جولة في اخر معاقل العرب في الاندلس غرناطة : هالة عربية على ارث المستقبلاحمد فرحات – كاتب من لبنان

    *

      هناك ضرورة عاجلة لان تنسى نفسك ، اسمك وعنوانك في غرناطة .. انها مدينة العشق بامتياز.
    *

      جذور الفلامنكو عربية .. والراقصة شرفة اسطورية موشاة بالآف الرموز.
    *

      هناك جراح في الحجارة تتدفق منها مياه رائقة ملتوية .. وشمس الاندلس تنشد اغنية نثار تسمعها الاشياء كلها بخوف.
    *

      الزخرفة الاسلامية في قصر الحمراء تنم عن رؤية فلسفية تستلهم الرؤية الدينية والتوحد الجمالي معها.
    *

      راقص الفلامنكو .. عملاق من حنين وزعفران .. عاشق غرناطي لحرية مغلقة يفتحها ساعة يشاء.

الداخل الى مدينة غرناطة ، آخر معاقل العرب والمسلمين في الأندلس، كمن يدخل الى غبطة التاريخ وحقيقته المتأملة التي لا تزول وهي غبطة تدفعك – أنت العربي – الى 1ن تتلبث في كيمياء أمرين يتراكبان فيك دفعة واحدة : البكاء بعمق مقدس وتجريدي من جهة .. والاعجاب الناري بما تبقى من مشهد حضاري عمراني معجز اكتسب على نحو رائع سيماء الزمن .

ترتد اليك الروح الأخرى كعربي أدمن الهزائم منذ قرون ولا تصدق أن معادلة أجدادك الاستثنائية في الأندلس ، يمكن أن ترمم فيك ما لم تعد تؤمن أنه يصلح لترميم أصلا، وتكاد إزاء ذلك كله تفضل إثارة الايمان الحي بتاريخك على التوجه نحو ذكاء التحليل والبحث في دواعي الانحدار السياسي المريع الذي أدى بالعرب الى انهيار حكمهم وزواله في  شبه الجزيرة الأيبيرية ، بعد ثمانية قرون متصلة .

على أن زوال العنوان السياسي للعرب في الأندلس ، لا يعني البتة زوال أو شطب حضارتهم الزاهية وتأثيراتهم في عمق الشخصية الاسبانية الواهنة ومظاهر حياتها الثقافية والفنية ، وممارستها الاجتماعية واليومية ، مترجمة بالعادات والتقاليد والمعمار واللغة وفن العمارة والموسيقى والفلكلور والطعام والشراب الخ ..

لا تغترب كعربي معاصر في اسبانيا الواهنة من ناحية المظهر والمتحدات الخارجية من حواليك .. على العكس ، يضرب فيك مشهدها المتدفق بالأنواع والألوان بطريقة إظهار الشيء نفسه بقوة تبيان معناه الدفين فيك . إنك في الشكل النبيل إذا وأسطورته الواقعية الأكثر استحواذا على النفس .. حتى ليدفعك الأمر ولو وهما الى اللحاق بالأنموذج العربي الأندلسي القديم ، والتماهي فيه بغية امتلاك شي ء من بديهة الأبدية خلاله .

نحت فردي

إنك هنا إزاء نوع من عملية نحت فردية مضنية لتكوين حياة عربية مختلفة ، تنقصاها ولو بالانصات النظري الخالص .. تجد نفسك مضطرا لإقامة نظام حي وعذب للتوقعات ، يسطع من مرايا هذا الامتثال الحضاري الفائق الجذب والاثارة : إذ لو لم تكن هذي الحضارة الاندلسية هي هويتك على حقيقتها ومعناها في السميم ،فكيف لها أن تبث دلائلها بهذه الصلابة والشجاعة الجمالية فيك ؟

غرناطة ، هالة من المثالية والشاعرية .. انك فجأة في قلب امدائها.. مدينة عربية وسيمة بامتياز.. تقع على هضاب حمراء راسخة في تضرعها الى خالقها، ومعترفة بهذا العربي الجميل والحضاري جدا الذي بناها على إرث المستقبل.

إنها وثاق سحري خصوصي يشدك لتنغمر في أقواسه، وتصير أقل علما ومعرفة وذوقا مما كنت عليه بعد ولوجك فيه .

ومع ذلك وعلى الفور أيضا تصبح ذا طبيعة حزينة ساخرة ، ومنهوبة حتى آخر أعماقها، ولا يسعك في هذه الحال إلا أن تجد نفسك مدفوعا في اتجاه الاعتذار من التاريخ المجيد. فما أصاب أجدادك الأندلسيين من كوارث آلت الى زوال سلطتهم نتيجة الفتن والمؤامرات والحروب والانتصار بالعدو على الشقيق ، يصيب منك مقتلا، ويخرب عليك صفاءك الخارق . وهو الأمر الذي يستعاد اليوم (وان كنا أساسا في غير مقومات ما كانت عليه دولة أجدادنا في الماضي من تقدم ورقي وقوة ) وبنجاح منقطع النظير في متواليات حياتنا السياسية العربية الواهنة .

سيد اوروبا

بعدما كان عبدالرحمن الناصر، أقوى حكام الأندلس وخلفائها على الاطلاق .. بعدما كان هذا القائد سيد أوروبا، يخضع له ملوكها ويسترضونه بمختلف الطرق والأساليب .. بعدما تألق نجمه من خلال تألق صرح الخلافة الأموية في الأندلس . وذلك بنصف قرن من الزمان (أواخر القرن الرابع الهجري)، بدأ العد العكسي للانحدار والتراجع العربي في أوروبا. فمن خلفه من حكام على الأندلس ، كانوا بشكل أو آخر ضعاف نفوس وأهواء.. شهوتهم للتحكم والسلطة خربت عليهم كل شيء. فانهاروا تباعا، وانهار معهم عرش قرطبة .. وتحولت الدولة التي كانت متماسكة وقوية يهابها الجميع الى اقطاعيات متنابذة متحاربة لا يقر لها قرار.. انها دول «ملوك الطوائف» التي وصل تعدادها الى عشرين دولة أو مملكة ، وكانت غرناطة آخرها. حيث سقطت بيد الفرنجة ومليكتهم ايزابيلا ومليكهم فردينانا.. وكان ذلك في ربيع الأول سنة 897هـ/الثاني من يناير (كانون الثاني) سنة 1492 ميلادية .

مشهد تسليم غرناطة كان دراميا وحزينا جدا، كما تقول روايات التاريخ ؟ إذ سار السلطان المنكسر أبو عبدالله الصغير مع نفر من أتباعه الى خارج المدينة ، ووقف على جسر نهرشنيل لملاقاة الموكب الملكي القشتالي المنتصر.. ثم ما لبث لدى وصول الملك الكاثوليكي أن تقدم منه ، وقبل ذراعه بمهانة وخفر (الفريسة ترتبط بمفترسها) وأمر وزيره يوسف بن كماشة بتسليم مفتاح المدينة التي قاومت لأكثر من مئتي عام ، مطيلة بذلك الوجود العربي والاسلامي في الأندلس بعدما سقطت في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي كل ولايات الأندلس الشرقية والوسطى والغربية .

ثم تابع أبوعبدالله الصغير سيره الوئيد حتى وصل تل البذول (بادول) المشرف على غرناطة .. واستدار نحو المدينة العربية الآفلة مرددا عبارة .

«الله أكبر .. الله أكبر .. انه قدرك يارب العالمين ».. واذا بالدموع الساخنة تطفر من عينيه في الحال .

إزاء هذا المشهد الصعب ، تقدمت منه أمه بجسارة وبسالة قائلة :

«ابك مثل النساء ملكا مضاعا لم تحافظ عليه مثل الرجال ».

إثارة العشق

هكذا، لا يسعك وأنت في غرناطة الحبيبة إلا ان تستذكر هذه الواقعة التاريخية الأليمة ، وذلك مهما كانت ذاكرتك ضعيفة ، أو متسكعة في أماكن أخر. ثم تبدأ بمحاكمة ذاتك ببرودة إضمارية جارحة … ولا تطمح في النتيجة الى أكثر من إثارة العشق .

إلا أن ما يعزيك ، ويكشح عنك ضغط هذا الفم السياسي القديم ، هو أن أجدادك وعلى مدار سبعة قرون كانوا قد عمروا نفوذا آخر مقابلا، هو أهم وأعم من النفوذ السياسي، إذ تكاد تكون معادلة هذا النفوذ هي معادلة النظام الطبيعي للاشياء.

أجل ، فكل شيء في غرناطة وغيرها من المدن والحواضر الاسبانية يشي بأنه لا يزال عربيا، حتى اللغة الأسبانية تحمل حوالي ثلاثين في المئة من مفرداتها أصولا عربية والأمر النسبي عينه تقريبا من أصواتها وطريقة نطقها، علاوة على أن النحو العربي يتحكم في تركيب الجملة الاسبانية التي تنفرد من دون اللغات اللاتينية كلها بمرونتها وامكانية تحول الجملة الاسمية الى جملة فعلية، والفعلية الى اسمية ، تماما مثل لغتنا العربية .

ولا عجب في ذلك ؟ فبعد فتح اسبانيا بقرن من الزمان ، تم تعريب جميع سكان اسبانيا. يذكر الباحث د. سليمان العطار أن أحد قساوسة قرطبة واسمه "الفارو" كان يشتكي من إقبال الاسبان على قراءة الكتب العربية ، بينما لا يستطيعون فهم الصلوات اللاتينية في الكنيسة .

ويشير د. العطار الى أن امر يكوكاسترو، شيخ المؤرخين الأسبان ، يسقط في كتابه : "تاريخ اسبانيا الاسلامية " كل التاريخ الاسباني قبل العام 711 ميلادية ؟ وهو عام الفتح العربي، ويرى أن اسبانيا اليوم لا يمكن فهم تاريخها إلا باستقراء ما حدث فيها بعد العام 711م .

وما حدث هو الحضارة الاسلامية التي أتاحت لهذا المؤرخ الكبير حل الغاز التاريخ الاسباني، ابتداء من تخلف اسبانيا عن دخول النهضة الأوروبية وانفرادها بتاريخ مستقل داخل أوروبا، وانتهاء بالحرب الأهلية الاسبانية التي وضعت أوزارها عند مطلع الحرب العالمية الثانية .

لوركا العربي

من جانب آخر لو طالعنا الأدب أو الشعر الأسباني المعاصر برمته ، لوجدناه يحمل تأثيرات عربية اسلامية فوق العادة .. وذلك من نواحي المفردات والصور وحتى المضامين . فانتاج الشاعر فريدريكو غارسيا، أحد أعظم شعراء اسبانيا المعاصرين تخاله مطبوعا طابعا مباشرا بشخصية مدينته العربية غرناطة .. اضافة الى مدن اندلسية عريقة أخرى : قرطبة ، اشبيلية،  قادش ، حيث غنى مجدها الزائل ، واستثمره استثمارا مترعا بالعاطفة والتشويق العنيف .

وكان لوركا في معظم نثرياته وأشعاره يدهش أمام الموضوع الغرناطي الذي يمنح لنفسه . فكأنه هو الآخر كان يهيىء لانشاء أوابد جديدة انطلاقا من الأوابد الأثرية الساكنة .. وتلك المتحركة متجسدة في الانسان والطبيعة من حواليه . يقول لوركا: "هناك ذكريات عربية في كل الجهات ، أقواس ضاربة الى السواد وصدئه ، بيوت كرشاء وخنساء ذات دهاليز محدودة مغاور غامضة شرقية الخطوط نساء يبدو وكأنهن هاربات من حريم .. ثم غموض في كل النظرات التي تبدو وكأنها تحلم بأشياء ماضية .

من الأزقة ، تشاهد المرتفعات المزدهية ذات الأسرار العربية .. هناك جراح في الحجارة ، تتدفق منها مياه رائقة ملتوية ويتثاقل الى الشارع الأسفل ".

ويردف لوركا أيضا:

" شمس الأندلس تنشد أغنية نار تسمعها الأشياء كلها بخوف ".. هنا وهناك في غرناطة ،تسمع دائما الاصداء المورية "، (المور اسم يطلقه الاسبان على العرب )، ينزلق حزن أليم لا شفاء منه فوق القرية البيازينية (البيازين هو الحي العربي الباقي في غرناطة ) وفوق المنحدرات العظيمة الحمراء والخضراء لقصر الحمراء، ولحدائق الخلفاء، ويتغير اللون شيئا فشيئا، ومع تغير اللون ، يتبدل الصوت .. هناك أصداء وردية ، أصداء حمراء أصداء صفراء وأصداء عجيبة للرجع وللون ".

وفي دواوينه الشعرية : "انطباعات "، "كتاب القصائد"، «أغاني»، «قصيدة الفناء الاندسي »، «قصائد غجرية» و«ديوان التماريت » ينقلنا لوركا معه الى أجواء مسرحه المكاني حيث عاش ورسم لنا من جديد كل الأجواء العربية .. نقتطف من قصيدة له بعنوان "طريق ":

"مئة فارس حدادين /الى أين يذهبون ؟لم عبر السماء المضطجعة / لحقل البرتقال / لن يصلوا الى قرطبة ولا الى اشبيلية / ولا الى غرناطة التي تتنهد بعد البحر/ الى أين يذهب المئة فارس اندلسي ؟".

في قصر الحمراء

قصر الحمراء درة غرناطة وعنوانها وشعارها التاريخي الأول ، يكاد يكون هو المعلم العربي الأبرز في الأندلس راهنا. يطل على المدينة الحديثة من هضاب عالية تشكل جزءا منها، أو على الأصح هي في موقع القلب من المدينة .. والقصر ولا شك شاهد معجز على عظمة عرب الاندلس ورقيهم الحضاري ونهضتهم العمرانية والهندسية والفنية وقتذاك .

بناه سادة الأندلس في العام 1238: وأول من وضع حجر الأساس فيه هو السلطان محمد الأول ابن الأحمر (1203 -1273) مؤسس السلالة الناصرية .. ثم أضاف على البناء فيما بعد كل من يوسف الأول ومحمد الخامس . ومن بعدهما جاء خلفاء آخرون ليوسعوا ويحسنوا فيه ما ارتأوا الى ذلك سبيلا.

وبعد سقوط غرناطة ،تعرض القصر الى شيء من الهدم والتحوير، بخاصة على يد شارل الخامس ( 1500 -558أ ) الذي أحب على ما يبدو أن يتشفى من رموز الحضارة العربية الماثلة بقوة هناك ، فبنى فوق جزء من اطلال الحمراء قصرا على طراز عصر النهضة ، لكنه ولحسن الحظ لم يخرب باقي الأجزاء التي لم يتبق منها اليوم سوى بضع قاعات أو أجنحة كبيرة .. مع الحدائق التي كان تم تشكيلها وهندستها ببراعة فائقة في ذلك الزمان العزيز.

والحقيقة أن المتجول في قصر الحمراء لا يخاله مجرد قصر مميز، وانما مدينة اسلامية متكاملة في كل شيء.. وهي تقتض منه يوما كاملا ليتجول في أرجائها وعرصاتها، متفحصا الأجنحة ومعالم وظائفها السابقة في الحماية والتخزين ونقل المياه .. علاوة طبقا في المقام الأول على معاينة آيات فن الرقش والحفر والتعشيق ، وأول ما يلفت هو اختيار موقع القصر أساسا، والطريق الوحيدة اليه .. فهو مبني كما أسلفنا على هضبة مشرفة على المدينة : ومن يقصده ، عليه أن يجتاز طريقا متدرجة الارتفاع تشكل بدورها حماية طبيعية للقصر.. وهذه الطريق تشق غابة رهيبة متكاثـفة الأشجار، وتغطي الهضبة كلها، وتمتد لتعانق بخضرتها الهرمة العتيقة أسرار القصر من كل جانب .

طبعا ، الطريق الى القصر معبدة ، والسيارة تحملك اليه عبر تعرجات لافتة ..لا تسمع من حواليك ، باستثناء هدير السيارة سوى غناء السواقي المائية الغزيرة ، والتي تستطيب الشرب منها نظرا لنقائها وعذوبتها الفضية الباردة .

تصل القصر العالي المنيف وتبدأ جولتك ذات الرهبة فيه ، من أول باب تدخله ثم تتوالى المفاجآت المبهرة فصلا تلو آخر، بخاصة عندما تنتقل من جناح الى آخر؟ فكل جناح مثلا يتوسطه فناء ولا أجمل ، وله بالطبع خصائصه المتميزة ، فناء الرياحين ، فناء السباع .. وتتوسط الأول بحيرة مستطيلة ذات اخضرار نظيف وعميق .. أما فناء السباع ففيه تلك البركة الشهيرة ، والتي لم يعرف الى الآن كيف توصل العرب الى اختراع طريقة توزيع المياه فيها بقوة قذف متساوية من فم كل سبع يحيط بها. السر ظل غامضا واندفن مع غموضه حين حاول بعض المهندسين حل اللغز. اذ توقفت البركة عن العمل وفق نظامها "التكنولوجي" العربي القديم .

معجزة الفن الاسلامي

في قصر الحمراء خفق حيوي متواصل ..لا تعرف كيف تواءمت ظروفه وانشغلت بطريقة لا تكف عن جذب زائره ، فكيف بالمقيمين فيه والمرتادين له في ذلك الزمان ؟

ولعل ترانيم القواقع المائية المتوزعة في كل ركن من اركان القصر، وبطريقة أيضا لم يكشف المهندسون الحديثون سرها حتى الآن ، هي التي تزيد المشهد جمالا على جمال . ففي كل غرفة من غرف القصر تجد قوقعة مائية يستند معظمها على أفاريز رخامية مزخرفة.

وتعتبر قاعة الأختين وقاعة بني سراج من أكبر وأشهر قاعات قصر الحمراء، الذي تتزين جدرانه وأبوابه وغرفه وسقوفه التي بعضها مصنوع من خشب الأرز المحمول من لبنان ، با بارقى وأدق وأتقن ما توصلت اليه عبقريات الفن الاسلامي في ذلك الزمان ، وبخاصة من ناحية فنون الخط والرقش (الزخرفة ) والحفر والتوريق والتعشيق الخ ..

وقصر الحمراء، يعتبر مرآة للفن الاسلامي في أبهي مظاهره وتجلياته ، بخاصة في مضمار الزخرف والخط والتوريق ونظام العلاقات في ما بينها.. فالفنان المسلم يستبسل في بحثه .. يتأنى ويوازن ، يدقق ويعاين بغية القبض على احواله في النتيجة الفنية البهيجة .. وهو هنا يتبع نظاما رياضيا دقيقا، يوائم بين الألوان والفراغات وذبذبتها على الأحجار المنحوتة .. وكذلك أيضا حين يضيف الزليج الملون (الخزف المغربي ) .. فمثل هذا التنويع الهارموني الهائل والدقيق يقوم على ركنين أساسيين في لغة الفن التشكيلي هما: «الخيط و«الرمي». والخيط نهج يتبع التخطيط القائم على القواعد الهندسية من خطوط مستقيمة وزوايا حادة ، والرمي منهج يتبع التخطيط القائم على الخطوط المقوسة أو المنحنية.

واذا ما تأملنا بعمق جوانب في قصر الحمراه (جدران فناء الرياحين ) رأينا كيف تزاوج «الخيط» و«الرمي» على نحو بارع ، مشكلا طريقة الابداع الفني المضبوط والمستدق لعمل الزخرفة والخط والحفر.

وكما هو معروف ، فإن الفن الاسلامي عموما يتميز بإلغاء البعد الثالث في المنظور، وأنه فن يكتفي ببعدي الطول والعرض ، وتلك سمات تشتمل عليها تقريبا كل الأثار الاسلامية المعروفة في مختلف قارات الأرض .

والأجمل بعد في هذا الفن ان لا صلة له بصانعه بالمعنى الذاتي أو العاطفي المزاجي. ومن هنا غياب اسماء فنية مهمة جدا في تاريخ هذا الفن ، بحيث اننا لا نعرف مثلا من استقدم سادة الأندلس من فنانين ومعماريين وحتى مهندسين لامعين قاموا بإبداع هذا الصرح المعجز العظيم، ذلك أن الفنان نفسه ، انما كان يفعل ذلك مندمجا في بعدية فلسفية تستلهم الرؤية الدينية والتوحد الجمالي معها.. ونقصد بالمتوحد الجمالي هنا أن هذا الفن لم يكن يبشر بالدين بمعني الشرح والتفسير، وانما يؤكد على الهوية وتميزها.. دينيا وحضاريا ومن هنا نرى أن الفنان المسلم يلفي نفسه في فشروعه ويتساوى معه في الخفاء ليظهره على حساب شخصه الابداعي.

ولا غالب الا الله

إن الفنان المسلم في هذا العمل يتكامل والفاتح المسلم الموصوف بأنه "أرحم الفاتحين " ، إذ لم يكن فذا الأخير ينذفع في مشروعه باسمه هو وأنما باسم الله والاسلام جلالا واكبارا؟ ومن هنا سبب قراءتنا الدائمة على كل جدران قصر الحمراء العبارة المزخرفة الآتية : "ولا غالب الا الله" وكذلك عبارة . "الحمدالله على نعمة الاسلام ".. تتكوران في مستوى هارموني متدافع الوضوح .. لكأن الفاتح يريد أن يؤكد أيضا أنه ينفذ أوامر الله ، يحقق واجبا يلح عليه .. والفنان نفسه هو في هذا الهاجس أيضا ولكن بأسلوب مختلف وطريقة جمالية مختلفة .. كلاهما من موقفه اذن كان مشغولا بالحق وتثبيته ، شرعا وفلسفة فنا وجمالا.

الفن الاسلامي اذا هو فن شهادة وبرهان كامن عليها.. هو فن لا يخطب ، وانما يدعو الى التأمل وتحقيق ذاك النداء الموجه الى الخلود الالهي..

ومن يتجول بعد في " قصر الحمراء" يلحظ على مستوى آخر عناية السلطات الرسمية الاسبانية بهذا الصرح ، والاهتمام به كمصدر من مصادر السياحة ، وعدالة على دالات الحضارة العربية التي يعتز بها الأسبان ، ولاسيما أهل الأندلس منهم هؤلاء الذين يعتبر بعضهم انه أكره على تغيير هويته الاسلامية فغيرها بالشكل فقط .

أما من ناحية المضمون ، فهذه الشخصية الواهنة لا تزال تعيش انفصاما خصوصيا واضحا. لايعكس نفسه على نحو أخاذ ومدهش إلا في الأدب والفلكلور.

وما دمنا تكلمنا على ادب وشعر لوركا كواحد من أهم الممثلين المعاصرين للضمير الادبي الأندلسي الذي يترجم هذا الانفصام ، فأ لأجدر بنا الآن أن نتكلم ولو بعض الشيء على فلكور أهل الأندلس .. رقصا وغناء وموسيقى، ولاسيما ظاهرة "الفلامنكو" تلك التي لا يزال أهل الجنوب الاسباني (الأندلس ) يحافظون على أصولها أحسن محافظة ويمثلون ابداعيتها

أفضل تمثيل ، ولاسيما في مدن غزناطة وقرطبة وأشبيلية وقادش ومرسيا.

كل الاصالة الفلامنكو

الوقت ليل الان انها الساعة التاسعة والنصف .. حضرت السيارة التي اقلتنا الى المكان المقصود.. قاعة ضخمة تميل الى شكل دائري يحيط بالمسرح وما سوى دقائق حتى بدأ العرض المشوق ، والتهبت خشبات المسرح بطقطقات أحذية الراقصات والراقصين وأكفهم المصفقة على انغام شرقية بنسبة عالية ، يرافقها غناء درامي يذكرك «بالنواح» أو الغناء العربي السعيد.. لا فرق فتتذكر زرياب الفنان والعالم الموسيقي البغدادي الذي نفي الى قرطبة، وكيف أسس له فيها مدرسة موسيقية عمت عموم الأرجاء الأندلسية أصداؤها تتردد حتى اليوم متجسدة طبعا في ظاهرة الفلامنكو، ونتذكر هنا أن بعض البحاثة من الموسيقيين الا سبان وفي طليعتهم الشاعر القادشي الاندلسي فيرنانا وكينيوس (المصاب بعدوى الفلامنكو كما يقول ) كان توصل بعد الفلامنكو، كما يقول) كان توصل أبحاث معمقة عدة في أصول الفلامنكو وأنواع أغانيه، الى أن جذور هذا الفلكلور ترجع الى العهود العربية في الأندلس وقد جاء ذلك في الكتابين اللذين ألفهما الرجل عن الفلامنكو وهما : "عن قادش وأغانيها، و الفلامنكو حياة وموت".

كما أن مدرسة شيخ المستعربين الأ سبان غارثيا غوميث (استاذ اللغة العربية في جامعة غرناطة سابقا)، كانت قد انخرطت في العام 1923 هو الموسيقي الأسباني العظيم مانويل

دي فاريا، والشاعر الكبير فريدريكو غارسيا لوركا في البحث عن الجذور الأولى لهذا النوع من الفلكلور الغنائي الموسيقى، فتوصلت جهود الجميع الى نتيجة واحدة ؟ وهي أن أصل هذا الفن عربي أندلسي .. عماده النجوى والشكوى إضافة الى الفرح واللهو السعيد.

شوق وجذب

جلسنا في مقدمة صفوف صالة مسرح الفلامنكو.. وما سوى لحظات حتى بدأ الحفل .. الغناء يتعالى صادحا في خطوطه النبيلة ، تصاحبه موسيقى مشربة بأنغام عربية ..في الوقت نفسه «طقطقات» أحذية الراقصات والراقصين تبدأ عملها بإيقاعات منتظمة . مدروسة الوظائف لجهة حركة الأيدي (ولاسيما أصابع الحسناوات المزودة بالصاجات الخشبية ذات اللون الأسود) والأجساد الميساء النحيلة على قوة واقتدار.

العيون كلها شاخصة الى راقصة الفلامنكو التي تفردت الآن من دون غيرها على المسرح .. انها تتأرجح ، تسند ظهرها للفراغ الذي ملأته بالشوق والجذب الأنيقين .. ثم فجأة تنتفض مثل سيف زنبقي يلمع ، لتعاود الحركة على الايقاعين : الموسيقي العادي، وذاك الايقاع الآخر الطالع من ضرب قدميها بقوة على الأرض . فتستقيم أمور المشهد في التهاب تصاعدي مثير يقلع بالجنون الى أقصده .. وكل من لا يستطيع أن يلحق بحركة هذا الجنون يستبعد.

مرة أخرى العيون كلها شاخصة الى راقصة الفلامنكو وهي لا تستطيع أن تتطلع الى العيون .. أحييها فتنتبه لي بعنف خصوصي يوحي بصلاة التعب في أعلى قمته .

في الفلامنكو لا تعود الراقصة هي نفسها أو جسدها أو حركتها.. تتحول الى شرفة اسطورية، وفجر خصوصي موشى بآلاف الرموز .. بخاصة عندما يموج خمارها الطويل جدا والمطرز بالخرز والورد الاندلسيين .. وكذلك عندما تنتزع شالها الجميل وترميه غيما يتلون في كل العيون .

فارس الموت الجميل

الراقص من جهته ديك خصوصي. يتطلع بعينين مكابرتين يدعمهما انضباط الطرق الرصاصي الطالع من إيقاع قدميه . انه فارس يبحث في تاريخه الصعب ، فلا يلاقي غير أوهامه .. ويتذكر أن عليه أن يرقص بعد وبعد حتى أفياء موته الجميل .

الراقص مجنون يغسل جسده الكهرماني في الأعماق ، ويمتلك دائما الشجاعة لانقاذ نفسه .

الراقص فارس قوي.. أحد أعلى الذرى الساطعة غير أنه متعب وحزين .. نقي، سري وفجره بعيد.

الراقص لا نهائية قلب مكشوف ومدجن بغضب وديع .. انه مراهق في الدم والوهم الناضج .. يلحق با نموذجه بولع، يتماهى فيه ويضحي من أجله .

الراقص عملاق من حنين وزعفران .. عاشق غرناطي لحرية مغلقة يفتحها ساعة يشاء.

الراقصون والراقصات في مشهد جماعي هم ، أيضا وايضا نجوم من قرنفل ، وبشارة عربية أندلسية ترتعش برزم ضوئها أو جراحها المنتشرة في أفق الليل .. انهم جبهة من ذهب وورد وزيتون وياسمين ورمان ، وعوالم من ألف سطح وعمق ؛ تغنينا بالانتشاء جميعا.

يكفي لوحة الفلامنكو انها تفصل الموت عنا وعنها لوقت طويل . ولا يمكن لغير قوتها المثالية أن تفعل ذلك .. انها الحب بكامل غذائه المهدد.. إذ لا يمكن في النتيجة تحقيق شيء عظيم إلا في حالة انفعالية من الحب .

ليل غرناطة مثل نهارها العذب ، المعتدل ، كله عشق في عشق . أنى توجهت في أرقتها، تجد ملامحك العربية .. خصوصياتك الحميمة الدقاق ، ذوقك في السكن والاقامة والتخاطب وحتى في الطعام . تدخل المطعم فتجد أن ما يتصدر قائمة الأطعمة هي «الباييلا».. الأكلة الشعبية الأشهر في اسبانيا (رز اصفر مع السمك أو لحوم أخرى ) .. وهي أكلة عربية اخترعها أهل الاندلس من زمان ، وكانوا يسمونها «البهية » لأنهم ، كما قال لي الاندلسي خوان رودريغز (الذي يحب أن ينادي باسم مصطفى) كانوا يتباهون في طهوها.

وحتى التاكسي الذي سيقلك من مكان الى مكان في غرناطة اسمه وشعاره " La Alhambra"  وحتى الشراب الذي تطلبه في مقاهيها المنتشرة كالفطر اسمه الحمراء.

مدمن جاذبية

هناك إذا ضرورة عاجلة لأن تنسى نفسك، اسمك وعنوانك في غرناطة . فالامتزاج بمخاضاتها يمنحك حظ التمتع الراقي بكل شيء.. تصير قطبا آخر ينجح أيما نجاح في الاستيلاء على ذاته والانتشاء بجبروت ألوانها الجديد.

غرناطة كما يقول شاعرها لوركا «مدينة عطلة ، مدينة للتأمل والتخيل ،ومدينة حيث يكتب العاشق ، أفضل من أي مكان آخر اسم حبيبته على الأرض … الساعات هناك أكثر طولا، ولذيذة الطعم أكثر من أي مدينة أخرى في اسبانيا.. لغرناطة عشايا معقدة من أضواء غير منشورة ، إنها مكان جمالي للنوم من كل الجهات ».

وتستحيل مدمن جاذبية في غرناطة ، تنتقم انتقاما عجيبا ومفرطا من تعبك.

العشق فيها همسة الاجداد الأندلسيين في آذاننا، إنها من أشمل وأكمل الأمكنة ففيها تصبح متخصصا صلبا في هويتك العربية كما ينبغي ان تكون .. حضارة ورقيا.. وهذا من وجهة أخرى هو الشعور الخالص بالخفة والنشاط والسهولة .. وكذلك الاستقصاء الذي لا يتوقف للجمال والانسان والطبيعة.

غرناطة خارطة حب .. مواد ملطفة .. تخترع فيها ايضا نظاما خاصا من الشعراء والفلاسفة الذين باتوا الآن وفاقا معاصرين قريبين وحقيقيين لك :"ابن زيد ون"  "ابن رشد" "ابن حزم "، غونغورا" "سوتر دي روخاص.. " الى آخر السلسلة المعروفة .

في غرناطة .. انت ضحية ثمل الوقوع في الحب .. ألم أقل انها مدينة العشق التي تملا «دارة» الرأس والقلب والجسد برمته ؟ غرناطة هي ان تكون في غرناطة فقط .

 
 
 
احمد فرحات – كاتب من لبنان

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …