أخبار عاجلة

جورج أورويل : سرديات الرعب والهزيمة أمام الاستبداد الدكتاتورية اذا لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان في العالم

إلى ايرنيريو سميناتوري (Me Irnerio Seminatore)
أطلق محمود درويش، يوما ما، وهو يرصد سلسلة طويلة من الخيبات التي ذاقها العرب منذ عقود، سؤالا مؤلما : بماذا سوف نحلم، حين نعود من الحلم وقد علمنا أن مريم لم تكن عذراء … ؟
عندما يتحوّل الحلم إلى كابوس تتزعزع القناعات وأسس العقائد وتصبح المرارة طعما للحياة … ذلك ما حصل إلى جورج أورويل (1903-1950) في آخر حياته. 
لكن أورويل اختار أن يؤلم نفسه أكثر، حيث أنه بقي وفيا بشكل عام إلى القيم التي اعتنقها في شبابه ودفعته إلى تجارب مريرة وحزينة في المستعمرات (بورما) وفي ميادين الثورات (اسبانيا)، وإلى نضالات دون بوصلة في بعض الدول الأوروبية ليكتشف مثل عدد غير قليل من رفاقه وأصدقائه أن الثوار الذين ائتمنوا على مصير الحلم وعلى انجاز آماله تحوّلوا إلى قتلة ماكرين لانسانية الانسان التي كانت منطلق المشروع التحرّري للثورة. 
وقد خلص جورج أورويل (اسمه الأصلي اريك أرثور بلير)، وعلى أساس وفائه للمعتقد الثوري (الاشتراكي الماركسي)، إلى ضرورة مقاومة الانحراف الستاليني صلب التيار الشيوعي باعتباره تجسيدا لخيانة الثورة حسب التوصيف التروتسكي الذي تعاطف معه أورويل.
وقد انفجر ذلك الموقف المقاوم إلى حدّ القبول بمبدا التعامل مع خصوم منظومة الثورة، عالميا، بمناسبة «اللائحة» الشهيرة التي كتبها أورويل ووجهها إلى صديقته (التروتسكية المتعاملة مع المخابرات البريطانية ضد الشيوعيين الستالنيين في بريطانيا).
 فقد اعتبر أورويل أنه من الواجب الثوري أن تسلم سيليا كيروان تلك اللائحة إلى الأجهزة البريطانية لمساعدتها على مقاومة «الشيوعية» التي أفسدت الحلم التحرّري للبشرية.
كان جورج أورويل، حين وضع «اللائحة» (1949) في نهاية حياته وهو أقبل على ذلك رغم تفاقم افرازات الماكارثية الأمريكية ومناخات الحرب الباردة معتبرا أن قتلة الحلم أخطر من مناهضيه التقليديين ومتبعا في مبادرته مواقف صديقه الروائي أرتور كوستلار الذي أفحم حملات كل اليساريين الأوروبيين القدامى في محاربتهم لستالين عبر رواياته وكتبة مثل الكتاب الذي وضعه بمعية أغناستيو سيلوني ضد ستالين والموسوم بـ «الاله الذي هوى».
لم يكن التشهير بالستالينية، بالنسبة لجورج أورويل علامة لجوءا إلى اليمين المتطرف والمتأمرك، بل أنه سعى إلى اعادة الحياة إلى الأمل في الحرية والعدل الاجتماعي معتبرا في ذات الحين أن الستالينية والفاشية الأوروبية واليمينية الماكارتية الأمريكية هي وجوه متعدّدة لظاهرة واحدة ومؤكدا لما ذهب اليه سنة 1947 حين تأليفه لرواية «مزرعة الحيوانات» بقوله : «خلال السنوات العشر الأخيرة بت على قناعة تامّة بأن نزع القناع الواقي عن خرافة السوفييت، أمر ضروري ان كنا نريد حقا اعادة الحياة إلى الحركة الاشتراكية».
وليس من المهمّ تحليل مدى نجاح أورويل في المساهمة في عملية اعادة الحياة إلى الحركة الاشتراكية. لكن يمكن الجزم أنه نجح – عبر الابداع الأدبي – في أن يؤكد أن الشيوعية الستالينية كانت تشكل نقيضا لحلم الحرية والعدل. وهو نجح في ذلك على وجه الخصوص في روايتي «1984» و«مزرعة الحيوانات». وهو قد عمق الوعي بأن معاداة الفاشية لا تستقيم بدون مناهضة كل أشكال الاستبداد (بما في ذلك الشيوعية الستالينية)، وأنه لا يمكن القبول بمبدأ الخروج من دكتاتورية للدخول في أخرى مماثلة في جوهرها ومختلفة في شكلها.
وقد رسم جورج أورويل في روايته «1984» صورة للمستقبل المرعب الذي سوف تواجهه جماهير وشعوب أنجزت ثورة شعبية وكانت تروم تحقيق مبادئ الحرية والعدالة الاجتماعية وباقي الحقوق الانسانية لتجد نفسها قابعة تحت جبروت طغيان أشدّ مما سبقه. وكان أورويل – عبر روايته : «1984»، قد قطع مع المنحى السردي النقدي ازاء استبداد الثوار وغدرهم برفاقهم القدامى الذين بقوا أوفياء للمبادئ التي انطلقت على أساسها الثورات التي صاغها أرتور كوستلار في روايته المرعبة «الصفر والمطلق» أو فيكتور سارج (1980-1947) خصوصا في روايته «قضية طوالاف» و«منتصف الليل في القرن». فقد صاغ أورويل سرده، مثل بانيت ايستراتي في رواياته الحزينة أو ألكسندر سولجينتسين الذي اعتنى برصد جزئيات الحياة البشرية تحت وطأة الاستبداد المطلق. 
    وبقدر ما تتناول العملية السردية لدى أولئك الكتاب رصد تمدّد افرازات الاستبداد في مختلف جوانب حياة الناس، بقدر ما ترسم رعب القهر للشرط الانساني وتحطيم أركانه في أصغر جزئياتها. فان رسم كوستلير (الصفر والمطلق) وفيكتور سارح (قضية طولاف) خطوط الفصل بين مشاهدة تآكل قوى الثورة وانقسام صفوفها بين مستبدين باسم الثورة لأنهم ثاروا من اجل استبداد جديد أو بديل وبين مناضلين ظنوا أن السياسة حقل ممارسة لقيم نبيلة ردّدها الفلاسفة والنخب والبشر وطالبوا بتفعيلها، فان فيكتور سارج قد دشن منحى آخر للسرد الناقد لاستبداد الثوار في رواية «المدينة المقهورة» التي صورت خضوع جمهور الناس – عبر تقنيات اقناع محكمة – لمشيئة حكام يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يقولون حتى تتحوّل الحياة تحت وطأة نفوذهم إلى قلق ورعب وارهاب اجرامي، وفوضى إلى حدّ أن تؤول إلى «ليل ضروري» مات فيه الانسان داخل كل انسان حسب كلام فيكتور سارج.   
مشى جورج أورويل في خطى فيكتور سارج وتجاوزه في رصده وتحليله لآفات القهر في رواية «1984» ليؤكد أن عصر موت الانسان قد حلّ لأن الاستبداد أصبح قادرا على قتل الأمل والمقاومة. كذلك ينتصب قانون الكذب كأساس لعلاقة الحاكم بالمحكوم : يكذب الحاكم لأنه قوي ومتجبر وحقيقته الكاذبة هي الحقيقة الوحيدة، ويكذب المحكوم خوفا وخوفه هو الحقيقة الوحيدة : وتصبح السياسة مزيجا من الكذب والخوف لأن الاستبداد (باسم الثورة أو أي شعار آخر) لا ينتج يوميا الا مزيدا من الحاجة إلى الكذب والخوف. ازاء نجاعة الخوف والكذب، لا مفرّ للمستبد من زيادة انتاج وصناعة الخوف والكذب، ولا مفرّ للخاضع للاستبداد من الترفيع في نسبة كذبه وخوفه حتى يسلم من جبروت الطغيان. ينتج المستبد آليات الاستبداد (الكذب والتخويف) فينتج الخاضع للاستبداد آليات التكيف مع الاستبداد (الكذب والخوف) … كذلك يفسد الانسان معنويا وقيميا. فلا العقل ولا الذاكرة ينفعان في تجنب ظلمات ذلك الطريق … ذلك هو العالم المرعب الذي رسمه جورج أورويل بما يشمله من قهر للمجتمع ومن تشويه للانسان. (لقد كان العنوان الأصلي الذي وضعه أورويل لرواية 1984 هو «الانسان الأخير في أوروبا»).
1- 1984 : أورويل وانبثاق الحياة المرعبة
لم يفهم كل من روباتشوف وطوالاف ما حدث لكل منهما، وما جرى في بلديهما وفي صيرورة الثورة التي شارك كل منهما في صنعها وفي انتصارها حتى تنتهي بهما إلى الموت. أصبحت الدنيا بالنسبة لكل منهما تمشي على رأسها وانقلبت مقاييسها وأسسها حتى أن روباتشوف قبل اعدامه، أراد تلاوة نشيد «الأممية» فبدأه من النهاية مغيّرا المفردات تارة والأحرف ضمن المفردات مما جعله عاجزا على ملاءمة الكلمات مع الموسيقى. كل منهما اعتبر أنه يطل على فراغ لا معنى له، ولا منطق فيه وأن التهم الموجهة لكل منهما لا أساس لها حيث يؤاخذ الواحد منهما على التمسّك بمبادئ مشتركة مع من يوجه لهما الاتهام – أي الرفاق القدامى – الذين استعملوا ضد كل منهما أبشع الأساليب التي كان خصوم نضال حزبيهما قبل الثورة (الشيوعية) التي حافظت على أجهزة وأساليب وصيغ التحقيق والتعذيب والاستنطاق والمحاكمة والرجال الذين برعوا في ذلك ماضيا …  
فقد أراد أرتور كوستلير وفيكتور سارج أن يؤكد أن الثورة تحولت إلى نقيضها وأن أفسد عناصر الثورة حصدوا ثمارها ووظفوا امكانياتهم الجديدة ضد من صدقوا القول والفعل والنضال وكل من تشبث بالقيم والمبادئ التي انطلقت من أجلها الثورة (البلشفية) ليخلص – كوستلير (بعد وفاة سارج) – إلى الرأي القائل بأنّ الثورة كانت خدعة تاريخية وجريمة جماعية في حق من شارك فيها أولا وفي حق البلاد التي حصلت فيها ليصل في النهاية إلى اعتبار أن الثورة – عموما – مفسدة للتاريخ.
أما جورج أورويل فهو اتجه وجهة أخرى، حيث أنه لم يتوقف أمام خيبة الثوار النزهاء ومصائرهم بل وسع أفق رؤيته ليبيّن الفرق الشاسع بين الحلم الثوري والواقع المنجرّ باسمه معتمدا مقاربة استشرافية تبحث فيما يمكن أن تؤول اليه مستقبلا انحرافات المنجز بالنسبة للحلم الأصلي. كذلك تولدت الصورة الواقعية – العجائبية لمجتمع الثورة التي رسمها أورويل في روايته «1984» والتي برزت شكلا ومضمونا كفاجعة تاريخية ضربت الواقع والوعي، انها رواية رسمت الرعب كنمط للحياة …
بعد خروجه من العمل في «وزارة الحقيقة» ذات مساء بارد ودون الاهتمام باللافتة الكبرى التي تغطي الجدران في طريقه إلى بيته والتي كتب عليها «الأخ الأكبر يرقبك» عاد ونستون سميث بطل رواية «1984» إلى بيته وهو يفكر كيف يراوغ مكر الشاشة التلفزية الملصقة بالجدار الداخلي في الشقة والتي تبث دعاية الحزب بشكل مسترسل ودون انقطاع وتراقب وتسجل كل أقوال وأفعال السكان في بيوتهم دون أن يتمكنوا من اطفائها أو اسكاتها والحال أنها مرتبطة مباشرة بمقرات «شرطة التفكير» القريبة (على بعد كيلومتر واحد) من مقر «وزارة الحقيقة» المزركش بالشعارات الأساسية الثلاثة للحزب : «الحرب هي السلم» و«الحرية هي العبودية» و«الجهل هو القوة» … وتباشر «وزارة الحقيقة» نشاطها عبر تنظيم الترفيه والاعلام والتربية والفنون الجميلة … أي أنها تساهم في صياغة الذوق والرأي العامين وتهيئ عقليات الجمهور ليتفاعل مع عمل «وزارة السلم» التي تدير شؤون الحروب و«وزارة الوفرة» المنكبة على الشأن الاقتصادي و«وزارة الحب» الساهرة على احترام القانون والنظام العام … تلك الوزارات الشامخة الموزعة في أنحاء لندن الرمادية التي لا تنعش الروح والقلوب والتي لا تغري القاطن فيها على التجوال أو الاستمتاع … 
وقد نجح ونستون سميث في مغالطة شاشة المراقبة (لحياة الناس العامة والخاصة) المثبتة في بيته الصغير ليجلس في مكان آمن ويبدأ في كتابة مذكراته – سريا – على هوامش صفحات كتاب قديم اشتراه في السوق الحرّة في المدينة. 
وأوّل ما دوّنه ونستون في مذكراته التي بدأها يوم 4/4/1984 هو مشهد انتباهه إلى وجه الفتاة الشابة جولي التي لمحها خلال حصة «دقيقتين للكراهية» اليومية التي تخصّص للتهجم على أعداء الحزب (انغسو : الاشتراكية الانجليزية …) وجولي عضو ناشط في «رابطة معاداة النشاط الجنسي» وهي لا بد أن تكون جاسوسة للحزب – حسب ونستون – تعمل لمراقبة هذا الأخير ومراقبة أوبراين الذي شارك في فعاليات الدقيقتين المذكورتين رغم اعتقاد ونستون أنه ينتمي إلى جماعة «الأخوة» المناهضة للخط السائد في هياكل الحزب. 
في الفصل الأول من الرواية وضع أورويل الاطار الجغرافي للرواية الذي اختاره عمدا في أحد بلدان أوروبا المتقدّمة ليفهم الناس أنّ مصير 1984 لا يستثني أي بلد أو مجتمع في العالم بأسره. وأشار أورويل إلى المكوّنات السياسية والمعنوية للمناخ الذي تتشكل من خلالها الأحداث دون مقدّمات أو تهيئة كأنما التيار الذي كان يدمّر مقومات حلم التغيير من أجل الحرية والعدل وحقوق الناس لا يمكن أن يتوقف الا لينسف كل جزئيات الانسان وحياته. ويصبح الأطفال حراسا ومراقبين (لحساب الحزب) لصفاء عقيدة والديهم السياسية ومدى التزامهم بالمبادئ المعلنة رسميا من قبل «القيادة الثورية» : كذلك يتجسس الأبناء على الوالدين ويتجسس الوالدان على صيغ وأشكال تجسس الأبناء عليهما لينتج عن ذلك نمط جديد للسعادة العائلية.
ويمتزج الرعب بالواقع والحلم بالذكرى فتضيع خيوط الاستيعاب لدى ونستون وباقي أهالي لندن المتنعمين اجباريا بمزايا نظام سياسي تفتقر أسسه إلى علاقة مع كل واقع عقلاني. وبينما كان ونستون يشارك في الحصة الرياضية اليومية والاجبارية (بعد العمل) داعبت فكره ذكريات طفولته والحرب التي انطلقت بين بلاده (أوسيانيا) ضدّ بلدان أخرى ولم تنته بعد لكنه تنبه إلى فداحة الخطر الذي وضع نفسه فيه بتلك الذكريات حيث أنه يعرف أن الذكرى تقود إلى التفكير و«جريمة التفكير لا تجلب الموت بل أنها الموت بذاته …» حسب تعليمات الحزب الصريحة. لذلك عندما أعلمته الشاشة بعد عودته إلى بيته عن انفجار الحرب بين بلاده (أوسيانيا) و(أورانيا) بعد أن كانت أوسيانيا (منذ سنوات قليلة) في حرب ضد آستازيا، لم يستنتج ونستون سميث من الأمر سوى كونه مجبرا بالغد إلى اعادة كتابة المقالات القديمة والمنشورة في مجلة «تايم» ليجعل تحاليل الماضي متلائمة مع الأحداث السياسية الجارية باعتبار أن الرشيف لا يمكن أن يكون مفيدا الا اذا كان مطابقا للحقائق الجديدة التي يقرها الحزب وللتوقعات التي يرسمها للمستقبل حسب توجيهات «الأخ الأكبر». كذلك فقد حصل لونستون أن أعاد كتابة بعض المقالات القديمة والمنشورة منذ سنوات أكثر من اثنتي عشرة مرّة حتى تكون منسجمة مع الخطاب الراهن للحزب وقائده الأكبر. كل ذلك خدمة في الحزب وسعيا إلى تقويته وتطهيره. حيث تمحى أحداث وشخصيات من التاريخ وتخلق أو تفتعل أخرى يحتاج الحزب وجودها لفترة مثلما وقع ذلك حين أمر ونستون بافتعال وجود مناضل ثوري عظيم (الرفيق أوجيلفي) يكون قد استشهد في الجبهة وهم لم يبلغ سن الثالثة والعشرين بعد ان كان قد كرس حياته وشبابه للحزب ثم افتعال وثائق تثبت وجوده ومسيرته الوهمية – الحقيقية. ويعرف ونستون سميث أنه قد يطلب منه يوما ما أن يمحي الرفيق أوجيلفي من تاريخ الحزب وتلك مهمة معتادة وتوسم بعملية «ثقب الذاكرة» حتى وان كانت الذاكرة المعنية كذبة مفتعلة. ويقرّر ونستون ألا يفكر في عمله لأن الخطوة الثانية في عملية التفكير هي الانخراط في تآمر ضدّ الحزب. ويصل هذا الوعي السلبي إلى قمّة الارتداد أي إلى قاع الخضوع المستسلم إلى منطق القهر في تفاعل ونستون سميث مع صديقه سيم العامل في مصلحة الأبحاث والذي كان يعمل على اعداد النشرة الحادية عشر للغة «الرسمية» وهي «اللغة الجديدة» التي أقرتها السلطة ووسمتها بـ«النفولانغ». كان سيم يستبطن حزنا وخوفا عميقين ولا يروم الانحياز إلى أي مقاومة لأنه كان على يقين ان سنة 2050 سوف تشهد انتفاء تام للغة البلاد وتعويضها بنوفو لانغ وذلك لسبب بديهي حيث نجحت اللغة الجديدة في تغييب بعض المفردات والكلمات والمفاهيم العريقة وتعويضها بمفردات وكلمات ومفاهيم جديدة قصد تضييق حدود الفكر وتقليص عدد الكلمات بالمئات حتى يصبح التفكير – عبر الكلمات ودلالاتها المعهودة – يتراجع ويتوجه إلى دوائر وآفاق أخرى تحيط بها وتعبر عنها مفردات ومفاهيم جديدة. وحتى لا يجد كل من سيم وونستون سميث نفسه في مأزق تقييم الوضع السياسي في البلاد يقبلان طلب صديقهما بارسون (الذي سوف يتم اعتقاله لاحقا من قبل الشرطة السياسية على أساس شهادة أبنائه ضده باعتباره مناهضا للنظام وللحزب) بالتبرع بربع أجرتيهما الشهرية لدعم «أسبوع الكراهية» ضد خصوم النظام ومن أجل التطوّع لتحقيق أهدافه الاجتماعية والاقتصادية. وقد يحيلنا سلوك كل من بارسون وسيم وونستون إلى ممارسات الآلاف (من الكوادر في الأحزاب الثورية والوطنية في مختلف البلدان التي عرفت تجارب تحوّل ثوري أسست نظم استبدادية. ازاء جولي، كانت مواقف ونستون مزدوجة فهو بادر بالابتعاد عنها في البداية لأنه كان معتقدا في كونها جاسوسة لصالح الحزب و«لوزارة الحقيقة» تحاول الايقاع به وتوريطه في عمل تآمري لكنه يقع في حبها رغم أن سجله في ذلك المجال سلبي بعد فشل زواجه من كاترين وتعثره في علاقة جنسية مع مومس وأصبح شخصا مسترابا غير صالح لنموذج العائلة التي يدعو اليها الحزب الذي لا يقبل بزواج عضوين من بين منخرطيه الا بعد دراسة المسألة في لجنة خاصة التي ترفض السماح بزواج الأشخاص الذي لهم جاذبية جنسية بعضهم لبعض. فالزواج في أويسانيا، يهدف في المقام الأول إلى انجاب أبناء في خدمة الحزب، واذا قبل الحزب بطلاق ونستون وكاترين بسبب عدم الانجاب فهو لن يقبل بزواجه من جولي بسبب نشوء وتطور علاقاتهما خارج شرعية الحزب.
لكن، عندما يتأمل ونستون شروط حياته الخاصة تفوق الأسئلة التي تطغى على فهمه الأجوبة الممكن الحصول عليها لذلك يجد نفسه مائلا إلى الانزواء والحال أنه يعرف أن الانزواء يمكن أن يقود إلى انحراف ايديولوجي لدى أعضاء الحزب المدعويين دائما للمشاركة في برامج الترفيه الجماعية المنظمة مثل تلك التي تشارك فيها الجماهير العمالية الشغوفة بمهرجانات اليناصيب التي ينظمها الحزب والتي يفوز بها عدد هائل من العمال الوهميون أي الذين لم يولدوا اطلاقا … ازاء ذلك يتعمق الشعور بالريب ويتسع الشك لدى ونستون في مصداقية كل ما يراه وكل ما يسمعه حتى أنه شك في صحة التحليل القائل بأن الثورة قضت على الرأسمالية ونتائجها إلى درجة الشك في هل الرأسمالية وجدت فعلا أم لا فضلا على الشكوك التي تحوم حول انجازات «… الثورة …».
ان عالم الشكوك قاس ومدمّر، لكن الشكوك في كل أوجه العالم تاريخا ونضالات وأفكار وبشر وأحداثا وحقائقا وكذبا أكثر قساوة وأعمق دمارا. انّ ما حيّر ونستون هو الوقوف عند الحدّ بين ما هو حقيقة وما هو عكسها، ليخلص (في الفصل السابع من الرواية) إلى القناعة في أن المهمّ ليس في البقاء حيا بل في البقاء انسانا … رغما عن الحزب …
يقع ونستون في حبّ جنوني مع جولي التي تبوح له بكراهيتها اللامحدودة للحزب رغم تفانيها في خدمته (في مندوبية الروايات وبخاصة في مصلحة البورنوساك أي المصلحة التي تنتج قصصا عاطفية شبه اباحية لجمهور العمال) … وينخرط ونستون وجولي في علاقة غرامية سرية لم يكن من الممكن أن يقبل بها الحزب لأنها حرّة ودون استشارة مسبقة مما دفعهما إلى الانزواء والابتعاد عن الأنشطة العامة والرسمية واكتراء غرفة خاصة بهما لدى السيد شارينغتون … بالرغم من أن بوادر ارتفاع نسق القمع قد بدأت تتأكد وتقترب من حلقة معارفهما. فقد اختفى سيم فجأة، واختفت كل الحجج التي تثبت أنه وجد يوما ما، لكن أوبراني بدأ سعي للتقرب من ونستون وجولي وباح لهما بأنه متآمر ضد الحزب رغم انتمائه إلى جهازه الداخلي فيلتزم ونستون وجولي بالعمل معه للتآمر ضد الحزب. 
لكن تسارع أحداث الحرب التي تخوضها أوسيانيا ضد أورازيا لتصبح حربا بين أوسيانيا وآستازيا وتنقلب أورازيا حليفة لأوسيانيا، كل ذلك أنهك ونستون الذي اجبر على العمل ثماني عشرة ساعة يوميا لاعادة كتابة الوثائق والمقالات والتحاليل المنشورة في الصحافة الرسمية خلال الخمس سنوات الأخيرة لتثبيت فكرة الصداقة العريقة بين أوسيانيا وأورازيا وصياغة صورة جديدة لآستازيا كدولة عدوّة منذ الأزل … ولا يجد ونستون من وسيلة للترفيه عن نفسه من عناد العمل المنهك الذي تستوجبه حملات الدعائية التي فرضتها الظروف الجديدة (حرب أوسيانيا ضد أستازيا) وفعاليات «أسبوع الكراهية» ضد أعداء الحزب، سوى قراءة الكتاب الذي أعاره اياه أوبراين والذي الأفه ايمانويل غولدشتيان زعيم المتآمرين ضد الحزب من داخل الحزب.
في ذلك الكتاب يجد ونستون صورة للعالم ولبلاده وللحزب الذي يسوسها. تتداخل قراءة ونستون لصفحات كتاب غولدشتاين والأفكار التي تولدت عنه نتيجة للممارسة اليومية والملموسة التي كان منخرطا فيها، وتصريحاته واستنتاجاته التي يشرك فيها جولي أثناء اللقاء بها في غرفته البائسة التي تنتهك أدباشها فئران ترعبه. وقد برع أورويل في ذلك المزج بين مختلف مستويات سرده حيث أن حدود تلك المستويات تنتقل لتعمق الصورة القاتمة لمآلات الثورة ولافرازات الاستبداد الجديد باسم الثورة وأيديولوجياتها المجنونة.
تفاعل ونستون ايجابيا مع ما جاء في كتاب غولدشتاين حول سياسة الحزب، حيث أنه اعتقد مثلما بينه تحليل غولدشتاين بأن منع الملكية الخاصة والفردية سمح بتمركز مصادر الثورة في فئة اجتماعية عليا وقليلة العدد تنتمي إلى الحزب وتتجدّد دون انفتاح على الأوساط الاجتماعية الأخرى عبر تربية حازمة للأطفال الذين يتمّ اختيارهم فالحزب لا يهتمّ بهويّة من ينتمي اليه بل بمركزية دوره وبحجم قوته وتأثيره على أساس هرمية النفوذ وشبكات التأطير. ويعلم ونستون أن أعضاء الحزب مراقبون من قبل «شرطة التفكير» منذ ولادتهم إلى يوم وفاتهم. والحزب ليس مجموعة اجتماعية متناثرة بل هو صنف اجتماعي خاص وقوي ومعصوم من الخطأ يمثله (الأخ الأكبر) دائم الحضور وشامل العلم وفائق الجبروت. وبما أن الحزب هو الدولة أو أنه أقوى من الدولة فهو يهيكل مسألة مركز القرار في هياكله حيث أنه يخضع، في الحقيقة، إلى مركز النفوذ الحقيقي فيه : «الحزب الداخلي» وهو مركز سري وغير محدّد الهوية والنواميس …
ومن خلال تجربته المهنية، فهم ونستون أن العضو الفذ في الحزب هو ذلك الانسان القادر أن يوقف ذهنه قبل أن تتسرّب اليه فكرة سلبية أو خطيرة على مصلحة «الأخ الأكبر». وقد وسمت «اللغة الجديدة» تلك الملكة بـ«توقف الجريمة» وتلك كلمة جديدة في القاموس مثل كلمة «أسود وأبيض» وهي تعني أن يكون مناضل الحزب قادرا على الاعتقاد في أي شيء ونقيضه. ان التغيير الدائم والمتجدّد لتأويل الحقائق ومعاني التاريخ الماضي ليس ممكنا خارج ملكة «الفكر المزدوج» الذي يسمح للذهن بأن يكون محافظا على معتقدين متناقضين في ذات الحين وأن يقبل بهما.
    كل ذلك التحليل المرعب الذي قرأه ونستون بين دفتي الكتاب والذي علق عليه (بالموافقة دائما …) إلى جولي المرافقة له أثناء تلك القراءة، كل ذلك التشريح للواقع والذي كان – تاريخيا – بمثابة التنبؤ – كان بمثابة التعبير عما كان قد توصل اليه ونستون من وعي وقناعة واستنتاجات إلى درجة أن القارئ للفصل التاسع من رواية «1984» لا يفرق بين تعاليق ونستون وآرائه وبين تلك التي كان يكتشفها في كتاب زعيم المعارضين للحزب …
    قامت جولي قبل أن ينهي ونستون كلامه وقبل أن يبدأ في قراءة أهم الفصول في كتاب غولدشتاين وهو الفصل المتعلق بالأسباب التي تجعل الحزب يقاوم بشراسة تحقيق المساواة بين البشر التي كانت في البدايات أصل مضمون فلسفته الاجتماعية والتاريخية … 
أفاق كل من ونسون وجولي على وقع سقوط لوحة حائطية كشفت شاشة كانت مثبتة خلفها لتراقبهما، قبل أن يقع القاء القبض عليهما من طرف صاحب البيت (السيد شارينغتون) الذي لم يكن عاملا مسنا ومناهضا للحزب بل انه شاب عضو ناشط في «شرطة الأفكار». 
وتبدأ رحلة العذاب والتعذيب والاستنطاق بالنسبة لونستون تذكرنا بالمناخات والأساليب التي وصفها كوستلير في رواية «الصفر والمطلق» وآرتور لندن في رواية «الاعتراف …» وفيكتور سارج في عدد من رواياته المجمعة في سلسلة تحت عنوان «الثوريون»(1).
    لم يكن ونستون يعتقد أن درجة التعذيب وأشكال التنكيل التي تعرّض اليها كانت ممكنة في التخيل فضلا على الواقع. وقد زاد وجعه حينما اكتشف أن صديقه أوبراين ليس من أعضاء المعارضة للحزب بل أنه أحد المشرفين على القمع في الحزب وهو المسؤول الأول على مقاومة «جرائم الفكر» في قيادة الحزب وأنه من أشرف على تعذيبه بالوسائل الكهربائية … وقد أفهم أوبراين ضحيته أن الهدف من التعذيب ليس قتله بل تدمير كل قدرة لديه على المقاومة، لذلك اعترف ونستون بعدد لا يحصى من الجرائم الوهمية التي قبل بها الحزب لأنّ لا فرق يوجد بين الجريمة كفعل أو كفكرة عابرة. والحزب حسب أوبراين لا يقبل بالشهداء بل هو يعمل على تحويل أعدائه إلى بشر محطمين لا يمكن لهم العودة إلى طريق المعارضة أبدا. وقد أعلم أوبراين ونستون أن جولي اعترفت بجرائمها وأبلغت عنه تفاصيل تآمره على الحزب وأنها انسجمت مجدّدا مع توجهاته. وان كان أوبراين قد استخلص من عمليات التحقيق مع ونستون أن هذا الأخير حالة صعبة لا مخرج له منها الا باعدام صديقه العدو فهو فسر لونستون أن الحزب لا هدف له سوى الحكم من أجل الحكم. وأن الحكم يقوم على القدرة على الاذلال والاخضاع قهرا، وأن المجتمع المثالي لكل ذلك لا يمكن أن يقوم الا على مبدأ الكراهية. فالحزب هو أداة للاكراه والمجتمع مجال للكراهية. وليس من حل لمتهم بالمعارضة للحزب الا العودة إلى الحظيرة عبر الدراسة والاستيعاب والقبول … وهي خلاصة استنتجها ونستون قبل أن يكشفها له أوبراين لكنه يتشبث بموقفه الحاقد على «الأخ الأكبر» مما يقوده إلى «القاعة 101» وعذابها الذي لا يمكن وصفه حتى يرتدّ وينقلب على معتقداته وعن جولي التي ماتت عواطفه نحوها كما ماتت كراهيته «للأخ الأكبر» وللحزب ليجد نفسه – في النهاية – قد انتصر على نفسه – بمساعدة التعذيب والتنكيل – فأصبح من أنصار «الأخ الأكبر» وكارها لما أحبّ في الماضي ومحبّا لما كرهه … وكل ذلك هل هو يشكل هزيمة أمام القهر والاستبداد أم انتصارا لقوّة الحياة، أم رغبة في البقاء أم اعلانا لموت الانسان الحر … ؟ يتساءل أورويل عن كل ذلك متأملا في عمق الدمار الذي يحدثه رعب الهزيمة أمام الاستبداد، ورعب فساد الثورات المنقلبة على أهدافها الأصلية …
2- قهر المجتمع …
انهزم ونستون وهو معتقد أنه انتصر على نفسه أو على ما يحيط به من معوقات. تبدلت مشاعر ومعتقدات ونستون لتصبح على عكس ما كانت عليه عبر رحلته مع القهر والقمع والتعذيب والخيبات التي لم يستبطن منها سوى أنه كان على خطأ مطلق منذ البداية … فمن هو المنتصر الحقيقي في كل ذلك : «الأخ الأكبر» (الحزب الحاكم) أم المواطن الأصغر (ونستون) ؟ ! 
رسم جورج أورويل في رواية «1984» ملامح الخيبة الساحقة لحلم التحرّر الاجتماعي والسياسي والفكري وملامح هزيمة الانسان المقاوم للاستبداد في العصور الحديثة، منتجا بذلك رؤية متشائمة حول مستقبل البشر تقرّ بعبثية التطوّر التاريخي وبقدرة الانسان على تدمير انسانيته بعد سلبه حريته من قبل سلطة الدولة (خاصة وان كانت هذه الأخيرة ترفع شعار تحريره …).
توحي لنا قراءة بدايات رواية «1984» أن أفق التحرّر من الاستبداد ممكنا وتقودنا نهايتها إلى التسليم باستحالته بسبب «اختلال» موازين القوى بين المجتمع والدولة في العصور الراهنة. وأورويل ينخرط في استخلاصاته (النقدية) فيما حصل للتيار الانسانوي في الفكر الأوروبي منذ اندلاع الحرب العالمية الأولى وحتى قبل ذلك ونعني منذ انطلاق المسيرة الاستعمارية الغربية (في مراحلها المختلفة ومنذ مطلع القرن السادس عشر …)، يعلم أورويل حقيقة الثمن الذي دفعته البشرية خلال مراحل استعمار أوروبا لأمريكا الشمالية والجنوبية ولافريقيا حيث تكفينا قراءة ما كتبه القس بارتولومي دي لاس كساس حول ذلك لنتمعن البون الشاسع بين تعاليم الديانة المسيحية وما اقترفه الكونكستادور الرافعين شعارات مستوحاة من تعاليم الكنيسة ورسالة المسيح … وقد عاصر أورويل فشل جهود التيار الفكري والسياسي الانسانوي (الأوروبي) من أجل انهاء الحرب العالمية الأولى – بأقل الأضرار – ومن أجل منع قيام الحرب الكونية الثانية بعد أن فشل في التصدّي لصعود الفاشية (الايطالية) والنازية (الألمانية) والعسكرتارية (اليابانية) وفي انهاء النظم الاستعمارية الغربية (منذ اعلان مبادئ الرئيس الأمريكي ولسن 1916). وأخيرا ولما كانت شعارات الثورة الاشتراكية تبشر بصباحات جديدة للبشرية، فان أورويل مثل عدد كبير من كبار مثقفي أوروبا الذين تعاطفوا في البداية معها، تبينوا من فساد مساراتها وانحرافها على الحلم الجميل. كذلك حاول جورج أورويل أن يجسد قناعاته في الدعم للنضال المناهض للاستعمار البريطاني في آسيا (حيث ولد في الهند سنة 1902 وبروما حيث عاش واشتغل)(1)  وفي المشاركة في الثورة الاسبانية(3)، لكنه خلص إلى أن المشروع الشيوعي (الستاليني) لا يختلف في طبيعته وأهدافه مع المشروع المضاد له (الاستعماري والرأسمالي) بل أنه أفضع لأنه يتلحف برايات الثورة والقيم. وعلى أساس ذلك استنتج أورويل حتمية هزيمة المشروع التي عاصرها وذهب إلى التفكير في ماهية الأسباب التي أنتجت تلك الهزيمة.   
وقد بيّن جورج أورويل أن قهر المجتمع هو وسيلة انتصار الاستبداد عامة وأنظمة الحكم الشمولي على وجه الخصوص. لذلك فهو يشير مطولا إلى الرعب الذي يستبطنه ونستون وأصدقائه من جراء مراقبة «الأخ الأكبر» والشاشة المراقبة وأجهزة الحزب بمختلف اختصاصاتها (الحقيقة، الفكر، الكراهية …) التي تتجمع لديها كل المعلومات التي تخصّ مشاعر وأفكار وأفعال المناهضين للحزب وقياداته. أما الملصقات التي يشاهدها كل سكان «لندن» في كل شوارع وأنهج المدينة والقائلة «الأخ الأكبر ينظر اليكم» … فهي تثير شعورين أولهما الحماية وثانيهما المراقبة الدائمة. كذلك يصبح المجتمع غير قادر على الابتعاد والاستقلال عن «الحاكم». وقد أورد أورويل نموذجا للشعور المحبط الذي عبر عنه ونستون: «على القطع المالية، والطوابع البريدية، والكتب واللافتات، والملصقات وعلب السجائر، في كل مكان ترى تلك العينين التي تنظر اليك وتسمع ذلك الصوت الذي يلفك … خلال نومك أو غفوتك، في العمل أو عند الأكل، في الداخل أو خارج البيت، في الحمام أو في الفراش، أنك لا تملك شيئا سوى بعض السنتمرات المكعبة من مخك …»(4) لكن العقل وكل الطاقة الذهنية تسقط في النهاية وتعجز عن مقاومة السيل الجارف من الدعاية السياسية لصالح الحزب (الحاكم والمسيطر …) لأن ايقاع التفكير يصبح منسوبا على ذلك التأطير المحكم والتضييق المبرمج لمجالات الحرية المحتملة. وعلى أساس ذلك يصبح المقموع والمقهور والمهزوم (سياسيا واجتماعيا واقتصاديا) أساسا هيكليا لاستمرار نسق الاستبداد الشمولي ويتحوّل المجتمع من قوّة ذات قابلية لمقاومة الطغيان إلى مجال لاعادة انتاجه لأنه وعي باستحالة تغيير الأشياء والأوضاع. 
كان الفضاء الاجتماعي تحت حكم الأنظمة الاستبدادية التقليدية مجالا للمقاومة وملجأ المقاومين، لكن النمط الاستبدادي الجديد (والناجم عن ثورات أيديولوجية) يختلف في «جوهره» (حسب عبارة الفيلسوفة الألمانية حنة ارندت) عن الأنماط المعهودة في التاريخ القديم وقد يعود ذلك إلى أن الاستبداد الجديد جاء نتيجة لثورات أيديولوجية أسست نظرة للعالم وسمها كارل بوبر بـ«الميتافيزيقيا التاريخانية» والتي توقف عند ملامحها لدى سلسلة من فلاسفة السياسة من أفلاطون إلى هيغل وماركس.
تخلى ونستون في نهاية الرواية (1984) عن وهمه المتعلق بامكانية تحرّر المجتمع من قبضة الدولة وأجهزتها القمعية والأيديولوجية حسب عبارة أنطونيو غرامشي لكن خضوع المجتمع أمر غير ارادي بل هو خضوع مؤقت أو ايهام بالخضوع أو تأقلم مع واقع القهر، وأنظمة الحكم الاستبدادية – منذ القدم – تقبل بذلك الوضع بشيء من الخبث والبلاهة في ذات الحين حيث أنها لا تثق بنزاهة علامات خضوع المجتمع من ناحية وتنتشئ بانتصارها عليه من ناحية أخرى. وقد قاد ذلك الشعور المزدوج إلى نوع من الانفصام في الخطاب والممارسة الاستبدادية حاول أورويل أن يفككها في كل أعماله السردية (مثل روايتي «1984» و«حديقة الحيوانات») وقد خلـّل جورج بوردو ظاهرة الانفصام السياسي والقانوني للنظام السوفييتي معتبرا أنه السمة الرئيسية للأنظمة الشمولية، لكن أبحاث كارل فيتفوجيل حول «الاستبداد الشرقي» أكدت منذ مطلع الخمسينيات أن القطيعة بين المجتمع (الخاضع والمقهور) والدولة (المستبدة) قد تصل في بعض الحالات (خاصة في المجتمعات المائية حسب عبارة فيتفوجيل) التي تملك فيها الدولة جميع قوى ووسائل الانتاج إلى الاقرار بالطبيعة الربانية للحاكم (مثل الفراعنة المصريين) وبالطبيعة الدينية لواجب خضوع المجتمع لمشيئته. وان لم يتطرق أورويل إلى الطابع شبه الديني لمسألة خضوع المجتمع للدولة المستبدة وحزبها وقد اتبعه سولجينتسين لاحقا في مؤلفه «أرخبيل الغولاغ» في ذات المقاربة لكنهما اشتركا في الاشارة إلى أن فكرة «دولة القانون» تتنزل في حيز اللامفكر فيه ضمن شروط الاستبداد الشمولي الذي واجهه كل منهما.
 لا يقبل الحكم الشمولي تعدّد الآراء واختلافها، حيث أن «الأخ الأكبر» يفكر ويقرر نيابة عن الجميع. وان أشار مونتسكيو ان خطر تغوّل السلطة التنفيذية على باقي السلطات (التشريعية والقضائية)، فان الكسي توكفيل اعتمد نظرة أكثر انفتاحا على الواقع الاجتماعي وعلى الذهنيات التي تنخرط في التحوّلات التاريخية (بما فيها التحولات الثورية) والتي بحكم تأكيدها على مساواة كل الناس في الحقوق (وحتى في الواجبات) قادرة على الانسياق في مسارات استبدادية تلغي الاختلاف والتنافس. وذلك ما ذهبت اليه حنه أرندت بعد دراستها للثورتين الفرنسية والأمريكية في مؤلفه الغزير «محاولة في الثورة» لتخلص إلى استنتاج أن الاستبداد يمكن أن ينتصب على أرضية مبادئ التحرّر الاجتماعي مؤسسة بذلك ما بيّنته أبحاث تيدا سكوبول من أن نتيجة الثورات كانت دائما تقوية لبنى الدولة وهياكلها على حساب المجتمعات وقواها مما يمكن أن يفتح المجال إلى بروز أنماط جديدة من الطغيان السياسي. 
وأفزع جورج أورويل القراء حين أكد أنّ العائلة يمكن أن تتحوّل إلى امتداد لهياكل القمع والمراقبة البوليسية. وقد جاء في رواية 1984 وصف شبه تقريري (يذكرنا بما وصل الينا من حقائق في أنشطة «التشبيه الهيتليرية» …) عن دور الأطفال المعاضد لعمل «شرطة الفكر» و«رابطة الشبان» لممارسة نوع من الجوسسة على أفكار ومواقف أوليائهم وجيرانهم وابلاغ أجهزة الحزب بذلك.
 وتتولى «وزارة الحب» استنطاق وتعذيب المذنبين الذين اقترفوا جريمة ما في حق «الأخ الأكبر» كما وصف ذلك ونستون : «تقع الاعتقالات دائما خلال الليل … وفي أغلب الحالات ليس اثر محاكمات أو قرارات قانونية. كذلك يختفي الناس ليلا وبكل بساطة. وتسقط اثر ذلك أسماؤهم من الدفاتر والبيانات، وكل الذكريات المتعلقة بهم لينتفي كل وجودهم الماضي وينسى. كذلك يتمّ الالغاء …»(5).
    ان الغاء الفرد ينبع من قدرة الدولة (الاستبدادية والشمولية) على الغاء المجتمع واعتبار ذلك من صلوحيات الحكم ومن مواصفات السيادة على المجتمع ومن مشمولات قيادته. فالمجتمع اذن، موجود من أجل الدولة وليس له أن يكون قوّة في مواجهة الدولة والحكم. وحتى يكون خضوع المجتمع للدولة واقعا ثابتا فانه من الضروري – حسب أورويل – أن توجه التعبئة الشعبية نحو العداوة إلى القوى الأجنبية أو القوى المناوءة في الداخل. ويرى أورويل أن «ذهنية الحرب» هي أحسن نقيض لذهنية المعارضة لذلك يركز الحزب على تربية أنصاره ومناضليه على مبدا الاستعداد لخوض الحروب الحقيقية أو الوهمية التي من شأنها أن توحد الصفوف بشكل دائم. و«ذهنية الحرب» هي امتداد لثقافة «كراهية العدو» التي يشير اليها ونستون عندما يشارك في فعاليات «أسبوع الكراهية» أو «دقيقتين للكراهية» اليومية، وغيرها من التظاهرات التي تساعد على الحفاظ على التعبئة الشعبية المساندة لسياسة الحزب وفق خططه لتأطير المجتمع واخضاعه. 
ويصف ونستون تلك الفعاليات : «ان المرعب في تلك الدقيقتين للكراهية لا يكمن في أننا مجبرون على آداء دور ما فيهما، بل على العكس، في أننا لا يمكن أن نتجنب الالتحاق بذلك. وتبرز مع ذلك نشوة كريهة فيها خوف وحقد ورغبة في القتل وفي التعذيب وفي دوس الوجوه بواسطة مطرقة، وتنتشر تلك النشوة في جمهور المشاركين كتيار كهربائي محوّلة كل واحد منهم – بالرغم عن ارادته – إلى مجنون متشنج. لكن الهيجان الذي يشعر به الكل ليس سوى انفعال عاطفي مجرد وغير مباشر والذي يمكن تغيير وجهته من شيء إلى آخر مثل نار مصباح المناجم …»(6). انّ حب الحرب يضمن – على المدى القصير – حب الحاكم المشارك والقائد للحرب (حتى وان كانت الحرب خيالية …) وتوجه انشغال «الرأي العام» إلى خارج البلاد وهمومها. لذلك فان حب الحرب وشهوة العنف ضد الأجنبي (وأنصاره الداخليين) لا تعدو أن تكون سوى أسلوب حكم وصيغة من صيغ اخضاع المجتمع واقصائه عن شؤون البلاد الداخلية. ويرافق «حب الحرب» واستبطان شعور الخضوع للحاكم بشكل شبه نهائي تربية ذهنية يستوجبها المنطق الاستبدادي الشمولي الذي يستند إلى منظومة فكرية تحاول أن توفر أجوبة لكل الأسئلة وأن تغير مضامين ومعاني الكلمات والمفاهيم وابتكار الجديد منها على ضوء مصالحه وأهدافه (النوفولانغ أي اللغة الجديدة). 
يستوجب قهر المجتمع خضوعا مطلقا للفرد وانصهاره تماما في البنى والهياكل التي يضعها الحكم (الشمولي) مؤسسا بذلك مواصفات السلوك الايجابي والمنسجم في جميع أصعدة الحياة الفردية بما في ذلك البعد العاطفي والنشاط الجنسي «سوف نلغي اللذة الجنسية …»(7). ولكن جهد تطويع نفسية وذهنية الفرد على ضوء مصالح وأهداف الحزب الحاكم (الحكم الشمولي) يعيدنا على المربع الأول أو السؤال الأول : ماذا فعلت الثورات الأيديولوجية (مهما كانت طبيعة تلك الايديولوجية سياسية أو دينية …) بالحلم الذي أوجدها وشكل قاعدة تأسيسها الأول ؟ فقد اعتبر جان بيار بيكو أن رواية (1984) شرحت كيف أن الثورات الأيديولوجية لا تنتج سوى «الأفق المغلقة» وأنها في ذلك تؤكد المنحى الفكري الذي انحاز اليه الروائيون الذين عالجوا – بشكل صريح أو ضمني – ذات المسألة مثل ألدوس هكسلي (البريطاني) أو أوجين زامياتين (الروسي) أو جاك لندن (الأمريكي)(8).
ويستخلص من رواية 1984 أن «انسداد الأفق» مصير حتمي تحدّده أوضاع الدكتاتورية الشمولية، ويقبل به الفرد والمجتمع بأشكال متعدّدة وعن وعي أحيانا وعن لا وعي أحيانا أخرى لأن التفكير في البديل عنه أمر مستحيل على المدى المعقول أو المعقلن، كذلك يكون الانصياع «للأخ الأكبر» ولنظام المراقبة اللصيقة لمجريات الحياة اليومية (الفردية والجماعية)، ضربا من القبول بالهزيمة والفشل في تصور حياة أخرى ومغايرة تكون ممكنة مهما كان شكل تلك الامكانية. أما اذا تطوّر الوعي (النقدي) بانسداد الأفق إلى مدى أوسع وأرحب أصبح أفقا خطيرا على الذات وعلى الوجود بأكمله لأن الخوف سوف يمنع اكتمال الحلم بالتحرّر (مجددا) وبتحقيق شروطه ويسقط المسعى في العدم ويجعل الحياة مشروطة بشروط لا انسانية تماما مثلما تيقن من ذلك ونستون في نهاية تجربته التمردية المحفوفة بالخيبات والخيانات ومثلما أوحى بذلك ألكسندر سولجنتسين في روايته «يوم واحد من حياة ايفان دنيسوفيتش.    
حاول ونستون (وجولي) التأقلم مع أوضاع أوسيانيا ومع حكم «الأخ الأكبر»، لكن الخوف متأصل فيهما والمتنامي دوما جعل المعاناة والخوف الممتزجين كنها أصليا للحياة ودرجة مرتفعة كل يوم من سلسلة انهيار داخلي قادهما إلى الشعور والوعي بعبثية اختيارهما. وقد بشرهما بذلك أبراين الصديق المعارض – مثلهما – ظاهريا والمسؤول الكبير في شرطة الحزب والأخ الأكبر : «عليكما أن تتعودا الحياة بدون نتائج وبدون أمل لأنكما تستعملان فترة من الزمن ثم يلقى القبض عليكما، تفترقان وبعدها تموتان» … وذلك ما حدث وذلك ما كان ونستون يتوقعه أن يقع بعد أن استبطن هزيمته المقبلة حتما وان مال – لفترة – إلى فكرة المقاومة أو على الأقل التأقلم مع الوضع في صيغة الاستقلال أو الحياد بفكره وسلوكه. ولكن كيف الهروب من سلطة تسكن معك وفيك وفي ضميرك وقادرة على أن توجه أنفاسك وأحلامك الحميمة. وأن تقول لك : «سميث (وهو لقب ونستون …) نعم أنت سميث، نحن أكثر» لأنه لم يكن يؤدي التمارين الرياضية الصباحية وفق التعليمات الصحيحة والحال أن الشاشة تراقبه على طول النهار وحيثما كان : «سميث ! ونستون سميث رقم 6079 أخرج يديك من جيبك !» … فإلى أين المفر …
لا الحب ولا الجنس قادران على فتح آفاق أمام المنهزمين في مواجهة الدكتاتورية الشمولية. وقد اعتبر ونستون أن اللجوء إلى العقل هربا من الخوف قاتل للأمل وللحب لذلك كانت علاقته بجولي – رغم الخوف من أن تكون جاسوسة للأخ الأكبر في البداية ثم مجاراتها في حبها لاحقا – مبهمة الأسس والدوافع، حيث كان يشعر «بانقباض يخالطه خوف وعداء اذا رآها على مقربة منه» … فهو أخطأ في حقها لأنه حاول عقلنة شروط التفاعل معها (وقد كانت مخلصة معه) وأخطأ في خصوص اوبراين الذي سعى إلى ربط علاقة وطيدة معه معتبرا أنه من أشد المناضلين المناهضين للحزب واستبداده (وقد كان من أعتى ناشطيه في مجال القمع … !).
اذن، نحن ازاء هزيمة للعقل. ويجعل جورج أورويل تلك الهزيمة عنوانا للمرحلة التاريخية التي عاصرها منذ انحراف الثورة الروسية التي انطلقت على أساس عقلانية محضة (الماركسية – اللينينية) وأرادت في أصلها أن تكون تجاوزا دياليكتيكيا لعقلانية الأنوار. فقد أصبح الشرط الانساني شرطا لا معنى له بسبب اتلاف كل توق وممارسة للحرية فيه. حيث يكتب أورويل «ولعل أفظع ما قام به الحزب هو أنه استطاع اقناع الناس بأن مجرد الدوافع ومجرد الشعور لا قيمة له ولا يؤبه له، وفي نفس الوقت حرم الناس من جميع أنواع السيطرة على العالم المادي». 
هي هزيمة للبشر وللعقل وللحلم : أهكذا تنتهي الثورات  ؟ ! ذلك هو السؤال الذي طرحه أورويل. لكن جوابه شديد القتامة لأنه لم ير نفعا في المقاومة ولا يقرّ في النهاية سوى بالحكم المطلق الوحيد : الموت ويكتب : «قال ونستون : اننا نحن الأموات. ورددت جولي صدى كلماته قائلة : نعم اننا نحن الأموات. وقال صوت حديدي من ورائهما : انكم أنتم الأموات، فقفزا وانفصلا عن بعضهما واصفرّ وجه ونستون واكفهر وابيضت عينا جولي وغدا لون بشرتها كلون الحديد وانتصب شعر رأسها. وكرّر الصوت الحديدي : انكم أنتم الأموات …». لا يمكن للفرد أو للمجتمع أن يقاوم من جمع بين يديه كل وسائل القوّة. لذلك لا يمكن للحرية أن تتوفر الا مع حلول الموت. لأن طول الانتظار يولد عدم الانتظار» كما كتب ألبير كامو في روايته «الطاعون». أما الموت فهو لن يوفر الحل أو نهج الخلاص لأنه موت حتمي ومن شروط الهزيمة الحتمية كما استوعبها ونستون أثناء التحقيق والتعذيب «لا تتصوّر بأنك ستنقذ نفسك مهما استسلمت لنا استسلاما مطلقا. اننا لم نبق على حياة أي شخص ضل الطريق …» ذلك هو الرعب الذي أراد أورويل الاشارة اليه كخطر ممكن ومحبط في آن واحد. وهو خطر انتصاب نوع مرعب من أنمطة الحكم واحتمال بروز نهج مرعب لتطوير التاريخ الذي سيؤول إلى اغتيال الذاكرة (التاريخ القديم) والحلم (التاريخ المستقبلي) كما أشار على ذلك فرانسوا بداريدا (9). واغتيال الماضي ملازم لاغتيال المستقبل أي أن تشويه الحلم (الثورة …) يستوجب بالضرورة تشويه الذاكرة (أفكارا ونضالات …). لقد كتب أورويل سنة 1939 محللا كتاب الفيلسوف البريطاني برتراند روسيل «السلطة : تحليل اجتماعي جديد» : أنه من الممكن أننا بصدد السقوط في مرحلة حيث اثنان مع اثنان يساويان خمسة اذا ما أراد الزعيم ذلك !»(10) أي أن الحقائق سوف تتبخر لصالح القرار السياسي كما جاء ذلك على لسان روباتشوف بطل رواية «الصفر والمطلق» حين قال : كثيرا ما علمنا التاريخ أن الأكاذيب خدمته أكثر من الحقائق»(11).
     
    
3- أورويل : عبء التاريخ ومسؤولية الكاتب 
    ان الحقل المعرفي للتاريخ جزء مهم في كل تجارب مقاومة الطغيان والشموليات السياسية والدينية والأيديولوجية. وقد تعجز الذاكرة التاريخية على صياغة طريق الحق والحقيقة اذا ما انحرفت على المحاذير الأخلاقية التي كتب عنها المفكر تزيفتان تودورف في مؤلفه «تجربة شمولية»(12) ان ذاكرة الماضي تكون عاقرة اذا لم نباشر مسألة الشر … وتلك المباشرة التحليلية لا يمكن أن تكون انتقائية ومترددة بمعنى أن ممارسة «الشر» (بالمعنى الكانطي للمفهوم) – لا يمكن أن تقبل حينما تؤسّسها أو تبرزها شعارات دينية أو فلسفية ثورية بوجه من الأوجه. فالشرّ شرّ والغاية لا تبرّر الوسيلة. وقد اعتبر كوستلير أنه من غير المعقول أن يكون مناهضا للفاشية متسامحا مع الشمولية وذلك لأمر بسيط بيّنه ألبير كامو حين قال أن الاستبداد لا يصبح حلوا اذا ما مزج بشعارات ثورية … فالمسألة سياسية وأيديولوجية أو بعبارة أدق مسألة أيديولوجية سياسية تستوجب التحليل وفق المقاييس الموضوعية التي كتب في شأنها عالم الاجتماع الفرنسي بيار أنسار أنها منظومة فكرية وقيمية تفسر وتبرر الممارسة البشرية في مختلف مجالات حياته الفردية والجماعية (بعد أن لعبت الأساطير المعتقدات الدينية – ذلك الدور – ) وأنها توظف – وفق مصالح وأهداف محدّدة ومرتبطة بفئات وطبقات اجتماعية محدّدة – في الصراع السياسي من اجل الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه (13) وكثيرا ما يكون التبرير الأيديولوجي (والفلسفي) مضللا، لذلك لم يكترث أورويل بالمسألة الأيديولوجية ليكثف اهتمامه بمسألة الواقع الملموس. وهو مارس ذلك الحرص المنهجي بخصوص السياسة الاستعمارية البريطانية في آسيا (14)، وبخصوص استراتيجية الأممية الشيوعية وبعض الدول الديمقراطية الأوروبية ازاء الثورة الاسبانية التي شارك في أحداثها ليخلص في النهاية إلى تحليل مآلات الثورة الاشتراكية في روسيا (مع مقارنتها بمصائر الثورات الوطنية والفاشية والنازية).
    وقد كتب أورويل معلقا على المقاربة المنهجية التي طورها بمناسبة تحرير روايته «1984» : «أنا لا أعتقد أن نمط المجتمع الذي أصفه سوف يظهر حتميا، لكنني أعتقد أن شيئا مشابها له يمكن أن يحدث … واذا كانت ساحة الرواية توجد في انجلترا، فذلك لأبيّن أن الأعراق الأنكلوساكسونية ليست أرفع شأنا من غيرها وأن الشمولية اذا ما لم تعارضها مقاومة فهي مؤهلة للانتصار في أي مكان من العالم …»(15)  وليس من المهم بالنسبة لأورويل أن يكون التبرير الأيديولوجي للدكتاتورية الشمولية خطابا ذا مرجعيات فلسفية أو عقائدية نبيلة أو أخلاقية، بل أن أساس فهمه للواقع وتقييمه له هو الأحداث والأعمال الملموسة وافرازاتها ونتائجها وتأثيراتها على حياة الناس.
    كان جورج أورويل اشتراكي العقيدة وماركسي النزعة … وبطبيعة الحال فهو كان معنيا بشأن البناء الاشتراكي في الاتحاد السوفييتي خلال مرحلة النصف الأول من القرن العشرين. وان كان أورويل كاتبا (وصحفيا) ملتزما بقضايا العدل الاجتماعي والتحرّر السياسي فهو لم يكن اطلاقا كاتبا حزبيا ولم يسقط في متاهات الشعارات والصراعات الفكرية حول مفاهيم الأدب البروليتاري أو الحزبي أو الاشتراكي أو الملتزم التي برزت في أوروبا منذ نهاية العشرينيات بل أنه بقي مبدعا حرّا دون السقوط في فخاخ الاستقلالية وانعزال الآداب عن صراعات وقضايا العصر والمجتمعات.
    وقد اقتنع جورج أورويل منذ بداية الأربعينيات (من القرن العشرين) أن ما يجري في الاتحاد السوفياتي لا علاقة له بالاشتراكية وبالديمقراطية، بل أن المنظومة الستالينية لا تختلف نوعيا وجوهريا كما عرفته أوروبا من تجارب حكم دكتاتورية انتهت بنهاية الحرب العالمية الثانية. كذلك انطلق أورويل (1944) في تحرير رواية قصيرة اعتبر بأنها «لن تكون على ما يرام سياسيا» وسماها «حديقة الحيوانات». وقد برر أورويل تلك الرواية العجيبة «خلال السنوات العشر الأخيرة بت على قناعة تامّة بأن نزع القناع الواقي عن خرافة السوفييت، أمر ضروري ان كنا نريد حقا اعادة الحياة إلى الحركة الاشتراكية. (…) لدى عودتي من اسبانيا، وجدت أن في امكاني أن أكشف حقيقة الخرافة السوفياتية الستالينية في قصة يمكن أي امرئ أن يفهمها بسهولة … كما يمكن نقلها إلى اللغات الأخرى. غير أن التفاصيل ظلت عصيّة عن الوصول اليّ حتى شاهدت ذات يوم في قرية صغيرة كنت أعيش فيها، صبيّا يسوط جواده بعنف في طريق ضيّقة يبتغي المرور بها. على الفور واتتني الفكرة : لو كانت هذه الحيوانات واعية بقوّتها لما كان في امكاننا أن نتسلط عليها»(16).
    «حديقة الحيوانات» هي قصة الثورة الروسية ومآلاتها، لكن في عالم الحيوان وليس البشر، تصبح فيها الانحرافات الستالينية ضربا من الانتصار للغرائز الأصلية لسلبيات الأنانية والتجبّر والحكم المطلق وقانون الغاب مع التبرير لذلك بقيم الثورة التي أنجزتها الحيوانات في البداية والتي لم تفلح سوى في جعلهم يعودون إلى الأوضاع التي ثاروا ضدّها والتي اتخذت أشكالا جديدة.
    لم يتوان أورويل في كل أعماله الابداعية وكتاباته النقدية والصحفية عن طرح مسألة حرية الانسان وحقوقه دون ايلاء أي مصداقية أخلاقية للخطاب والممارسة المناهضة لذلك حتى وان كان ذلك باسم مصلحة الثورة. كذلك شكلت مسألتا الحرية والعدالة الاجتماعية الهاجس المركزي في فكره ومواقفه أي أنه كان مثقفا ملتزما وحرا بالمعنى الذي سوف يمارسه ألبار كامو (وغيره) بعده. وقد أشرنا إلى هذه المسألة لكننا نعود اليها مع ربطها بمقاربة أورويل لمسؤولية الكتابة.
    شكل مفهوم المسؤولية (كما مفهوم الحرية) قاعدة التيار الفلسفي والفكري الذي هيمن في أوروبا الغربية اثر الحرب العالمية الثانية. لكن أورويل اعتبر أن الربط بين المسؤولية والحرية يستوجب تأسيس الحقائق التي يلمسها كل الناس وتستوعبها كل العقول لأنها لا تنطلق من التصوّرات الخاصّة والمجرّدة لدى بعض الأصناف (المثقفين …) بل مما يشكل اطار الحياة الحقيقية لجمهور الناس. وقد أكد جورج أورويل في مؤلفه «لماذا أكتب ؟! (1946) على ذلك الرّأي حيث اعتبر أن الحاجة على الكتابة تنبع من الحاجة إلى تصوير الأشياء ومن رغبة النظر اليها كما هي وبالتالي لاكتشاف الحقائق في الأحداث، وأن كل ذلك، لا يمر عبر الرواية أو النظرة الواقعية المفتقرة للذات بل عبر الحكاية المرتبطة دائما بسردية التجربة المفيدة والتي لا يجب اهمالها حتى يمكن اقتسامها مع الجمهور (17) . ويتمثل جورج أورويل عملية الكتابة المسؤولة والحرة كممارسة لا تقتصر على المعاينة بل أنها تشمل في ذات الحين المعايشة والسرد. ففي «البؤس في باريس ولندن» وفي «رصيف فيفان» وفي «مديح كاتالونيا» ثبت جورج أورويل تجاربه القاسية مع الفقر والبطالة والمشاركة في الثورة الاسبانية، لكن كتاباته لم تكن تقريرية ولم تنزع إلى منطق المعاينة والشهادة بل أنه صاغها بشكل مخالف ليجعلها انعكاسا لواقع الحياة ومادة للاعتبار. وقد حدّد جورج أورويل منهجه في الكتابة على أساس مقاربته لدور الكاتب أو المثقف في المجتمع معتبرا أن «عندما يلتزم كاتب في الحقل السياسي، فعليه القيام بذلك كمواطن، أي ككائن بشري وليس ككاتب»(18) غير مكترث بالنزعة الفكرية الآخذة في الصعود والانتشار في أوساط الكتاب والمثقفين عموما والملتزمين منهم على وجه الخصوص، وهي كل من النزعة «الواقعية الجديدة» و«الواقعية الاشتراكية» المتمحورة – بدرجات مختلفة – حول مبدأ وصف العالم والأشياء وفق منطق الجرد أو الاحصاء. فقد كتب أورويل معلقا على أسلوب جيمس جويس في كتابه «عوليس» معتبرا أنه نموذج لـ»رواية تفتح لنا آفاقا جديدة ليس عبر اكتشاف عالم جديد، بل عبر اكتشاف عالمنا الأكثر حميمية …»19.
    ما كان يشعل فكر ومهجة جورج اورويل هو عدم الوعي بمقتضيات الحياة الواقعية في «العالم الاعتيادي أو المألوف» أي العالم الذي يعرفه ببساطة الناس البسطاء حسب عبارة الشاعر جاك بريفار. فالعالم الاعتيادي أو المألوف هو العالم الذي لا تزيفه الخطابات الأيديولوجية. وقد حدّد أورويل فهمه للمسألة منذ سنة 1936 في رسالة إلى الكاتب الأمريكي هنري ميلير حيث كتب : «لدي نوع ما موقف طبيعي ومباشر متأصل عميقا في داخلي أشعر بمقتضاه بنوع من الارتباك اذا ما غادرت هذا العالم الاعتيادي (المألوف) الذي يكون فيه العشب أخضر والحجر صلب»(20) مضيفا في مناسبة أخرى توضيحا لمقاربته في الربط بين الكلمات والأشياء : «تفقد الكلمة سلطتها اذا ما ابتعدت كثيرا، أو بأكثر دقة، اذا بقيت مطولا بعيدة عن العالم الاعتيادي (المألوف) حيث اثنان مع اثنان يساوي أربعة …»(21) . وقد توصل أورويل، عبر تجربته الحياتية الثرية، إلى الاعتقاد أن الأيديولوجيات الشمولية قادرة على القاء حجاب على الواقع الملموس والاعتيادي وبلورة حقيقة كاذبة تصبح على مرّ الزمان وبفعل الترديد الواعي أو غير الواعي حقيقة تاريخية مؤكدة. وقد عاين جورج أورويل ذلك التشويه للتاريخ، خلال تجربته الاسبانية في صفوف حزب «البوم» (بقيادة أندرى نين) الذي تمّت تصفيته وأنصاره من قبل الأعوان الستالينيين في حين كانوا من أصلب المناضلين في صفوف الثورة الاسبانية (22).
    واذا كان الخطاب الرسمي (الحكومي) البريطاني يشوه حقائق الواقع الاستعماري (البريطاني) في آسيا، فانّ الأجهزة الدعائية الشيوعية (الأممية الثالثة) كانت تشوه حقائق ووقائع النضالات الثورية في العالم – خلال الفترة ما بين الحربين وبعدها – لذلك طوّر جورج أورويل موقفا حذرا من تلك الجهود من منطلق الوعي النقدي المستوجب في كل عمل فكري من ناحية معيدا الاعتبار إلى أولوية الحقائق والوقائع العينية والملموسة والمشكلة للعالم الاعتيادي كما يعرفه الأحياء وكما يعيشون تطوّره من ناحية أخرى. 
    وقد رسم جورج أورويل مسيرة قناعاته الفكرية في هذا الموضوع (سنة 1942) حين كتب : «لقد شاهدت، بالفعل، كيف لا يكتب التاريخ وفق ما حدث في الواقع، ولكن حسب ما كان يجب أن يحدث حسب مختلف «خطط الحزب» (…) ومثل هذه الأشياء ترعبني لأنها تولد لدي شعورا بأن مفهوم الحقيقة الموضوعية، هو بذاته، بصدد الانتفاء من العالم (…). وقد أكون مستعدّا للاعتقاد أن كتابة التاريخ في أغلب الأحيان محرفة وغير دقيقة، لكن زمننا هذا يشهد التخلي عن فكرة أن كتابة التاريخ يمكن أن تكتب وفق الحقيقة. في الماضي، كان الناس يكذبون قصديا، ويذوقون لا وعيا ما يكتبون أو يبحثون عن الحقيقة بالرغم من أنهم يعلمون أنهم سوف يقترفون، لا محالة، بعض الأخطاء. لكن، في كل الحالات كانوا يعتقدون أن الوقائع قد حدثت وأنهم قادرون بشكل ما أن يكتشفوها. وفي الواقع، كان دائما هناك مجموعة من الوقائع محل اتفاق بين أكبر عدد من الناس …»(23).
    كان أورويل يخشى تنامي تزييف التاريخ لأن ذلك سوف يقود إلى نزيف الوعي التاريخي لدى المثقفين ولدى جمهور الناس وتشويش المعلومات لديهم الأمر الذي يستحيل معه الوقوف على حقيقة أوضاع حياة البشر من ناحية ويفسد كل جهد تحليلي لما يشهده العالم من تحوّلات من ناحية أخرى. كذلك ينتصر الخطأ لدى البعض ويعمّ الوهم لدى البعض الآخر … ذلك هو الدور الذي بدأت الأيديولوجيات الحديثة تلعبه منذ مطلع الثلاثينيات حسب أورويل مما جعله يركز جهده النقدي على تلك الآفة التي تهدّد الحدّ الأدنى من الاتفاق بين المؤرخين (في خصوص مسألة كتابة التاريخ) وبين المثقفين الراغبين في الالتزام بقضايا العصر الحقيقية وبين الناس الاعتياديين الذين لا يرغبون في أن يتلاعب بمصالحهم وضمائرهم. وقد لاحظ أورويل أن الحدّ الأدنى من الاتفاق المنهجي بين المؤرخين أصبح مهدّدا بفعل القراءة الشمولية للتاريخ : «وبالتحديد، فان تلك القاعدة للاتفاق (…) التي تدمرها الشمولية (…) حيث إن الهدف الذي يفرضه ذلك الخط الفكري هو عالم الرعب اذ أن الزعيم أو الطغمة الحاكمة لا تسيطر على المستقبل فحسب بل على الماضي أيضا، فاذا ما قال الزعيم «هذا الحدث لم يقع أبدا» فانه يختفي للأبد، واذا قال أن اثنين واثنين تساوي خمسة فان جمع اثنين مع اثنين يساوي خمسة. ذلك الأفق يرعبني أكثر من القنابل …»(24).
    عاش جورج أورويل في ظروف تاريخية شهدت قيام واقع مرعب يتداخل فيه القهر الاستعماري والقمع لحركات التحرّر والثورة من ناحية ويحول المشروع التحرري للبشرية إلى واقع مرعب تعمل الأيديولوجية إلى اضفاء طابع الحرية والتقدّم والسعادة عليه فتحوله إلى واقع زائف وتصبح الأيديولوجية الشمولية ذاتها زائفة مفسدة لذلك الأصل الذي انطلقت منه وان كان ذلك الأصل خلاصة للجهد العقلاني والتنويري، لأنه (أي جورج أورويل) وجد نفسه شاهدا على موت الحلم وانهيار الأوطوبيا التي اعتقدت قطاعات ضخمة من جماهير الناس المضطهدين والمقهورين أنها سوف تتحقق وتجز حلم الحرية والسعادة والمساواة ليستفيقوا على وحش أعتى من ذلك الذي حاولوا الهروب منه.
    ان البون الشاسع بين الحلم والواقع هو الذي فتح بصيرة ونستون سميث في رواية «1984» التي وضع لها أورويل في البداية عنوان «الرجل الأخير في أوروبا» لكن القمع سحق ونستون سميث وجعله يقبل بهزيمته .. مؤقتا لأن ما واجهه من «جهنم البشرية» قد انهار لأنه لا يمكن أن يدوم إلى ما لا نهاية مثل كل الأوبئة التي تفسد الأحياء وتنتهي بموتهم ذلك ما ألمح اليه ألبار كامو في روايته «الطاعون» الذي شكلت رواية «1984» احدى روافد صياغتها الرائعة حيث يبرز فيها الوعي بأن الخوف مثل الطاعون مبيد للحياة : «هناك في التاريخ لحظات يعاقب فيها من يجرؤ على القول بأن اثنين واثنين تساوي أربعة بالموت (…) والمسألة ليست في أن تعرف ما هي المكافأة، أو ما هو العقاب الذي سيتبعه هذا التفكير، وانـّما تنحصر المسألة في أن تعرف ما اذا كان اثنان واثنان تساوي أربعة أو لا. فمواطنونا الذين جازفوا في هذا الوقت بحياتهم كان عليهم أن يقرروا ما اذا كانوا في وقت الطاعون أم لا، وما اذا كان من الواجب عليهم أم يكافحوه أم لا. وقد دأب (كثيرون) يقولون : انه لم يعد هناك جدوى من أي شيء. وانه يجب أن نجثو على أقدامنا (…) ولكن النتيجة كانت دائما ما عرفوه، وهي : أنه يجب علينا الكفاح بطريقة أو بأخرى، ولا يجب أن نجثو على أقدامنا. وفي هكذا زمن يكون من شأن أي انسان مهما كان مغمورا وبدا تافها أن يغدو بطلا بمجرّد أن يعطي ما للحقيقة للحقيقة وما لجمع اثنين واثنين حاصل جميعهما وهو أربعة، كما يعطي للبطولة ذلك المكان الثانوي الذي لا يستحق غيره»(25).
    قد ينتصر «الأخ الأكبر» في بعض مشاريعه، وقد تنجح صناعة الخوف في اعدام ملكة المقاومة والرفض وقد تتغلب قوة الوهم على حيوية العقل النقدي … لكن تلك النجاحات لن تكون سوى وقتية ونسبية لأن شغف الحرية والتحرّر غريزي الجذور ومتجدد القوى والفعالية لدى الانسان ولدى الانسانية ولأن بروميثيوس يسكن داخل ونستون سميث ولأن انسانية الانسان تجعله دائما «يرنو إلى الشمس المضيئة هازئا بالسحب والأمطار والأنواء» (أبو القاسم الشابي). كذلك لم يكتب جورج أورويل رواية حول الهزيمة البشرية بل للتنبيه بأن الرعب ممكن وأن له وجوه وأقنعة مختلفة.
             
    
               
      
1- Victor Serge : les révolutionnaires. Ed du seuil. Paris. 1967. P 956  
2- John Newsinger : la politique selon Orwell. Ed. Agone. Marseille. 2006. P 33.
ورواية جورج أورويل : حكاية من بورمة ….
3- George Orwell : Hommage à la Catalogne C. Ed. C. Bourgois. coll. 10/18. Paris. 1982.  
4- George Orwell : 1984. Ed. Gallimard. Folio. 1982. P 44
سوف نعتمد في هذا النص على النسخة المذكورة من الرواية.
5- المصدر السابق : ص 33.
6- المصدر السابق : ص 28.
7- المصدر السابق : ص 377.
8- Eugene Zamiatine : Nous autres (1920). Gallimard. Paris. 1980. Coll. Imaginaire.
Aldons Huxely : le meilleur des mondes. Ed. plon. Coll. Pocket. Paris. 1977.
9- François Bedarida : Histoire et pouvoir dans 1984. In. vingtième siècle. Paris. Année 1984. Vol 1. N°1. P 7-13. 
10- G. Orwell : collected essays … (4 vol) London. ???. 1968. Vol 1. P 413.
11- Arthur Koestler : le zero et l’infini. Ed. Lery. Paris. 1954. P 273. 
12- Tzvetan Todorov : l’expérience totalitaire points seuil. Paris. 2009. P 308.
13- Pierre Ansart : Idéologies, conflits et pouvoirs. Ed. PUF. Paris 1977. P 275.
14- Olivier Esteves: George Orwell, l’Empire et l’opinion politique britannique. In. histoire et politique. Paris n°11. Mai Aout 2010. P 1-17. 
15- G. Orwell : collected Essays. Op.cit. vol 4. P 564. 
16- أورده ابراهيم العريس : مزرعة الحيوانات، جريدة الحياة : 10/9/2006.
17- R. Williams : Orwell. London. Ed. Fontana Press. 1991. P 41-43. 
18- Cité in. Pierre Roussin : Orwell, l’antipotic De l’homme ordinaire. In. Communications. Année 2001. Vol 71. N°1. P 109.
19-  Ibid : p 108.
20- G. Orwell : Essais, articles et letters. Ivrea – Encyclopédie des nuissances. Tome 1. P 292.
21- Ibid. p 296.
22 F. Claudin : la crise du movement communiste international. Ed. F. Maspero. Paris. 1975. 2 tomes.
23- G. Orwell : Essais, articles et lettres. Op. cit. T 2. P 322-323.
24- G. Orwell : Essais, articles et lettres. Op. cit. T2. P 325.
25- أورده منذر بدر حلوم : أورويل في (1984) خادم الأخ الأكبر. جريدة السفير 26/3/2004.
—————
 
————————————————————
 
—————
 
————————————————————
 
1
 
 
        
 

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …