أخبار عاجلة

جيل دولوز قطب الفلسفة الفرنسية الجديدة وداعا دولوز

مني العالم قبل فترة برحيل الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز Gilles Deleuze  عن سبعين سنة ، وكان قد شكل ، الى جانب ميشيل فوكو وجاك دريدا وأخوين قلائل ، أحد أهم أقطاب الفلسفة الفرنسية مابعد-السارترية . رحل دولوز مختارا، مانحا لموته صيغة قرار ولا أفظع ، بعد ما أثقلت عليه صحبة المرض وتعطل جهازه التنفسي الذي أجبره في الأعوام الأخيرة على التزود بالأوكسجين اصطناعيا. قذف بنفسه الى الارض من نافذة شقته الباريسية الكائنة في الطابق السادس من البناية ، مكررا بذلك حركة الفيلسوف اليوناني أمبدوقليس، التي طالما امتدحها دولوز نفسه . فمثلما قذف الفيلسوف اليوناني بنفسه في قلب بركان "اتنا"، مختلطا بأحشاء الأرض الملتهبة ، رمى دولوز بنفسه الى رصيف الشارع ، ممتزجا بتراب الأحياء.

بدأ دولوز بتاريخ الفلسفة ، فوضع دراسات معتبرة في فكر نيتشه وسبينوزا وهيوم وبرغسون ، وأخوين . مقاربة "خذاعة " لم يغير بها أسلوب العرض الفلسفي فحسب ، بل جعل تناوله لفكر الآخرين يشف عن فكره الشخصي الذي سيفرض بعد ذلك أسلوبه الفريد في "منطق المعنى"  و" الاختلاف والتكرار" و"بروست والعلامات "، الخ . فكر أدخل على الفلسفة وتاريخها تعديلات أساسية ، واطا حركاتها بحركات المجال والأرض والشعوب ، حيثما كان سواه يربطها بتحقيبات زمنية . أسس لعلم بداوة أو "نومادولوجيا" مقابل "المونادولوجيا" أو فلسفة "الأحادة " اللايبنتسية ، ولجيولوجيا للأخلاق بدل "الجينيالوجيا" أو علم أنساب الأخلاق النيتشوي، علما بأن دولوز يظل ، شأن جميع كبار التيار الفلسفي التالي لسارتر، متأثرا بصاحب "زرادشت "، مواصلا الحفر في الأخدود الواسع والعميق الذي فرضه هذا السلف الألماني الكبير على أديم الفلسفة وأرضية المعرفة . كما خاض دولوز حربا لاهوادة فيها ضد "البسيكياتري" أو الطب النفسي الذي يحول في نظره الأفراد الى رمم، وأدان ارتباط التحليل النفسي بالرأسمالية ، يعمل مثلها على تقنين الرغبة ، وتنبأ بمقدم فاشية غربية معممة . وهناك بالطبع كتابة دولوز، جملته الأصيلة التي يصفها هو نفسه بأنها سائحة في جميع الاتجاهات وملموسة مع ذلك على نفسها من الخارج بقوة ، كالبيضة …

هنا نصان لدولوز، مستلان من منتخبات فلسفية له اختارها بنفسه قبل سنوات ، وترجمتها الى العربية ، في كتاب من المؤمل أن يرى النور عما قريب.

النص الأول ، "مسار فكري" (وعنوانه من وضع المترجم ، فهو بالأصل بلا عنوان)، هو الفصل الأول من كتاب " محاورات " Dialogues ، الذي وضعه جيل دولوز بالاشتراك مع كلير بارنيه Claire Parnet التي اضطلعت فيه بدور المحاور. صدر الكتاب في 1977 في منشورات " فلاماريون " Flammarion ، ضمن سلسلة مكرسة لمحاورة كبار المفكرين والكتاب . ولقد صيغ الكتاب لا على هيئة أسئلة وأجوبة ، وانما في شكل فصول يطرق دولوز في كل واحد منها عددا من الجوانب الأساسية لتفكيره وفلسفته وما يعتقد هو أئه يدين به لتجارب الآخرين الفكرية والفنية .

أما النص الثاني، "الجذمور" Rhizome ، فقد وضعه دولوز بالتعاون مع المفكر والمحلل النفسي الراحل فيليكس غواتاري Felix Guattari، الذي ألف دولوز بالاشتراك معه مؤلفات عديدة ضمن أسلوب في الكتابة الفلسفية المشتركة أصيل و"استفزازي". وقد أصدر دولوز وغواتاري هذا النص في كتيب مستقل في البدء، في منشورات "مينوي " Minuit، ثم جعلا منه بعد ذلك ، ومع بعض التعديلات ، فاتحة كتابهما "ألف هضبة " Mille plateaux (الدار نفسها).

عبر صورة "الجذمور" الذي ينمو في جميع الاتجاهات ، بلا جذر ولا ساق ، يتصدى المؤلفان لصورة الكتاب -الشجرة ، الكتاب المكتمل المنغلق على ذاته ، رمز المعرفة الهيغلية المعلقة . ثم يستطرد الفيلسوفان لمهاجمة الواحدية والمثنوية في مجالات عديدة تذهب من تشريح الدماغ وعمل الذاكرة الى الرياضيات واللسانيات فالأدب . وهذا كله ، إن كان يمنح في الوهلة الأولى للنص بعض صعوبة ظاهرية ، فهو إنما ينتهي الى تثوير صورة الكتاب وممارسته عبر ارتباطه بكل من الرغبة والتاريخ . وتجدر أخيرا الاشارة إلى أن المؤلفين قد مهدا لهذا النص بنوتة موسيقية لقطعة على البيانو.

***

إنه لبالغ الصعوبة أن " يفصح " المرء عن نفسه في محادثة أو مقابلة أو حوار. وفي أغلب الأحايين ، فأنا عندما يطرح علي سؤال ، حتى إذا كان يمسني شخصيا، أجد أن ليس لدي ما أقول . تصنع الاسئلة ككل شيء سواها. واذا لم يدعك الآخرون تصنع اسئلتك ، من عناصر اتية من كل مكان ، ومن أيما شيء، واذا ما "القوها " عليك ، فإنك لن تكون لديك أشياء ذات بال لتقولها. إن فن إنشاء مسألة لهو بالغ الأهمية : تخترع المسألة ، ومرضعه ما للمسألة ، قبل أن يوجد الحل . ولا شيء من هذا يمكن القيام به في محاورة ، أو محادثة ، أو نقاش . حتى التفكير انفرادا، أو مثنى، أو جماعا، ليس ليكفى التفكير خصوصا. أما الاعتراضات ، فأسوأ في كل مرة يعترض علي فيها، تنشأ لدي الرغبة في أن أقول : " حسنا! حسنا! فلننتقل إلى شىء اخر" . إن الاعتراضات لم تأت بشيء أبدأ. والشيء نفسه عندما يطرح علي سؤال عمومي. لايتمثل الهدف في الاجابة على أسئلة ، بل في الخروج ، الخروج منها. وكثيرون يعتقدون بأننا نخرج من الأسئلة بتكرارنا إياها. " ماذا عن الفلسفة ؟ أهي ميتة ؟ هل نحن سائرون الى تجاوزها ؟ " . إن هذا لمضن حقا. لن يكفوا عن الرجوع الى السؤال أملا بالخروج منه . لكن لخروج لا يتحقق على هذه الشاكلة أبدأ. تتحقق الحركة " في ظهر" المفكر دائما، في اللحظة التي يحدق فيها مسهما وتطرف أجفانه . الخروج ، هذا حادث من قبل ، والا فأبدا لن نخرج . تنزع الأسئلة عموما إلى مستقبل (أو إلى ماض). مستقبل المرأة ، مستقبل الثورة ، مستقبل الفلسفة ، الخ .. لكن في تلك الأثناء، وفيما ندور نحن في حلقة مفرغة ، وسط هذه الأسئلة ، فإن هناك صيرورات تعمل في صمت ، خفية عن النظر تقريبا.إننا نفكر أكثر مما ينبغي بمفردات التاريخ ، الشخصي أو الشامل . أما الصيرورات ، فهي امسألتال جغرافية : إنها توجهات ، وجهات ، مداخل ومخارج . ثمة صيرورة -إمرأة لا تختلط بالنساء، بماضيهن أو مستقبلهن ، وينبغي تماما أن تدخل النساء في هذه الصيرورة حتى يخرجن من ماضيهن ومن مستقبلهن ، من تاريخهن . وثمة صيرورة -ثوري (أ) لا تختلط بصيرورة الثورة ، وربما لم تكن لتمر بالضرورة عبر المناضلين . وثمة صيرورة -فيلسوف لا شيء يجمعها بتاريخ الفلسفة ، وهي تمر بالأحرى بمن يعجز تاريخ الفلسفة عن تصنيفهم.

 ليست الصيرورة أبدأ التقليد، ولا التصرف على شاكلة ( هذا أو ذاك)، ولا الامتثال لا نموذج، وان يكن أنموذج عدالة أو حقيقة .لا طرف منه ننطلق ، ولا طرف نبلغه أو ينبغي أن نبلغه . ليس كذلك من طرفين يمكن استبدالهما أحدهما بالاخر. إن السؤال : " ما أصبح عليه ( هذا الشيء أو ذاك)؟ " ، لهو غبي تماما. إذ بقدر ما يصير أحد، فإن ما يصير اليه يتغير قدر تغيره هو نفسه . ليست الصيرورات ظواهر محاكاة ، ولا هضم ، بل هي (ظواهر) قنص مزدوج ، ونمو غير متواز، وأعراس بين عالمين مختلفين . الأعراس مجانية للطبيعة أبدا. الاعراس نقيض الزيجة . ليس من آلات ثنائية : سؤال / جواب ، مذكر/مؤنث ، إنسان / حيوان ، الخ … يمكن لمحاورة أن تكون هذا: رسم صيرورة ببساطة . إن الزنبور والسحلبية ليمداننا بمثال . تبدو السحلبية في صدد تشكيل صورة زنبور، لكن ثمة في الواقع لدى السحلبية صيرورة – رنبور، ولدى الزنبور، صيرورة – سحلبية ، قنص مزدوج ، مادام " ما " يصيره كل منهما يتغير بقدر ما يتغير " من " يصير. يصبح الزنبور جزءا من جهاز إنتاج السحلبية، في الوقت نفسه الذي تصبح فيه السحلبية عضوا جنسيا للزنبور. صيرورة واحدة ، وكتلة واحدة للصيرورة ، أو، كما يعبر ريمي شوفان ، " نمو غير متواز لكائنين لا يمت أحدهما للاخر بصلة " . ثمة صيرورات حيوانات للإنسان لا تتمثل في محاكاة الكلب أو القطة ، ما دام الحيوان أو الأنسان لا يتلاقيان إلإ في مسافة ترحل (ب) مشترك لكنه غير متناظر. إن الشيء لشبيه بطيور موتسارت : ثمة في هذه .لموسيقى صيرورة – طائر. على أنها مأخوذة في صيرورة – موسيقى للطائر، فا لاثنتان تشكلان صيرورة واحدة ، كتلة واحدة ، نموا غير متواز: لا تبادل ، قط ، بل " مسارة بلا محاور ممكن " ، كما يقول أحد شارحي موتسارت -، أي، ويإيجازا، محاورة .

الصيرورات هي ما يكون أكثر خفاء، إنها الآفعال التي لا يمكن أن تكون محتواة إلا في حياة ، ولا معبرا عنها إلا في أسلوب . شأنها شأن أنماط الحياة ، ليست الأساليب بناءات . في الأسلوب ، أي أسلوب ، ليست الكلمات هي ما يهم ، ولا الجمل ، ولا الصور ولا الايقاعات . وفي الحياة ،ليست الحكايات (هي ما يهم) ولا البدايات ولا النتائج . إن كلما ليظل ممكنا دائما استبدالها بأخرى. إن كانت هذه (الكلمة) لا تروق لكم أو لاتناسبكم ، فهاكم سواها، ضعوا محل الكلمة السابقة كلما أخرى. لو بذل كل واحد هذا المجهود، لاستطاع الجميع أن يتفاهموا، ولما عاد من مبرر لطرح أسئلة ،أو التقدم باعتراضات. ليس ثمة كلمات نظفتة، ولا مجازات (جميع المجازات كلمات وسخة ، أو تشكل كلمات وسخة). ليس ثمة سوى كلمات غير دقيقة لتسمية شيء ما بدقة  فلنجترح كلمات خارقا، شريطتا أن نستخدمها الاستخدام الأكثر عادية ، حتى نجعل النوعية التي تسميها هي موجودة على قدم المساواة والشيء الأكثر شيوعا. لدينا اليوم طرائق جديدة للقراءة ، وربما للكتابة أيضا. منها ما هو رديء وقذر. يتوفر، مثلا، الانطباع بأن بعض الكتب مؤلفة من أجل القراءة التي يفترض أن يحققها عنها صحفي ما، هكذا بحيث لن تعود من حاجة للقراءة ، بل ، فحسب ، لكلمات جوفاه (ينبغي قراءة هذا! إنه لمدهش ! هيا: سترون !)، وذلك من أجل تفادي قراءة الكتاب وتهيئة المقالة . أما القراءات الجيدة اليوم ، فتتمثل في التوجه إلى معالجة كتاب مثلما نستمع إلى أسطوانة ، أو كما نشاهد فيلما أو برنامجا تلفزيونيا، وكما نتلقى أغنية : كل معالجة للكتاب تطالب باحترام خاص له ، وبانتباه من ضرب اخر، إنما هي اتية من عصر اخر وانها لتدين الكتاب نهائيا. ليس هناك مسألة صعوبة أو فهم قط : إن المفهومات هي بالضبط كمثل أصوات ، ألوان أو صورا إنها توهجات تناسبكم أو لا، وتفلح في المرور أو لا تفلح . فلسفة – لاولا(ت). ليس هناك ما يفهم ، ولا ما يؤول . أود أن أقول ماالاسلوب . إنه محاورة من يقال عنهم عادة " إنهم بلا أسلوب … " ليس الاسلوب بنيتا دالة، ولا منظومه مفكرا بها، ولا إلهاما عفويا، ولا تجويقا، ولا جملة موسيقيا تتكرر… إنه ترتيب : ترتيب قول . يتمثل الاسلوب في أن نتوصل إلى التأتأة في لساننا نفسه . هذا صعب ، لانه ينبغى أن تكون ثمة ضرورة لمثل هذه التأتأة . لا أن يكون المرء تمتاما في كلامه ، وانما أن يكون تمتام اللغة نفسها بالذات . أن يكون كمثل غريب في لسانه نفسه . أن يجترح منسربا أو خط هروب (ث). الامثلة .لاكثر سطوعا عندي هي: كافكا، بيكيت ، غيراسيم لوكا، وغودار. إن غيراسيم لوكا لشاعر كبير بين أكبر الشعراء. لقد ابتكر تأتأة رائعة، هي تأتأته . حدث له أن قدم قراءات لقصائده أمام الجمهور، مائتي شخص، ومع ذلك فقد كان هذا حدثا؛ إنه حدث يمر عبر مائتي مستمع . من دون أن يعود إلى مدرسة أو حركة . أبدا لا تمر الاشياء حيثما نحسب ، ولا بالطرق التي نحسب .

يمكن الاعتراض بأننا إنما نطرح أمثلة ملائمة ، فكافكا يهودي تشيكوسلوفاكي، كان يكتب بالالمانية ، وبيكيت إيرلندي يكتب بالانكليزية والفرنسية ، وغيراسيم لوكا روماني الاصل ، وغودار سويسري. ثم ماذا؟ ليست هذه مشكلة أي منهم . إن علينا أن نكون مزدوجي اللغة حتى داخل لغة بذاتها: علينا أن نحوز لغة أقلية (ج) داخل لغتنا نفسها بالذات ، علينا أن نستخدم لغتنا نفسها استخداما أقليا. ليست التعددية اللغوية هي حيازة نظم عديدة يكون كل واحد منها متجانسا في ذاته ، فحسب ، بل هي، أولا، خط الهروب أو التنويع الذي يمس كل نظام مانعا إياه من التجانس . لا أن نتكلم كإيرلندي آو رومانى في لغة أخرى سوى لغتنا، بل بالعكس ، أن نتكلم في لغتنا نفسها كأجنبي. يقول بروسة : "إن الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية . تحت كل كلمة ، يضع كل منا معناه أو على الاقل صورته التي هي في الغالب معنى خاطيء. لكن في الكتب الجميلة ، تظل جميع الاخطاء التي نرتكب جميلة " (1) (ح). هذه هي الطريقة الجيدة في القراءة . جميع الاخطاء أو المعانى المضادة جميلة ، شريطة الا تشكل تأويل ، وانما أن تهم استخدام الكتاب ، أن تمدد استخداماته ، أن تجترح داخل لغتها لغة. "الكتب الجميلة مكتوبة في ضرب من لغة أجنبية …" هذا هو تعريف الاسلوب . وهذه أيضا مسألة صيرورة . دائما يفكر بمستقبل أغلبي (عندما ستكون كبيرا، عندما سأتسلم الحكم …) على حين يتمثل المشكل في الصيرورة – أقليا: لا أن نتصنع ، ولا أن نقلد أو نحاكي الطفل ، أو المجنون ، أو المرأة ، أو الحيوان ، أو التمتام أو الغريب ، وأنما نصير هذا كله ، حتى نبتكر قوى جديدة أو أسلحة جديدة .

الامر نفسه بالنسبة إلى الحياة . ثمة في الحياة ضرب من الخرف ، من هشاشة الصحة ، من البناء المعتل ، ومن التأتأة الحيوية التي هي سحر أحد ما. السحر منبع الحياة ، كما يكون الاسلوب منبع الكتابة . ليست الحياة هي تاريخك (حكايتك الشخصية)؛ إن من لا يتمتعون بسحر ليفتقرون إلى الحياة ، إنهم لكمثل الموتى. سوى أن السحر ليس هو الشخص كله . إنه ما

يمكن من القبض على الاشخاص كتركبات ، وفرص فريدة تمخضت عن هذه التركيبة . رمية نرد ظافرة بالضرورة ، لانها تؤكد الصدفة بما فيه الكفاية بدل أن تقطعها، او تطبعها بالاحتمال، أو تبترها. من هنا، فعبر كل تركيبة هشة إنما تتأكد ثورة على الحياة ، بقوة ، بعناد، ومواظبة في الوجود مالها من مثيل . إنه لغريب أن ترى إلى كبار المفكرين وهم يتمتعون بحياة شخصية هشة ، وصحة غير متيقنة ، في الوقت نفسه الذي يرفعون فيه الحياة إلى مصاف قدرة مطلقة أو "عافية موفورة " . ليسوا أشخاصا، وانما هم تركباتهم الخاصة . إن السحر والاسلوب لكلمتان رديئتان ، وينبغي العثور على مفردات أخرى سواهما، واستبدالهما. ثم إنه في الاوان ذاته الذي يمنح فيه السحر الحياة قوة غير شخصية تتجاوز الافراد، يهب الاسلوب الكتابة غاية برانية تفيض عن المكتوب . وهما الشيء ذاته : فلا تتمتع الكتابة بغايتها في ذاتها، مثلما لا تمثل الحياة شيئا شخصيا. تجد الكتابة غايتها الوحيد في الحياة ، عبر التركبات التي تسحبها منها، بعكس " العصاب " (Nervose) (خ) الذي لا تكف الحياة فيه، بالضبط ، عن أن تجد نفسها مشوهة ، محقرة ، مشخصنة ، ومماتة ، والكتابة عن أن تتخذ نفسها غاية . إن نيتشه ، الذي كان ، بعكس العصابي، هائل الحيوية ، ومعتل الصحة ، قد كتب: "يبدو أحيانا أن الفنان ، وخصوصا الفيلسوف ، ليس سوى مصادفة في حقبته … إن الطبيعة التي لاتثب أبدا ، تقوم لدى ظهوره بوثبتها الوحيدة ، وانها لوثبة فرح ، ذلك أنها تشعر أنها بلغت (هنا) مرامها لاول مرة ، هناك حيث تدرن أنفا، باللعب مع الحياة والصيرورة ، كانت مدفوعة إلى رهان كبير. وهذا الاكتشاف يجعلها تتضوأ، وينطرح على محياها تعب المساء العذب ، هذا الشيء الذي يدعوه البشر بالسحر"(2).

عندما نعمل ، نكون بالضرورة في عزلة مطلقة . لا يمكن أن نشكل مدرسة ، ولا طرفا في مدرسة . ليس ثمة من عمل الا أسود وسريا. سوى أنها عزلة مأهولة بشدة . لا بالاحلام ، أو الاستيهامات ، أو المشاريع ، وانما بلقاءات . إن لقاء ربما كان يشكل والاعراس أوالصيرورة الشيء نفسه . من غور هذه العزلة نقدر أن نحقق جميع ضروب اللقاءات . نلاقي أناسا (وأحيانا من دون أن نعرفهم ومن دون أن نكون رأيناهم أبدا)، لكن كذلك حركات ، أفكارا، تنافيات ، نوعيات . لجميع هذه الاشياء أسماء شهرة ، لكن إسم الشهرة لا يحدد قط شخصا أو فاعلا. يحدد في الواقع تعرجا، شيئا ما يمر أو يحدث بين اثنين ، كما لو تحت ( تأثير) اختلاف في الاحتياطي : " أثر كومبتون " ، أو" أثر كللاان " ( 10). نقول الشيء نفسه في ما يتعلق بالصيرورات : لا يصبح طرف الطرف الاخر، وانما يلاقي كل منهما الاخر، صيرورة واحدة لاتكون مشتركة للاثنين ، ما دام الواحد منهما لا يمت بصلة للاخر، وانما هى بين الاثنين ، وتتمتع باتجاهها الخاص ، كتلة صيرورة ، نمو غير متواز. وهذا هو القنص المزدوج ، الزنبور والسحلبية : حتى ولا شيء يكون في طرف ، أو في الاخر، وان يكونا موعودين بتبادل ، وامتزاج ، بل هو شيء بين الاثنين ، خارج الاثنين ، وانه ليجري في اتجاه أخر. أن نلاقي هو أن نعثر على …، أن نقتنص ، أن نسرق ؟ لكنه شيء بين الاثنين ، كل شيء هو ثمرة تهيئة طويلة . إن السرقة لهي مضاد الانتحال ، الاستنساخ ، التقليد، أو المحاكاة . والقنص هو دائما قنص مزدوج ، والسرقة سرقة مزدوجة ، وهذا لا يصنع شيئا متبادلا، وانما كتلة غير تناظرية، نموا غير متواز، أعراسا، دائما " في الخارج " ودائما " بين " . انذاك يكون حوار.

"نعم أنا سارق أفكار

لست -أرجوكم – خاطف أرواح لقد بنيت وبنيت ثانية

على ما هو في انتظار

لان رمل الشواطىء

يرسم قصورا كثيرا

في ما فتح

قبل زماني

كلمة، لحنا، خطا، حكاية

مفاتيح في الريح لاهرب من الفكر

ولاهرب أفكاري المغلقة نفحة فناء خلفي

ليس مشغلتي أن أجلس وأتأمل

مزجيا الوقت في التخمينات

مفكرا بأفكار هاهي من الفكر

وبأحلام لم يحلم بها

أو بأفكار جديدة لم تكتب بعد

أو بكلمات جديدة تلائم القافية …

إني لا أعبأ بالسنن الجديدة

طالما لم تجترح

وأنا أصرخ بما يغني في رأسي

عارفا أننا، أنا وجميع من هم مثلي،

من سوف نسنها، هذه السنن ،

واذا كان أبناء الغد

بحاجة لسنن اليوم،

فلتحتشدوا جميعا أيها القضاة

ما دام العالم ليس سوى محكمة

نعم

لكني أعرف المتهمين أفضل منكم

وفيما تنهمكون في الملاحقات

ننهمك نحن في الصغير

ننظف قاعة المحاكمة

نكنس ونكنس

نصغي ونصغي

غامرين بعضنا لبعض

انتبهوا

الا انتبهوا

لن يتأخر دوركم قط " (3).

