أخبار عاجلة

جراح المخيلة / تنغيمات الغياب ومختارات أمجد ناصر الشعرية

شعر أمجد ناصر عالم يستدرج الشفيف الى العميق مرتكزا في ذلك على مناغمة الذاكرة الموروثة للمفردة مع الذاكرة المبتكرة، وذلك عن طريق عبورها من بوتقة اليومي الى الحلم وأنساقه المتمظهرة كنظام لغوي يبدأ بشعريته من مراحلها الأولى المنبثقة من نبرة السردية ونبرة الاعتماد على الصورة، وهذا ما تميل اليه قصائد "رعاة العزلة" و "وصول الغرباء" و "سر من ورآك" بينما سنتبين كيف أن الشعرية تنحرف عن منحناها السابق الى منظومة تشكيلية تتمازج فيها نبرات البياض القصيدي مع نبرات السواد القصيدي، منتجة بنية مدلولية رجراجة تتحرك بين البنية السطحية والعمقى لتمنح النص الشعري أبعاده الاحتمالية القابلة للتأويل المشفوع بنبرة الفضاء المورفولوجي الذي تظهر منه اللغة، وهذا ما تجسده قصائد "مرتقى الانفاس".

سنستبر في هذه القراءة الكتاب الذي ضم (مختارات شعرية) من مجموعات أربع (رعاة العزلة / وصول الغرباء/ سر من رآك / مرتقى الأنفاس) تنوعت ايقاعاتها الذاتية والموضوعية بين المعاش والمتخيل، بين المقول واللامقول، وبين موتف الشاعر من العالم ورؤاه المتنامية بين الوحدات الاشكالية: الصوت / الحياة / الحب / الحلم / المكان / الزمان /..

نبرات المسرود الشعري:

تتمحور القصائد المختارة من (رعاة العزلة / وصول الغرباء/ سر من رأك) حول سرد الحالة الشعرية بلغة تفارق مألوفيتها حين تبتعد من موازاة المكتوب باللامكتوب عن طريق انقطاع يحدث في أفقية الذاكرة ومتوالياتها، أو انقطاع يحدث في الحدث الشعري الذي يخرج عن معطياته المباشرة، أو انقاع يحدث في بنية السرد الشعري.

بناء على هذا الكشف التحاوريه سنستبر كيف انعزلت العزلة من سطحها الى مجازاتها في مجموعة (رعاة العزلة) التي نفت وحشة أبعادها فيتسع قصائد تتفاعل مع الحطام الواقعي والنفسي، وتنزوي في أصداء الوحدة المكتئبة بين الذاكرة والظنون كمعادل خفي للاغتراب الذاتموضوعي بشمولية محتملاته المكانية والزمنية، والجسدية والروحية، والحلمية، وتتشاكل هذه المعطيات في العناوين، لتتناثر في القصائد (منفى/براري/ أغصان مائلة /وحدة (1) /وحدة (2) /حمى /نباتات الظل /ذات مساء في مقهى/ انطباعات خاطئة).

تتدافع شظايا الحالة الشعرية بتداعيات بسيطة ترصد الخارجي ثم تمتزج مع مكوناته لتعري عمقه، مستحضرة تفاصيله المألوفة الى مشهدياتها التي تحوله الى شعرية تنتقل بحواسها من المنفى الأول: (الذاكرة) الى المنفى الثاني: (بياض الورق). بين المنفيين، يجد الشاعر طريقا ثالثة للاغتراب تلتقي عناصرها في قصيدته (منفى) المبتدئة باستفهام موجه الى الضمير المخاطب المؤنث:

أرأيت؟

نحن لم نتغير كثيرا

وربما لم نتغير أبدا:

الألفاظ المشبعة

النبرة البدوية

العناق الطويل

السؤال عن الأهل والمواشي                         /(ص 33)

ترتكز هذه المسرودية القصيدية على مفتاح فني أداء السؤال (أرأيت؟)، لنتحمل فيما بعد بنائية ما ستراه الأنثى المخاطبة على الاستفهام الذي حمل الرؤيا من ذاكرة (الذات) الشاعرة الى احتمالات الترائي المتوزعة في الضمير الممتد مع أفق النص ليضم الذات القارئة أيضا ويدخلها في سراديب الذاكرة كزمن ماض يقبل الحضور من خلال علائق التفاصيل العفوية المتشكلة من الصوت (الألفاظ المشبعة / النبرة البدوية / النميمة المنشعة / تهدر الحرب / يهدر البحر/ يطلقون الرصاص) والمتشاكلة عبر الصوت بمكونات الحواس الأخرى: 1- حاسة الشم (رائحة الحطب / الشاي المنعنع – حيث تتفاعل في (الشاي) حاستان: الشم والذوق). 2- حاسة الحركة التي تمزج بقية الحواس متحولة من فضاء حاسة السمع الى حاسة ايقاعية أشمل (العناق الطويل / جلسات القرفصاء/ الأولاد المعفرون بالتراب / الدم الذي لا يصير ماء/ يمسك الغرباء بعضهم بعضا) وبذلك يستمر الزمن في التملص من مكانيته الذاكرتية لينقطع عن تداعياته بخاتمة القصيدة التي تنحرف بحدث التفاصيل الى حدث اللحظة الراهنة المنحازة الى فضاء الصوت وهو يغدو مرئيا وكأنه يجيب من استفهامه اأرأيت؟ا ويحمل فنيته الواردة كمفتاح، دالة مضافة اتست رغبتها، فكانت الخلفية المقصودة لفعل السؤال:

حيث تهدر حرب

ومهدر بحر

ويمسك الغرباء بعضهم بعضا

من الياقات،

أو يطلقون الرصاص

من شرفاتهم

على حبال الغسيل

والى ذات الحركية الروحية تنتمي قصيدتا (وحدة (1)/ انطباعا- خاطئة) حيث ينمو اللامألوف من المألوف، وتتسع فجوة التوازي بينهما عبر انقطاعات الحدث الذي يستمر في حاضر وحدته في قصيدة (وحدة "1") متواليا في الصور اللاحقة (عندما) المكرورة كلازمة انتقال ترصد الطقس الداخلي للشاعر وتوزعه على المحيط بكل مفرداته السوداء (الليالي/ الطل / العب / الوجوه المغضنة / الخزائن / الغرف / الصمت) وبمفرداته المأهولة بحواس مفقودة (لا يأتي الصدى/ لا يقرع الباب / لا نجد صور العائلة / لا نجد سوى كلس الجدران).

في هذا النص تنقطع الوحدة عن وحدتها لتسكن انقطاعين: أولهما الانقطاع الذي دور حركة الانتقال من باطن الذات الى باطن العالم الفاقد لشفافيته وبراءته وللحب والتآلف. أما الانقطاع الثاني فهو ما جاء بهيئة تكور الوحدة على تداخلات الانقطاع الأول، واصلة صورة البداية بصورة النهاية، منجزة عبر هذا الاتصال حركية الحدث المنقطع المكثفة في سؤال الخاتمة (ما الذي نفعله؟):

(1) صورة البداية                  (2) صورة النهاية

في الليالي                              عندما

عزما تأخذ الجدران بالتنفس،                نبحث عن أسمائنا

عندما ينتشر بخار الكونكريت              ولا نتذكرها،

بين الأصابع وتحت فتحتي الأنف عندها

عندما نبحث عن وجوه مغضنة،         يحدث كل هذا

وأيد مثلمة                              في الليل

/ص (39)                             وفي علبة الاغلاق

المحكمة ما الذي نفعله؟/ص ( 40)

تتلاقى مفردات السواد والضياع والانغلاق لتنفتح على احتمال السؤال المتروك ليس كيأس، وانما كعلامة بيضاء تنتظر تخليص الوحدة من وحدتها الأولى المأهولة بكل علامات التناقض اليومي المستمر ما بين الانقطاعين وما بين الحياة. يؤخذ على هذه القصيدة التي اعتمد- على نموذج ايقاعي متكرر تمثله (عندما)- مثلما تمثله كلمة (أريد) في قصيدة (أغصان مائلة)- يوخز عليها ما شرحته في الجملة الرابعة من (صورة البداية): (بين الأصابع وتحت فتحتي الأنف)، فلو حذت هذه الجملة، لكان الايقاع الانتقالي أسرع في التحول والعبور من مفرداته السوداء الى الايقاع اللاحق للازمة (عندما).

وتتداعى مفارقة الذاكرة بماضيها وحاضرها، وبانشطارها المجتمعي (الشرق / الغرب) في قصيدة (انطباعات خاطئة) التي لا تبتعد عن مكتوبها، ولا تنجز فيه انحرافا معنييا يمنح النص فضاءه الشعري، بل تنسرد ضمن ايقاع اخباري يرصد حركة الايقون الزمكاني بضمائر تتعدد لتنشئ دالة اجتماعة تنشر متضاداتها من خلال (أنا) المتكلم ثم الجمع المتكلم (نحن) ثم الجمع الغائب (أصدقائي الذين ظلوا يحتفظون بوصايا أمهاتهم) ثم لتعود الى الذات الشاعرة الراصدة لتحركات ضمير الجمع الغائب (ذهبوا الى أمي، وراحوا يحدثونها عن حياتي الجديدة). وتمتزج حركة العزلة في قصيدة (ذات مساء في مقهى) بايقاع الامتلاء بالحلم الذي ينتشر كمسافة خفية تتسرب من نبرة البياض النصي الى سواده، مانحة النص ايقاعا يزحزح الوقت المجسد باللازمة (حينما) لينشئ وقته الهارب من السماء (كزمانية) ومن المقهى (كمكانية)، ثم ليجعل من الوقت الهارب والمنتج (زمكانية) تحتمل انوجاد النص في مجالين: 1- مجال الواقع المتدرج من أثره الخافت (وهو ما تفصح عنه بداية القصيدة) الى أثره المرتفع المبدوء بهذه الصورة:

وتظل صامتا

                           مرتعشا

تحدق المصائر الجانحة في فنجان القهوة         /ص (47)

2- مجال الحلو الذي يستدرج الواقع الى دراميته بين (الحرب) و(الوجوه) و(الغمام) و(البادية) و(الموج) و(المساء) و(المقهى) و(الغناء) و(الفأس) و(الشجرة). يشكل المجال الحلمي (بؤرة) فنية تنفتح فيها حواس اللحظة على افتراضات المخيلة، هادفة من ميلانها نحو الغياب، انجاز مسافة تتناثر فيها الأنا الشاعرة المكتسية بـ(أنا) القارئ، ثم – وكطور آخر- إنجاز مسافة تلتحم فيها الانوان (الأنا المحيلة / الأنا المحال اليها)، وهذا ما تؤديه الحركة الاخيرة للقصيدة:

حينما، ذات مساء، في مقهى

تعبرك الوجوه كغمام نحاسي

فتنصت الى صنوج تدق في بادية بعيدة

أو الى تحطم صوار في خلجان مفترضة

حينما تدور، ذات مساء، في مقهى،

اسطوانة المغني الكفيف،

يتنهد الجالسون

فتمشي

الى حيث الفأس.

يستند الى الشجرة. /ص (48)

وتختلف بنية الانقطاع السردي في قصيدة (وحدة (2)) وقصيدة (حمى) وقصيدة (نباتات الظل)، وتتسم صوتيات الحركة في النسيج القصيدي بانقطاع في أفقية الذاكرة وفي بنية السرد الشعري الذي يحقق أبعاده في قصيدة (وحدة (2)) من تمحوره حول (سين) المستقبل القادمة من ذاكرة تراثية (حوارية مع القرآن الكريم):

سيكون كثيرا علينا

مثلما على الذين من قبلنا

ان نضرب كفا بكف

فتسقط الوحدة من المشجب

الى درج الخزانة.

تشكل هذه الصورة المشهد الثالث المؤلف بدوره (خاتمة القصيدة)، كما ان النص يبدأ بها ملفتا حوله ليسرد ظنون الشاعر (أمجد ناصر)، وهي ترتدي حالات الحياة النابهة من الذوات الاخرى: (المرأة التي ودعت زوجها في الصباح/ هم الذين رتبوا كل شيء وأذاعوا النتائج: رجل يزرع الردهة جيئة وذهابا)، وهنا تنعطف الذوات الاخرى في البنيات الحسية، والرؤيوية، والنصية، كونها في النهاية تختزل ذاك الرجل الشاعر، الذي يكثف انقاعاته بضمير المفرد الغاب، متجولا بين الدلالات الى ذات متعددة تتشابح بين (الغبار والنافذة والبرزخ) بما في هذه الرموز من امتدادات تتجه نحو النقيضين في ذات اللحظة، وبذات السرعة الانتقالية: نحو الوجود واللاوجود، نحو الموت والفناء والعدم والحياة، نحو التلاشي والتكون، ونحو التخارج والتداخل بين الذات والذات، وكأن مفردة (رجل) تتفجوى مع كل ظهور لتكون ولا تكون:

رجل يستند الى صحيفة المساء في

انتطار امرأة لا تجيء

رجل أمام الساقية يطم الأصدقاء القرقر

حصي ذهبية.

رجل أمام النافذة يلوح لمشاة يتناسلون

من الغبار.

رجل أمام امرأة بينهما برزخ من أوكسيد

العزلة.

رجل أمام المرأة يمزق أوهية دموية بسكين المطبخ.

/ص (42)

في هذا التشابح لشاعر الحاضر في الغياب تتجسد العزلة وتحضر انتحاراتها، وتتماوج (الوحدة) كنواة أولى تتراكب (منها، وفيها) تحولات السكون والصمت والضجيج المعاش، الذي يتحرك في قصيدة (حمى) بهيئة صور راصدة للوحة الأعماق العابرة من الرمز(النافذة) كمؤشر على اتجاه الطاقة الشعرية من خلال المكون البصري الى الكامن بين الالتقاط والتصوير، والى انوجاد المعادل الأخر (الوحدة): (الحمى) الهاجعة في مسارب المخيلة ثم الانعزاف مع ظهوراتها الجديدة كـ (امرأة وطيف وحوار صامت):

عطر خفيف يتسرب من خلايا الخشب.

طيف المرأة خلف الزجاج:

حوار صامت،

موجة واهنة تسحب الثياب الهشة

عن أغصان الجسد.     /ص (ص(43)

وترتفع المعزوفة الصلصالية عن هينها حين تتحول مز المضمر في الحوار الصامت، أي عندما تتركب عناصر الرموز كمكونات اشارية متفاعلة: (مطر الخشب / طيف المرأة / الزجاج / الموجة / أغصان الجسد) تنتج، بدورها، تكوينات تبئيرية معتمدة على صورتين للتناغم:

1- صورة العزف غير المعتادة، المتنامية مع رموز الصلصال الخارج من اشارات عناصره، ليتحول الى لحن تتشاكل فيه الحواس وعطر الخشب (النايات) والمحور الآسي للطيف (الأصابع):

عشر أصابع تمتد لترفع عشرة نايات

الى مستوى الفم.

2- صورة مصدر العزف التي تستبدل الصورة السابقة، وتحيلها من (الطيف كمسافة تبتعد وتقترب، الى طيف آخر) يخرج من الذات الشاعرة الا بملامح وترية تتراشق آلام الحب والحم:

ولكن…

ثمة في مكان ما

من يعزف على كمان العذاب.

ثمة من يرسل الحمى على شكل

صفير أسيان. /ص (44)

وبذلك يكشف الحوار الصامت عن لغته ومنحنياتها البارزة كايقاعات جوانية تتسربل من قصيدة (نباتات الظل) عبر ظلال دلالية تنزح الى بعدها الملحمي غير المتعاظم، انبنت صورها على التشبيه المرتكز على ومض خفت حدته بسب الاستطالات الجملية، وهذا أثر بالتالي على الايقاع الدرامي، فمدد صراعاته:

في ذلك الوقت لم تكن الخلاخيل قد درجت

كاحتمال للغواية، ولكننا سمعنا، ونحن على

ظهور الجياد، نشيجا عاليا أقرب

الى سك الدراهم ولم نبال بالرجفة

التي سرت في أعناق الخيول فلكزناها

ولكن النهار قد طلع وظل النشيج عاليا في الكتب.

لو تأملنا هذا المقطع، لتبينا أن شعريته قائمة على تحويلية ثلاثة مكونات، لولاها لما كان له من الشعرية نصيب، لأننا لو حذفنا المكونات الثلاثة لوجدنا أن المقطع لا يتعدى وظيفة اللغة التوصيلية، وأقصد بتلك المكونات والتحويلات التي تمت بين (احتمال الغواية وصوت صورتها "الخلايل" و(النشيج) الذي تملص من تجريديته الى محسوسيته:

(سك الدراهم) ولم تكتمل شعرية هذين المكونين الا من خلال علاقاتهما مع المكون التخييلي كعنصر ثالث (ظل النشيج عاليا في الكتب). فأثار هذه العلاقة هي التي حرضت المقطع على تجاوز بعده الأول الذي نتراءاه يتعدد في صورة تشبيهية أخري جاءت كخاتمة للمشهد الأول من القصيدة، أجلت خلالها الى خاتمة المشهد الأخير الذي هو خاتمة القصيدة.

وبذلك تكون الصورة المحرضة هي (الصورة البؤرة للنص):

فالحب غير ممكن، كالنوع في ضوء مصابيح

المركبات الفضائية، كلغة تقشرت في ظهيرة

استوائية فاستوت على عرش التنقيط

تبئيرية النص تتفتح من تشابيه (اللغة) التي تخلع عنها طبقاتها الدلالية اشعاعا، تلو اشعاع، تمثيله الكنائي Allegory مستمد مما تخفيه الظهيرة الاستوائية (شمس المكان اللامكاني) كونها شمسا مدلولية نابعة من جوانية الشاعر المتحركة في مجالين: مجال اللغة، ومجال الحس الملتهب، المتناغم مع فونيمات النبرة الظاهرة للحروف (الشين – تقشرت / الظاء- ظهيرة / السين: استوائية- استوت / الشين – عرش / التاء والطاء- التنقيط) وتستقر صوتيات العلائق ليس في حرف (الطاء) المرتد الى الجوف والمنغلق على نواة اللغة التي (تقشرت) بل، ترتد ايضا الى تجاويف اللغة والأشعة بما فيهما من علامات التحول واللاثبات – الى ظلال العلائق الناتجة عن تراكيب (الرائحة / المياه/ الجبل / الغرفة، كمكان بفضاءين: فضاء حضور جسد الشاعر، وفضاء حضور لا وعيه):

وقالت امرأة تفوح برائحة البابونج: المياه قريبة من

كتف الجبل فاغسلوا ثيابكم، واذهبوا الى النوم.

وبعد قليل عاد التيار الكهربائي وألقى السلام

ولم يعد الحب ممكنا في ظل نباتات الظل التي تحتل

أركان الغرفة.         /ص (46)

وتكتسب الظلال جمالية أخرى بين (الارادة) الصارخة برغبة الشاعر في قصيدة (أغصان مائلة) وبين (الخراب الخالق) في قصيدة (براري).

تبحث الرغبة عن دلالاتها الانسانية بعيدا عن الصراع الحياتي، لكن، ضمن صراع محدث تفرزه بنية قصيدة (أغصان مائلة) المتهادلة بإيقاع شفيف، يزيح العادي ليمنحه بدا أخر لا يرضى بغير النقاء كمنفى ووجود وحياة ترفض (الموت / الرمادي/ الحرب والسلم / الحظيرة) سعيا للوصول الى الانسانية. تنطق حركة الرغبة من الجزئي الى الكلي:

(أريد أن أنظف: رأسي/ قلبي/ عيني/ صوتي/ كتفي/ جسدي/ روحي/

الأوراق):

أريد ان أنظف قلبي

من حطام الحب الأول وشظ يا الزجاج

×××

أريد أن أنظف كفي

من أعشاش العصافير وطيور الصباح الخرساء.

×××

أريد أن أنظف روحي

من آي الطاعة وعناقيد المغفرة.

أريد أن أنظف الأوراق من هراء القصيدة

وعبث التداعيات..

وتأتي الرغبة المضادة الهاربة من الواقع، عن طريق الرغبة الاستبدالية التي تموجت من الداخل الكلي الى الخارج الكلي وذلك بترددات عكسية تجزئ ما بين الكليين السابقين، لتجعل كل جزء كلي يبتعد من حواسه الى حدوسه الناتجة من بنية مدلولية راكمتها الصور في جملها الشعرية الأخيرة المنبنية على تشويش البعد الأول للحواس بفضاء حواسي:

أريد

فقط

ان أسمع

ارتجاجات الكون

تضرب جدران قلبي

وأرى

الضوء

ينحل في مياه العين الراكدة

أريد أن أمشي وحيدا

وأغلق باب الحظيرة ورائي                 /ص (38)

وليتلافى الشاعر (عبث التداعيات) و(الحطام) السلبي، نراه يكثف حطامه الأجمل، في قصيدة (براري) التي يتكاشف فيها الشاعر مع شعره:

كيف أكتب قصيدتي

وأنا لا أملك

الا حطام الوصف؟

تتجوهر الرؤيا الباحثة عن كيفية مختلفة للكتابة لا تتداعى ولا تصف ولا تقع في مطب الاستطالة، لذلك تتفاعل مع حلولها الغائبة، لتتجسد بعدما تحفر في الأثر الغائر، ساحبة منه تراكيب رموزها (النهر كدلالة على الزمن والخصب والوجود/ وصايا الجفاف كدال على الزمن المعاش والصوت والذبول المتعالق مع صورة أخرى: خريف القرنفل / عزلة الذئب كمرادف لظهورات الخيانة والموت / وحشة الأفعوان كدلالة على الاستيحاش المتصل ما بين الذات الشاعرة وحضورها في «البراري» باتساع معانيها كامتداد جغرافي، وكامتداد مسكون بالأنا الراغبة بالانبعاث):

ذهبت الى البراري

فلم أجد الا عزلة الذئب

ووحشة الأفعوان.

ذهبت الى الحكمة

فلم أجد الا فتات الموعظة،

ذهبت

الى الشعر

فلم أجد

حطام الوصف.                 /ص (36)

ولا تنحرف عن هذه المدارية قصيدة (وصول الغرباء) الحاملة لعنوان المجموعة الثانية، حيث نلحظ في هذه القصيدة مسرودية سيناريوهاتية تتغلغل حالات الذوات والأشياء والطبيعتين: الطبيعية والبشرية، تنصهر فيها حساسية المعاناة من (اليومي) الذي يتعرى في ذاكرة النص المبنية على طبقات إرثية تسوغ معاناتها الوطنية والحلمية:

فكر في قائد اتكأ على رمحه أربعين عاما

قبالة أعداء تحجروا في سفح نظرته،

ولما رأوا الطير تأكل من عنقه

استأنفوا الزحف على الدساكر.

وتدخل المحاكاة والمحاورة القرانية في شعرية (أمجد ناصر) لتحمل دلالة اضافية تتوزع فيجسد النص:

(فكر في رجل صالح وصاحبه (…) ولما أشاح صاحبه بوجها عنه، قال له ألم أقل لك انك لن تطيق معي صبرا) ص (56).

ولتبقى دلالة (وصول الغرباء)- كمجموعة لا كقصيدة – بلا وصول، فان الشاعر يترك دلالة (الوصول) مفتوحة على عدم الانجاز، وذلك في قصيدته (الماضي) التي تتأسس على ضمير الغائب (هو) لتعرف بزمن عزف تنويعاته بين (الرغيف والشجر والحب والمطر والنافذة التي لا تغير مشهدها)، ويصل الصراع الى ذروته في الحركة الأخيرة لقصيدة التي تمنح النص خلفيته البيضاء القابلة للكتابة بسوادين: أولهما، العلاقة اللامألوفة للزمنية الماضية التي عبرت ورغم ذلك لا نصل اليها، وهنا يتجسد فعل المخيلة، وثانيهما، العلاقة المنبثقة من فعل الذاكرة التي ترتد الى الوراء دون ملامسة (الماضي) ودون القدرة على تحويله الى هيئته المادية الأولى:

هو الذي نمضي اليه ولا نصل.         /ص (63)

ورغم عدم التماس المباشر بين الماضي و الشاعر، الا أن هذا الماضي يتسربل من نقطة التقاء السوادين (الذاكرة / المخيلة) ليحضر كسيرة مختزلة للشاعر، تعتمد تاريخ مولده عنوانا: قصيدة (1955) التي تبرز من صورها اشارات المعاناة بكل أبعادها الذاتية والموضوعية (المنفى/ الجوع / القهر/ الفقر/ القراصنة / الانتحار…) ولا منجى من كل هذه المنافي العالقة بالروح سوى (الضوء- الشعر) كمنفر وحرية ووهن في أن معا:

أما العبرة التي استخلصها التابعون

فتكمن في التأويل الذي أصبح مذهبا:

وصل عام 1955 فعالجوه بالفاقة

وبين أترابه قاده ضوء بارد الى ما رأته عيناه

وبعد مسافة بياض مورفولوجية، تختتم القصيدة سيرتها الوامضة، بمنفى أخر، تجسده (الطفلة التي كبرت) بـ(اللامبالاة): وكبرت طفلتي، ولم تر في الأمر ما يستحق الذكر/ ص (61).

ولا تنتفي تلك الذات عن منفاها، بل توسعه في قصيدة (هضبة تطل على البحر) هاجسة بتشكيلية صورية تتخاصم فيها عناصر اللغة واللون والطبيعة والحلم، عازفة ايقاعا شعريا تعلو فيها نبرة البياض على نبرة السواد، جاعلة من النص حركات مفتوحة على العمق، وعلى ظلاله النصية المتحولة مع تحول الايام من ليل أبيض يرمز للذاكرة العربية الى ليل انسكبت عليه اعتامات الليل الراهن، الى ليل يلونه الحلم. اذن، تنتسج البنية كلحظة ينضفر فيها: الماضي والحاضر والمستقبل.

تشف هذه اللحظة من مفردات العنوان (هضبة)/ (تطل)/ (البحر) لتتشكل معها كانفتاحات دلالية تغادر الصور من مدار لأخر، باعثة في اشاراته سريلة تتكثف منذ المطلع القصيدي، وتنتشر بين مكونات (العنوان) عبر الحس الصوتي والبصري. بين الكثافة والانتشار كمجالين لحركة النص، تشرق علائق التحول من خلال شبكة اشارية لا تثبت في أي من مكونات العناصر، لأنها ستراكم طاقتها الابداعية في خاتمة القصيدة المنفتحة من خلال فاعلية (تطل) كفضاء مقصدي للشاعر حضر (لفظة) في العنوان بين مكانيتين، وحضر كبنية مدلولية في النص تشرف على جوهر اللحظة من راهنها الى قادمها، مثلما تشرف على تلاوين الظلال النصية باضمارات البياض والفضة (انها أيامنا، بيضنا صفحة الليل / ص (58))/ (انها أيامنا، تستعيد فضة العوام، وأضاحي الورثة / ص (59)). وترتجف هذه الحاسة اللونية مع مكانية القصيدة (شقائق نعمان الحيرة في سفوح لم نطأها/ يقظة الفجر/ أيام الهبوب / البحر/ ذكريات مهجورة /حشائش الاعماق / ضوء الصاعقة / حنجرة الليل / فضة العوام).

تتغير علائق الاطلالة في قصائد مجموعة (سر من رآك) لتتحرك مع تشويشات الحس المعنيي ضمن وجدانات تتشارك في صوغها الفني المخيلة والذاكرة بصفتهما بؤرة للجنوح بـ(الحب) الى عوالم يتجرد فيها الحياتي ليعود مبسدا كسياقات تتخارج من ذاكرة الوجدان، لتحل في تراكيب الانقطاع الحادث في البنية السردية الشعرية، فمثلا ما يلمع في قصيدة (الرائحة تذكر) هو ما يتلو انتقالات (الرائحة) معزوفا من الذاكرة كتنغيمات الحلم المعادل للرائحة من حيث زاوية التزييغ التي يظهر منها الحلم كـ (رائحة) ويشترك معها في (طيفية) الحضور على مستويين: 1- مستوى جسد النص الذي تشف منه حالات الحلم (الرائحة ذاتها، في المتروك، والمأهول، بالطيف والهالة / ص (71). 2 – مستوى ما تحت الجسد القصيدي الموازي لرائحة الحواس الشاعرة وهي تصعد من الظلال الى الصور)الرائحة ذاتها التي تهاجم في أمسيات، معلقة بالقنب /ص (72)/ وللرغبات اذ تطلق فهود الكتفين، لتجوس مفازة الهجران ص (74) بين مفازة الهجر المرتدية لهيئة الحضور الدائم عن طريق (الرائحة) وبين ايحاءات الذاكرة تتطيف الرغبات في قصيدة (معراج العاشق) التي تعنونت المجموعة بجملة منها (سر من رآك) لتكون هذه الجملة هي اسم وملامح ووجدانات (المعشوقة- كأنا أخرى تعكس مراياها "أنا" (الشاعر) ولتكون – من ناحية ثانية – فجوة التوتر القصيدي التي تنبع منها ايقاعات النبر بين حالتي (المد الايقاعي) الذي تمثله فونيمات الأحرف وبنيتها الدلالية الأولى (بهذا الاسم ليأتي اليك عابرون سيماهم من ليلك / نعود الى يديك لنروي اطلاعهما على الحطام). و(المد الجزري) الذي تعكسه البنية الدلالية "الثانية" الكامنة تحت بنية الايقاع "المدي") عبر حركتيها:

1- حركة الغور: وهي ما تؤديها القصيدة كوحدة كبرى، كصورة كبرى، تتباعد في أعماقها لتصل الى حيز المسكوت عنا، وسمة هذا التباعد هي تماوجات الشفيف، الصامت، ذي الأثر المنبسط عموديا حتى قاع القصيدة:

ولدت بهذا الاسم لتكون لك ذكرى

ترددها أمطار

طويلة

صامتة /(ص 75)

تتحرك (الذكرى) كايقاع طيفي دائم الخصب والصوت والصدى (ترددها أمطار)، ولتكتمل عمودية الغور، فان الشاعر يضيف لصورة الامطار صفات تظهر ثانوية في الصورة، الا أنها هي الأس المحوري لولوج هذه الحركة داخل النص (طويلة / صامتة)، الأمطار لا تصمت، لكنها وان فعلت ذلك، فلكي تدل على امتدادها في المجال اللانهائي من النص.

2- حركة العروج: وهي الفضاء الذي تسري فيه حركة الغور لتعبر وحداتها الصغري- صور القصيدة، وثيمة هذا الاسراء متقطعة، أي أنها لا تسير بشكل أفقي، بل تتصاعد من قاع النص بملمح عمودي، تتلولب تشكيلاته اللونية "الليك / الظلال الخضراء/ الثمرة المضاءة / أعيننا بيضاء- كأننا عمي/ ركضنا وراء الرائحة- مرغنا وجوهنا/ النهار/ الضوء يرفعنا درجات / شفافة الليل / شعرك يرخ / الظن / دجى أعيننا/ القمر/ العشب / الزمردة / الذهب / يضيئان ظلمة قلبه / غبار الطلع / غرباء بينهم نرتقي أدراجا/ تتكسر نضال على المرمر/ خبلنا السحر أبيض / شعشعتنا زهرة الأفيون / الغبطة / أبخرة على البلور / الأعناب / رائحة التفاح / ونحن نصعد).

وكما هو واضح فان المقصود بالتشكيل اللوني ليس ذاك التكون المرتكز على اللون فقط، بل يستغرق في مسافاته ألوانا أخرى تنفصل عن لون التضاد وتتصل به كلون (الظن والرغبة والانفعال والرؤية والرؤيا والرائحة والسحر والظلال والماء والابخرة و…) وتلتف هذه البنائية على بنائية ثانية تتعادل معها تقابليا، وتختزلها أيضا كونها (النقاط التي تتألف منها "فجوة التوتر القصيدية")، وتترامز هذه البنائية بـ(وهج الأعماق /من كل فج /شارف النبع وشاف /رعدات ما شبه بالحماء/ فنغشى سكارى وما نحن – تظهر كيفية الاستفادة من الموروث الديني بجمالية، كونها لم تسترسل في ذكر المفردي الناقصة: (بسكارى).

عبر تلك الحركتين يتناوب الوصول واللاوصول ايقاعات المد والجزر لتشتبك ميكانيزمات التناوب كـ(معراج) لـ(العاشق) تزدوج فيه (الأنوات) لكنه لا ينبع ولا يصب، لا يسري ولا يعرج الا من (أنا) الشاعر الى (أنا) الشاعر:

أفزنا بك، مقتدرين،

بيضاء

من
غير

سوء

بهجة

عائدين

من المعارج

الى سرر دافئة في البيوت؟             /ص ا 90).

لا يخفى ما في هذا الاستفهام من اضمار تناصي مع (يد موسى): (بيضاء من غير سوء)، وتصريح تناصي مع (القرآن) استبدل فيه الشاعر (عائدين) بدل (للناظرين).

فما غاية توظيف هذا التناص (المضمر والصريح) في النص؟ هل غايته ان يختتم القصيدة بعودة مزدوجة: الى الذات الشاعرة / الى الذات الموروثة؟ ام غايته معادلة بياض الولادة الذي ابتدأت به القصيدة مع بياض سؤالها الختامي؟

إنه تلك (العودة المزدوجة) التي يتشاكل فيها (البياضان) مع بياض ثالث ينبثق مع ايقاعات حركة الغور وحركة الصعود ليلمع من دينامية ألوان المعنى وأصوات الفضاء المكتوب الذي تشكل موروفولوجيا بهيئة الايقاع المنبسط المزدحم، وبهيئة الايقاع العمودي الذي حفر في الذاكرة والحلم والأنا احتمالاته التي نالت بياضا ورقيا أيضا، الا تؤكد ذلك عدة صور كتبت بطريقة خاتمة قصيدة (معراج العاشق)؟

هذا البياض يتخذ مقامات تمثيلية أخرى في قصيدة (لص الصيف) المتناغمة ضمن دوائر تأويلية تتسارد الذي تراكم في أحدى صور قصيدة "أمجد ناصر: معراج العاشق": (شعشعتنا زهرة الأفيون) حيث تتفكك احتمالات هذه الشعشعة في قصيدة (لص الصيف) لتكون الخلفية المتثاقفة مع عناصر الحلم والحب واللاوعي، أي أنها تسير في قصيدة (لص الصيف) ضمن الجزء الحلمي للنص: (السهو/ أديم النوم / شفاعتي في "الخفة"/ انه «ليلي» لا بلونه بالسهر وحيدا/ جنتي ملء عين الناظر الى «الزوال»/ رميت مفتاحي/ الظل / «أثر» العابرين بين «الخشخاش»).

كما نقرأ اسبطانيا، فان الوقع التأويلي للمعتم من الذات والصور يتمظمر متباطئا (السهو) ليتدرج ايقاعات (لاوعيه) من براتق العلامات (النوم / الخفة / الليل والسهر) ثم ينزاح الى وقفته العميقة: (رميت مفتاحي) الرامزة الى الغوص في الأعماق، أو في تأويلاتها الافتراضية والاستنتاجية والاستقرائية، التي لا تتصعد الا حين نربطها مع الصور الرديفة، لتنجز من الاشتباك فضاء تتراكب أبعاده في (النواة – بؤرة التغير) المرتكزة على ثلاثة حقول رمزية (الحرية / الألم / الطفولة): (ليست العبرة في القطعة الأجمل بين ثيابك (…) بل في الحرية عميقا تغرس نواة الألم – ص (96) / وكان دليلي الألم الذي يبوح بأسراره لمدوني الأمثال – ص (99)/ قبلت شيئا بليلا في الظل، وشممت فوح طفولتي بين الاكباش – ص (102).

وراء هذه الوقفة العميقة، يعود الأثر المركب الى البروز متناميا في زوال أخر يحضر يغيب في صوت (زهرة الأفيون) المتداولة في هذه القصيدة كظلال يكمن مظهرها الرديف في خاتمة القصيدة (الخشخاش)، ومظهرها التأويلي الوارد كحضور وكغياب في نفس البرهة (بعد رجعتهم الى تمامهم ناقصين):

خذي يدي واجلسي لنغيب

فالسدي عيدنا،

لا لنا

ولا علينا

بعد رجعتهم الى تمامهم ناقصين

سوى

اثر العابرين

بين الخشخاش.                         /ص (103)

ــــــــــــــــ
– شاعرة وناقدة من سوريا، وهذا جزء من دراسة طويلة كرستها خوجة للمختارات الشعرية التي أصدرتها مؤسسة الدراسات العربية، وبيت الشعر الفلسطيني لأمجد ناصر العام الماضي.
 
غالية خوجة (شاعرة وناقدة من سوريا)

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …