أخبار عاجلة

حامل الشمس ينهض

كان هناك رجل في حياتها, دخلها, يغذيها ويتغذى عليها. حدثته عن السحر, عن الغموض الذي تعرفه. لكنه, جودا, لم يصدقها. قالت أن ذلك هو السبب الذي جعلها تجلس على التاتامي رافعة قدمها فوق أرضية شقته, في منتصف الغرفة.
 كان يتحدث بعذوبة, لكن دون أن ينظر إليها, كالمنوم مغناطيسيا. طبخ طعام العشاء بينما تغرب الشمس على سان فرانسيسكو, وتحدثا وهما يأكلان على التاتامي. تحدثا وشربا, هي تحدثت عن السحر وهو تحدث عن عمله. أكلا طعاما أعده على الكانون, على الطريقة اليابانية. «أنا من جيل نيسي,» قال. «هناك إيسي, نيسي, سنسي, يونسي. هؤلاء أجيال في أمريكا. إيسي هم الأقدمون. أنا أنتمي إلى نيسي. نحن الشعب الوحيد الذي يحصي الأجيال,» قال:  تذكرت قبيلتها, المنحدرة من إياتيكو, امرأة الأرض, امرأة القمح. كان هناك أربع قبائل قمح, ثم قبيلتها. «أنا من جيل السنديان,» قالت. «الخامس. عمي, رجل السنديان, ساعد إياتيكو في البداية. ساعدها في وضع النظام, القوانين. الطريقة التي سيعيش بها الناس. كيف سيكونون. كان أول كابتن حرب., أول شيخ قبيلة بالخارج. بدأنا نحسب العدد منذ الزمن الذي أتى فيه الناس إلى هنا من العالم السابق, تماما مثلك.»
 عندما عمّ المساء, وتكثّف الضباب على الزجاج, خلع عنها ملابسها وكأنها دمية وأخذها إلى الفراش على التاتامي حيث تناولا عشاءيهما من قبل. حوّل المائدة إلى فراش. وضعها عليه. دخلها, ببطء, متحكما في التوقيت, ضاجعها, وجهه بعيدا عنها, مركزا على جهده هو ليشبع شيئا غير منطوق بداخله, شيئا بعيدا جدا وعميقا لا يقر به ولا برفة عين, ولا حتى بنظرة في اتجاهها, ضاجعها كدمية, ثم سكن بجانبها, وخلد إلى النوم.
 عندئذ نظرت إليه. جسده الصغير. جلده البني ينبسط بينما ترتخي العضلات. يرتخي قدر ما تستطيع تلك العضلات. وأخذت تنظر إلى لمعان جلده, لفترة طويلة.
 تساءلت وهي تراقبه نائم بعمق في مكانه بعيدا جدا عنها لم تفكر فقط في الجرح. عندما تكون قريبة منه, لماذا تبكي. ممارسته للجنس كانت جيدة. متواصلة وواثقة. غير مرتبكة. حرة, نظيفة بشكل ما. مثل شقته المرتبة. مثل طعامه النظيف. كان جيدا, ورغم أن جسدها تجاوب معه, إلا أنه ظل بعيدا عنها, بعيدا عن أي مكان عاشته. عيناه, مفتوحة أو مغلقة, لم تمسها, وأثناء المضاجعة نطق بالقليل, ولا شيء في الحقيقة موجها إليها, فقط الألفاظ المعتادة التي تعلمها عن ظهر قلب ليقولها وهو ينتهي. وعندما انتهى استدار ونام وأخذتها يقظتها إلى بيتها. بأدب. بنعومة. وبكت. لم تدر ماذا تفهم من ذلك. من ثقته. رغبته. وثوقه المنعزل. مثل ستيفن, رفض أن يجعلها حقيقية.
 ربما كان رجلا- روحا. ربما كلاهما هو وستيفن كانا رجلين- روحين. ربما كانا في حياتها مثلما كان الآخرون في أحلامها. رجال يشعرون بأهميتهم. مثقلون. يشيرون الى أو بعيدا. من نوم الى نوم, من طيف الى ظل, من حاجة الى حاجة. هناك في النهير الذي يجري بطول جوادالوب تعلمت أن تحفر تربة صفراء عديمة النفع وتشكل منها قدورا لتأكل منها الشمس. تلف الحبال, تشم الرائحة الحلوة للأرض, صنعت أشكالا من الطين وإلينا بجانبها تحت الظل الممتد الذي صنعته جدران النهير العالية. حفرا, جمعت التراب. بنعومة, شكلته. وحيدة في المكان الذي أوى أطيافا قليلة, كانت بمفردها وكانت خائفة. ممتطية الريح في صباح غزلته الشمس خرجت وعادت, متعجبة. وفي عتمة الهزيع الأخير من الليل, حين يكون الأطفال في عمق نومهم, تستلقي, عيناها تبحلق على اتساعها في الظلال, تتلمس ألمه. جودا, ستقول, وتختبر الكلمة على لسانها. يوشوري. رجل نيسي. وستفرك راحة يدها على طرف البطانية الساتان, ثم تتمدد في ظلال تلك الليلة الشمالية, وتجذب عقلها إلى النوم.
 وحلم. أنها تمشي في طرقات في متحف. حيث لم يتعرف عليها أحد, لا أحد انتبه إليها. تمشي في ممرات لانهائية, الرخام يلمع, والورق الذهب مشذّب, قاعات يقطعها بشر, وجوه مظللة تبتعد عنها إذا ما التقت عيناها بأعينهم, يستديرون إلى الحائط بدلا من الاستدارة إليها, النظر إليها, رؤيتها. كانت تهيم في هذه القاعات, غير قادرة على إيجاد طريقها للخروج. لا الطريق الذي أتت منه, ولا الطريق الذي يؤدي للخروج, وصرخة صامتة تتصاعد بداخلها, دائما ما تتصاعد لكنها لا تصدر أبدا في تلك القاعات الصامتة الرخامية. لا أحد يخاطبها هناك.
 في أحلامها تدخل أحيانا إلى غرفة مزدحمة, تجلس مع الناس وتنتظر المتحدث, الفيلم, أيا كان ما يعرض هناك للتسلية أو للإرشاد. وتجد نفسها غير قادرة على المكوث, في حاجة إلى تلمس طريقها, أن تهدئ من روع الصوت الذي يعلو ويعلو بداخلها, أنت لست هنا, لست هنا. وتخرج لتمشي مجددا في الممرات حيث ظهرت جدران محل المخرج الذي كان, حيث الدرجات التي كانت هابطة أصبحت الآن صاعدة, حيث بحثت عن شخص لم تجده. ثم تستيقظ, واعية فقط بالرعب البارد الذي يلف معدتها, رعشة عروقها والدم يحاول أن يجد طريقه في شرايينها. شرايين تتفرع مثل شجرة انتصبت خارج نافذتها في ذلك المكان الآخر, المكان الذي تركته.
 في أحد هذه الأحلام رأت أمها, تمشي في الممر بالقرب من الحائط. آجنس وبن كانا معها. كانوا يتحدثون ويضحكون وهم يسرعون الخطو. إيفاني حاولت أن تعبر الممر أمامهم, لكن كان هناك كثير من الناس وكانوا كلهم يسيرون باتجاهها. نادت أمها, لكنها لم تنظر في اتجاه إيفاني. نادت آجنس, نادت بن, لكنهم تابعوا سيرهم باتجاهها دون أن ينظروا إليها. ثم مروا أمامها. التفتت, نظرت إليهم, حاولت أن تلحق بهم لكنهم اختفوا كما لو لم يكونوا موجودين على الإطلاق. ثم استيقظت, والدموع تنهمر من عينيها. لا أحد يعرف اسمي, فكرت. ونهضت في تلك الساعة المبكرة حيث الضوء بارد وضبابي لتدخل مطبخا لم تعرفه, لتتجول داخل شقة لم تميزها, لتنظر إلى أوان وأكواب, فخار وصور لم تعرفها, لتحدق طويلا في مرآة الحمام تحت ضوء قاس متقصف, وجه لم تتعرف عليه.
 ملاحظات المعالج. 26 يوليو, 1976
حلم: «أنا في مبنى ضخم في مكان ما. مصنوع من الرخام. أظن أنه متحف. يوجد العديد من القاعات وشتى أنواع البشر. لا أستطيع أن أجد طريقي للخروج. أنا أبحث عن شخص ما, لا أعرف من, لكني أزداد توهانا ولا أستطيع أن أجدهم. وأنا أسير الناس تأتي نحوي ثم تستدير بعيدا عني. يستديرون ناحية الحائط حتى لا يضطرون للنظر إليّ. كلهم غرباء. الآن أرى أمي آتية نحوي. هي بصحبة الأطفال ويسيرون الناحية الأخرى من هذه الردهة الكبيرة. يبدو أن الجميع يسير في اتجاه واحد إلا أنا. أنادي أمي وبن وآجنس, لكنهم لا يتصرفون وكأنهم سمعوني أو رأوني. فقط يتابعون سيرهم, في الاتجاه المعاكس لي, يتحدثون وينظرون الى ما حولهم. ينظرون حولهم لكنهم لا يرونني رغم أنني ألوح لهم كي ألفت انتباههم إليّ. يتابعون السير ويمرون من أمامي وأنا أحاول أن أستدير وأتبعهم ولكن وأنا أستدير لا أستطيع أن أراهم في أي مكان. كما لو أنهم اختفوا تماما.»
المعالج: «كوني الناس»
إيفاني: «أوكي. أنا الناس. نحن نسير في قاعة المتحف. نحن في طريقنا الى مكان ما, وقد حان الموعد تقريبا. هناك محاضرة هامة وجولة بالمكان, ولا نريد أن نفوتها. هناك تلك المرأة التي تسير في الاتجاه الخاطئ, لكننا لا نعيرها أدنى انتباه. هي ليست ذاهبة في نفس الاتجاه. البعض منا يخرج عن طريقنا كي يتحاشاها, وهذا يبطئ سيرنا. لا يعجبنا ذلك, لكننا لن ندعها تعرقل هدفنا. نحن لدينا شيء هام نفعله وهي ليست آتية معنا. لا نعلم من هي, فقط هي تسير في الاتجاه الخاطئ.»
المعالج: «كوني بن.»
إيفاني:  «أوكي. أنا بن آتنسيو. عمري اثنا عشر عاما. جدتي تصطحبني أنا وأختي لمشاهدة عرض في المتحف. إنه عرض مخصوص وتريدنا أن نراه. نحن مسرعون حتى لا نتأخر, وجدتي تخبرنا عما سنشاهد. وطوال الوقت تحثنا على الاسراع حتى لا يفوتنا شيء. أشعر بالاثارة بسبب العرض الذي ظلت جدتي تحدثنا عنه لفترة طويلة. كان الدخول صعبا, ويجب أن نمشي مسافة طويلة حتى نصل الى المكان الذي يقدم فيه العرض. أتمنى لو لم يكن هناك هذا العدد الكبير من الناس. انهم يخيفونني. يمشون بسرعة جدا وهم طوال القامة ولا أستطيع أن أرى الكثير ما عدا وجه آجنس, انها تتصرف مثل فتاة الآن فلا تضحك ولا تتصرف كالأبله كعادتها. أنا خائف ومتحمس وأشعر كأنني مجنون لأنني لا أريد المشي بهذه السرعة. أريد أن أتوقف وأنظر الى بعض الأشياء القريبة الموضوعة في صناديق زجاجية بطول الحائط. وأريد أن أنظر من النوافذ التي نمر عليها. جدتي تقول يجب أن نحصل على مقاعد جيدة, لذا علينا الاسراع. انها تمسك بيدي حتى لا أضيع منها في هذا الزحام.»
المعالج: «كوني آجنس.»
ايفاني: «أنا آجنس آنتسيو. عمري أربعة عشر عاما. أنا أسير بصحبة جدتي وبن في ردهة طويلة. قاعة واسعة جدا وجميلة ذات نوافذ كبيرة وصناديق زجاجية بها أشياء حلوة. انه المتحف حيث يضعون الأشياء المخصوصة أمام ناظري الجميع. أنا معجبة بتلك الشياء. يوجد أوان وقدور, هناك أشياء مصنوعة من الذهب ومن الأحجار الكريمة من الصين ومصر, أشياء من أفريقيا وأمريكا الجنوبية والمكسيك وأوروبا. لوحات وتماثيل, سجاجيد ومعلقات. أنا مرتدية افضل ثيابي. حذاء بوت جديد ذي كعب عالي ومعطف صوفي انيق. وقبعة مصنوعة من الفرو ناعمة وشكلها حلو جدا عليّ. تجعلني أبدو كنساء المجلات. جدتي وبن وأنا نسرع الخطى مع كل الناس المتوجهين الى العرض. انه عرض لأشياء اثرية, وفيلم. عملوا كل شيء مثلما كانت في القديم, تقول جدتي, ونحن حقا محظوظون لأننا سنشاهده. أنا سعيدة لأنها تعاملني كفتاة راشدة. ساعدتني في تسريح شعري واشترت لي هذه القبعة الفرو. أتمنى لو أمي تعاملني كما تفعل جدتي. أن تأخذني الى أماكن وتتحدث عن قصات الشعر والماكياج والملابس. أحيانا تفعل, لكنها لا تهتم كثيرا بهذه الأشياء. أتمنى لو كانت معنا الآن. ستحزن لأنه فاتها. عليها أن تعمل طول الوقت, وهي دائما مشغولة ومتعبة.»
المعالج: «كوني الأم.»
ايفاني: «أنا سايشو كاويمي. أنا أصطحب أحفادي لمشاهدة عرض خاص في المتحف. انهم مثل ابنائي. أنا أبقيهم معي لأوقات طويلة كي أساعد ابنتي. أتمنى لو كانت تستطيع الحصول على مزيد من المال, أن تكون معنا اليوم هنا. انهم اطفال طيبون مع ذلك. انها تعمل أقصى ما في وسعها, وأنا سعيدة لأني أساعدها في تربيتهم. أفتقد الأطفال حينما يكونون بعيدا عني, وأن تكون مع الأطفال يجعلني صغيرة. لديهم طاقة جبارة وفضول عارم للمعرفة. انهم أيضا يساعدونني في أعمال البيت, لذلك أنا وزوجي نسعد بوجودهم. أنا لا أحب هذا الزحام مع ذلك. الناس يتدافعون ويسرعون. أريد ان أشاهد العرض, وأريد بن وآجنس أن يشاهداه أيضا.
آجنس تكبر. وهي ذكية جدا. ستتطور كثيرا, هذه البنت. جدها دائما ما يقول ذلك. يجب أن نعمل كل شيء كي تحصل آجنس على أفضل تعليم, يقول. ستصنع شيئا من نفسها. هذا ما يقوله. أتمنى أن نصل الى المكان بسرعة. لقد مشينا طويلا في تلك الردهات. أشعر بالتوهان وسط هذا الحشد من الناس البيض. الكل يرتدي ملابس أنيقة. أتساءل لم لا يبتسم أحد أو يتحدث. أظن أن هكذا هم في المدينة الكبيرة. أتساءل اذا ما تتذكر ابنتي وقت أن اصطحبناها الى مسرحية في  نيو يورك عندما كانت صغيرة. ربما تتذكر, ولهذا انتقلت الى هنا. المكان هنا ليس بعيدا مثل نيو يورك, وفي نفس الوقت به العديد من الأنشطة. أتمنى أن تأتي الى البيت في وقت ما, مع ذلك. أفتقدها عندما تكون بعيدة.»
المعالج: «كوني المتحف.»
ايفاني: «أنا المتحف. أنا ضخم ومهيب. أنا مربع ولامع ونظيف. كل هؤلاء الناس يطوفون أرجائي ويعجبون بي. يشاهدون كم أنا ضخم ومرتفع, كيف أنا ملئ بالأشياء المميزة. تقريبا لديّ كل شيء أي شخص يرغب في رؤيته. من كل مكان في العالم. والكثير من الأشياء هنا ليست معروضة. هناك الكثير والكثير مخبأ بداخلي, في أقبية ومخازن, أكثر من ذلك المعروض للناس. أنا أمتلك عددا ضخما من الموظفين الذين يعملون هنا ويديرون الأشياء بسلاسة.  أنا متراس. قوة. نصف الأشياء المخزونة بداخلي لا يعلم الموظفون شيئا عنها. لا يدركون حجم المعرفة والكنوز التي أمتلكها. لكني أحرس هذه الأشياء, للوقت الذي سيأتي فيه من يقدر ويفهم قيمة هذه الكنوز الفنية. انهم يعتقدون أن الأشياء في قيمتها المادية أو التاريخية. يظنون أنهم سيضعونها جانبا بسبب جمالها. يخشون أن يضيع الجمال. لكني أعلم حقيقة الأمر, حقيقة مسجلة بحرص في الملفات. يوم ما ستقرأ هذه الملفات ويدرك مغزاها.»
المعالج: «كوني ايفاني.»
ايفاني: «أنا ايفاني آتنسيو. ايفاني كاويمي آتنسيو. أنا أهيم في المتحف الضخم وتائهة بشكل يائس. لا أميز شيئا. لا أستطيع ان أجد طريقي. لا أستطيع أن أرى أي شيء لأن ليس لديّ وقت. يجب أن أقابل شخصا ما هنا, لكني لا أستطيع أن أجدهم. ليسوا هنا. يوجد أناس كثيرون هنا, انهم ظلال. لا يريدون أن ينظروا إليّ. أنا لا أتعرف على أي أحد هنا. أمشي عكس السير. أنا تائهة وخائفة. يبدون لي مهددين, غريبين. لا ينظرون إليّ. كلهم في عجلة من أمرهم وفقط يمرون من أمامي, يتنحون جانبا كي يبتعدوا عن طريقي. لا يريدون لمسي أو النظر إليّ وأنا خائفة من أن أوقف أحدهم وأسأل الى أين هم ذاهبون أو كيف أجد طريق الخروج. الجدران عالية جدا, ملساء جدا. أنا لا أنتمي لمكان مثل هذا. انه يخيفني. أنا خائفة منه لأنه ضخم جدا وغريب جدا, غريب جدا. لا أفهم أي شيء أراه هنا. لماذا يضعون هذه الأشياء في مبنى ضخم؟ ألا يستخدمها أحد؟ لأي غرض هذه الأشياء؟ أشعر أني غبية جدا. أرى أمي وأطفالي. انهم يمشون في الردهة. لا يرونني. أناديهم, ألوح لهم, لكنهم يمضون في طريقهم كما لو أنني لست موجودة. أنا خائفة جدا هنا, ولا أحد يهتم.»
المعالج: «قولي لهم ذلك, يا ايفاني.»
ايفاني: «أنتم لا تهتمون! أنا خائفة جدا هنا. أنا تائهة وخائفة وأنتم لا تبالون.» (الصوت بالكاد مسموع)
المعالج: «أعلى, قوليها وكأنك تعنيها.»
ايفاني, تصرخ: «أنتم لا تكترثون! أنا تائهة وأنتم لم تنظروا حتى إليّ! أنا خائفة جدا وأنتم لا تبالون. أنتم أيها الحمقى الأغبياء المغفلين, كفى تجنبا لي. انظروا إليّ, اللعنة. انظروا إليّ!» (تبدأ بقوة, تنتهي تقريبا همسا)
المعالج: «أعلى!»
ايفاني: «انظروا إليّ! انظروا إليّ! انظروا إليّ!» (قالت بصوت أقوى)
 تحت التلال السفلية يسير بخطى واسعة
ذات ليلة في وقت متأخر بعد أن خلدت ايفاني للنوم, بعد أن نام الأطفال بفترة طويلة, قرع شخص ما الباب. كان جودا. دخل. لم تشعل ايفاني الأضواء. وجلسا في الحجرة الأمامية المضاءة بإنارة الشارع في شقتها وتحدثا بصوت خفيض. ساءلت نفسها لم هو موجود. قال أنه في حاجة لأن يراها. بدأ يقبلها شبه يائس. تحسس ملابسه, فكّ بنطاله. ألقى بملابسه على الأرض ودفعها الى الأريكة. اعترضت. «لا يا جودا. ليس الآن. لا أستطيع الآن.» لم تستطع اخباره أنها حائض. الخجل, خوف مبهم تصاعد بداخلها لمجرد الفكرة. «أرجوك,» كان يتمتم بصوت هامس جدا بالكاد سمعته. «أرجوك.» كان هناك ما يشبه النشيج في صوته.
 تركته يدفعها الى الأريكة. تركته يجثم عليها. أزاح قميص نومها لأعلى, وتحسس لباسها الداخلي, نايلون خفيف, وقصير. بشدة واحدة مزقه, ألقى به جانبا. كان يتأوه باسمها. «ايفاني, أوه ايفاني, أحبك, «كان يقول, «أوه, أرجوك دعيني , ايفاني,» ولمسها بأصابعه البنية القوية بين ساقيها, أدخل اصبعا فيها, وجد التمبكس وأخرجها, أبعد ما بين ساقيها, وهو يقول المزيد وبقوة أكثر, كترنيمة, كطبلة, «دعيني, ايفاني, دعيني. دعيني ايفاني, دعيني.»
 ودفع بيده عضوه النصف مرتخي الى داخلها, وهو ينشج, «اللعنة على هذا الشيء, «لعن وتأوه, «اللعنة على هذا الشيء.»
 أمسك بكتفيها وألصقهما بالأريكة, وهو يلعن ويشهق بنشيج. دفن وجهه بين نهديها وانتحب.
 وفي ظل الضوء الخافت المنبعث من النافذة المظللة نهض ورتب هندامه. شد بنطاله على فخذيه القويين النحيفين, وأقفله بيديه البنيتين القويتين. ربط حزامه ثم نظر لأسفل الى وجهها الممزق. ذلك الذي صمت وانعزل في عتمة الضوء الشحيح. اقترب منها ولمس شعرها. أنزل قميص نومها الى رجليها. خرج الى الليل, عتمة المدينة التي أبدا لا تكتمل. أغلق الباب.
 وتركها هناك تفكر في ألمه, ألمها. «لا أريد أن أعيش,» همست الى الظلال التي انتظرت بهدوء في الغرفة. «لا أريد لهذا الأمر أن يستمر. لا أستطيع ايقافه.» قالت ذلك همسا كي لا يسمعها الأطفال, كي لا تسمع نفسها. «لا أريد أن أعيش هكذا مجددا.» وبعد فترة نهضت, وعادت الى فراشها ببطء وهي تهمس الكلمات التي أتت في ذهنها.
كن عقبة في طريقي سأكون عقبة في طريقك. رقصة 49
بعد يومين ذهبت الى البار الهندي. كان الوقت مبكرا والمكان تقريبا خاليا. كان هناك بعض الرجال الذين لم تميزهم على المشرب, يتحدثون بصوت منخفض. كانوا يرتدون قمصان العمل وحلي فضية وفيروزية ثقيلة. تطلع اليها النادل عندما جلست على كرسي البار المرتفع. «مرحبا, ايفاني,» قال. «اعطني بيرة بد,» أجابت بهدوء حتى لا يلحظها حد. لم تكن ترغب في رؤية أي شخص الآن. فقط أرادت أن تجلس في أي مكان مريح. أن تجلس ولا تفكر بأي شيء على الاطلاق.
 أحضر الرجل مشروبها. وهو ينتمي لقبيلة ميوك, طويل وربعة. تدلت خصلة من شعره الأسود على جبهته. وغطت أصابعه العديد من خواتم النافاجو الكبيرة. عاد الى مكانه في الطرف الآخر من المشرب بعد أن قدم لها مشروبها, والتقط المجلة النسائية التي كان يتصفحها, وقد انعكست على وجهه المتبلد اضاءة البار الشحيحة.
 تطلعت حولها الى البار المليء بالندوب, طاولات المطبخ البسيطة بجانب النافذة. لم ترغب في أن تنظر الى المرآة التي واجهتها. نهضت بقلق, وذهبت الى طاولة البليارد التي شغلت معظم المكان وبدأت تضرب الكرات. لم تعبأ بأن ترتب الطاولة, فقط ضربت الكرات التي تركها اللاعبون السابقون.
 دخل رجل وامرأة. كان الرجل ضخما جدا, وكذلك المرأة. طلبا مشروبين وذهبا الى طاولة البليارد الأخرى. كانا مخمورين, استطاعت ايفاني أن ترى ذلك, فوضعت عصا البلبارد مكانها بحرص وعادت لتجلس على الطاولة الوحيدة بالبار التي حشرت بجانب النافذة الزجاجية.
 كان الوقت قد بدأ يتقدم في المساء. الضباب بدا يستقر فوق المدينة. رشفت بيرتها ودخنت سجائرها, وهي تنظر الى الرصيف, الى الشارع.
بدأ الرجل والمرأة يتحدثان بصوت مرتفع, وفجأة انفجرت المرأة في ثورة عارمة. التفتت ايفاني نحوهما. المرأة تصرخ بحدة الآن. كانت تصيح. «أيها السافل,» صرخت. «يا ابن الكلب يا نتن. سأريك, يا وسخ يا كذاب يا سافل.» وبدأت تقذفه بالكرات. تكور على نفسه وانحنى متفاديا الكرات وهي ظلت ترشقه. تكسرت المرآة أعلى المشرب. لم يتحرك أحد. التفت النادل والرجلان الآخران ليتفرجا. كانوا صامتين. ألقت المرأة الكرات بقوة هائلة. تجمدت ايفاني للحظات, ثم انحنت أسفل الطاولة لتتفادى الكرات التي بدأت تنهمر صوبها. تهشم لوح الزجاج البلوري الذي كانت تنظر من خلاله, وتطاير الزجاج في كل مكان. قرفصت تحت الطاولة, وهي تمسك برأسها بين ذراعيها. الصوت الوحيد كان صوت الزجاج المهشم, صوت الارتطام الناتج عن اصطدام كرات البليارد بالحائط, بالطاولات, وصوت المرأة التي تسب, وهي تصرخ بألمها وغضبها.
 ألقت بكل الكرات, ثم العصى. بغضب وقوة ريح عاصفة ألقت بكل شيء كان في متناول يديها, ثم ركضت الى الباب , حطمت زجاجه الثقيل وصفقته خلفها.
 ببطء, بدأ الموجودون في البار يتحركون. ببطء خرجت ايفاني من أسفل الطاولة, وهي تنظر الى يديها, ذراعيها, لترى ان كانت تنزف. ببطء بدأ الرجال يتحدثون, يضحكون, وبدأو يجمعون عصى البليارد والكرات. بدأ النادل يكنس الزجاج. «البار مغلق الليلة يا شباب,» قال. «سام, أنت ايها الأحمق, لا تأتي بهذه المرأة وهي مخمورة الى هنا ثانية.»
 أومأ سام وهو يترنح , وقد تحول لون بشرته البنية الى رمادي. «لا, يا جيك,»  قال. «لن آخذ هذه المرأة الى أي مكان, مخمورة أو واعية.» وبدأ يضحك مخمورا والرجلان الاخران يخبطانه على كتفه. «لا بأس يا جيك,» قالا. «هل تريد بيرة أخرى؟»
 ذهبت ايفاني الى دورة مياه السيدات, رشت قليلا من الماء على وجهها. نظرت في المرآة الى عينين تحولا الى شرطتين لامعتين: «عندك حق يا أختي, استمري,» قالت. «أنا أعرف بالضبط ما تقصدين.»
تأخذ قرارا بالتخلص من الموضوع
كان مبهرا للغاية. المكان كله, الرخام واللوح الذهب, الفضاءات الفسيحة المرتبة التي لا يشغلها سوى مقعد, السلالم الصاعدة والهابطة الى حيث لا يعلم الا الله, خطوات الأقدام غير المسموعة في الممرات الرخامية الطويلة, القاعات المقببة ذات الظلال. الناس تسير بطريقة هادفة, حذرة وقاتمة, عيونهم خفيضة, لا تنم عن أي انبهار.
 لكن المكان كان حقا باهرا, هذا النُصب للسلطة الراسخة, حيث الوضع الملائم هو أن يكون لك هدف, حيث لا تستطيع الأشياء العادية أن تدخل, لا شيء من الشارع أو حركات المدينة القاتمة, البيوت والهموم اليومية. في احدى القاعات, ذات الفضاء الرخامي, وحيث حلقت الأسقف عاليا الى ما بعد البصر, الى الزوايا المذهبة حوافها, المنقوشة بالزهور, أعلنت الحروف الذهبية: قاعة السجلات. ايفاني فكرت للحظة في أساطير جمعية اخوانية سرية, رأت اسمها في ملف سري يحوي أدق تفاصيل قلبها, حيث ستجد سر هدفها هنا في هذا المكان والزمان, وتمنت استعادة ما فقد, ولو في هذه القاعة المؤسسية المهيبة.
 ترتقي السلالم الحلزونية: أكيد ستتسمر أليس مكانها لو كانت خارجة للتو من بلاد العجائب, وسترهب هذا العرض للسلطة الطاغية. الوجود الساكن للدولة, الظل الذي بدون ملامح للسلطة, للقوة, لهؤلاء الذين يتحكمون لأنهم رأوا أن من المناسب أن يقبروا أنفسهم وشرفهم المقدس في الكهوف الضخمة في قاعة المدينة.  لا سياسيين يتبخترون, ويقفون في القاعة ينمون كما يفعلون في البيوت, حتى ولو كانوا متغضنين قليلا نتيجة العمل. لا أحد يقف أو يجلس على مقاعد جلدية يتبادلون المصالح, ينمون, ويقهقهون. لا شاب صغير أو جبان يتسكع بين تلك الأصداء ذات الذوق. فقط الموظفين والاداريين يعدون في صمت هنا وهناك, ورجال تتدلى حقائبهم برجولة بجانبهم, متقزمون بما يتناسب مع الضخامة الساكنة, غير ذوي أهمية.
 ايفاني وجدت محاميها أخيرا. كان ينتظرها حيث ارتفعت القبة ذات الأوراق الذهب. فقدت الكثير من احساسها بنفسها أثناء تجوالها بالقاعات الرخامية, لكنها استطاعت أن تلحظ أن المكان كله مركب بحرص, بحيث يخلق ذلك الوهم بالسلطة القوية, الخالدة. بطريقته الخاصة, كان المكان يشبه رقصة مقنعة. كهانه وشاماناته يرتدون أزياء مختلفة, يقومون بحركات مختلفة, لكن تأثيره المقصود هو ذاته. شعرت بأنها تائهة بعمق, حالة ملائمة تماما بالنظر الى المناسبة ذاتها.
 رفع محاميها يدا, مشيرا لها. يرتدي بذلة على الموضة, له شارب أشيب حسب الموضة, كان يحاول أن يعطي الانطباع بالأناقة والراحة, أن يلقي ببعض رونق اعتزازه الشخصي بنفسه على الجدران والأرضيات البيضاء الباردة لهذا المكان غير الانساني. لكن جسده النحيل ونضجه الناقص جعل محاولته غير ذات جدوى, مثل محاولتها. «مرحبا», قال, مبتسما.
«المكان رائع,» قالت ايفاني وابتسامة عريضة على وجهها.
 حملق فيها, بعينين أزيح زجاجهما لبرهة, لتظللهما ثانية ومضة العمل. «لم تأت الى هنا من قبل؟» سأل, مبديا اللامبالاة, مدعيا أنها تقول شيئا سياحيا بدلا من  الشيء المطلوب تماما. وكان من الصعب متابعة الادعاء, فكرت, بالنظر الى طريقة لبسها. فقد ارتدت الشال المزين بالزهور ذي الشراشيب الحريرية الذي اشترته من مسقط رأسها وارتدته باستمرار منذ مجيئها الى المدينة. وغطى الشال قميصا أرجوانيا وجينزا من النوع الذي يلبس في المزرعة ماركة ليفيس. ارتدت حذاء جلديا بدون نعل. ليس غاليا لكن أنيقا, ذلك البسيط الذي اشترته من السوق قرب بيتها. «لا, لم آتي الى هنا من قبل,» قالت وهي تقاوم الرغبة في شد الشال على رأسها ووجهها. «أعتقد أنه واحد من أغرب الأماكن التي رأيتها!»
 توجها الى المصعد ودخلاه. الصندوق الصغير المفروش بسجادة قاتمة اللون كان اطاره عبارة عن أبواب معدنية مطلية بلون الذهب.
 «القاضي سيكون هنا في دقائق,» قال المحامي. شد ربطة عنقه بحرص. شيء ما يخص القضاة يجعله يتأهب, فكرت ايفاني. «سيسألك بعض الأسئلة,» أضاف الشاب, «لكن لن يستغرق الأمر طويلا.»
 «ها هي ورقة ترتيبات الملكية والتوقيعات,» قالت ايفاني, وهي تناوله ورقة رخيصة بدون سطور. أبدو عملية تماما, فكرت, بالنظر الى الغضب الذي بالكاد تتحكم فيه والرعب الذي أملاه كتابة هذه الورقة وارغام جودا للتوقيع عليها. بالنظر الى غضب جودا المصطنع أو الحقيقي من الموضوع برمته. لم يكن يرغب في الطلاق, هي تعرف ذلك, رغم أنه تركها وذهب مع نساء أخريات. هو أيضا كان يريد أن يستمر الاناء في الغليان في البيت. حسنا, فكرت, انطفأت النار. أنا لا أريد أن أدفع فواتيره بينما يتسكع هو ويقضي وقتا طيبا. وابتسمت ابتسامة عريضة لتلاعبها بالألفاظ بشكل لاواعي.
 «الممتلكات مقسمة بالتساوي, أليس كذلك؟» نظر اليها المحامي, دون تعبير.
 عضت شفتها. «ليس تماما.»
 «أوه؟» نظر اليها متفاجئا.
 «بالنظر الى أنني أدفع الفواتير وهو يستمتع, «هزت كتفيها وشدت الشال حول كتفيها وصدرها.
 «أوه.» حملق الشاب الصغير ذو الشارب في الثقب الدائري على الأرضية. استندا الى الحاجز النحاسي المصقول الذي يلف قوائم القاعة المستديرة. «لكن, عدا ذلك, «قال وهو ينظر بعناد وتصميم على أن ينتهي من هذا الأمر.
 «أكيد, «قالت. «كل شيء تمام.»
 «و تدركين أنه بتنازلك عن حق النفقة أنت تتنازلين عنها مدى الحياة. لا تستطيعين فيما بعد أن تطالبي بها.»
 أومأت برأسها. جودا يعولنا ونحن مطلقان في حين لم يفعل ذلك عندما كنا زوجين, فكرت. صاحت بصوت مرتفع, «نعم, ادرك ذلك.» صوتها كان عميقا وخشنا.
 «حسنا, «قال المحامي, «طالما أنك…»
 «قادرة على اعالة نفسي,» انهت فكرته بصوت خفيض. وهو والأطفال وأي آخر قد يأتي فيما بعد, فكرت. أنا أدفع مقابل محبتي وأرفض أن أدفع عندما يرفضون أن يحبوا. اللعنة.
 ابتسمت ببرود للمحامي.
 دخلا قاعة المحكمة. انتظرا القاضي. المحامي كان متوترا. هي كانت متوترة. أطبقت فكيها باحكام. أرادت أن تدخن, لكن التدخين ممنوع في قاعة المحكمة. لا يمكن أن تكوني مرعوبة وأنت مسترخية وسيجارة في يدك, فكرت.
 امرأة خمسينية تضع مساحيق تجميل كثيفة على وجهها الأبيض الشاحب دخلت القاعة. بدت أسمن وأكبر في السن بسبب تلك المساحيق ورداء السكرتارية المهندم التقليدي والحذاء ذو المقدمة الرفيعة الذي تنتعله. توجه المحامي اليها وقال شيئا لم تسمعه ايفاني. «الساعة التاسعة,» قالت المرأة, وهي تلم أوراقا بانشغال.
 الحاجب, ايضا متقدم في السن, أيضا ابيض كمريض, تثاءب.
 دخل رجل يرتدي بذلة وجلس أمام ماكينة الكتابة الاختزالية. كان بدون أسنان, التصقت شفتاه باللثة. بذلته الرمادية الباهتة تلاءمت مع جلده الشاحب.
 ايفاني انتظرت, يداها مشبوكتان في حجرها, حذاؤها يتدلي من على المقعد. اللعنة, دائما ما يصنعون مقاعد على مقاس التكسانيين, فكرت. الهنود قصار القامة. على الأقل نوعي.
 «ستصعدين الى هناك, «قال محاميها. «الى هناك بالقرب من القاضي.» أشار الى مقعد الشاهد الصغير والمركون باهمال بجانب المكتب الضخم للقاضي في الطرف الآخر من القاعة المستطيلة المواجه للمكان الذي جلسا فيه ينتظران. بدا المقعد منعزلا ومتواضعا. كان هناك ميكروفون أمامه.
 «كل هذه المسافة الى هناك,» قالت بصوت ميكانيكي.
 «نعم.» ابتسم لها المحامي ابتسامة خاطفة. كشف لها عن أسنانه في الواقع. ظل قلقا من القاضي. «لا أعلم ما هي الأسئلة التي يحتمل أن يسألها, اليوم. القاضي مازر واحد من القضاة الأذكياء القليلين,» أضاف, وهو يحاول طمأنتها بنبرة صوته العارفة, «لكنه أحيانا انتقائي. اذا استيقظ بمزاج عكر.»
 التوت معدة ايفاني. ظلت تريد أن تضحك. أو أن تخبر الشاب الجالس بجوارها أن الأمر برمته سخيف ثم تخرج. التقطت جريدة من على المقعد المستطيل الذي جلسا عليه وبدأت تقرأ الصفحة الرئيسية.
 «تعقد الجلسة. قضية رقم 651079 .» قرأ المحامي الرقم المطبوع على الملف الذي بين يديه. «يوشوري ضد يوشوري.» أشار لها أن تتحرك صوب البوابات, عبر الطاولات حيث جلس كاتب الاختزال والسكرتيرة, عبر مكان المحلفين الخالي, ترتقي الدرجات وتجلس بجوار مكتب القاضي.
 اطاعت وهي تحني رأسها وتشد الشال اليها. كانت منتبهة الى صوت الوشوشة الذي يصدره نعلها على الأرضية وهي تسير في الطريق الى الدرجات, صعدتها وجلست.  تأرجحت شراشب الشال وهي تتحرك, كما في رقصة سكاو. تبعها المحامي ووقف أمامها على مسافة مطمئنة. يردد بصوت منخفض الأسئلة التي راجعاها معا.
 أجابت على كل سؤال بصوت واضح وقوي, لتفاجئ نفسها بقدرتها على التحكم. القاضي, رجل ضخم أشيب الشعر, لم يزح بصره عن الأوراق الموضوعة أمامه. تشتت ايفاني تقريبا تام. كانت دائخة للغاية, حواف بصرها غائمة ومظلمة. ركزت عينيها على القاضي الذي كان متقدما في السن, مثله مثل الحاجب, كاتب الاختزال, السكرتيرة. لم يرفع بصره على الاطلاق طيلة الوقت. لاحظت أنها ومحاميها وعميلة اخرى- امرأة جميلة من الشيكانا- ومحاميها كانوا الوحيدين دون سن الستين. تعجبت ان كان ذلك ذا اهمية. هي والمرأة الشيكانية الوحيدتين غير البيض في تلك القاعة الضخمة التي يتردد الصدى فيها.
 «المحكمة توافق بشكل غير نهائي. ضع الأوراق في ملف في قاعة 317 ,» قال الرجل الأكبر للرجل الأصغر. ضغط كاتب الاختزال بصمت على آلته دون أن ينظر.
 «يمكنك الانصراف,» قال لها القاضي.
نزلت الدرجات, عبر السكرتيرة العجوز, عبر الطاولات الطويلة الخالية, عبر البوابات, وهي تنظر الى المحامي الأشقر الشيك الذي يشير الى عميلته نحو مقعد الشاهد في الطرف الآخر من القاعة المستطيلة جدا حيث نودي على قضيتها. «باشيكو ضد باشيكو» أعلن الحاجب. المرأة الصغيرة الغامقة اللون مشت كل المسافة الى مقعد الشاهد الصغير المنعزل, عبر القاعة الضخمة الخالية تقريبا, وأغلقت ايفاني باب قاعة المحكمة وراءها.
باولا جن آلان. ( لاجونا, سو, لبنانية). ولدت في كوبيرو, نيو مكسيكو. شاعرة, كاتبة, وناقدة . اشتغلت بالتدريس في جامعات نيو مكسيكو وكاليفورنيا في بيركلي ولوس أنجليس. أشهر كتاباتها النقدية دراسة بعنوان:
 The Sacred Hoop: A Contemporary Indian Perspective on American Indian literature.
كما قامت بتحرير مجموعة دراسات نقدية بعنوان
                                     Studies in American Indian Literature.
وقد نشرت معظم اعمالها الأدبية والنقدية في العديد من الدوريات والجرائد الأدبية. وقد نالت أعمالها الشعرية متابعة نقدية واسعة وحازت على العديد من المنح للكتابة والبحث. وهي أيضا ناشطة سياسية شاركت في العديد من الحركات ضد الحرب وضد استخدام الطاقة النووية كما اشتركت أيضا في الحركات النسائية وهو ما ينعكس في أعمالها.
باولا جن آلان          ترجمة: منى برنس
شاعرة وكاتبة أمريكية من أصل لبناني     قاصة واكاديمية من مصر

شاهد أيضاً

في مديح حمامة القُرى

أيتها اليمامة التي على السطح لماذا أنت طير؟ *** وحين عاد السلام  قالت الحمامة: فلتغربوا …