كبرياء قصيدة بوب ديلان هذه روعتها، وتواضعها. إنها لتقول كل شى ء. أطمح ، كأستاذ جامعي، أن أقدم درسا كما ينظم أيلان أغنية ، كمنتج مدهش أكثر منه مؤلفا. وليبدأ الشيء مثلي عنده ، فجأة ، مع قناعه قناع المهرج ، ومع فن لكل تفصيل مدروس ، مع أنه مرتجل . إنه ضد المنتحل ، لكن في الاوان ذاته ضد المعلم أو الانموذج . تهيئة طويلة جدا، لكن بلا منهج ولا قواعد أو وصفات . أعراس ، لكن بلا زوج ولا زيجة . أن أمتلك كيسا لاضع فيه كل ما ألاقي، لكن شريطة أن أرضع في كيس أنا أيضا. العثور، الملاقاة ، السرقة . بدل التنظيم ، أو الاقرار أو الحكم .ذلك إن الاقرار هو نقيض اللقاء. يظل الحكم مهنة الكثير من الناس ، وهو ليس بالمهنة الجيدة ، لكن هذا هو أيضا الاستخدام الذي يخضع كثيرون له الكتابة. إن لافضل أن نكون كناسين من أن نكون قضاة . بقدر ما نخطيء في حياتنا، نمنح دروسا. لا أحد يضاهي الستالينيين في إعطاء دروس في اللا-ستالينية والاعلان عن سنن جديدة " . إن هناك سلالة كاملة من القضاة ، وان تاريخ الفكر ليختلط بتاريخ محكمة ، إنه ينادي بانتمائه إلى محكمة العقل المحض أو الايمان المحض … لذا يتكلم الناس بمثل هذه السهولة باسم الاخرين وبدلا عنهم ، ويحبون الاسئلة إلى هذا الحد ويعرفون بهذه الدرجة من الجودة طرحها والاجابة عليها. هناك أيضا من يطالبون بأن يحكم عليهم ، لا لشيء إلا ليقر بهم مذنبين . ينادى في القضاء بالامتثال ، حتى إذا كان ذلك لقواعد تخترع ، أو لمتعال نزعم إماطة اللثام عنه ، أو لمشاعر نرفضها. إن العدالة ، وقوة الاصابة (في الحكم أو التشخيص)، لهما فكرتان رديئتان . ضدهما ينبغي أن ندفع بصيغة غودار : لاصورة صائبة ، بل مجرد صورة . الشيء نفسه في الفلسفة ، مثلما في فيلم أو أغنية : لا أفكار صائبة ، وانما أفكار وليس أكثر، ذلكم هو اللقاء، تلكم هي الصيرورة ، السرقة ، الاعراس ، " ما بين " العزلات هذا. عندما يقول غودار: أريد أن أكون مكتب إنتاج ، فهو لا يقصد بالطبع : أريد إنتاج أفلامي، أو أريد نشر كتبي بنفسي . بل يقصد ( إنتاج) أفكار فحسب ، لاننا، عند هذا المصاف، نكون وحيدين تماما، إنما كمثل جماعة أشرار أيضا. لم يعد الواحد مؤلفا، وانما مكتب إنتاج ، وهو أبدا لم يكن مأهولا أكثر منه الان . أن يكون " عصبة " : تعيش العصب أشد المخاطر. يمكن أن نعيد ترميم قضاة ، ومحاكم ومدارس ، واسر وزيجات ، لكن ما هو جيد في عصبة ، مبدئيا، هو أن كلا يتابع فيها قضيته الخاصة في الاوان ذاته الذي يلاقي فيه الاخرين ، كل يذهب بأسلابه ، وان صيرورة لترتسم ، وكتلة تشرع بالحركة ، وهى لا تعود إلى أحد، وانما هي " بين الناس جميعا، كمثل قارب يطلقه صغار ويفقدونه ، ويسرقه اخررن . ما فعل يا ترى غودار وميلفيل في المحاورات التلفزيونية " ست مرات اثنين " ، إن لم يكن الاستخدام الاكثر ثراء لعزلتهما، واستعمالها كوسيلة تلاق ، وجعل خط أو كتلة تمر بين شخصين ، وانتاج جميع ظواهر القنص المزدوج ، والابانة عن أن " واو" العطف لاتشكل اجتماعا ولا تجاورا، وانما نشأة تأتأة ، وأثر خط متكسر ينطلق على الدوام في حيدان ، ضرب من خط هروب فاعل وخلاق ؟ و…و…و…

ليس ينبغي البحث عما إذا كانت فكرة صائبة أم مخطئة . ينبغي البحث عن فكرة أخرى مختلفة، في محل أخر. في ميدان اخر، بحيث يمر بين الاثنتين شيء ما، لا يكون في احداهما ولا في الثانية . الحال ، إننا لا نعثر على هذه الفكرة وحدنا عموما، بل تلزم صدفة ، أو أحد يهبنا إياها. ليس ينبغي أن يكون المرء عارفا، أن يعرف هذا الميدان أو ذاك ، وانما أن يتعلم هذا أو ذاك في ميادين جد مختلفة . وان هذا لافضل من القطع "cut – up  " (ذ) . هو بالاحرى إجراء " pick – me – up " (إنعاش)، إجراء " pick – up " ، وهو -في المعاجم : الاقتناص ، انتهاز الفرصة ، استئناف عمل محرك ، التقاط الموجات : ثم إن هناك المعنى الجنسي للمفردة. مايزال " قطع " بورو Burroughs يشكل منهج احتمالات ، لغوية على الاقل ، ولا يشكل ، بعد، إجراء اقتراع أو فرصة فريدة في كل مرة ، تقوم بتركيب المتنافرات . فمثلا، أنا أحاول أن أوضح أن الاشياء، والناس ، مؤلفون من خطوط بالغة التنوع ، وأنهم لا يعرفون بالضرورة في أي خط من أنفسهم هم كائنون ، ولا أين يحررون الخط الذي هم بصدد رسمه . بإيجاز، إن هناك في الناس جغرافية كاملة ، مع خطوط صلبة ، وأخرى مرنة ، وخطوط هروب ، الخ… ألتقي صديقي جان -لايير الذي يفسر لي ، بصدد شيء اخر، أن ميزان النقد يتضمن خطا بين نمطين من العمليات ، بسيطين في الظاهر، لكن هذا الخط بالتحديد يقدر الاقتصاديون تمريره في أيما محل ، وعلى هذه الشاكلة بحيث لا يعرفون قط أين يمررونه . إنه تلاق ، لكن مع من؟ مع جان -لايير، مع ميدان ، مع فكرة ، مع كلمة ، أو إيماءة ؟ مع فانى (ر)، لم أتوقف عن العمل على هذه الشاكلة . هذه الافكار دائما أمسكت بي " بالمقلوب " ، اتية من محل اخر بعيد تماما، وبحيث كنا نتلاقى كعلامات تصدر عن مصباحين . تعثر فأنى في عملها على قصائد للورنس بخصوص السلاحف ؟ ماكنة لاعرف شيئا عن السلاحف ؛ ومع ذلك فإن هذا يغير كل شيء بصدد الصيرورات الحيوانية ، إنه ليس من المؤكد أن في مقدور اي حيوان أن يجتذب إلى هذه الصيرورات . ربما السلاحف ؟ أو الزرافات ؟ هوذا لورنس يقول : "إذا كنت زرافة ، وكان الانجليز الذين يكتبون عني كلابا حسنة التربية ، فلا شيء على ما يرام ، فالحيوانات مفرطة الاختلاف . تقولون أنكم تحبونني: صدقونى، إنكم لا تحبونني، بل تكرهون بالغريزة الحيوان الذي أكون ". إن أعداءنا لكلاب . لكن ما هو بالضبط لقاء مع كائن نحب ؟ أهو لقاء مع أحد، أم مع حيوانات تأتى لتسكننا، أو مع أفكار تغزونا، حركات تدفعنا، وأصوات تخترقنا؟ وكيف نميز بين الاشياء؟ أقدر أن أتحدث عن فوكو، أن أحكي أنه قال لي هذا الشيء أو ذاك ، أن أروي بالتفصيل كيف أراه . لكن ليس هذا بشيء زي بال ، طالما لم أعرف كيف ألاقي حقا هذا المجموع من الاصوات المتدافعة ، والحركات الحاسمة ، والافكار التي هي جميعا من خشب ناشف ونار، والانتباه المتطرف والانفلاق المفاجيء، والضحك والابتسام الذي تحس به " خطيرا " في اللحظة نفسها التي تحس فيها بحنانه – هذا المجموع بما هو تركيبة فريدة إسم شهرتها هو ميشيل فوكو. رجل بلا مراجع ، كما يقول فرانسوا إيوالد: إنه لاجمل إطراء ممكن … جان -لايير، الصديق الوحيد الذي لم أهجره أبدا، وأبدا لم يهجرني… وجيروم (ز)، هذا الخيال الماشي ، الذي هو في حركة ، المخترق من كل جانب بالحياة ، والذي يتغذى سخاؤه وحبه من بؤرة وحيدة ، هي يونس … في كل واحد منا، ثمة ما يشبه الزهد، الموجه في جانب منه ضد أنفسنا. نحن صحراوات ، لكنها مأهولة بقبائل ، بوحوش وممالك من الزهر. ونحن ننفق أوقاتنا في ترتيب هذه القبائل ، في تنظيمها على نحو مختلف ، في حذف بعضها، وجعل بعض أخر منها يزهر. وجميع هذه الشعوب ، هذه الحشود، لا تعيق الصحراء، التي هي زهدنا نفسه بالذات ، بل بالعكس تأهلها، وتمر بها، فوقها. في غواتاري، كان ثمة دائما شعاع وحشي ، موجه في جانب منه ضد نفسه. إن الصحراء، التجريب على الذات ، هي هويتنا الوحيدة ، حظنا الوحيد لجميع التركبات التي تسكننا. أنئذ يقال : لسقم معلمين ، لكنكم في هذه الحالة خانقون أكثر. كم كنا نود أن نكون شيئا أخر.

تلقيت إعدادي على أيدي فيلسوفين كنت أمحضهما مودة واعجابا كبيرين . ألكييه  Alquie وهيبوليت Hyppolite. ثم فسد كل شيء. كان للاول يدان طويلتان بيضاوان وتأتأة لم نكن لنعرف إن كانت أتية من الطفولة أم أنها كانت هنا لتخفي، بالعكس ، لهجة ولادية كانت تضع نفسها في خدمة الثنائيات الديكارتية . والاخر، كان له وجه قوي، بملامح ناقصة ، وكان يوقع بقبضته الفقرات الهيغلية شابكا الكلمات . مع تحرير باريس ، وجدنا أنفسنا حائرين في تاريخ الفلسفة بغرابة . كنا ببساطة ندخل إلى (فلسفة) هيغل وهرسرل وهايدغر. نتدافع ككلاب ناشئة في تعليم كان أسوأ مما في العصر الوسيط . ومن حسن حظنا أنه كان هناك سارتر. كان سارتر بالنسبة الينا هو الخارج ، كان حقا نفحة من الغناء الخلفي (وما كان ليهم كثيرا أن نعرف ما كانت بالضبط علاقاته بهايدغر من وجهة نظر تاريخ قادم). بين جميع احتمالات السوربون ، كان هو التوليفة الوحيدة التي تمدنا بالقوة لنحتمل عودة الاشياء إلى نصابها من جديد. ولم يكف سارتر عن أن يكون هذا، لا أنموذجا، ولا منهجا أو مثالا، وانما شيئا من الهواء النقي تيار هواء حتى إذا كان أتيا من مقهى " فلور" ، مثقفا يغير وضعية المثقف بفرادة . إن لمن الغباء التساؤل إن كان سارتر بداية شيء ما، أو نهايته . كجميع الاشياء والافراد الخلاقين ، هو في الوسط ، ينمو من الوسط . يبقى أنني أبدأ لم أشعر بالانجذاب إلى الوجودية يومذاك ، ولا إلى الظاهراتية (الفينومينولوجيا)، لا أدري لم ، حقا، لكن هذا كله كان يبدو في ذمة التاريخ عندما أتينا نحن ، وفرة مفرطة من المنهج ، ومن المحاكاة ، والتفسير، والتأويل ، الا لدى سارتر. واذن ، فبعد التحرير، أطبق تاريخ الفلسفة علينا، حتى بدون أن نفطن إلى ذلك، بحجة تفتيح أعيننا على مستقبل فكر هو في الاوان ذاته الفكر الاكثر عتقا. لا يبدو لي أن " مسألة هايدغر" هي: هل كان نازيا نوعا ما (هذا بديهي، هذا بديهي)، وانما: ما كان دوره في هذه الحقبة الجديدة من تاريخ الفلسفة ؟ إن الفكر لشيء لا يحمله محمل الجد تماما إلا من يزعمون كونهم مفكرين ، وفلاسفة محترفين . لكن هذا لا يمنع أن يكون له – أي للفكر- أجهزته السلطوية عندما يقول للناس : لا تحملوني محمل الجد ما دمت أفكر من أجلكم ، وما دمت أمنحكم امتثالا، معايير وقواعد، صورة يمكنكم الانصياع اليها سيما وأنكم ستقولون :"ليس هذا شأني، ما لهذا من أهمية ، إنها قضية الفلاسفة ونظرياتهم المحض ".

دائما، كان تاريخ الفلسفة عامل السلطة داخل الفلسفة ، بل وحتى داخل الفكر. لعب دور القامع: كيف تريدون التفكير من دون قراءة افلاطون ، وديكارت ، وكانت وهايدغر، وكتاب هذا عنهم، أو ذاك ؟ مدرسة رهيبة للتجفيل " تفبرك " اختصاصيين للفكر، لكنها تدفع كذلك من يبقون في الخارج إلى الامتثال هم أيضا، وبأكثر قوة ، إلى هذا الاختصاص الذي يزدرونه .إن صورة للفكر، إسمها الفلسفة ، قد تأسست تاريخيا، وهي تمنع من التفكير حقا. إن علاقة الفلسفة بالدولة لا تأتى فحسب من كون أغلب الفلاسفة كانوا، منذ ماض قريب ، " أساتذة عموميين " (مع إن هذه الحقيقة كان لها معنى مختلف في كل من فرنسا وألمانيا). إن العلاقة لاتية من بعيد. ذلك أن الفكر يستمد صورته الفلسفية بصورة محض من الدولة باعتبارها داخلا جميلا جوهريا أو ذاتيا. إنه يخترع دولة روحانية بصريح التعبير، بما هي دولة مطلقة ، لاتكون قط حلما مادامت تعمل في الفكر فعلا. من هنا أهمية مفهومات كالكونية ، والمنهج ، والسؤال والاجابة ، والحكم والاقرار أو التمييز، والافكار الصائبة ، امتلان أفكار صائبة دوما. ومن هنا أيضا أهمية موضوعات كجمهورية الافكار، ومبحث الفهم ، ومحكمة العقل ، و" حق " محض للفكر، مع وزراء داخلية الفكر المحض وموظفيه . إن الفلسفة لمخترقة . بما هي مشروع تشكيل اللغة الرسمية لدولة محض . وعلى هذه الشاكلة تتطابق ممارسة الفكر مع أهداف الدولة الفعلية والدلالات المهيمنة مثلما مع إلزامات النظام القائم . قال نيتشه كل شيء في هذا الصدد في  "شوبنهاور مربيا" . وما يجد نفسه مسحوقا، ومدانا، باعتباره مزعجا، هو كل ما ينتمي إلى فكر بلا صورة ، كالبداوة ، وماكنة الحرب ، والصيرورات ، والاعراس المنافية للطبيعة ، والقنص، والسرقات ، وما يقيم بين عالمين (الانسانى والحيواني مثلا)، واللغات الاقلية ، والتأتأت في اللغة ، الخ … أكيد أن ميادين أخرى سوى الفلسفة وتاريخها يمكن أن تلعب دور قامع الفكر، هذا. يمكن اليوم حتى أن نقول أن تاريخ الفلسفة قد أفلس ، وأن "الدولة لم تعد بحاجة للمصادقة عليها من لدن الفلسفة ". إلا أن منافسين صارمين احتلوا من قبل مكانها. لقد انتزعت الابستمولوجيا الراية من فلسفة التاريخ . والماركسية تطلق حكما للتاريخ بل حتى (تقيم) محكمة للشعب هما بالاحرى أكثر إقلاقا من السابقين . والتحليل النفسي يعنى أكثر فأكثر بوظيفة " الفكر " ويتزوج الالسنيات ، لا بدون حق . هذه الاجهزة الجديدة سلطة داخل الفكر نفسه ، ويؤلف ماركس وفرويد وسوسير قامعا غريبا برؤوس ثلاثة ، لغة كبرى مهيمنة : التأويل ، التحويل ، والتعبير أو القول هي أشكال جديدة "لصائب" الافكار. حتى المؤشر النحوي لشومسكي هو، أولا، مؤشر سلطة. لقد انتصرت الالسنيات في الاوان ذاته الذي راح الاعلام يتنامى فيها كسلطة ، ويفرض صورته عن اللغة والفكر، المتطابقة وتوصيل الايعازات وتنظيم التكرارت . ليس من كبير معنى في التساؤل إن كانت الفلسفة ماتت ، في حين تضطلع بوظيفتها مباحث أخرى كثيرة . إننا لا ننادي بأي حق بالجنون ، لفرط ما يمر الجنون نفسه بالتحليل النفسي والالسنيات مجتمعين ، ولفرط ما أصبح مخترقا بالافكار الصائبة وبثقافة متينة أو بتاريخ بلا صيرورة ، ولفرط ما يتمتع بمهرجيه وأساتذته وقادته الصغار.

بدأت إذن بتاريخ الفلسفة ، عندما كان ما يزال فارضا نفسه . وما كنت لاهتدي إلى وسيلة للخروج منه لحسابي الخاص . لم أكن أحتمل لا ديكارت ، ولا ثنائيات الكوجيتو، ولا هيغل وثلاثياته وعمله السلبي. فوجدتني محبا لفلاسفة كان يبدو عليهم أنهم منخرطون في تاريخ الفلسفة ، لكنهم كانوا يفلتون منه من جانب ما أو من الجوانب جميعا: لوكريس ، سبينوزا، هيوم ، نيتشه ، برغسون . لا شك أنه ما من تاريخ للفلسفة الا ويقدم فصلا عن التجريبية : يتمتع فيه لوك وبيركلي بمكانهما، لكن هناك لدى هيوم شيئا بالغ الغرابة يحول التجريبية بكاملها، ويمنحها قوة جديدة ، مراسا ونظرية في العلاقات ، في "الواو" العاطفة ، صحيح أن هذا كله سيستمر لدى روسل ووايتهيد، لكنه سيظل جوفيا أو هامشيا بإزاء التصانيف الكبرى، حتى عندما يلهم تصورا للمنطق والابستمولوجيا جديدا. وصحيح أيضا أن برغسون كان مأخوذا في تاريخ الفلسفة على الطريقة الفرنسية ، ومع هذا فإن فيه شيئا غير قابل للاستيعاب ، شكل هو من خلاله رجة ، وتحالفا لجميع المعارضين ، ومحط أحقاد كثيرة ، ولا يتمثل هذا في موضوعة الديمومة بقدر ما في نظرية الصيرورات المتنوعة والتعدديات المتعايشة وممارستها. وسبينوزا، يظل من السهل حتى أن نهبه المكان الاكبر في تتمة الديكارتية ؟ سوى إنه يفيض من هذا المكان من جميع الجهات ، وما من ميت حي يرفع بمثل هذا القوة غطاء قبره ، ويقول بمثل هذه النصاعة : لست منكم . سبينوزا هو من اشتغلت عليه بالقدر الاكبر من الجدية بحسب معايير تاريخ الفلسفة ، لكن هو أيضا من وفر لي أكثر من سواه الاحساس بتيار هواء يدفع المرء من قفاه كلما جاء إلى قراءته ، وبمكنسة ساحرة يجعلك تمتطيها (كدابة). إننا حتى لم نبدأ بفهم سبينوزا بعد-أنا أكثر من سواي. جميع هؤلاء المفكرين معتلو الصحة ، لكنهم مخترقون بحياة لا تتجاوز. لا يعملون الا بقوة إيجابية ، توكيدية . لديهم ضرب من عبادة للحياة (أحلم بتحرير مذكرة لاكاديمية العلوم الاخلاقية ، لاري أن كتاب لوكريس لا يمكن أن يختتم بوصف الطاعون ، وأن هذا تلفيق ، وتحريف من لدن المسيحيين الراغبين بإثبات أن مفكرا شريرا يجب أن يجد نهايته في الحصار والرعب .) لا يتمتع هؤلاء المفكرون بعلاقات ذات بال بعضهم ببعض خلا نيتشه وسبينوزا- ومع ذلك فهم يتمتعون بعلاقات . لكأن شيئا يمر بينهم ، بسرعات وتوهجات متباينة ، وهو لايكمن في بعضهم ولا في البعض الاخر، وانما في فضاء لم يعد ليشكل جزءا من التاريخ حقا، وهو ليس حوار موتى وانما تخاطب ما بين – كواكبي، بين نجوم بالغة التباين ، تشكل صيروراتها المختلفة كتلة متحركة سينبغي اقتناصها، طيرانا متبادلا، سنوات ضوئية . بعد هذا، كنت قد سددت ديوني: لقد عفا عني نيتشه وسبينوزا. فألفت كتبا لحسابي الخاص أكثر. أعتقد أن ما كان يهمني في جميع الاحوال هو وصف هذا المراس للفكر، إما لدى مؤلف ، أو لذاته من حيث يتضاد والصورة التقليدية التي عكستها الفلسفة وأقامتها في الفكر لاخضاعه ومنعه من العمل . لكنني لا أريد أن أستعيد هذه الايضاحات ، إذ حاولت من قبل أن أقول هذا كله في رسالة إلى صديق ، هو ميشيل كريسول، الذي كتب عني أشياء جد طيبة وشريرة .

غير لقائي وفيليكس غواتاري أشياء كثيرة . كان لفيليكس من قبل ماض طويل في العمل السياسي والتحليل النفسي . لم يكن صاحب " إعداد فلسفي " ، لكنه كان يتمتع بصيرورة – فيلسوف ، وبصيرورات أخرى كثيرة . ما كان ليتوقف . إن أشخاصا قليلا وفروا لي إنطباعا هائلا بالتحرك في كل لحظة ، لا التبذل ، وانما التحرك بكامله بفعل إيماءة يقوم بها، كلمة يقولها، نبرة صوت ، كمثل " مشكال " يستمد في كل مرة توليفا جديدة . كان هو دائما فيليكس نفسه لكن اسم شهرته كان يسمي شيئا يحدث فيه ، وليس ذاتا.

كان فيليكس رجل فريق ، عصب وقبائل ، ومع ذلك فهو رجل وحيد، صحراء مأهولة بكل هذه الفرائق ، بجميع أصدقائه وجميع صيروراته . إن كثيرين قد مارسوا من قبل العمل الثنائي، من الاخوين غونكور حتى إيركمان – شاتريان ، ولوريل وهاردي. لكن ليس هنا من قواعد، ولا من وصفة عامة . كنت في كتبي السابقة قد حاولت وصف مراس معين للفكر: لكن لم يكن وصفه ليعني، بعد، ممارسة الفكر على هذه الشاكلة . (مثلما لا يكفى أن نصرخ " يحيا المتعدد"  لاجتراحه ، بل يجب اجتراح المتعدد. ولا يكفي كذلك أن نقول : " تسقط الانواع " بل ينبغي الكتابة فعليا بحيث لا يعود ثمة " أنواع " ، الخ …) وأن هذا كله يصبح ، مع فيليكس ، ممكنا، وان طاشت ضربتنا أحيانا. لم نكن سوى اثنين ، لكن ما كان يهمنا لم يكن العمل معا بقدر ما هذه الواقعة الغريبة المتمثلة في الكتابة بين الاثنين . صار الواحد يكف عن أن يكون " مؤلفا ". وكان ما -بين – الاثنين هذا يحيل إلى أناس أخرين ، مختلفين من ناحية وأخرى. صارت الصحراء تتنامى، لكن مأهولتا أكثر فأكثر. لم يكن هذا ليمت بصلة لمدرسة ، أو لعملية "تزهين" (من " الذهن ")، بقدر ما بلقاءات . وكل هذه الحكايات ، حكايات الصيرورات والزيجات المنافية للطبيعة ، والنمو غير المتوازي، والازدواج اللغوي وسرقة الافكار، عشته أنا مع فيليكس . لقد سرقت فيليكس ، وأمل أن يكون قام بإزائي بالشيء نفسه . تعرفين كيف نعمل ، أكرر قول هذا لانه يبدو لي مهما، إننا لا نعمل معا وانما بين الاثنين . في مثل هذه الظروف ، وما أن يكون ثمة هذا النمط من التعددية ، يكون الامر نوعا من سياسة ، سياسة " مجهرية " . وكما يقول فيليكس ، فقبل الكينونة هناك السياسة . إننا لا نعمل ، بل نتفاوض . أبدا لم نكن في الوتيرة نفسها، بل دائما في انزياح : ما كان فيليكس يقوله لي ، كنت أفهمه وأقدر أن أستخدمه بعد ستة أشهر: وما كنت أقوله له ، كان هو يفهمه على الفور، بأسرع مما يلزم بالنسبة إلى ذوقي، ثم ها هوذا في محل أخر. كنا أحيانا نشتغل على المفهوم ذاته ، ثم نلاحظ أننا لم نكن نقبض عليه بالشاكلة نفسها: هكذا مثلا، : " الجسد المجرد من الاعضاء " ، أو مثال أخر: كان فيليكس يشتغل عي الثقوب السوداء(س) . إن هذا المفهوم الفلكي ليفتنه . إن الثقب الاسود هو ما يقتنصكم ولا يعود يسمح لكم بالخروج . كيف يمكن الخروج من ثقب أسود؟ كيف يمكن البث إنطلاقا من غور ثقب أسود؟، هكذا كان فيليكس يتساءل . أنا كنت أعمل بالاحرى على جدار أبيض : ما جدار أبيض ، ما شاشة ، وكيف يمكن نشر الجدار وتمكين خط هروب من أن يمر؟ لم نجمع بين المفهومين الاثنين ، بل لاحظنا أن كلا منهما ينزع إلى الاخر من تلقاء ذاته ، لكن ، وبالتحديد، لانتاج شيء لم يكن قائما لا في أحدهما ولا في الاخر. ذلك أن ثقوبا سوداء على حائط أبيض هي بالتحديد: وجه ، وجه واسع أبيض الخدين ومثقوب بعينين سوداوين . إنه لا يشبه ، بعد، وجها، بل هو بالاحرى تركب الماكنة المجردة التي ستنتج وجها. واذا بالقضية تعاود الانبثاق من جديد، سياسية : ما المجتمعات ، أو الحضارات المحتاجة إلى تشغيل هذه الماكنة ، أي إلى أن تنتج ، أن " تضاعف ترميز" الجسد كله والرأس بمعونة وجه ، ولاي غاية ؟ إن وجه المحبوب ، وجه الرئيس ، و" توجيه " (اجتراح وجه) الجسم الفيزيائي السياسي ،. هذه أشياء لا تحدث تلقائيا… هاهي زي تعددية ، ذات ثلاثة أبعاد على الاقل ، فلكية ، وجمالية وسياسية . ونحن أبدأ لا نستخدم مجازات ، إننا لا نقول : " كمثل " ثقوب سوداء في الفلك أو " كمثل " لوحة بيضاء في الرسم . بل نستخدم مفردات " مرحلة " ، أي منتزعة من ميدانها، لاعادة موضعة مفهوم أخر، " الوجه "، و"الوجهية " كوظيفة اجتماعية . بل أسوأ من هذا أيضا: إن الافراد مدفوعون بلا هوادة في ثقوب سوداء، ومسمرون إلى جدار أبيض . هذا هو أن يكون المرء محدد الهوية ، مؤرشفا، معروفا: ناظما مركزيا يعمل كثقب أسود ويكنس جدارا أبيض بلا أطر. إننا نتكلم حرفيا. وان علماء الفلك ليفكرون بالفعل بإمكان أنه ، في ركام كواكبي، تجتمع ثقوب سوداء من جميع الانواع في المركز داخل ثقب وحيد من كتلة ضخمة … جدار أبيض -ثقب أسود، هذا في نظري مثال أنموذجي للطريقة التي يترتب فيها بيننا عمل ، لا اجتماع ولا تجاور، وانما خط منكسر يمر بين اثنين ، تكاثر، أخطبوطات .

