جواستابينو

أندريس باربا ترجمة: أحمد عبداللطيف


لا نعرف شيئًا والتاريخ أكذوبة والحب لا وجود له؛ لكن الخوف يكفي أحيانًا، الخوف كخيطٍ ذهبيٍّ في أسطورة، ليستعيد الوقائع المفقودة؛ الحقيقة، العلم، الحب. أمام كل إيماءة تحمل شكًّا، يولّد الخوف كوكبًا من مدن محتملة. امنحوا الخوف لأحد قادر على تشييد المدن وسيمنحكم عالمًا مشيدًا.
صدفتان وعدة حوادث دفعت رفائيل جواستابينو للهجرة إلى نيويورك. نعرف كيف كان وجهه في عام 1881: فم مسقوف بشارب بروستي، جفنان متهدلان، بدايات صلع. لقد رآه آباء أجدادنا، عبروا معه على رصيف مرسيليا ولا يتذكرونه. شيء ما دفعهم لرفع قبعاتهم؛ ربما البدلة الغالية أو جمال زوجته التي ترافقه بطفلتيها في جانب، وبطفل هو ابنه وليس ابنها في جانب آخر، طفل هو نسخة مجمّلة ومصغرة من أبيه، شيء ما دفعهم لرفع القبعة له، ومع ذلك لم يذكروه فيما بعد، كان عاديًا جدًا، إسبانيًا جدًا. الآن نعرف ما لم يكن يعرفه آباء أجدادنا: هذا الرجل يسمّى رفائيل جواستابينو وابنه يسمّى بالاسم نفسه، ونعرف أنهما سيبلغان القمّة كأكبر معماريَين في نيويورك، ثم سيقعان في طيّ النسيان قبل استعادتهما في النهاية كبذرة للمعمار الحداثي بأميركا الشمالية، نعرف أنهما سيتلقيان التجاهل مثل أي جريئين يخترعان نظام تشييد يرجع إلى القرون الوسطى لا يستطيع أحد استخدامه إلا بموافقتهما وبإضافة – كما فعل كل البنائين منذ القرن الثاني عشر- حفنة من إسمنت بورتلاند أو أحزمة حديدية، وأنهما باعا معمارًا مضادًا للحرائق لبلدٍ يرتعد من النار، وأنهما الرائيان اللذان هجّرا معهما من قارة إلى أخرى نظامًا كاملًا من التشييد ومنحاه استحقاقًا لم يكن يتمتع به من قبل، أنهما العبقريان، البنّاءان، المحتالان، صانعا النبيذ، محبّا الوساطة، المعماريان المهجووسان، صفات كثيرة متناقضة يصعب أن تكون صائبة أو ربما هي صائبة لكثرة تناقضها بالذات، لكننا لا نعرف كيف كان خوف جواستابينو حينها، حين ركب مركبًا من مرسيليا متوجهًا إلى نيويورك في 26 فبراير عام 1881 بدون أن يعرف كلمة إنجليزية واحدة، وبعد أن فعل جنحة احتيال ستمنعه من العودة للأبد، الخوف الذي يجعل لكل حياة قِبلة. بإيجاز، نحن لا نعرف شيئًا.
رغم أننا، لو فكرنا جيدًا، قد لا يكون الخوف صفة مترسخة فيه. لقد كتب الأنثروبولوجي الصيني “فاي شاوتونج” ذات مرة أن الولايات المتحدة الأميركية هي البلد الوحيد الخالي من الأشباح. ربما اختار رفائيل جواستابينو نيويورك ببساطة لأنه عالم بلا أشباح. عالم بلا أشباح يحمل إليه عمارةً مضادة للحرائق.
يقال إن رفائيل جواستابينو، ولقبه الثاني مورينو، رأى أول حريق وهو في السادسة عشرة، في عام 1859، في مدينة بالينثيا. لا نعرف ظروف الحريق بالتحديد. لكننا نفترض – لأننا ذوو طبيعة روائية- أنه تطلع إليه من بين الحشود. نعرف أنه كان يعيش على مسافة قريبة منه، في شارع بيرونيكا، وأن أباه كان نجار موبيليا من الأبنوس وابنًا لصانع بيانو وأنه كان الابن الخامس لعائلة أنجبت أربعة عشر ابنًا لم يبلغ منهم سن البلوغ إلا سبعة. وكان الحريق في مبنى البلدية القديم. نعرف أيضًا كيف كان الحريق. في كتابه “تعامل بالماء والملح”، وصفه فيجينير بأنه مثل “حيوان جائع يلتهم الأخضر واليابس، حيوان بعد أن التهم كل شيء، التهم نفسه”. ورغم أننا فقدنا “عادة قراءة أسرار كتاب الطبيعة”، بكلمات جواستابينو نفسه، وبقليل من الغرور، فبين ألسنة النيران تجاهلنا ما قرأناه، إلا أننا بدأنا نشعر بما نراه. كان غريبًا معرفة القوة التي تطوقنا: فجأة بدا جليًا أن البنايات تقاوم ثم تحترق بما فيها الأسمنت ثم تتهاوى، كما تهاوى مبنى البلدية، وأن البنايات والجسور تقع كما يقع الأفراد، بدون أن يكون مفيدًا أن نتساءل ماذا حدث.
ربما شاهد رفائيل جواستابينو، في مصنع بلاط يمتلكه المعماري مونليون، حريقًا آخر، حريقًا ثابتًا يتكرر بدون أن ينحسر أو يتكاثر، نار فرن الطوب. وشاهد حريقًا كذلك في الموسيقى، في عروق الفيولين الخشبية. يتمنّى أن يكون موسيقيًا ثم يفقد الرغبة، أو ربما يفقدها تمامًا، إذ يعرف أنه لا يتمتع بالموهبة رغم أنه يعرف الحب. دائمًا كانت هكذا. نار الموسيقى تشبه النار التي تقوّض مبنى البلدية، متطلبة وملتهمة، وبدون عبرة مستفادة. يرى النار أيضًا في القباب التي شيّدها قريبه البعيد خوان خوسيه نادال، فوق الانحناءة التي تميل على المؤمنين وهم يصلون بكنيسة سان جاومي. يراها بعد ذلك بسنوات في أجساد النساء، في الإثارة التي تدفعه لتتبعهن. وأحيانًا كان يريد أن يشير لإحداهن في محل وأن يحتويها هناك، كان يريد أن يشعرن بما يشعر به هو وأن يكون كل شيء سريعًا وعميقًا، وأن تغشاهن الغمامة التي غشته، وبعد دقائق قليلة يتبادلان الحديث في حارة. شيء بسيط؟ ربما، لكن أحدًا لم يقل إن جواستابينو كان كازانوفا.
حتى في العمل شاهد جواستابينو النار. في حكايات تذهّب الكلمات المحددة وتطوقها أو تغرق لغياب نفس الكلمات المحددة. وعلى عكس النار التي التهمت مبنى البلدية، فنار العمل تتجنب الأسباب التي تثيرها، إنه حريق بلا مركز ينبغي فيه الإنصات للتعليقات العشوائية، حيث لا بد من قول ما يُنتظر وتعلم الصمت. لذلك، تنتصر العمارة على الموسيقى في قلب جواستابينو المراهق. لأن نار الموسيقى تحرق، أما نار البنايات فتثري.
يُعرف أن رفائيل جواستابينو انتقل إلى برشلونة عام 1859، في سن السابعة عشرة، ليدرس كبنّاء محترف وأقام ببيت عم له شديد الثراء لدرجة أنه لا يمكن استغلاله، رامون جواستابينو، ترزي المهنة، وشريك في سلسلة الأجيلا للنسيج. يُعرف أيضًا أنه لم يتأخر كثيرًا حتى حملت منه ابنة عمه بيلار جواستابينو، المولودة في بوينابينتورا، يتيمة تبناها عمه رامون ومنحها اسمه.
هذا البيت الذي يمثّل كل ما افتقده في الحياة يغيّر عالم جواستابينو، هذا البيت يتمتع بمزاياه، ويقضي فيه الصيف مع الخيالات البرجوازية فيما يجهّز مواد البنّاء المحترف، ويترقب بيلار حين يخلو البيت عليهما وينظف بدلته ليبدو أنيقًا. البيت الذي يشهد الشارب الرقيق ونظرة القط الجائع يغيّره كليةً. هناك يُغرم بموهبة عمه رامون التجارية وبفلوسه، ويبغض بالينثيا وأباه نجار الموبيليا. يكتشف كذلك أن لهذا العالم أمراء وأن بوسعه أن يكون واحدًا منهم بقليل من الجرأة وبقليل من النسيان. ثم بعد القسوة في المعاملة والشد والجذب، لأن السر في النهاية –مهما بدا ذلك عبثيًا- بقي بين العائلة، تزوج جواستابينو من بيلار بوينابينتورا، المسماة من قبل بيلار جواستابينو، في نفس عام 1859، بكنيسة سان جاومي، وكانا مراهقين حدّ أن المدعوين سخروا منهما، عريس عزف على الفيولين، ولا بد كان ثملًا، وعروس لا بدّ متزنة، تكرهه منذ البداية، رغم أنّه لا أحد يهتم، في نهاية المطاف، بحب مراهقين أو كرههما.
لكن أيضًا يمكن أن نثق في جواستابينو. يمكن أن نفكر أنه في تلك السنوات، بعد أن أنجب طفله الأول خوسيه، وتبعه الثاني رامون، ثم الثالث مانويل، قد تحول جواستابينو إلى رجل، كما اعتادوا أن يقولوا. يمكن أن نفكر أنه، بجانب حبه للنزوات البرجوازية، تعلم حب مهنته حبًا حِرفيًا، كما أحب الموسيقى وشغف بالتلحين ولم يستطع، ومن أجل ذلك امتنّ لـ “مدرّسو مدرسة برشلونة المميزون، دُن خوان تورّاس ودُن إلياس روجينت، اللذان علّماني دراسة الفنون والعلوم التطبيقية، ولفتا انتباهي إلى نظام تشييد القباب، وكان حينها في حالته المصغرة”. في حالة جنينية منذ سبعة قرون، لا يهم، المهم أنها مصغرة في النهاية. حين تمر سحابة من فوق مرج لن نراه أقل ضياءً. ولذلك، إن لم نثق كليةً في كلمات جواستابينو، يمكن أن نثق على الأقل في سعادته.
في الطريق إلى إستوديو جرانيللي إي روبيرت، محل عمله كمساعد، أو في ذهابه من المسبك إلى مدرسة البنائين المحترفين، يشعر جواستابينو أحيانًا بنشوة غريبة، تشبه رجفة. هو سعيد ليس فقط لأنه، من قبل أن ينهي دراسته، قد صمّم بيتين كبيرين، وإنما أيضًا لأن كل شيء ممكن، لأنه خدع العالم، رغم أن كلمة خداع ليست الكلمة الملائمة. ما نقصده أن جواستابينو يدرك أن العيش هو المسألة الرئيسية، هو الشيء الضروري فعله وفعله وفعله، وأن الطريق لا يطويه الموهوبون، وإنما من يتمتعون بمؤهلات يفتقد إليها الآخرون، أن الملكية دين، أشياء أساسية مثل الماء وأن الناس، رغم كل شيء، يدركون متأخرًا، وأن بعضهم لا يدرك أبدًا. وجواستابينو أدرك ذلك بفضل رغبته في تكرار احتفاليات عائلة جويل وعائلة مونتاداس، عائلة أوليبير وعائلة بلاجوت، وفي أن يتبنوه بهذه الهشاشة الغريبة والعشوائية التي يختار بها الأثرياء أصدقاءهم الأقل ثراءً لكنهم أذكياء، أقل ثراءً لكنهم فنانون عظماء، ليمنحوهم لونًا لحيواتهم وينفضوا عنها الملل الكبير، الضجر العام والمميت الذي يثيره فيهم ما يتمتعون به من امتيازات بالذات.
هكذا تبنّى جواستابينو نظام القبة الكتالونية المستخدم منذ سبعة قرون ليغطي أسقف الكنائس ويصنع قوائم عرضية وسلالم، ولم يكن ذلك، في النهاية، غير نظام قبة المصنع، ويقول: فلنضع، بعد الطبقة الأولى من الطوب، بدلًا من جبس، أسمنت بورتلاند ليكون أكثر مقاومة وأيضًا ضد الحرائق، ولنضف أسياخًا حديدية هنا وهناك ولنطبق بعدها هذا النظام الذي أيقناه. هذه الفكرة البسيطة تغيّر حياته. ليس غريبًا أن يكون للصدفة كل هذه القوة علينا، فنحن نعيش بالصدفة. جواستابينو نفسه لم يكن يعرف أبعاد اكتشافه حين جهّز خرائط مصنع باتلو للنسيج من قبل أن يحصل على شهادته كمعماري. يعرف أنه شيء جديد، أن هذه الصالة الحافلة بقباب حجرية مرتبطة بعوارض حديدية ستدهش باتلو وكذلك سريعًا العم رامون، الذي سهّل له هذا العمل وكل الأعمال الأخرى. يعرف –كما يكتب بافيزي- أن الفكرة تغدو خصبة حين تكون مزيجًا من اكتشافين، لكن لم تكن هذه ضربته القاضية. أسمنت بورتلاند غالي السعر ويجب استيراده من إنجلترا، لكن هذه الرحلة بالتحديد ما منحته الاستحقاق في مقابل الأسمنت الإيطالي المستخدم في كتالونيا. كأن كل هؤلاء المعماريين الذين اقتسم معهم الدكك في المدرسة ولا يزالون يتبعون العمارة الفرنسية الماسخة، وكل هذه العائلات الثرية، وكل مصانع النسيج التابعة لعمه رامون، كل هؤلاء كانوا ينتظرون أسمنت بورتلاند، ينتظرونه ليضرب ضربته القاضية، كأن العالم قد تآمر منذ عقود ليهاديه بشيء لم يهادِ به الآخرين، ربما لأن هذا الشيء، في العمق، يناسبه. وبالإضافة للاكتشاف الذي يصهر القديم في الجديد، القبة الكتالونية وأسمنت بورتلاند، ثمة يقين بأن كل أمة هي حي وكل حي هو طبقة، وكل طبقة، رغم كل ارتياب يحاول الاختباء، تتعلق في الواقع بخيط: خيط يربط وجودها الطبيعي باختراع، اختراع حقيقي وقصة يصنعونها حوله.
ثمة كتب كثيرة حول جواستابينو وصلت بهذه النقطة إلى حارة مسدودة. يبدو أن لـ جواستابينو حياتين: واحدة محفوظة تبدأ في نيويورك وأخرى ريفية لا يتذكرها أحد، في ويسكا. ثمة نوع من الكسل في الكتب ربما ناتج ببساطة عن الكسل الموجود في الحياة أو، الأسوأ، لأننا نحتاج إلى الاعتقاد بالعبقرية، العبقرية السعيدة التي يتمتع بها البعض ولا يتمتع بها البعض. لقد اعتادوا أن يقولوا إن اندفاعات جواستابينو الجنسية تدمر زواجه، وبداية من هنا تأتي الإدانة بالموت والانحدار، وهي مسألة ليست فقط حقيقية، وإنما أيضًا موثقة، لكنها تلغي اللغز الحقيقي، ربما: خوف جواستابينو.
هناك من يصفها كلعنة ساحر: قبل عام من موت العم رامون، في عام 1871، انفصل جواستابينو عن بيلار. بعد موت المنعم، غدت الخيول فئرانًا، والعربات يقطينًا. وانتقل جواستابينو من معماري واعٍ له عراب إلى معماري بدون تصريح. وأعماله، التي كانت موقعة حتى ذلك الحين باسمه، باتت الآن بلا توقيع. عائلته أيضًا لم تعد عائلته. بيلار طردته من البيت، ورغم أنها وافقت به بعد عودته بشهور قليلة، إلا أن الأشياء لم تعد كما كانت، ولا حتى معارفه السابقون الذين كانوا يفتحون له الأبواب قبل أن يطرقها. في عام 1871، تغدو برشلونة أتونًا سياسيًا متأججًا. المستثمرون يرتعدون. البناء يتوقف. وبالأموال التي ورثها جواستابينو يشتري أراضيَ في ويسكا ويستخدمها لصناعة النبيذ، وأيضًا ليختبئ وراءها. وفي إحدى عوداته الشحيحة إلى برشلونة، صارت بيلار، بيلار الكريهة، حاملًا من جديد. ماذا يشعر جواستابينو اتجاهها؟ ليس غياب المشاعر فحسب، إنما شيء أكثر مغناطيسية: غرابة مقصيّة تأخذه كلما تمثل دورها الباهت في الدراما العائلية. إذا عاد إلى برشلونة اقترب ليراها ويتحدث معها ومع أبنائه، ومثل شياطين مدربين، يكرهونه كل يوم أكثر من سابقه، وحين يضجران من النميمة، أو من السياسة التي لا تفهمها، وهو في العمق يضجر منها، وحين يطول اللقاء أكثر من العادة، يتأمل جواستابينو حملها ويشعر اتجاه هذا الورم بما لم يشعر به من قبل اتجاه أولاده الثلاثة، نوع من الجاذبية يخرج منه، فيسميه من قبل حتى أن يولد. كأن الكره يتحوّل بشكل غامض إلى حب لهذا الجنين، كأن كل الكره الذي يحمله لـ بيلار وبعض كرهه لأولاده الثلاثة ولهذا البلد المنعوت بالمتخلفين وللمطر الذي لا يأتي، تحوّل هناك إلى أمل.
ثمة من يتزوج في الزيجة الثالثة أو يموت في الميتة الثانية، أما جواستابينو فأصبح أبًا لابن رابع. عمّداه باسم رفائيل: رفائيل جواستابينو جواستابينو، رغم أنه سيغيّر له لقبه قبل أن يهبط في نيويورك: رفائيل جواستابينو إكسبوسيتو، وفي ذلك إهانة صغيرة لـ بيلار، وربما لا يكون ذلك حتى، إنما صياغة لرغبة، أنه ابن جواستابينو وامرأة مجهولة، ابن جواستابينو والرغوة، ابن تمخض من خياله، مثل حورية. لا نعرف كذلك كيف يصرح بحبه، ولا إن كان يسافر باستمرار من ويسكا إلى برشلونة مستغلًا الراحات الطبيعية بين إنتاج النبيذ، لكننا نعرف أنه خلال السنوات الأولى من طفولة جواستابينو الابن يتعاقد مع شابة تدعى باولينا رويج لترعي طفله، وبعد فترة صغيرة يبدأ مضاجعتها كما ضاجع كل الدادات الأخريات، رغم أنه سيغرم بهذه ما يكفي ليفقد رصانته ويثير غضب بيلار، التي تعتبر هذه الزيجة قد ماتت بالفعل.
لا نعرف أكثر من ذلك بكثير. والمعلومات تتمتع دومًا بطاقة مدمرة: كان جواستابينو، المحمي في ويسكا من اضطرابات برشلونة ومن إعلان الجمهورية الفيدرالية عام 1873 وعودة البوربون عام 1874، يبدو أحيانًا شبيهًا بـ جالدوس، برجوازي مترفع يفعل جيدًا ما يعرف فعله آل جويل، آل مونتاداس، آل أوليبير وآل بلاجوت: الانتظار وترك الحمقى يموتون بمفردهم.
وكمعماري أيضًا يكبر جواستابينو بدون أن يشيّد. في عام 1873 يطلبون منه مساهمةً من أجل الملحق الإسباني في معرض فيينا الدولي، وفي عام 1874 ينضم لهيئة التحكيم التي تختار واجهة كاتدرائية برشلونة، وفي 1876 يتلقى تنويهًا شرفيًا في معرض المئوية بـ فيلادلفيا. من بين هذه الأحداث الثلاثة، اكتسب التنويه الشرفي بالنسبة إلى جواستابينو صبغة الوعد. جاءه، مثل خطاب من وزير، في مظروف كبير من الولايات المتحدة، يمتدح الإسكان الصحي والأنبوبي الذي قدمه. ربما لو شرح له أحد أن معظم المعماريين المشاركين في معرض المئوية قد تلقوا نفس هذا المظروف، لكانت الأمور تغيرت، لكن في ذلك اعتداء على الطبيعة نفسها للتنويه الشرفي، وشرفي، بالتحديد، لأنه لا يُمنح للجميع. ما من سبب لكيلا يصدق جواستابينو، وبالتالي هو يصدق، ويطلع عشيقته باولينا عليه، وكذلك صديقه أوريول، وبالتأكيد بيلار المكروهة كهجمة مرتدة: مستغلًا أي تعليق تهكمي، يُخرج شهادة شرف فيلادلفيا ويضعها على المنضدة على سبيل التباهي، بدون أن يضيف كلمة، وبيلار تبتسم، وربما لا، إذ من سيهتم في نهاية المطاف بما يفعله الطرف الآخر في زواج يحكمه الكره.

شاهد أيضاً

رسائل من فؤاد التكرلي (1927-2008)

خالد المعالي لا تسعفني ذاكرتي بشيء واضح حول بداية علاقتي بفؤاد التكرلي، فهناك علي الشوك …