عليها، ولقد اعتمد الفنانان المذكوران كارل أوتو جوتس وجون برامبليت على ملمس الألوان مستخدمَين اللمس كبديل أو تعويض عن الرؤية. واستعان برامبليت بالغراء الأبيض لتخطيط لوحاته وعندما يجف يترك خطوطا بارزة يتلمسها الفنان، وحظيت أعمالهما بالاهتمام الكبير نتيجة سببين أولهما أنها متقنة كفن بصري أنتجه شخصان فاقدا البصر، وثانيهما تعاطف المجتمع مع الفنان الكفيف الذي تمرد على العجز وانتصر عليه، لكن أعمال برامبليت من خلال تقييم النقاد تنتمي إلى مستوى فني متواضع، وتشبه عشرات اللوحات التي ترسم الطبيعة وتزين المنازل العادية، قد يكون حكم النقاد قاسيا، لكنه يعيد النظر في تقييم أهمية البصر كقدرة حسية ضرورية في الفن التشكيلي، وقد وجدت بدائل تقنية للفنان الكفيف، مثل العجائن اللونية التي تشكل السطوح البارزة والغائرة، كما يتمكن المكفوفون من ممارسة فنون النحت والحفر أيضا، فالفن التشكيلي عالم رحب من التقنيات إلى جانب الرسم والتصوير، وقد أصبحت حاسة اللمس البديلَ الأمثل لهذه الفئة عن الرؤية.

لعل السؤال المركزي والرئيس في هذا الحوار يتجه نحو العلاقة بين الفن والفلسفة والجمال وكيف عملت هذه الثلاثية الرائدة في الحداثة العالمية على تكوين المحتوى الإبداعي والاتجاه الثقافي في تجربة آمنة النصيري، لا سيما أن التجربة المجتمعية والبيئية في حياتك كانت متناقضة تمامًا مع منحى هذه الثلاثية وتطلعاتها المفتوحة بدون قيود ؟
لابد من التأكيد على أن الفلسفة والفن وعلم الجمال ثلاثة مجالات بينها روابط وثيقة، فالفنان يحتاج إلى الرؤية الفلسفية في صياغة تجاربه، خاصة إذا ما كانت التجربة تسعى إلى الجدة والتفرد. صحيح أن الفنان مثل أي مبدع بحاجة إلى مخزون معرفي موسوعي، لكن الفلسفة تمثل إحدى مرجعيات الفنان الرئيسة وفيها إجابة عن كثير من أسئلة الفن الوجودية، وكل موقف يتمثله الرسام في أعماله لايخلو من فلسفة، أما علم الجمال فهو إحدى ضرورات الدراسة النظرية للفنون، وأي فنان يتجاوز علم الجمال معتمدا على المهارات التقنية والمعارف العملية يكون أشبه بشخص أمي، ذلك أن الوعي بالفن لا يقل أهمية عن ممارسته، فهذا المبحث الفلسفي يشتمل على كل قضايا الفن الجوهرية، ويفسر طبيعة الإبداع، والخبرة الجمالية، ونظريات الفلاسفة حول الفن ومفهوم الجمال في إبداع الإنسان وفي الطبيعة، والعديد من المفاهيم ذات العلاقة بالفن وبالجمال.
وعلى الصعيد الشخصي لا يمكن الجزم بأن البيئة التي عشت فيها كانت خلوا من هذه المجالات الثلاثة، إلا إن كنت تتمسكين بربطها ببعدها الحداثي، فالمعروف أن البيئة اليمنية غنية بمظاهر الفنون البصرية المتجسدة في العمارة التقليدية والصناعات الشعبية والأزياء والآثار،
بالإضافة إلى طبيعتها ذات الجغرافيا المتنوعة والجمال الخلاب ,إنها بيئة ملهمة لأي فنان ، وفي هذه البيئة حظيت بأم تفردت شخصيتها عن نساء مجتمعها، فهي القارئة الجيدة والشاعرة والرسامة، ومنها استقيت شغفي بالفن، وفي صنعاء بدأت علاقتي بالفكر الفلسفي عندما التحقت بقسم الفلسفة، ثم أكملت رحلتي مع الدراسة في بلد آخر كما ذكرت لك آنفا، ولكني مدينة لهذا البلد الذي دفعني نحو خياراتي بطرق مباشرة وغير مباشرة.
بيد أن ما ينقص مجتمعنا إن كنت تقصدين هذه الإشكالية، هو الانفتاح على الحداثة بمفهومها الواسع وفي الفنون بشكل خاص، إذ لا تزال المنظومة السائدة بكل جوانبها تحافظ على البنى التقليدية، بينما العالم يرى أن الحداثة قد استنفدت وصار يحث خطاه للولوج إلى مسارات جديدة على كل الأصعدة الثقافية والفنية والعلمية .
الفن والأجناس الإبداعية الأخرى
العلاقة بين الفن التشكيلي وبين الأجناس الإبداعية الأخرى: من قصة وقصيدة ورواية ولوحة وسينما ومسرح وموسيقى، هل هي علاقة تناسبية متشابكة أم أن كل جنس منهم هو عمل إبداعي مستقل قائم بذاته؟
في الفنون منذ زمن بعيد علاقة متشابكة، فالمسرح الإغريقي تضمّن الدراما والفن التشكيلي والموسيقى والغناء والشعر، ومثله فن السينما منذ بدايات القرن العشرين استقطب جميع أشكال الفنون، وازداد التقارب بين الأنواع الفنية في العالم المعاصر، فتشارك الشعراء مع التشكيليين والموسيقيين في تجارب مشتركة، وبات من الصعب فصل الفن التشكيلي عن الأجناس الأخرى، فعندما نتحدث عن اللوحة نشير إلى الإيقاع الخطي والهارموني والعلاقات الدرامية بين عناصر الشكل وسردية التفاصيل، لقد انتقلت المفردات من حقل الأدب إلى المجال التشكيلي، وفي تجارب الفن التشكيلي الحدوثي تحول الرسام إلى مؤدٍ والنص التشكيلي من اللوحة المسندية إلى مشهد مسرحي، والأمثلة كثيرة على حالة “الانشباك” القائمة بين التشكيل وبقية الأجناس , فلم يكن التشكيل بعيدا في أي مرحلة من تاريخه عن فنون عصره.

في الشعر والأدب والسينما نجد هناك نصوصا كانت بمثابة تنبؤات مستقبلية وقراءات بعيدة المدى لبعض الأحداث الحياتية، ربما لأن المبدع يتجاوز الزمان والمكان ولديه من الحدس الذي يجعله يتعدى ما يراه الآخرون. فهل للفنان التشكيلي القدرة على ذلك التنبؤ ونحته بالألوان على لوحاته، وعلى ماذا يعتمد لاستثارة هذا الحدس في أعماقه؟
الفنان التشكيلي مثل غيره من الفنانين في مجالات الإبداع يرى ما لا يراه الآخرون، ولديه القدرة على استشراف المستقبل، فهو يسبق زمنه، ولعل المسألة محكومة بعدة عوامل منها المستوى الثقافي والمعرفي للفنان، وعمق رؤاه وإلمامه بحركة التاريخ، ومواقفه تجاه مجريات الأحداث، ودرجة حساسيته وتعاطفه مع قضايا البشر، هذه جميعها معطيات تحفز قدراته الحدسية، وإمكاناته في استقراء القادم من الأحداث أو التحولات.
الفن خارج التجنيس
صرحتِ أكثر من مرة أن أعمالك الفنية خارج التجنيس وأنك لا تنتمين إلى الفكر النسوي ولا تسعين إلى إبراز حضورك الأنثوي في لوحاتك، وفي الوقت نفسه تؤيدين أنماطا متعددة لتجنيس الإبداع، فهناك الإبداع الأنثوي، والإبداع النسائي، والإبداع النسوي. نتمنى أن تشرحي لنا الفرق بين الأنماط الثلاثة، ولماذا تصنفين أعمالك خارج التجنيس ؟
ربما إن في الموضوع فهما خاطئا، لموقفي من هذه المفاهيم فأنا أقر بوجود نمطين من الأنماط المذكورة لكني لا أؤيدها، وهذا شأن مختلف، فمثلا الإبداع النسوي حاضر بقوة في الثقافة الكونية على وجه العموم، ومرجعياته أصبحت محددة في ترسيمات الفكر النسوي، وهو اتجاه يكرس حضور ومشاركة المرأة بشكل فاعل في كل جوانب الحياة، ويثبت حقوقها والتي أهمها المساواة، وقد برز داخل الفكر تيار متطرف صار يرسخ مركزية الوجود النسوي ويستحضر إيجابيات المجتمعات الأمومية وإن أدى ذلك إلى تهميش الرجل، وقد تم اختصار الصراعات التاريخية وتعريتها من أسبابها إلى نموذج واحد وهو الصراع بين الرجل والمرأة وأجد في تطرف التيار مغالاة تفقده الموضوعية، لكن مع ذلك نجحت الحركات النسوية في انتزاع بعض حقوق المرأة ونبهت إلى المخاطر والسلبيات التي نتجت عن اضطهاد النساء، ومن جهة أخرى أنتجت الفنانات والكاتبات النسويات أعمالا إبداعية مهمة بدءا من فيرجينيا وولف ووصولا إلى ألف شافاق. أما الإبداع النسائي فهو مسمى يفتقد إلى الوضوح، ويطلقه البعض على أي نتاج أدبي أو فني يصدر عن امرأة، وفي تصوري أن المسمى لا يقوم على أي أساس أو مرجعية محددة، إلا إن كان هؤلاء يجدون في نتاج النساء من الكاتبات والفنانات ملامح خاصة تدعو إلى تصنيفهن، وكثيرا ما يحدث أن أشاهد لوحات فنية أو أقرأ كتابا ويصعب علي تحديد جنس الفنان أو المؤلف، وهذا أمر يدعو لإعادة النظر في تجنيس أعمال النساء.
وعن الإبداع الأنثوي لا أعتقد أنني قد ذكرت مصطلحا كهذا، وإن حدث فكوني على ثقة بأنني قد تغيرت نظرتي حتى إنني لا أتذكر المسمى مطلقا.
أصنف جزءا كبيرا من تجربتي خارج التجنيس لأنني لا أجد فيها سمات تجعل من السهولة تصنيف ما أصور ضمن الفكر النسوي، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لا ألمس في منتوجي ذلك الحس الخاص المتعلق بكوني أنثى، وأفضل أن تقيَّم أعمالي بناء على القيم التي تتخلق فيها ومنها، وأن يلتفت المشاهد والناقد إلى شكل توظيف العمل الفني والسمت الإبداعي للتجربة، دونما إلحاح على استكناه النزوع الأنثوي، فهذا الأخير ليس الأهم في مجمل التجربة، وقد يؤدي التموقع حول جنس الفنان وخاصة إن كانت فنانة امرأة إلى قراءات مبتسرة.
الفن التشكيلي وتقنيات العالم الرقمي
هل تمتلك الفنانة آمنة النصيري الروح التجريبية في مواكبة التقدم التكنولوجي والإفادة من وسائط العالم الرقمي لإثراء منتجها التشكيلي، وهل نافست لوحات (ديجتال آرت) اللوحات التقليدية المنتجة بأدوات الفنان وخاماته الزيتية أو المائية أو الأكريلك؟
في الفن المعاصر يجري نوع من التساوق بين التقنيات التقليدية والتقنيات المبتكرة، وتم كسر الأنطقة بين الأجناس الفنية وانبثق عن ذلك وفرة في الخيارات التقنية أمام الفنان التشكيلي، وكما نلاحظ احتلت الوسائط الرقمية والأدوات التكنولوجية مكانا في التطورية السائدة في الفنون التشكيلية، وأنا بطبيعتي يجتاحني هاجس أو خشية الوقوع في شَرك التكرار، ولذا فكرت في خوض تجربة مفاهيمية تعتمد على التراكيب الفراغية، والفيديو آرت، والتصوير الفوتوغرافي، قدمت هذه التقنيات مجتمعة في معرض (حصارات)، وقد مثل المعرض حدثا غير مألوف بالنسبة للجمهور المحلي في اليمن، ذلك أنه لم يعتد سوى على عروض للوحات الجدار، وفجأة يجد بيئة تفاعلية مغايرة داخل المعرض، حضور المعرض استقبلوه بترحاب واهتمام فاق التوقعات، ولقد كانت مغامرة فنية ممتعة وجدت فيها أدائية جد مختلفة، واعتبرتها محاولة لزحزحة الثوابت البصرية لدى جمهورنا اليمني.
وعن سؤالك حول إمكانية أن تنافس لوحة (الديجتال آرت) اللوحات التقليدية المنتجة بالفرشاة والألوان، وهو بالمناسبة سؤال الراهن، فلعل البعض منا يتابع كيف انسلت لوحات الديجتال آرت إلى قاعات المزادات العالمية، وقبل أشهر اقتنى شخص في مزاد كريستيز لوحة رقمية بعشرات الملايين ، وأثار سعر اللوحة الباهظ أسئلة حول قدرة اللوحات الرقمية على المنافسة، والخطر الذي قد يحمله للوحات التقليدية ، وفي رأيي إن وجود لوحات الديجتال يمثل إضافة تقنية لفنون التصوير، ويمكن للوحة الرقمية أن تختط لها مسارا في الحركة الفنية الكونية وتكسب جمهورا، ومقتنين، لكنها لن تقطع امتداد وبقاء اللوحات التقليدية ولن تؤثر في رواجها، فالعمل الذي تبدعه اليد الإنسانية لا يمكن مضاهاة قيمته وأصالته وحيويته، وفي قادم السنوات سيتمخض عن حركات الفن تقنيات مبتكرة وليدة عصرها، إلا أنها ستمضي جنبا إلى جنب بمحاذاة اللوحات المسندية اليدوية .

المصور مبدع ناقل للصورة من خلال ذائقته الجمالية، أما الفنان فهو منتج وصانع للصورة، فهي ترجمة لمشاعره وأحاسيسه ورؤاه وتأملاته ومهاراته أيضا. ورغم ذلك نجد أن فن التصوير الضوئي بات منافسا كبيرا للفن التشكيلي في رسم الجمال وتوثيق الأحداث وتفاصيل الطبيعة والكون، فهل هذا يؤثر على حضور الفن التشكيلي وجماهيريته خاصة أن تداول الصورة وانتشارها أسرع بكثير من تداول اللوحة ؟
مرة أخرى لابد من التأكيد على أن التطور في تقنيات التصوير الضوئي وإمكانات الآلة الفوتوغرافية والنتائج التي حققتها الصور الضوئية القائمة على تقنيات تجري عليه استحداثات وإضافات نجم عنها قدر كبير من الإبهار والدهشة، ما جعل الجمهور يقبل عليها، بل وأصبحت الصورة الضوئية شعبوية ونعني بذلك حجم انتشارها، لاسيما وأن كلفة الصورة الضوئية ماديا أقل بكثير من سعر اللوحة المصورة بيد الفنان، كل ذلك جعل البعض يعتقد بأن تطور التصوير الفوتوغرافي وانتشار الصورة الضوئية قد يحتل مكانة تؤثر على حضور اللوحة، وهو ما لن يحدث، فالفنون التشكيلية على مدى تاريخها اتسمت ولا تزال بالنخبوية، وتمتلك جمهورها الذي يلم بقيمة العمل الفني التقليدي، ويقبل على اقتنائه بغض النظر عن منافسة جديدة.

ونحن نعيش في عصر العالم المفتوح، هل تفرقين بين ملامح الفن التشكيلي العربي والفن التشكيلي الغربي، وهل تأثرا ببعضهما إلى حد ما؟
بداية تجدر الإشارة إلى أن تاريخ الحركات الفنية متداخل، وأن المدارس الفنية تمثل امتدادا لبعضها البعض شرقا وغربا، فالعولمة في مجال الفنون التشكيلية سبقت العولمة الكونية المعاصرة بقرون.
على سبيل المثال فن المنمنمات الإسلامية كان نتاج تأثيرات الفنون الصينية والهندية والفارسية وغيرها من الشعوب التي دخلت في تكوين الخلافة الإسلامية.
وثورة المدارس الفنية في بدايات القرن العشرين استلهمت من فنون الشرق، والفن الأفريقي، والتراث الشعبي العالمي.
ونشأة الفن التشكيلي العربي المعاصر اعتمدت على مدارس الفن الغربي، وعلى مناهج الأكاديميات الغربية .
وأهم ما يميز الفن أنه لغة كونية، ومن الصعب جغرفة الفنون البصرية، ففي الوقت الذي يتقيد فيه الشعر مثلا باللغة التي كتب بها، نجد أن اللوحة تنتمي إلى كل العالم، وبخاصة في الأنساق التشكيلية المعاصرة، حيث لا يهمنا أن تكون اللوحة يابانية أو فرنسية أو يمنية.
لقد جرت محاولات لإكساب السياقات الفنية العربية بعض الخصوصية فاستلهمت الكتابة العربية في اللوحة الحروفية، وأعيد إحياء فن المنمنمات الإسلامية من قبل بعض الرسامين، لكنها لم تتحول إلى تيار عام يطبع كل المحامل التشكيلية العربية بطابع كلي، وإنما بقيت هذه المؤثرات بمثابة خط تشكيلي داخل توجهات متباينة في ممارسات التشكيليين العرب، ولم يحدث تفكيك جوهري لمعطيات التشكيل تجعل من اللوحة العربية ذات سياق فني جمالي مغاير.
وشهد تصوير مظاهر الحياة الشعبية وموتيفات الفنون الشعبية البصرية حضورية جلية في الفن العربي في أساليب مدرسية افتقدت الحلول البصرية المبتكرة فأغلبها يندرج ضمن النزعتين الواقعية والتعبيرية، ولهذا لم تقدم أي إضافة تذكر.
غياب النقد الفلسفي الأكاديمي
حين نسأل الدكتورة آمنة النصيري الأكاديمية والباحثة في علم الفلسفة والجمال عن سبب ضآلة البحوث الفلسفية في المكتبة العربية وإقفال الباحثين عن النقد الفني والفلسفي والجمالي ، فما هي الإجابة يا ترى؟
الفكر بمعناه العام والفكر الفلسفي على وجه التحديد لا يمكن أن ينتعش إلا في مناخات ديمقراطية تتمتع بدرجة من الحرية والتسامح والاعتراف بالآخر والانفتاح على ثقافاته وكذا الازدهار الحضاري، وهي شروط لا تتوفر عليها المجتمعات العربية في الوقت الحاضر، ولدينا أمثلة لمفكرين وفلاسفة عرب اغتيل بعضهم ونفي بعضهم، وتمت ملاحقة وسجن البعض الآخر، ومن كتبت لهم النجاة قلة من الأسماء وأكاد أجزم أن حياتهم في أوطانهم صاحبها الكثير من المعاناة والمواجهات مع الحركات المتشددة، وأجهزة الرقابة والمؤسسات الأمنية، فالقمع بنية متجذرة في الحياة العربية، منذ زمن الفيلسوف ابن رشد الذي أحرقت مؤلفاته حتى يومنا.
المعاناة تخلق أو تخنق الإبداع ؟
المعاناة تخلق الإبداع ….. المعاناة تخنق الإبداع. أي العبارتين أصحّ في رأيك، وهل استطاعت الشعوب العربية المستقرة اقتصاديا وسياسيا – كدول الخليج مثلا – التفوق فنيا وأدبيا على الدول القابعة تحت وطأة الفقر والحرب وعدم الاستقرار؟ وهل أدوات تفوُّق المبدع تكمن في موهبته ومهارته وعمقه التأملي الكامن في فكره وذهنه وذائقته الحسية فقط، أم أن دراسة الفن والورشات والدورات وبرامج التطوير- التي تخصصها الدول القادرة لمبدعيها-هي من تصنع التفوق والتميز ؟
الإبداع عملية فيها كم كبير من المعاناة، لكنها ليست تلك المعاناة بمفهومها المستقر في الوعي الشعبي، والتي يقصد بها أن يرزح الفنان مثلا تحت ضغوط الفقر والتشرد والضياع والملاحقة ويتوقع أن تفضي هذه الأوضاع القاسية إلى بلورة مزاج إبداعي تنتج عنه ولادة الأعمال الفنية العظيمة ، إن الفنان لكي ينجز أعمالا خلاقة أحوج ما يكون إلى سقف يؤويه وغطاء اقتصادي يحميه من القلق وفقدان الأمان، ودرجة من الحرية تكفل له التعبير دون محاذير تخنق مخيلته ورؤاه وجموح مضامينه وجميعنا نشهد كيف أن مجتمعات الفقر والحروب والأزمات والديكتاتورية استحالت إلى بيئات طاردة تشتت معظم مبدعيها في أصقاع الأرض .
إن المعاناة الحقيقية التي نشير إليها عندما نفسر فحوى العملية الإبداعية تتمثل في بحث الفنان المضني عن الشكل والفكرة بالصورة الأمثل للتجربة، وفي محاولاته المجهدة في السيطرة والتحكم في أدواته، وهي كذلك في التعب والإرهاق الذي يصيبه وهو يكد في أن يحول الصورة المتخيلة إلى شكل فني متحقق على قماش اللوحة، إن إنتاج عمل فني واحد يستنزف الفنان ذهنيا ووجدانيا وجسديا، وهذا أمر ينسحب على بقية الأجناس الإبداعية.
وعن مدى تأثير البيئة المستقرة اقتصاديا وسياسيا على الفنان، ودور المناشط الفنية كورش العمل والملتقيات الدولية والندوات في تطوير قدرات الفنان، يمكن توكيد أهمية كل ما سبق استنادا إلى الأقطار التي تشهد نشاطا فنيا مكثفا، وتحرص على تواجد فنانيها في كافة المحافل، إذ استطاعت هذه الدول أن تحدث نقلة نوعية في مستوى محترفاتها الفنية، وكفاءة مبدعيها، فالفن ليس بنية معزولة تتطور بعيدا عن بقية البنى، وموهبة الفنان وأدواته قد يصيبها النكوص والجمود إذا اتسم عالمه بالمحدودية وغياب التواصل مع محترفات فنية متنوعة، وغياب عن التظاهرات الفنية الخارجية، وهي عوامل تمثل محفزات ومحرضات لمخيلة وخبرات الفنان وامتلاءً معرفيا يجدد روحه وفكره.
الفن التشكيلي وتحديات الحرب في اليمن
في واقعنا الراهن يعيش المجتمع اليمني أزمات متلاحقة، اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية ربما ، وعلى الرغم من كل ذلك نلاحظ أن المبدعين اليمنيين لم يتوقفوا عن بث إبداعهم إلى العالم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، صحيح أن فريقا منهم هاجر خارج اليمن وفريقا أصابته صدمة الحرب وما صاحبها من ضيق المعيشة في شتى مناحيها ، إلا أنه في المقابل هناك شباب غزر انتاجهم الإبداعي وهناك مجلات إليكترونية ومنتديات ومؤسسات ثقافية وأحيانا نتابع إقامة فعاليات على أرض الواقع اليمني أيضا.
بما تفسرين هذا النوع من الصمود والثبات والإصرار على الإنتاج والعطاء على الرغم من قسوة الأحداث المحيطة، وفي خضم هذا العبء الإنساني الثقيل على قدرة التحمل، أين نجد آمنة النصيري، هل تهرب إلى الفن في محاولة منها إلى الانكفاء على ذاتها لملء روحها بطاقات الجمال وبهجة الألوان أم تهرب إلى البحث الأكاديمي وأوراق المكتبات والطلاب، أم مازلت تعيشين صدمة الحرب وأحزانها كما حدث لكثير من المبدعين والمثقفين في اليمن؟
اليمن بلد عانى من الأزمات الاقتصادية والسياسية منذ عقود، ولكنه بلد عريق يمتلك تاريخا حضاريا موغلا في القدم، وغني بجغرافيته وإرثه من الفنون البصرية كما أسلفت سابقا، ولذا من الطبيعي أن تؤثر هذه البيئة الخصبة في جينات الإنسان اليمني، ومن يعرف اليمن يعلم مقدار حضور الشعر في حياة اليمنيين حتى على مستوى البيئات الشعبية والأرياف، ينطبق واقع الحال على الغناء التقليدي والموسيقى الشعبية والكتابة السردية والرسم.
ومن اللافت للاهتمام اتساع مساحة الإبداع في أوساط اليمنيين خلال فترة الحرب خاصة بين الأجيال الشابة، وأعتقد أنهم بذلك يقاومون انكسار الروح الذي تخلقه الصراعات، وعبر الفن يتشبثون بالحياة وبالأمل في مواجهة الموت واليأس، فالحاجة إلى الفن تصبح ماسة للتخفيف من وطأة وأهوال العنف.
بالنسبة لي الفن لم يكن قط هروبا من الواقع بقدر ما يشكل أداتي الأساسية في المقاومة، وفي الإفصاح عن مواقفي تجاه جميع القضايا التي تهمني، وبالفعل في أكثر من حوار شددت على أن الفن وسيلتي للحفاظ على روحي من أن تصيبها الحرب بالتشوهات، إن حاجتي إلى ممارسة الفن في الوقت الراهن أشد من حاجتي إليه في أي وقت مضى لأنه يمدني بطاقة إيجابية وبالتفاؤل، ويجعلني أتسامى على أجواء الحرب الصاخبة المضطربة والمشبعة بالإحباط والارتياب والكراهية.
أما عن صدمة الحرب فقد لازمتني لثلاث سنوات، أصابني شعور الإنسان الذي استولى عليه الشلل، لم استوعب كيف ولماذا انهار كل شيء، خاصة أن الربيع العربي المبتسر قد منحنا إمكانية الحلم بتحقيق المجتمع المدني، ودولة القانون، ومن ثم تلاشى الحلم وتحولنا إلى الحالة الكابوسية الراهنة، لكني لملمت شتات فكري بعدها وقررت أن ليس لي سوى مرسمي أستنجد به ، وليس سوى الفن منقذا في وقت الخراب.
المشهد العربي الإبداعي وانحناءة الأزمات
يتوحد الشعراء والكتاب في بعض القضايا العربية والإنسانية، كقضية فلسطين مثلا التي كتب عنها جيل الشعراء في مراحل زمنية مختلفة، وكذلك الفن التشكيلي العربي الذي عبر عن رفضه للاحتلال الإسرائيلي وتعاطفه مع قضايا الظلم والقهر والقتل في فلسطين، لكن في عصرنا الراهن نجد أن التعبير عن ذلك الرفض بدأ بالتلاشي تدريجيا وخمدت جذوة طرح قضية القدس المحتلة والأقصى الشريف أدبيا وفنيا، ما السبب في نظرك، وأين هو فن آمنة النصيري من هذه القضية؟
لا أعتقد إن حركة الإبداع العربية انسلخت عن قضايا العرب الكبرى ومنها فلسطين، لكن ما اختلف هو أشكال التعبير، فقد تراجعت اللغة المباشرة مع تراجع الاتجاهات الواقعية، والأهم من ذلك أنه غالبا ما يحدث لبس مستمر بين وظيفة الفنان ووظيفة المؤرخ والباحث، فهذان الأخيران يلتزمان بالزمن والمكان وبتوثيق الحدث، وتحليله وإخضاعه للمنطق، وهي اشتراطات بعيدة كل البعد عن جوهر التجربة الفنية ووظيفة الفن، فبينما يشتغل المؤرخ والباحث والمحلل على الظاهرة أو الحدث، يتمحور دور الفن في إنتاج الجمال، وطرح رؤية معينة، هذه الرؤية تنأى عن سطح الأحداث وعن معطياتها الخارجية المؤقتة والعارضة، فالمهم أن يلج الفنان في عمق الظاهري، وإلا انزلقت الأعمال في فخ التعبير المباشر، واستحالت إلى ملصقات شعبوية موجهة، وهو أمر يتنافى مع وظيفة العمل الفني، باستثناء فنون الملصق والكاريكاتير والرسوم التوضيحية التي تقتضي استخدام لغة أكثر وضوحا وتحديدا، وإن بقيت هي أيضا تخضع لتأويلات المتلقي.
وإذا تجاوزنا مفهوم وظيفة الفن وطبيعته، تجدر الإشارة إلى مسألة أخرى فمن الصعوبة بمكان أن نجد إجابة عند الفنان حول خياراته، وكيفية اختياره مضامينه، أو عن تغاضيه عن قضية محورية في الواقع الفعلي، ذلك لأن العامل الحدسي واللاوعي يلعبان دورا رئيسا إلى جانب الوعي في تخلق الفكرة والشكل، فاللحظة الإبداعية كما نعلم ليست عملية معقلنة.
وخاتمة القول ولمزيد من التوضيح بالنسبة لي ستجدين في تجاربي مفاهيم كالصراع والعنف والقمع والاستلاب … الخ، وجميعها استعارات تختزل تراجيدية حياتنا العربية وأحيانا الكونية، وعن التعبير المباشر بمفردات واقعية حول قضايا عربية محددة مثل القضية الفلسطينية التي جاءت في سؤالك، فقد رسمت عدة ملصقات، ورسمت شيئا عن ناجي العلي، لكن هذه الأعمال تختلف تماما عن عموم تجربتي لأنها تخضع لمقتضيات الخطاب الفني الموجه لعامة الناس ولذا يراعى فيه شيء من البساطة.