هذه طريقة " التقاط " أو" قنص " (بيك -أب). كلا، إن المفردة "طريقة " لرديئة . إلا أن " البيك -اب " بما هو اجراء، هو مفردة اخترعتها فاني، التي تخشي فقط أنها تمثل لعبا مفرطا على الكلمات . " البيك -أب " تأتأة . لا قيمة له الا بالتعارض مع " قطع " ( " كات -أب ´´) بورو : لا قطع ، ولا تجعيد، ولا طي، وانما تهديدات بمقتضى أبعاد متنامية . لا يقام بالـ´´ "لايك -أب " ، أو السرقة المزدوجة ، أو النمو غير المتوازي، بين شخصين ، وانما بين أفكار تترحل كل واحدة منها في الاخرى، بموجب خط أو خطوط ليست في احداها ولا في الثانية ، وتجرف " كتلة " . لا أريد التفكير بأشياء من الماضي. نحن ، أنا وفيليكس ، بصدد الفروغ الان من كتاب ضخم . لقد انتهى تقريبا، وسيكون الاخير(ش). بعد هذا سنرى. سنقوم بأشياء أخرى. أريد إذن الكلام عما نقوم به حاليا. لا واحدة من هذه الافكار الا وهي أتية من فيليكس ، من ناحية فيليكس (الثقب الاسود، السياسة المجهرية ، الترحيل ، الماكنة المجردة ، الخ …) إنها اللحظة ، الان أو أبدا، لممارسة الطريقة : نقدر أنت وأنا، أن نستخدمها، في كتلة أخرى أو من ناحية أخرى، مع أفكار لك ، بحيث ننتج شيئا لا يكون لاي منا، وانما بين 3.2، 4… ، إلى ما لا نهاية له . لم يعد هذا (شيئا من قبيل) " فلان يفسر فلان " ، " توقيع فلان " ، "دولوز يتحدث عن دولوز" ، توقيع المحاور" …، وانما " دولوز يتحدث عن غواتاري، توقيعك أنت " . هكذا يصبح الحوار وظيفة حقة . من ناحية (فلان)… ينبغي أن نضاعف الجهات ، أن نكسر، لصالح المضلعات ، كل دائرة .

(أ) : طوال هذا الكتاب ، يقرأ التعبير "صيرورة – ثوري"، "صيرورة -طائر"، الخ ، كمفردة مركبة لاتفيد الاضافة (صيرورة الطائر)، وانما التحول : تحول الطرف المعني- موتسارت مثلا- إلى طائر. وربما كان الافضل (وهذا ما نقوم به عندما تسمح به الصياغة) قراءتها على الحالية : "الصيرورة -طيرا"، "الصيرورة -ثوريا"، الخ . ..

(ب) : بصدد " الترحل " و:الترحيل " وما يرتبط بهما، راجع كشاف المصطلحات (المترجم).

(ت) : فلسفة -لاولا: أي فلسفة "شعبية "، من "pop"، وهي مختصر "populaire " (الانجليزية "popular ")، مثلما نقول pop-music ( للموسيقى الشعبية (المترجم).

(ث) : خط هروب (أو:منسوب): راجع بهذا الصدد كشاف المصطلحات (المترجم) .

(ج): اللغة الاقلية ، الادب الاقلي أو الادب الصغير: لا يشترط أن تكون اللغة ممثلة هنا لاقلية محددة تاريخيا وجفرافيا، بل كل لغة تنشأ على الهامش هي أقلية ، ويمكن أن تكون "لسان " فرد أو جماعة ، فالمفرد ة تعمل هنا بقوة مجازية أو قوة ثانية . يتحدث دولوز وغواتاري أيضا، في كتاب لهما معروف من كافكا، عن "الادب الصغير" rature mineure,Litt، بمعنى الادب الاقلي هذا بالذات ، وبالتعارض مع الادب الكبير، المؤسس ، الراشد، والذي يفضي الى كتابة "معيارية " أو" قانونية " (المترجم).

(1): لاروست ، "ضذ سانت -بولا" Proust, Contre d. Gallimard, p. 303, Beuve, – Sainte

(ح): المعنى الخاطيء هو بالفرنسية : contresens، والكلمة تعني في حرفية اشتقاقها: " معنى ضد " ، أو " ضد معنى " ، وهذا مما يمنح مقولة لاروست هنا قوتها (المترجم).

(خ): العصاب : للتفريق -الاساسي- بينه وبين "الذهان "، لك أن تراجع كشاف المصطلحات (المترجم).

(2): نيتشه ، "شوبنهاور مربيا": Nietzsche, Schoducateur.,penhauer

(د) : الاثر كوملاتون Copmton: نسبة إلى الفيزيائي الامريكي كوملاتون ، الذي اكتشف ، بين أشياء أخرى، أثر تفاعل الشعاع × (وله طبيعة الضوء) مع ذرته بما ينتج عنه انزاح للشعاع الحاصل ينجم عنه أليكترون (كهيرب). أما الاثر كللاان Kelvin فنسبة إلى الفيزيائي الانجليزي ثومسون كللاان الذي أثبت أن تمدد غاز فعلي ذي طاقة داخلية ثابتة يقود إلى ابتراده. وفي الحالتين ، فإن مايشير اليه دولوز هو إمكان الانزياح داخل مسار معين أو حالة معينة لدى الاتصال بوسط اخر أو لدى توافر أدنى عامل مساعد، وما يتمخض عنه هذا الانزياح (المترجم).

(3): بوب أيلان ، "كتابات ورسوم ": Bob Dylan, Ecrits et dessins, d. Seghers.

(ذ): "الكات -اب "، القطع أو التقطيع ، هو نوع من الكولاج الادبي، شاع استعماله عند الكاتب الاميركي المعروف وليام بورو (من " البيتنكز ")، يقوم فيه بتشويش جمل يختارها لا على التعيين من الصحف أو من المحاورات العادية . ويفضل عليه دولوز تقنية "اللايك -اب " التي يأتي شرحها في صلب المقالة (المترجم).

(ر): هي زوجة الفيلسوف . كانت عارضة أزياء، وقد ترجمت إلى الفرنسية نصوصا للكاتب الانجليزي د.ه . لورنس . يعزو لها دولوز إلهام عدد من أفكاره (المترجم).

(ز): هو جيروم لندون ، الناشر الفرنسي المعروف ، صاحب منشورات "مينوي" ("منتصف الليل ") الذي احتضن ، قبل اشتهارهم ، كتابا طليعيين عديدين ، من بيكيت إلى فاتالي ساروت فكلود سيمون ، وله كتاب في يونس النبي طالما استشهد به دولوز (المترجم).

(س):واضح أن دولوز يوظف هنا فكريا مصطلح "الثقب الاسود" الذي يطلقه علماء الفلك على مايشاهد أحيانا في السماء من بقع مبهمة لا تتوصل المراصد إلى تشخيص مافيها، هباء أم كواكب أخرى نائية في البعد (المترجم).

(ش): صدر في 1980 بعنوان : "ألف هضبة "، تجد منه في الكتاب الحالي فصلا بعنوان : "الجذمور". ووضعا بعده كتابا مشتركا اخر عنوانه : "ماهي الفلسفة ؟" تجد منه هنا أيضا فصلا بعنوان : "جيو-فلسفة " (المترجم).

الجذمور (أ)

 ( بالاشتراك مع فيليكس غواتاري)

اشتركنا في كتابة "الضد- أوديب "(ب). ولما كان كل واحد منا (أشخاصا) عديدين ، فإن هذا يصنع بشرا كثيرين . هنا، استخدمنا كل ما ما يقاربنا، الادنى والابعد. وزعنا أسماء مستعارة حاذقة ، لنحيلها عصية على التعرف . لم احتفظنا باسمينا؟ بحكم العادة ، وليس أكثر. لنحيل نفسينا عصيين على المعرفة نحن أيضا. لنحيل عصيا على التمييز لا نحن نفسينا وانما ما يدفعنا إلى العمل ، المعايشة أو التفكير. ثم لان من الممتع التكلم كالناس جميعا، وأن نقول إن الشمس تطلع ، فيما يعرف الجميع أن هذه شاكلة في الكلام . لا الوصول إلى النقطة التي لا يعود فيها الواحد منا يقول "أنا"، وانما إلى النقطة التي لا يعود يتمتع فيها للقول "أنا" أو عدم قوله ، أهمية . إننا لم نعد نفسينا. كل واحد سيعرف أصحابه . إننا قد سوعدنا، والهمنا، وكوثرنا.

لا يتمتع كتاب بفاعل ولا بموضوع ، بل هو مصنوع من مواد متشكلة بتنوع ، ومن تواريخ وسرعات جد مختلفة . ما إن ينسب الكتاب إلى ذات فاعلة ، حتى يهمل هدا العمل للمواد وبرانية علائقها. إنهم "يفبركون " إلها رحيما لحركات (هي بالاحرى) جيولوجية . في كتاب ثمة ، كما في كل شيء، خطوط تمفصل أو تفصص ، وطبقات ، ومجاليات : لكن كذلك خطوط هروب وحركات ترحيل وتسوية . وان السرعات المقارن بينها للسيلان بحسب هذه الخطوط لتتمخض عن ظواهر تأخر نسبي، ولزوجة ، أو بالعكس عن ظواهر استعجال وقطيعة. هذا كله ، الخطوط والسرعات القابلة للقياس ، تشكل ترتيبا (أو تركبا) agencement. إن كتابا هو مثل هذا التركب ، غير القابل بحد ذاته للعزو(إلى أحد). إنه تعددية – لكننا لا نعرف بعد ما يتمخض عنه المتعدد أو مايستتبعه عندما لا يعود قابلا للعزو ، أي عندما يرتفع إلى مصاف "مسند". إن تركبا مكائنيا (ت)، أي تركب ، ليظل ملتفتا صوب الطبقات التي تصنع منه ، بلا شك ، ضربا من منظومة عضوية ، أو كلية دالة ، أو تعيينا قابلا للعزو إلى فاعل ، لكنه يظل بالقدر نفسه ملتفتا صوب جسد بلا أعضاء لايكف عن تفكيك المنظومة العضوية ، ومن أن يكمن من المرور والسريان جزيئات دالة ، وتوهجات خالصة ، ومن أن يعزو لنفسه فواعل (ذوات فاعلة) لا يترك لها سوى اسم كأثر لتوهج أو كثافة ما. ماهر الجسد البلا أعضاء لكتاب ؟ ثقة أجساد عديدة ، بحسب الخطوط المعتبرة ، بحسب محمولها أو توهجها الخاص ، وبحسب إمكان تضافرها عند "حقل صلابة " plan de consistance يتكفل بالانتقاء فيما بينها. وهنا كما في كل محل اخر، فإن ما يهم هو وحدات القياس : إسباغ صفة الكم على الكتابة . ليس من فارق بين ما يتكلم عنه كتاب والشاكلة التي هو معمول بها. وعليه ، فإن كتابا لا يتمتع بموضوع . بل إنه ، بما هو تركب ، موصول ، فحسب ، بتركبات أخرى، في علاقة مع أجساد أخرى بلا أعضاء. لن نسأل أبدا ما يعني كتاب ، المدلول أو الدال ، لن نحاول فهم أي شيء في كتاب ، بل سنسأل بمعونة أي شيء يعمل ، وبالاتصال بم يمكن هو كثافات معينة ، أو لا يمكنها، من المرور، وفي أية تعدديات يدخل تعاديته الخاصة أو يحولها، وصوب أية أجساد بلا أعضاء يدفع جسده البلا أعضاء. لا يوجد كتاب إلا بفعل الخارج ، وفي الخارج . هكذا، ولما كان الكتاب ، كل كتاب ، ماكنة صغيرة ، فما هي العلاقة ، القابلة بدورها للقياس ، التي تدخل فيها هذه الماكنة اللغوية مع ماكنة حرب ، أو ماكنة حب ، أو ماكنة ثورية ، الخ … – ومع ماكنة مجردة تجتذبها كلها؟ أعاب علينا الاخرون الاحالة المفرطة إلى الادباء. لكن السؤال الوحيد عندما نكتب ينبغي أن يتمثل في معرفة مع أي ماكنة أخرى تقدر الماكنة الادبية أن تتضام حتى تعمل ؟ إن (أدب) كلايست لهو ماكنة حرب مجنونة ، وكافكا ماكنة بيروقراطية (ث) عجيبة … (واذا أصبح المرء حيوانيا أو نباتيا بفعل الادب ، وهذا لا يعني على شاكلة أدبية ؟ الا يصبح المرء حيوانا بالصوت بدءا؟ إن الادب لهو تركب ، ولا شيء ليجمعا بالايديولوجيا، ذلك أنه لم يكن ولن يكون ثمة ايديولوجيا أبدا.

لا نتحدث عن شيء اخر (سوي مايأتى): التعدديات ، الخطوط ، الطبقات والمقطعيات ، خطوط الهروب والتوهجات أو الكثافات ، التركبات المكائنية وأنماطها المختلفة ، الاجساد بلا أعضاء وبنائها، انتقائها، حقل الصلابة ، ووحدات القياس في كل حالة . إن مقاييس التنضد (في طبقات) أو التمدد، وحدات توهج الاجساد بلا أعضاء، ووحدات تقاربها، هذا كله لا يشكل فحسب تحولا كميا للكتابة ، وانما يحدد الكتابة باعتبارها دائما قياس شيء اخر. ليس للكتابة من علاقة بالادلال لامن الدلالة)، بل مع المساحة ، والخرائطية ، بما في ذلك (المساحة  والخرائطية العائدتين) لاصقاع هي بصدد المجيء.

يتمثل نمط أول للكتاب في الكتاب -الشجرة . الشجرة هي، من قبل ، صورة العالم ، أو أن الجذر هو صورة الشجرة -العالم . إنه الكتاب الكلاسيكي ، بما هو صميمية عضويتا جميلتا، دالتا وذاتية (طبقات الكتاب). يقلد الكتاب العالم ، كما يقلد الفن الطبيعة : بأساليب خاصة به ، ويحقق ما لا تقدر الطبيعة أو عالم تعد قادرة على أن تفعل .إن قانون الكتاب هو قانون الانعكاس : الواحد الذي يصبح اثنين . كيف يكون قانون الكتاب ( كاهنا) في الطبيعة مادامت الاخيرة تسبق التقسيم ، بالذات ، بين عالم وكتاب ، طبيعة وفن ؟ واحد يصبح اثنين : في كل مرة نقابل فيها هذه الصيغة حتى إذا كانت معلنا عنها إستراتيجيا من قبل مار، أو فهمت بأكثر مايمكن من "الجدلية "، فإننا نكون بإزاء الفكرة الاكثر كلاسيكية ، الاكثر تفكيرا، الاكثر عتقا والاكثر تعبأ. لا تعمل الطبيعة على هذه الشاكلة : فحتى الجذور فيها دائرة على مصاريعها، في تفرعات أكثر وفرة ، مائلة ، حلقية ، وليس منقسمة . إن الفكر ليؤخر بالقياس إلى الطبيعة . حتى الكتاب باعتباره واقعا طبيعيا يدور، مع محوره ، والاوراق حوله . إلا أن الكتاب بما هو واقع روحاني، الشجرة أو الجذر باعتبارهما صورة ، لا يكف عن تنمية قانون الواحد الذي يصبح اثنين ، ثم الاثنين يصبحان أربعة … إن المنطق الثنائي هو الواقع الروحاني للشجرة -الجذر.

حتى ميدان بمثل "تقدم " الالسنيات يحتفظ ، كصورة قاعدية ، بهذه الشجرة -الجذر، التي تربطه بالتفكير الكلاسيكي (كذلك هو تشومسكي والشجرة التركيبية التي تبدأ بنقطة S (عبارة ما) لتعمل بانقسامية ثنائية). مما يعني أن هذا الفكر لم يفهم التعدد أبدا: تلزمه وحدة أساسية قوية مفترضة ليبلغ الاثنين باتباع طريقة روحانية . ومن ناحية الموضوع ، باتباع الطريقة الطبيعية ، نقدر ولا شك أن ننتقل مباشرة من الواحد إلى الثلاثة ، الاربعة أو الخمسة ، لكن دائما بشرط التوفر على وحدة أساسية قوية ، تلكم هي وحدة المصراع الذي يدعم الجذور الثانوية . وليس هذا بأفضل. لم يحدث سوى أن حلت العلاقات الثنائية -الواحدية بين حلقات متتالية محل المنطق الثنائي للانقسام . لا يفهم الجذر الدائر التعدد أكثر مما يفعل الجذر الثنائي. أحدهما يمارس عمله على الموضوع في حين يمارسه الاخر على الذات. وما يزال المنطق الثنائي والعلاقات الثنائية – الواحدية مهيمنة على التحليل النفسي (شجرة الهذيان في التأويل الفرويدي لحالة شريبر)، وعلى الالسنيات والبنيوية ، وحتى على الاعلامياء.

النسق – الجذير، أو الجذر المحروم ، هو الشكل الثاني للكتاب ، الذي تتعرف حداثتنا على نفسها فيه عن طيبة خاطر. هذه المرة ، يكون الجذر الاساسي قد اجهض ، أو انه يتهدم صوب أقاصيه : فتأتى للانفراس فيه تعددية مباشرة وعادية من الجذور الثانوية التي تشهد نموا عظيما. هذه المرة ، يتبدى الواقع الطبيعي في إجهاض الجذر الاساسي ، إلا أن وحدته تصمد مع ذلك باعتبارها ماضية أو قادمه، أي ممكنة . وانه لينبغي أن نتساءل إذا لم يكن الواقع الروحاني والتفكيري ليعوض عن حالة الاشياء هذه بإعرابه بدوره عن الالزام بوحدة سرية أكثر استيعابا أيضا ، أو بكلية أكثر امتدادا. لنأخذ طريقة "القطع " cut – up لدى بورو  Burroughs (ج): إن هذا الطي لنص على نص اخر، المؤسس لجذور متعددة بل وحتى دخيلة (كأننا أمام فسائل) إنما يستدعي بعدا مضافا إلى بعد النصوص المعتبرة . في هذا البعد الاضافي للطي تقيم الوحدة عملها الروحاني. بهذا المعنى يمكن أن يتقدم العمل المجزأ بأكبر قدر من الجزم باعتباره في الاوان ذاته العمل الكلي أو العمل الكبير. وان أغلب الطرائق الحديثة لدفع سلاسل إلى التوالد أو تعدديات إلى النمو إنما تصح تماما في اتجاه خطي، مثلا، على حين تروح وحدة كليانية تتأكد في بعد اخر، بعث الدائرة أو الحلقة . في كل مرة تكون تعددية ما مأخوذة فيها داخل بنية ، يكون نموها معوضا باختزال لقوانين التركيب . إن مجهض الوحدة هم هنا "صانعو ملائكة " بحق ، ما داموا يؤكدون وحدة ملائكية تماما وعليا (ح). إن كلمات جريس ، المدعوة بحق "متعددة الجذور"، لا تكسر بالفعل الوحدة الخطية للكلمة ، أو حتى اللغة ، إلا بطرحها وحدة حلقية للعبارة ، للنص ، أو المعرفة . و"أفوريزمات " نيتشه  (مقطعاته)، لا تكسر الوحدة الخطية للمعرفة إلا بالاحالة إلى الوحدة الحلقية للعود الابدي، الحاضر كـ "غير معلوم " في الفكر. مما يمكن من القول إن النسق المحروم (كما نقول " جذر محروم ") لا يقطع مع الثنائية حقا، أي مع تكاملية ذات وموضوع ، وتكاملية واقع طبيعي وواقع روحاني:

لاتفتأ الوحدة تعاق وتعطل في الموضوع ، في حين ينتصر نمط جديد للوحدة في الذات . فقد العالم مصراعه ، ولم تعد الذات (الفاعلة) قادرة حتى على إحداث انقسامات ثنائية ، بل هي تبلغ وحدة أعلى ، ثنائية التكافؤ أو مفرطة التعيين ، في بعد يكون دائما إضافيا بإزاء بعد موضوعها. أصبح العالم عماء، إلا أن الكتاب يظل هو صورة العالم ، كونا عمائيا- جذيرا، بدلا من الكون – الجذر. يدله من تضليل غريب ، تضليل الكتاب الذي بات أكثر كلية سيما وأنه مقطعي. الكتاب كصورة للعالم ، ياللفكرة الباهتة بأية حال ! لا يكفي في الحقيقة أن نصرخ "يعيش المتعدد"، ثم إن إطلاق هذه الصرخة ليس بالشيء السهل . إن أية براعة طبوغرافية (متعلقة بتنضيد النص والتلاعب بطباعته) أو معجمية أو حتى بنائية لن تكفي لاسماعها. المتعدد، إنما ينبغي القيام به ، لا بإضافة بعد أو حد أعلى باستمرار، وانما بالعكس ببالغ البساطة ، بقوة التقشف ، عند مستوى الابعاد او الحدود التي نتوفر عليها، دائما 1- n (العدد ناقصا واحدا). (على هذا النحو فحسب نشكل جانبا من المتعدد، بأن نكون مطروحين (بالمعنى الحسابي للمفردة) دوما). أن نطرح الفريد من التعددية اللازم إنشاؤها، ونكتب بحسب 1- n (خ). مثل هذا النسق يمكن أن يسمى الجذمور rhizome. إن الجذمور، كغصن جوفي ، ليتميز عن كل من الجذور والجذيرات . إن البصلات والعضيات لهى جذامي. وان نباتات ذوات جذر أو جذير يمكن أن تكون جذمورية التشكل من وجهات نظر أخري تماما: يتعلق الامر بمعرفة ما إذا لم يكن علم النبات ليشكل في خصوصيته ، ومن أقصده إلى أقصده ، ميدان تشكل جذموري. بل حتى حيوانات معينة تكون كذلك ، عبر شكلها الزمري (من "الزمرة ") ؟ إن الفئران لهي جذامي. والجحور أو الوجارات هي كذلك ، عبر جميع وظائفها المتمثلة في السكن، والتخزين ، والتنقل ، والمراوغة أو إحداث القطيعة . الجذمور نفسه لديه أشكال بالغة التباين ، من امتداده السطحي المتشعب حتى تصلبه في بصلات وعصيات . أو عندما تنزلق الفئران بعضها تحت بعض . ثمة ،في جذمور، الافضل والاسوأ: البطاطس والعكرش ، العشب الضار. حيوانا ونباتا، العكرش هو العشبة -السلطعون . واننا ليخالطنا الشعور بأننا لن نقنع أحدا إذا لم نعدد بعض الخصائص التقريبية للجذمور.

او2: مفهوما ارتاط وتغاير: إن أية نقلة من الجذمور. أي جذمور، يمكن أن تربط أو توصل بأية نقطة أخرى، ويجب أن تكون كذلك . وهذا بالغ الاختلاف عن الشجرة أو الجذر اللذين يحددان نقطة ، ونظاما. إن الشجرة اللغوية على شاكلة شومسكي ما تزال تبدأ بنقطة S (من sentence: عبارة معينة) وتعمل بالانقسام . أما الجذمور، فبالعكس ، لا تحيل كل سمة فيه بالضرورة إلى سمة لغوية : إن حلقات علاماتية من كل نوع ترتبط فيه بصيغ ترميز  encodage (د) بالغة الاختلاف ، حلقات بيولوجية ، وسياسية ، واقتصادية ، الخ …، تدفع إلى العمل لا فحسب نظم علامات متباينة ، بل كذلك المقامات المتباينة للحالات. إن التركبات الجماعيه للتعبير تعمل في الواقع مباشرة في التر كبات المكائنية ، وليس من الممكن إحداث قطع جذري بين نظم العلامات وموضوعاتها. وفي الالسنيات ، حتى عندما نزعم الاكتفاء بالمجهر (من "الجهر") وعدم افتراض أي شيء حول اللغة ، فإننا نظل دائرين في مدارات خطاب مايزال يستدعي أشكال تركيب وأنماط سلطة اجتماعية خاصة . في نحوية شومسكى، يظل الرمز المقولاتي لا الذي يهيمن على جميع العبارات ، مؤشر سلطة قبل أن يكون مؤشرا بنائيا: أنشيء عبارات صحيحة نحويا، وقسم كل عبارة إلى تركيبة إسمية واخر فعلية (قسمة أولى …) لن نعيب على مثل هذه الموديلات الالسنية كونها بالغة التجريدية ، بل بالعكس كونها غير تجريدية بما فيه الكفاية ، وعدم بلوغها الماكنة المجردة التي تحدث ارتباط لغة بمحتويات دلالية وبراغماتية (عملية) للعبا رات ، مع ترتبات جماعية للتعبير، وسياسة مجهرية كاملة للحقل الاجتماعي. إن جذمورا لن يكف عن الوصل بين حلقات سيميائية أوعلاماتية ، ومنظومات سلطة ، وتواترات تحيل إلى الفنون ، والى العلوم ، والصراعات الاجتماعية . وان حلقة علاماتية لهي كمكر عصية تجمع أفعالا بالغة التنوع ، لغوية لكن كذلك إدراكية ، محاكاتية ، إيمائية ، و"كوجيتية " (ذ) : ما من لسان في ذاته ، ولا من شمولية أو كونية للغة ، بل تضافر لهجات وعاميات ، ومحليات ، ولغات متخصصة . ما من محاور، أو مستمع مثالي، ولا من جماعة لغوية متجانسة . إن اللسان لهو، بحسب صيغة لفاينرايخ Weinreich، "واقع متنافر أساسا". ما من لغة – أم ، بل استيلاء على السلطة تحققه لغة مهيمنة في تعددية سياسية. تستقر اللغة حول مصلى ، أبرهية ، أو عاصمة . تشكل بصلة . تتناص بحسب أغصان واوافق جوفية ، على امتداد الوديان الماطرة ، أو خطوط سكك الحديد، تتنقل كبقع زيت (1). نقدر دائما أن نمارس على اللغة تفكيكات بنائية داخلية : ليس هذا بالمختلف جوهريا عن بحث عن الجذور. ثمة في الشجرة دائما شيء نسبي (جينيالوجي)، وما هذه الطريقة بالشعبية . بالعكس ، إن طريقة من نمط الجذمور لا تقدر أن تحلل اللغة إلا بنزع مركزتها (وتر حيلها) صوب أبعاد أخرى ومستويات (للكلام) أخرى. أبدأ لا ينغلق لسان على ذاته إلا في وظيفة عجز.

3- مبدأ التعددية: فقط عندما يعالج المتعدد حقا باعتباره اسما أو مسندا، وتعددية ، لا تعود أية علاقة تجمعه بالواحد كذات أو كموضوع ، كواقع طبيعي أو روحاني، كصورة وكعالم . إن التعدديات لجذمورية ، وهي لا تنفك تفضح التعدديات الشجرية الكاذبة . ما من وحدة تخدم كمصراع في الموضوع ، أو تتجزأ في الذات . ليس ثمة من وحدة حتى ولا من أجل أن تجهض في الموضوع ، و"تعاود" الانبثاق في الذات . إن تعدديتا، أية تعددية ، لا تتمتع لا بذات ولا بموضوع ، بل ، فحسب ، بتعيينات ، وحجوم وأبعاد لا تقدر أن تنمو من دون أن تغير التعدديا طبيعتها (وعليا، فإن قوانين التوليف إنما هي متنامية مع التعدد). إن خيوط الدمى أو العرائس ، من حيث هي جذمور أو تعددية ، لا تحيل إلى الارادة المفترض أنها واحدة ، لفنان أو عارض ، بل إلى تعددية الخيوط الحساسة ، التي تشكل بدورها دمية أخرى، بحسب أبعاد أخرى مرتبطة بالاولى : "الخيوط أو الاغصان التي تحرك الامى- ولنسمها اللحمة . يمكن الاعتراض بأن تعاديتها قائمة في شخص الممثل الذي يطرحها في النص . ليكن ! إلا أن الخيوط الحساسة تشكل بدورها لحمة . وانها( الخطوط) لتغوص في الكتلة الرمادية ، في الشبكة ، وحتى في ما لا يتميز. تقترب اللعبة من العمل المحض للنساجين ، هذا الذي تعزوه الاساطير لالهات القدر والمصير."(2). إن تركبا هو بالتحديد هذا النمو للابعاد في تعددية تغير بالضرورة طبيعتها بحسب تزايد ارتباطاتها. ليس في الجذمور من نقاط أو مواقع ، كما نجد في بنية ، شجرة ، أو جذر. ليس ثمة سوى خطوط . عندما يقوم غلين غولد Glenn Gould بتسريع أداء مقطوعة ما، فهو لا يتصرف فحسب كموسيقي بارع ، بل يحول النقاط الموسيقية إلى خطوط ، ويجعل المجموع يتكاثر. ذلك إن العدد قد كف عن تشكيل مفهوم شامل يعد العناصر بمقتضى مكانها في بعد ما، ليصبح هو نفسه تعددية متنوعة بحسب الابعاد المعتبرة (أولوية المجال بالقياس إلى عقدة أعداد مرتبطة بهذا المجال). ما لدينا وحدات قياس ، بل ، فحسب ، تعدديات أو تنويعات قياس . أبدا لا يظهر مفهوم الوحدة الا عندما يتحقق ، في تعددية معنية ، استيلاء على السلطة من قبل الدال ، أو سياق لنشوء الذاتية موصول به : هكذا هي الوحدة -المحور التي تنشيء مجموعة من علاقات مثنوية بين عناصر أو نقاط موضوعية ، أو الواحد الذي ينقسم بحسب قانون منطق مشنوي للتفريق داخل الذات . دائما تعمل الوحدة في قلب بعد فارغ إضافي بالقياس إلى بعد النسق المعني المفرط ترميز(Sur – codage). لكن بالضبط فإن جذمورا أو تعددا لا يسمح بترميزه المفرط ، وأبدأ لا يتمتع ببعد إضافي بالقياس إلى عدد خطوطه ، أي بالقياس إلى تعددية الاعداد المرتبطة بهذه الخطوط . إن جميع الوحدات لهي مستوية من حيث أنها تملا أو تشغل جميع أبعادها: لذا سنتحدث عن حقل صلابة ، مع أن هذا "الحقل " ذو أبعاد متنامية بحسب عدد الارتباطات التي تتحقق فيه . تتحدد التعدديات بالخارج : بالخط المجرد، خط الهروب أو الترحيل الذي باتباعه تغير هي طبيعتها بارتباطها بتعدديات أخرى. إن حقل الصلابة (الشبكة) هو خارج جميع التعدديات . يؤشر خط الهروب في الاوان ذاته على واقع عدد من الابعاد المتنافية التي تملاها التعددية بالفعل :واستحالة ( قيام) أي بعد إضافي من دون أن تتحول التعددية . بمقتضى هذا الخط : والامكان والضرورة في تسوية جميع هذه التعدديات في حقل صلابة أو برانية واحد بذاته ، مهما تكن أبعادها. سيتمثل المثل الاعلى لكتاب في نشر كل شيء على حقل برانية معين ، وعلى صفحة واحدة ، الصفحة نفسها بالذات : الاحداث المعيشة ، التعيينات التاريخية ، المفهومات المفكر بها، الافراد، المجموعات والتشكيلات الاجتماعية . لقد ابتكر كلايست Kleist كتابا كهذه ، سلسلة مكسرة من العواطف ، مع سرعات متباينة ، تسريعات وتحويلات ، دائما في علاقة مع الخارج . حلقات مفتوحة . هكذا تتضاد نصوصه من جميع النواحي مع الكتاب الكلاسيكي والرومنطيقي، المشكل من داخلية جوهر أو ذات . الكتاب -ماكنة الحرب ، ضذ الكتاب -جهاز الدولة . إن التعدديات المستوية بعدد غير محدد من الابعاد لعديمة الدلالة وغير ذاتية . وهي منعوتة بأدوات تفكير أو بالاحرى بأدوات تبعيض (شيء من العكرش ، بعض جذمور…)

4- مبدأ القطيعة غير الدالة: ضد الاقتطاعات المفرطة الدلالة التي تفصل بين البنيات ، أو تخترق احداها. إن جذمورا يمكن أن يفصم ، أن يتصدع في موضع معين ، لكنه يعاود القيام بحسب هذا أو ذاك من خطوطه ، وبحسب خطوط أخرى. إننا لا ننتهي من النمل ، لانه يشكل جذمورا حيوانيا يمكن أن يحطم الجزء الاكبر منه من دون أن يكف هو عن معاودة التشكل . كل جذمور يتضمن خطوطا قطاعية يتوزع بموجبها إلى طبقات ، ويتقوقع ، وينتظم ، ويدل ، ويعزى أو ينتسب ، الخ .؛ لكنه يتضمن كذلك خطوط ترحيل يمارس بموجبها الهروب بلا انقطاع . ثمة في الجذمور قطيعة كلما انفجرت الخطوط القطاعية في خط هروب ، لكن خط الهروب إنما يشكل جزءا لا يتجزأ من الجذمور. هذه الخطوط لا تنفك يحيل بعضها إلى بعض. لذا لا نقدر أبدأ التفكير بثنائية أو مزدوج ، حتى ولو في الهيئة الاولية للطيب والشرير. إننا نمارس قطيعة ، ونخط خط هروب ، إلا أننا دائما نغامر بالعثور فيه من جديد على انتظامات وهي تعيد تقسيم المجموع إلى طبقات ، وتشكيلات تعيد إعطاء لسلطة لدال ، ومواصفات تعيد إنشاء ذات : أي كل ما تبتغون ، من معاودات الاوديبية حتى الترسبات الفاشية . إن المجموعات والافراد لتنطوي على فاشيات مجهرية أو مصغرة لا تنتظر إلا فرصتها لتتبلور. نعم ، إن (نبات) العكرش لهو جذمور أيضا. ولا يقدر الطيب والشرير إلا أن يكونا إنتاج انتقاء فاعل ومؤقت ، يتعين معاودته .

كيف يمكن الا تكون حركات الترحيل وسياقات إعادة الموقعة نسبية ، موصولة باستمرار، ومأخوذة بعضها في البعض الاخر؟ تترحل (زهرة) السحلبية بتشكيلها صورة ، نسخا للزنبور؛ إلا أن الزنبور يعاود التقوقع في هذه الصورة . مع هذا، فالزنبور يترحل ، بأن يصبح هو نفسه قطعة في جهاز إعادة إنتاج السحلبية : إلا أنه يعيد موقعة السحلبية ، بأن يحمل طلعها معه . يشكل الزنبور والسحلبية جذمورا، من حيث هما ستفارقان أو متنافران . يمكن القول أن السحلبية تقلد الزنبور الذي تعيد هي إنتاج صورته على نحو دال (محاكاة ، محاكاتية ، إيهام ، الخ …) لكن هذا لا يصح إلا عند مستوى الطبقات المتوازية (القائمة) بين طبقتين تسمحان بأن تقلد منظومة نباتية (قائمة) على احداهما منظومة حيوانية (قائمة) على الاخرى. وفي الاوان ذاته فالامر يتعلق بشيء اخر تماما: لم نعد أمام تقليد أو محاكاة ، بل بإزاء اقتناص شيفرة ، فائض شيفرة ، تفاقم تكافؤ، صيرورة حقيقية ، صيرورة -زنبور للسحلبية ، وصيرورة – سحلبية للزنبور، وكل من هاتين الصيرورتين تضمن ترحيل أحد الطرفين واعادة موقعة الاخر، والصيرورتان كلتاهما تتسلسلان وتتناوبان بحسب سريان للتوهجات أو الكثافات يدفع الترحيل أبعد فأبعد. ليس ثمة من محاكاة ولا من شبه ، بل انفجار للسلسلتين المتنافرتين في خط هروب مركب من جذمور مشترك لم يعد ليسمح لاي شيء دال بعزوه ولا بإخضاعه . وان ريمي شوفان لمحق إذ يقول : "تطور غير متواز لكائنين لا يجمع بينهما أي جامع "(3). وبتعميم أكثر، فيمكن أن تكون رسوم التطور مدفوعة إلى هجران الموديل القديم ، موديل الشجرة والانحدار. ومن ظروف معينة ، يقدر جرثوم أن يرتبط بخلايا رشيمية وينتقل هو نفسه كجينة (مورثة) خلوية من نمط معقد؟ أكثر من هذا، فهو يقدر أن يهرب ، يمر في خلايا من نمط اخر تماما، لا من دون أن يحمل معه " معلومات وراثية " اتية من المضيف الاول (كذلك هي الابحاث الحالية لبنيفنيست وتودارو حول فايروس من نمط C، في ارتباطه المزدوج بالمركب الخلوي ADN(ر) للقردح (ز) ، والمركب الخلوي لبعض صفوف القطط الاليفة). وهكذا فربما كانت رسوم التطور لا تتحقق فحسب بموجب موديلات الانحدار الشجري، ذاهبة من الاقل تميزا إلى أكثره ، بل كذلك باتباع جذمور عامل مباشرة في المتنافر وقافز من خط متميز من قبل إلى اخر( 4) .هنا أيضا التطور غير المتوازي للقردح والقط الذي لا يشكل فيه أحدهما بالطبع موديل الاخر، ولا النسخة الاخرى منه (فصيرورة القردح في القط لا تعني أن "يقلد" القط القردح). إننا نشكل مع جرثوماتنا جذمورا، أو بالاحرى فإن جرثوماتنا تجعلنا نشكل جذمورا مع حيوانات أخرى. وكما يقول جاكوب ، فإن انتقالات "العدة " الوراثية عن طريق الجرثوم أو بطرق أخرى، وانصهار الخلايا الطالقة من صفوف مختلفة ، هذا كله يتمتع بنتائج مماثلة لـ" الغراميات الشنيعة التي كانت عزيزة على العصور القديمة والوسطى" (5). إن تواصلات عرضانية بين الخطوط المتمايزة لتشوش أشجار الانساب . ينبغي دائما البحث عن الجزيئي، أو حتى عن الخلية ما تحت -الجزيئية التي نعقد معها حلفا. إننا نتطور ونموت من ركاماتنا المتعددة الاشكال والجذمورية أكثر مما من أمراضنا الانحدارية أو المتمتعة هي نفسها بانحداراتها (النسبية). إن الجذمور لهو ضد-نسبية .

وهو الشيء نفسه بالنسبة للكتاب والعالم : ليس الكتاب صورة عن العالم ، كما يقول به اعتقاد راسخ . بل هو يشكل والعالم ؛ جذمورا، وثمة تطور غير متواز للكتاب والعالم ؛ يؤمن الكتاب ترحيل العالم ، لكن العالم يمارس إعادة موقعة للكتاب ، الذي يترحل بدوره في ذاته في العالم (إذا كان ممكنا له واقتدر على ذلك). إن المحاكاه لمفهوم بالغ الرداءة ، تابع لمنطق مشنوي، ولظواهر من طبيعة مختلفة تماما. لا يعيد التمساح إنتاج جذع شجرة ، ولا الحرباء لتعيد إنتاج ألوان بيئتها. لا يقلد الغهد الوردي شيئا، ولا يعيد إنتاج أي شيء، بل إنه يرسم العالم بلونه الخاص ، وردي على وردي، هذه هي صيرورته – عالما، بحيث يصبح هو نفسه غير ملموح، هو نفسه غير دال ،وبحيث يحدث قطيعته ، خط هروبه الخاص ، ويوصل "تطوره غير المتوازي" إلى غايته . حكمة النبات : حتى إذا كانت ذوات جذور، فثمة دائما خارج تشكل فيه جذمورا مع شيء اخر- مع الريح ، مع حيوان ما، مع الانسان (وكذلك ملمح تشكل به الحيوانات نفسها جذمورا، والبشر الخ ….) "النشوة باعتبارها اقتحام النبتة الظافر لداخلنا". ودائما اتباع الجذمور عبر قطيعة ، إطالة خط الهروب ، تمديده، المناوبة واياه ، تمكينه من التنوع ، حتى ننتج الخط الاكثر تجريدا والاكثر تعرجا، ذا الابعاد غير المحددة والاتجاهات المقطوعة . مضافرة التيارات المرحلة . الحذو حذو النباتات : نبدأ بتثبيت حدود خط أول بحسب حلقات تلاق من حول فرادات متتالية ؟ ثم نرى إذا كانت حلقات تقارب أخرى ستنشأ داخل هذا الخط ، مع نقاط جديدة موقعة خارج الحدود وفي اتجاهات أخرى. الكتابة ، تسكيل جذمور، توسيع مجالنا بالترحيل ، بسط خط هروب حتى النقطة التي يفعلي فيها حقل الصلابة كله في ماكنة مجردة . "إمض في البدء إلى نبتتك وانظر كيف يجري الماء السائل انطلاقا من هذه النقطة . لا بد أن يكون المطر حمل البذور أبعد. اتبع السواقي التي حفرها الماء، هكذا ستعرف اتجاه الجريان . ابحث انئذ عن النبتة التي تتموقع ، في هذا الاتجاه ، بأبعد ما يمكن عن نبتتك . جميع الا شجار النامية بين هاتين الشجرتين هي لك . فيما بعد، عندما تكون هذه الاخيرة قد نثرت بذورها هي أيضا، ستقدر باتباع مجرى الماء انطلاقا من كل من هذه النبتات أن توسع مجالك " (6). إن الموسيقى لم تكف عن تمكين خطوط الهروب هذه من المرور، باعتبارها " تعدديات تحويلية "، حتى عندما تقلب شيفرتها الخاصة التي تبنينها أو تشجرها؛ من هنا كان الشكل الموسيقي، حتى في انقطاعاته وتوالد اته ، شبيها بالعشب الضار، بجذمور(7).

5و6: مبدأ الخرائطية وهوس النسخية : إن جذمورا لا يجد توضيحه في أي موديل بنيوي أو توليدي. إنه غريب عن كل فكرة لمحور وراثي أو بنية عميقة . إن محورا وراثيا ليشبه وحدة محورية موضوعية تنتظم عليها الاطوار المتعاقبة : وبنية عميقة هي بالاحرى كمثل وحدة قاعدية قابلة للتفكيك إلى مركباتها المباشرة ، في حين تمر وحدة المنتوج القاعدية في بعد اخر، تحويلي وذاتي. على هذه الشاكلة لا نخرج من الموديل التمثيلي للشجرة ، أو الجذر- المصراعي أو الجذيري ("شجرة " شومسكي مثلا، المربوطة ببقية القاعدة ، والتي تمثل سياق توليدها بمقتضى منطق مثنوي). تنويع على أعتق فكر. عن المحور الوراثي أو البنية العميقة، نقول نحن أنهما قبل أي شيء اخر مفهومان للنسخ ، قابلان لاعادة الانتاج إلى ما لا نهاية له. إن منطق الشجرة كله لهو منطق نسخ واعادة إنتاج . وسواء أفي الا لسنيات أو التحليل النفسي، يجد (هذا المنطق) موضوعه في لاـ شعور هو نفسه ممثل (الشيء اخر) ، ومبلور في عقد مر موزة مصوغة في شيفرات ، ومقسم على محور وراثي أو موزع في بنية تركيبية . هدفه هو وصف حالة قائمة ، واعادة موازنة علاقات ما بين -ذاتية ، أو استكشاف لا-شعور قائم هنا من قبل ، لابدأ في الاركان المظلمة من الذاكرة أو اللغة . إنه ، أي المنطق ، يتمثل في نسخ شيء نهبه لانفسنا جاهزا، انطلاقا من بنية تفرط في الترميز أو محور يدعم . تمفصل الشجرة وتراتب نسخا، والنسخ هي كمثل الاوراق في الشجرة .

مختلف تماما هو الجذمور، إنه خارطة لا نسخة . لنمارس الخرائطية ، لا النسخ . لاتعيد السحلبية إنتاج نسخة الزنبور، بل تشكل والزنبور خارطة في قلب جذمور. واذا كانت الخارطة تتضاد والنسخ ، فلانها متجهة بكاملها إلى تجريب كامل التماس بالواقع . لا تعيد الخارطة إنتاج لاـ شعور مغلق على ذاته ، بل إنها لتؤسسه . تساهم في ربط الحقول ، وفي إزالة العائق عن الاجساد البلا أعضاء، وفي انفتاحها إلى أبعد درجة ممكنة على حقل صلابة . هي نفسها تشكل جزءا من الجذمور. الخارطة مفتوحة ، إنها قابلة للربط في جميع أبعادها، وللتفكيك ، والقلب ، والتعدل بلا انتهاء. يمكن أن تمزق ، أن توضع رأسا على عقب ، أن تتكيف و" مونتاجات " من كل نوع ، وأن تشغل من قبل فرد، وفريق ، ومنظومة اجتماعية . نقدر أن نرسمها على جدار، أن نتصورها كأثر فني، أو نبنيها كفعل سياسي أو كتأمل . ولربما كانت إحدى أهم خواص الجذمور تتمثل في كونه متعدد المداخل أبدأ؛ الوجار هو بهذا المعنى جذمور حيواني، ويتضمن أحيانا على تمييز صريح بين خط الهروب باعتباره ممرا انتقاليا وطبقات التخزين أو السكني (لاحظ الفأر، المدعو بالممسك -من المسك -أو العطر). تتمتع الخارطة ، كل خارطة ، بمداخل عديدة ، خلافا للنسخ الذي يعود دائما إلى"الشيء  نفسه ". الخارطة هي مسألة أداء، في حين يحيل كل نسخ إلى " كفاءة " مزعومة . بالتضاد مع التحليل النفسي ، والكفاءة التحليلية – النفسية ، التي ترد كل رغبة وعبارة إلى محور وراثي أو بنية مفرطة التمييز، والذي يمد إلى مالانهاية له الاستنساخات الرتيبة للاطوار على هذا المحور أو ذاك وللعناصر المكونة على هذه البنية أو تلك ، نقول بالتضاد معه يرفض التحليل الشيزوفريني كل فكرة لقدرية منسوخة ، مهما كانت التسمية التي نهبها إياها، سماوية ، دويلية ـ باطنية ، تاريخية ، اقتصادية ، بنيوية ، وراثية ، أو بنائية . (نلاحظ جيدا كيف تسيء ميلاني كلاين Me lanie Klein فهم مشكلة خرائطية أحد مراجعيها، الصغير ريشا رد، وتكتفي بسحب نسخ جاهزة تماما- أوديب ، الاب الطيب والشرير، الام الطيبة والشريرة – في حين يحاول الطفل يائسا أن يواصل أداء يجهله التحليل النفسي تماما (8.)) ليست الدوافع أو الغرائز والاشياء الجزئية أطوارا في المحور الوراثي ولا مواقع في البنية العميقة ، بل هي خيارات سياسية بخصوص مشاكل ، مداخل ومخارج ، طرق مسدودة يعيشها الصغير سياسيا، أي بكامل قوة رغبته .

لكن الا توانا نبتعث مثنوية بسيطة بوضعنا الخرائط في مواجهة النسخ ، كوجهين أحدهما جيد والاخر سيء؟ الا تتمثل خصوصية الخارطة في التمكين من نسخها؟ وخاصية الجذمور في التقاطع مع جذور، والاختلاط بها أحيانا؟ الا تتضمن خارطة، كل خارطة ، ظواهر تكرار هي، من قبل ، كمثل نسخها الخاصة ؟ أولا تتمتع تعددية بطبقاتها التي تتجذر فيها توحيدات

وكليانيات ، تكتلات وأواليات محا كاتية ، وهيمنات على السلطة دالة ، وصلاحيات ذاتية؛ وحتى خطوط الهروب ، الا تراما تعيد، بفضل تفارقاتها المحتملة ، إنتاج التشكلات التي كانت وظيفتها هي تتمثل في حلها أو قلبها؟ إلا أن العكس صحيح أيضا، فهي مسألة منهج أو طريقة : ينبغي دائما إحالة النسخ إلى الخارطة . وليست هذه العملية بالمتناظرة مع السابقة أبدا. إذ، بكامل الدقة ، ليس صحيحا أن نسخا يعيد إنتاج الخارطة ، بل هو بالاحرى شبيه بصورة فوتوغرافية أو شعاعية تبدأ بانتقاء أو عزل ماتقصد هي إعادة إنتاجه بمساعدة وسائل اصطناعية ، ملونات أو إجراءات قسر أخرى. إن المقلد هو دائما من يجترع موديله ، ويجتذبه . من قبل ، يكون النسخ قد ترجم الخارطة إلى صورة ، ومن قبل يكون حول الجذمور إلى جذور وجذيرات . يكون نظم ، وثبت ، وحيد التعدديات بحسب محاور إدلال وتذريت (من الذاتية) هي محاوره . يكون ولد، وبنين الجذمور، والنسخ لا يعيد سوى إنتاج ذاته عندما يحسب أنه يعيد إنتاج شيء اخر. من هنا خطورته . إنه يحقن تكرارات ، وينشرها. وان ما يعيد النسخ إنتاجه من الخارطة أو من الجذمور هو الطرق المسدودة فحسب ، والاعاقات ، وبذور المحور أو نقاط التبنين . انظروا إلى الالسنيات والتحليل النفسي : الاولى لم تقم أبدأ بسوى إنتاج نسخ أو صور للا-شعور، والاخر بسوى إنتاج نسخ أو صور للغة ، مع كل ما يفترضه هذا من خيانات (وما من مدعش  في ان يعلق التحليل النفسي مصيره على مصير الالسنيات). أنظرو. ما كان يحدث من قبل للصغير هانس (س)، في تحليل نفسي للطفل خالص : لم يكفوا عن كسر جذموره ، وتلطيخ خارطته ، واعادة قلبه ،اوسد كل مخرج أمامه ، حتى يروح يرغب بعاره الخاص وشعوره بالاثم ، وحتى يتجذر فيه العار والاثم ، أي الهيلة (منع عليه جذمور البيت ، ثم جذمور الشارع ، وجذر في سرير الابوين ، وصير منه جذير جسده نفسه ، وشد إلى البروفسور فرويد). واضح أن فرويد يأخذ بعي

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …