حبيب عبدالرب سروري الرواية والعقل

إعداد وتحرير: نشوان العثماني *
مراجعة: بدرالدين عرودكي وحبيب سروري

حبيب عبدالرب سروري، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة روان، والعالِم، فضلًا على الروائي والكاتب الذي فاجأنا منذ أكثر من ثلاثين عامًا بكتاباته المثيرة والمحفزة وبشكل خاص رواياته. لكن كتاباته لم تكن تقتصر على الروايات وإنما تناولت أشكالًا مختلفة من التعبير: الشعر والقصة القصيرة وكذلك الكتابة الفكرية، بالإضافة إلى الكتابات العلمية التي أصدرها والتي ليست الآن هنا موضوع الحديث.
اللقاء الذي جرى بين أحد أكبر العقلانيين العرب إن لم يكن أكبرهم في تاريخ الفكر العربي، وهو ابن رشد، وبين شيخ الصوفية العربية بامتياز، مَنْ أُطلق عليه الشيخ الأكبر، محي الدين بن عربي. جرى هذا اللقاء عندما كان ابن عربي مراهقًا في الرابعة عشر من عمره، وكان والده يعمل في البلاط في ذلك الوقت، أي في نهاية القرن الحادي عشر تقريبًا، بما أنه ولد، أقصد ابن عربي في عام 1173م إن لم أكن مخطئًا، وبالتالي جرى اللقاء في الوقت الذي كانت فيه قرطبة لا تزال عاصمة الأندلس العربي.
أود أن أقرأ اللقاء الذي كتب عنه وسرده ابن عربي شخصيًا، ولم يتحدث عنه ابن رشد في أي من كتبه، أو لم يصلنا أنه كتب عن هذا اللقاء شيئًا، علمًا بأن هذا اللقاء تمّ بناء على رغبته؛ فقد طلب ابن رشد إلى والد ابن عربي الذي كان صديقه، أن يلتقي بابنه محيي الدين.

كتب ابن عربي:
«ولقد دخلت يومًا بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع وبلغه ما فتح الله به عليّ في خلوتي فكان يظهر التعجب مما سمع فبعثني والدي إليه في حاجة قصدها منه حتى أجتمع به فإنه كان من أصدقائه وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طرَّ شاربي، فعندما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة وإعظامًا فعانقني وقال لي: نعم؟ قلت له: نعم. فزاد فرحه بي؛ لفهمي عنه. ثم أني استشعرت ما أفرحه من ذلك فقلت له: لا. فانقبض وجهه وتغير لونه وشكَّ فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي، هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم، لا. وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها.»
هذا هو ما كتبه ابن عربي عن اللقاء.
vv كيف يمكن أن ترى نفسك يا عزيزي حبيب في هذه الـ «لا نعم» أو الـ «نعم لا»؟
بما أننا اتفقنا معا على أن نجعل من عنوان هذا الحوار «الرواية والعقل». الرواية بما تعنيه الرواية، وسوف نتطرق إلى ذلك، والعقل وما يعنيه. أين ترى نفسك؟

ll بركانيةٌ وجميلة جداً هذه البداية. طبعاً، لتفسير عناق المتناقضات بين «لا» و»نعم»، وتلاقحها في هذا النص، يلزمني أن أقول أوّلا إننا، كباحثين علميين أيضًا، معتادون على هذا الدمج الديالكتيكي (وحدة الأضداد). تعرف مثلا أن الضوء مادة وموجة في نفس الوقت. أقصد هنا أن هذا النوع من الرؤية المزدوجة جدًّا، لا يصدمني. وتلاقح التناقضات كان في صلب مقدرات رؤى ابن عربي، بالفعل. لكن قبل الإجابة على السؤال، عندي ملاحظة واحدة: وُجِد لقاءان بين ابن رشد وابن عربي، وليس لقاء واحد.
الأول هو هذا اللقاء الذي حدّدتَهُ أنت. كان عُمر ابن عربي حينها 17 سنة وابن رشد أكبر منه بـ 40 سنة. وهناك لقاء تخييلي ثانٍ ذكره ابن عربي، هو الذي كان يتحدّث دوما عما يسمّيه «علم الخيال».
إذ إن نموذج فكر ابن عربي من وجهة نظر كمبيوترية هو التالي: في البدء هناك المحبّة الإلهية. تقود بفضل جسر علم الخيال نحو «التجلّي»: التجلي الإلهي أو تجلي ابن رشد أو ما تحب.
هذا هو النموذج الرئيسيّ لِفكرِه، إذا يحق لي النمذجة الكمبيوترية.
اللقاء الثاني كان لقاءً وقد مات ابن رشد. وصف ابن عربي فيه سَفرَ جثمان ابن رشد، من مراكش الى قرطبة، علـى حمار، وفي جهةٍ منه جسدُ جثمان الإمام الأكبر، وفي جهة أخرى كُتُبه.
رمزِّيٌّ ومؤثرٌ جدًّا جدًّا هذا اللقاء التخيّلي. يرى بعض المؤرخين والفلاسفة أنه بانتقال جسد ابن رشد من مراكش إلى قرطبة، انتقل مركز الحضارة العالمية من مكان جغرافي إلى مكان، من الشرق إلى الغرب: غربَتْ حضارةٌ واشرقت حضارة أخرى.
قبل الإجابة على سؤالك المهمِّ جدًّا، أحتاج أن أوضِّح بُنية الشخصيتين: شخصية ابن عربي من ناحية وشخصية ابن رشد من ناحية أخرى. هما قطبان يقعان في جهتين مختلفتين، لهما منهجان مختلفان للوصول إلى المعرفة: منهج العرفان المبني على الكشف الصوفي لابن عربي، والمنهج المبني على البرهان والدحض لابن رشد.
كان ابن عربي يميل للعرفان باعتباره صوفيّا، فيما العقل لديه تابع للعرفان، بينما ابن رشد كان العكس، هو الذي ترجم «البرهان» لأرسطو وأضاف هوامش وشروحات، ليست بسيطة. ولذلك يتكلم الكثيرون عن «المدرسة الأُرسطية ــ الرُّشدية».
كان هكذا يميل أكثر للعقل، كوسيلة أولى للوصول إلى الحقيقة. وكان قاضيا وسياسيا أيضا، ولعله بسبب هذه المهام «أضاف بعض الماء لنبيذه»، كما يقول الفرنسيّون.
إذ كان ابن رشد يخفِّف من وطأة عقلانيته (أو يخونها ربما)، عندما يقول بأن هناك إمكانية للعرفان، لناس قليلين جدا. فيما يعتبر العرفان والصوفية عادةً وسيلةً لتهذيب الأخلاق ولتحسين النفس في الأساس، وليس أكثر من ذلك. أي ليست وسيلة جوهرية للوصول إلى المعرفة.
هكذا كان الاثنان متناقضين. وثمّة تناقض آخر: الخلاف في موضوع ماهيّة «الحشر»: جسداني؟ روحاني؟…
بالنسبة لابن رشد: الحشر روحاني فقط: الأجساد تُحشر كأرواح. وهناك خلاف كبير جدا بينه وبين الغزالي في كتابَي «تهافت الفلاسفة» و»تهافت التهافت». الغزالي كان يلوم أو ينتقد او يُكفِّر الفلاسفة لعدم اعترافهم بالحشر الجسداني والحور العين والجنة، وفي كونهم يعتبرونها فقط مفاهيم روحية. فيما كان ابن رشد يعتبرها مفاهيم روحية فقط، ووسيلةً لجذب الناس وتحسين أخلاقهم، وفيها نوع من التهذيب. هنا بدأ الخلاف المرتبط بالنصّ الذي ذكرتَه.
فلعل سبب العبارة الرئيسية في سؤالك ترتبط بحكاية الحشر الجسداني والحشر الروحاني، كما لاحظ قبلي أكثر من باحثٍ ثاقبِ النظر:
عندما بدأ ابن عربي يقول: «نعم» كان قصده أنه مع الحشر الروحاني. فابتسم ابن رشد. فقال ابن عربي: «لا»، بمعنى أنه لا يوجد دليل على أن الحشر الجسداني غير موجود. كان فنانا فعلا بتلحيم التناقضات. بعدها، قال العبارة التي قُلتَها: «وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها، والأعناق من أجسادها».
في الختام، مقدرة ابن عربي على دمج هذه التناقضات كانت إحدى معالمه الكبرى. هو صاحب الأبيات:
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعىً لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائفٍ
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ
ركائبهُ فالحب ديني وإيماني
أو بيت آخر:
عقد الخلائق في الإله عقائد
وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه
vv جرى هذا الحوار على مستوى رفيع جدًّا بين شخصين تاريخييْن. في كتابك الذي استوحيت فيه شطرَ بيتٍ من شعر أبي العلاء: «لا إمام سوى العقل»، ترسم ما هو المنهج المطلوب، وأنت تتحدث عن أولوية العقل، في هذا الواقع العربي على صعيد الأمية، التي لا تزال تتراوح بين 20 % و 60 %. وتعيش شعوبنا فيه متمسِّكةَ بمستوىً عالٍ من الإيمان بكل ما يمكن أن يكون بعيدا عن التاريخ والحقائق التاريخية الموثقة بصورة أو بأخرى.
(نحن نعلم الآن، بالنسبة لتاريخ العالم العربي، أن لدينا في بلداننا من الآثار التي اكتشفناها ما يعطينا كثيرا من الحقائق عن تاريخ الأمم التي عاشت في هذه المنطقة. إلى درجة مثلا في السودان أنهم اكتشفوا مملكة ليس فيها إلا المقابر، ومن خلال المقابر، ومن خلال طريقة الدفن، اكتشفوا كيف كان الناس يعيشون وماذا كانوا يعتقدون…: مملكة كرمة في السودان، على سبيل المثال).
كيف لنا أن نوفقَ إذن بين هذا التفكير على مستوى رفيع جدا بين ابن رشد العقلاني جدًّا، وابن عربي الذي يتجاوز العقل بما يسميه الفيض الالهي؟
وكيف لنا أن نوفَّق دون أن نصل إلى هذه الأكثرية الساحقة في العالم العربي، حتى نخلصها من الخرافات التي لا تزال تؤمن بها، والتي زرعتها قرون من طرق التفكير ومن طرق التعليل والتفسير، وحتى الفهم لنصوص ربما كانت من أكثر النصوص وضوحا، بما في ذلك القرآن مثلا؟

ll سؤال في منتهى الأهمية والتعقيد، يصعب الخوض فيه كلية. لعلّ إحدى الوسائل لبلوغ الهدف: إحياءُ هذه الشخصيات، كمرجعية فكرية للإنسان العربي. أمامنا ثلاثة عباقرة مثلا، في قمّة العطاء الحضاري العربي: المعري وابن رشد وابن عربي. إحياء شخصياتهم سيسمح ربما للقارئ العربي والمواطن والطالب إدراك أن هناك مرجعية لنا، مرتبطة بالعقل والإنسانية، منفتحة وآتية من قلب تاريخنا. لعلها المرجعية الحقيقية المنشودة:
لو أحيينا أفكار أبي العلاء، ابن رشد، وابن عربي سنكون نموذجيّين في التسامح وحريّة الضمير، في سيادة العقل، وفي الرؤية الفلسفية المنسجمة مع الحداثة. شخصيا، تذهلني هذه الشخصيات. ما أبعدنا عمّا قدمه هؤلاء العظماء من كتب، رغم سهولة النشر بالكمبيوتر الآن!
لابن عربي عددٌ هام من الكتب. لابن رشد عطاء تاريخي هائل أيضا. وأبو العلاء كان متقدما على الجميع بالنسبة لي، في كل شيء: رؤيته أكثر انسجاما مع حياة الحداثة المعاصرة.
لعلّ ابن رشد كان بأرقى المستويات الفكرية في ذلك القرن الثاني عشر، وحتّى السادس عشر ربما. لكن مشروع أبي العلاء، وكثيراً من أفكاره، ما زالت حتى اليوم مناسبة كي نستلهمها كخيط يربط الماضي بالحاضر.
للإجابة على سؤالك: الموضوع معقد جدا. القوى الظلامية أغلقت الأبواب علينا منذ زمن طويل. خلقت حقائق وثوابت كاذبة، نشرتْها بطريقة ذكية جدا، تشبه «الفيك نيوز». خاطئة من الأساس، لكنها موجودة فعلا، كما قلتَ، في مركز أذهان الغالبية الساحقة من الناس.
ولِكونها تراكمت خلال قرون عديدة، فقد صارت غير قابلة للزحزحة تقريبا. يعني أن الموضوع عويصٌ جدا. يلزم أن لا نغالط انفسنا: عصر النهضة في حياتنا لم يوجد بعد، في الجوهر.
يلزم أن نعيد كتابة التاريخ بأثر رجعي، كي نبدأه. هذا مدخل النهضة ربما. تاريخنا وتراثنا ما زال يُقرأ كما كُتِب قبل قرون. وأحيانا، بل غالبا، بطريقة تسخر من العقل، كما نقرأها، أنت وآخرون وأنا. لكنها ذكية جدا تعرف من تخاطب: تخاطب العامّة من الناس، تُجنِّدها للخنوع وعداء الآخر، للانتحار وقبول الاستبداد.

vv وتعود أيضا لصراعات سياسية تناسب الزمن الذي كُتبت فيه، ونأخذها كما لو أنها حقيقة مستمرة في الزمان والمكان.
ll: بالضبط.
vv الآن انتقل إلى موضوع آخر. قرأتُ ثلاث روايات من الروايات التي كتبتَها، كانت اختياري الشخصي، لأتحدث في هذه الجلسة معك. وأرجو أن تكون لي فرصة لقراءة بقية الروايات في جلسة قادمة. الرواية الأولى: تقرير الهدهد. الثانية: ابنة سوسلوف، والثالثة لن أذكر عنوانها، لأنك تفضّلت عليّ وأرسلتَ اليّ مخطوطها التي حال مرض الكورونا دون نشرها حتى الآن، وستنشر قريبا. أترك لك إن شئت أن تذكر عنوانها. لكن لديّ بعض الأسئلة بشأنها.

أبدأ برواية: تقرير الهدهد.

تعرف أن الروائي هرمان بروخ، كان يقول بما معناه إن السبب الوحيد لكتابة رواية هو كونها تقول شيئا لا تستطيع سوى الرواية أن تقوله.
بعبارة اخرى، كوننا نتحدث، على سبيل المثال، على الصراع بين العقل واللا عقل، أو العقل وما وراء العقل: ما هي ضرورة الرواية لتسرد مثل هذا الصراع؟ أليست هناك أشكال اخرى من التعبير؟
أعني بذلك، إذا صح التعبير كما قلتُ لك وكما حذرتك مني، لأني أقوم بمهمة المحاماة عن الشيطان، إن لم أكن الشيطان بذاته كما قيل لي ذات مرّة، الصراع ما بين التقاليد الدينية وبين العلم (اللذين اسميتهما انت بالأخَيْن في تقرير الهدهد).
هذه الرواية بطلها الأساسي أبو العلاء الذي يمكن أن نوجز، ولا شيء أسوأ من الإيجاز، عبقرية كهذه العبقرية، بثلاثة أبيات لها كل الدلالات التي تؤدي بنا إلى مختلف متاهات تفكيره الرهيبة:
البيت الأول:
والذي حارت البرية فيهِ
حيوان مستحدث من جماد
الذي سبق به نظرة العلم وداروين، كما قلتَ، بثمانية قرون.
البيت الثاني:
اثنان أهل الارض ذو عقل بلا
دينٍ، وآخر ديّنٌ لا عقل له
البيت الثالث:
كذب الظن لا إمام سوى العقل
مشيرا في صبحه والمساء
أرى أن هذه الأبيات الثلاثة هي مداميك أو جوهر التفكير العقلائي. طبعا هناك أبيات عن الاخلاق والحب والإله، سوف نتعرض لها لاحقا.
ألا ترى أن أبا العلاء، الذي دافع عن العقل لدرجة تجسيده في كل ما كان يفكر به وكل ما كتبه، وأرغم نفسه على أن يلتزم به، كان يستجيب إلى حاجات ضرورية لِعصرٍ كان العرب يعيشون خلاله أسوأ أيّامهم تاريخيا، على صعيد التمزق والحياة الاجتماعية، وبقية الأصعدة، كما يعيش العرب في وقتنا الحاضر.
السؤال الثاني: في النهاية، هل برأيك هذا هو الذي دفعك للارتباط بأبي العلاء، بشخصية سورية من هذا القبيل؟

ll: أبدأ بمقولة هيرمان بروخ: أوّلا على الرواية، في رأيي، أن تحشر أنفها في كل مكان، بل واجبها ذلك. الرواية تخاطب كل شيء: الأحاسيس، الخيال، التفكير… وتُطوِّر علاقتنا باللغة. حاجتنا للرواية كبشرٍ جينيّةٌ، آتيةٌ من أيام هومونارانس (قبلنوعنا البيولوجي الجديد هو موسابياس، الذي اكتمل نشوؤه قبل حوالي خمسين ألف سنة)، أي: «الإنسان الحاكي». يعني ذلك: الحاجة الإنسانية للحكي والرواية حاجةٌ عضوية.
في قرون التنوير والحداثة، لعبت الرواية دورا كبيرا جدا في تطوير التفكير بروح الإنسانية لدى الناس، بفضل ما تسمح به: التمثّل مع حياة وآلام الاخرين. لذلك ساهمت في تغيير الرؤية الأخلاقية والإنسانية للبشرية.
عندما نتكلم عن الظلم وعن الجهل وعن العقل في الرواية، فنحن نمسّ أماكن في النفس لا يمسّها تقرير أو دراسة او أطروحة دكتوراه. من هنا نستوعب فحوى عبارة بروخ. وهنا تكمن أيضا روعة وعظمة الرواية، ناهيك عن أنه يمكنها أن تمتلئ بالشِّعر وقيمٍ جمالية كثيرة. وذلك في لغةٍ تستطيع الخوضَ في كلِّ شيء. لغة فرضها العصر، وتعقيد الحياة الحديثة والصناعية…
لا يوجد مجالٌ واحدٌ يعصى خوضه على الرواية. بالعكس، كلما خاضتهُ الرواية، قدَّمتْ جديدا لا يمكن للمجالات الأخرى أن تقدمه.
بالنسبة للسؤال الثاني: وُلِد أبو العلاء في 27 ديسمبر 973، قبيل غروب الشمس. كانت بالفعل فترة محتدمة بالصراعات. صراعات الطوائف والفلاسفة، وهبوط إشعاع المعتزلة، وإفلاس بعض أفكار الصوفية…
وكون أبي العلاء إنسانٌ حر، فقد ظل طول حياته أرفع من الانتماء الحزبي لهذا الطرف أو ذاك. وحرية المثقف هذه هي ما نحتاجه اليوم، وبشكل جوهري وضروري وعاجل جدا، لا سيّما استقلاليته عن الأنظمة السياسية، ونقده لها. وكان شاعرنا بطبيعة الحال أيضا متقدِّما فكريا.
ابن رشد كان فيلسوفا، لكنه كان ابن عصره. كان قاضيا، كما قلتُ. التزم بالشرع المالكي كما هو، ولم يقدِّم جديدا فيه. لكنه، في الفلسفة، عمل شيئا جميلا وخالدا عند ترجمته لفلسفة أرسطو، التي لولاه لضاعت ربما من تاريخ البشرية، وكذا في تطويرها بأشروحاته وإضافاته الشاسعة أيضا.
لكن في مسألة العلاقة بين الأخوين: الدين والعقل، كانت له رؤية تمَّ تجاوزها الآن:
اعتبرَ الأخَوين (العلم والدين!) كرتين لا تقاطع بينهما، لكنهما معا وسيلة للوصول للمعرفة. فيما، كما نعرف، العقلُ مبنيٌّ على البرهان فقط، وليس على الإيمان، كما هو حال الدين. وهو، أي العقل، الوحيد الذي يسمح بالوصول للمعرفة، من وجهة نظر الحداثة.
بطبيعة الحال، الدين قضية روحية وفضاء شخصي. وهناك فلسفاتٌ أخرى تُعلِّم الأخلاق، غير الديانات. إذ هي ليست مهمّة الأديان وحدها: الأخلاق والقانون المدني الحديث والبوذية، كمثالين.
طبعا، الإيمان مهم جدا، لمن يحب، وعدم الإيمان مهم جدا أيضا. هما قضية شخصية. لكن للوصول إلى المعرفة في أي مختبر علمي، لا يمكن أن نستخدم إلا وسائل عقلية فقط، لا غير.
أبو العلاء، صاحب مقولة: «لا إمام سوى العقل»، كان متطورا بهذا الصدد، وأكثر التصاقا من ابن رشد برؤية الحداثة. ولم يكن مساوما أيضا.
بالنسبة له، للوصول إلى المعرفة، هناك العقل والعقل وحده. أي هناك كرة واحدة، وليس كرتين. لكن، خارج كرة العقل، هناك أسئلة مفتوحة تتوالد باستمرار، وهذا ما نعيشه اليوم. في الأبحاث العلمية، كل سؤال يتم حلّهُ يفتح عشرة أسئلة جديدة.
مثلا في عام 1900، اعتقد الفيزيائيون أن «سماء الفيزياء كلها زرقاء، لا يوجد فيها فقط غير سحابتين غامضتين، في الطرف، وسيتم حلّ إشكاليتهما قريبا»، كما قال عالِم فيزياء كبير آنذاك.
وفي الأخير، كان كل شيء في بدء البدء فقط. وجاءت الفيزياء الكونتية بعدها، وبدأت حياة علمية جديدة، وتغيّر كل شيء.
أبو العلاء له أبياتٌ جميلة جدا، حول هذا المجهول الذي ينتظر العقل دوما:
تسير بنا هذي الليالي كأنها
سفائن بحر ما لهن مراسي
أي، خارج كرة العقل، هناك أسرار تتحدّى العقل دوما.
يقول أبو العلاء ما معناه: سَمِّ هذا المجهول، كما تحب. هو سماهُ: الإله. أي: الإله، كما يراه أيضا بعض فلاسفة القرون الأخيرة لاحقا. يقول:
أما الإله فأمرٌ لستَ مدرِكَهُ
فاحذرْ لجيلكَ فوق الأرض إسخاطا
هو الذي قال أيضا:
يخبرونك عن ربِّ العلا كذبا
وما درى بشؤونِ الله إنسانُ.
بالنسبة لي، تظل رؤية أبي العلاء هي التي نحتاجها اليوم، والأنسب لولوج العصر الحديث، وعلى نحو ضروريٍّ عاجل. خاصّةً وأن لدى الظلاميين خبرةً بتقنين دور العقل وتشويه تعريفه، منذ قرون.
إن لم نكن واضحين في هذه المسألة، وإن لم نضع العقل في محله المركزيّ الرئيس الذي حدّده أبو العلاء، فسنظلُّ مبتلَعين من قِبَلهم.

vv هو يقول:
كن عابدا لله دون عبيدهِ
فالشرع يُعبَد والقياس يُحرِّر
أروع شيء انك وضعت أبا العلاء في قلب روايتك. الآن، لِنتحدث عن الرواية. ضمن عالم الرواية، هناك مقهى أسميته «مقهى الكوكبة»، يرتاده باستمرار ستة من كبار عباقرة هذا العالم، ومن بينهم أبو العلاء.
يرتاده طبعا داروين مكتشف أصل الأنواع، وكارل ماركس مكتشف دور المال وصاحب المادية الجدلية وفكرة تغيير العالم، وفرويد مكتشف خبايا النفس، وبيكاسو محرر اللوحة من سجن الواقع، وانشتاين مكتشف علاقة المادة بالطاقة، وطبعا أبو العلاء فيلسوف الشعراء.
ما أثار انتباهي انك قلتَ إن المقهى يرتاده أيضا عدد من العباقرة، من مختلف فروع المعرفة، من الموسيقى إلى الفلسفة إلى الرياضيات الى التصوف، ووجدتُ أن ابن عربي كان يرتاد هذا المقهى في السماء 77!
ll: سماء الأفكار والإبداع والعباقرة…

vv هناك جملة وردت في معرض الحديث عن هؤلاء جميعا: لا يحتاج الإنسان للعقل فقط، لكن للحلم، للأسطورة، للفانتازيا، للميثولوجيا… أراك هنا عبّرتَ أجمل تعبير عن هذا اللقاء ما بين ابن رشد وابن عربي.
هل انا مخطئ؟
ll: لا، إطلاقا، إطلاقا. كثير من الناس يفهمون الموضوع خطأً، بهذه الطريقة: كونك تستخدم العقل باستمرار، فأنت عدوٌّ للميثولوجيا، ولكلِّ ما يخرج عن إطار العقل. بالعكس، نحن، كروائيين، نعشق الميثولوجيا وما يتجاوز العقل عشقا لا حدّ له. ولدينا كشرقيين ميثولوجيا هائلة، في منتهى الروعة. تاريخنا مشحون بها، والشرق مهد الميثولوجيا ومنجمها، إذا جاز القول. لا يمنع العقلَ حبُّها والعملُ الفنيّ عليها، بالعكس.
أعود كمثل لابن عربي: حين قرأتُ كتابه: «الفتوحات» كنتُ في منتهى التلذّذ وأنا أقرأ الفصل المتعلق بمقامات الأحرف.
أعطى فيه لكل حرف جسدا وروحا، ورتّب الأحرف في مقامات، وعن كل حرف عمل بيوتَ شِعر. هذه القيم الجمالية والأحاسس تخرج عن نطاق العقل. لا أعرف دالةً رياضية تستطيع أن تترجم وترسم جماليات كهذه!
وعلى ذكر هذه الأبيات التي عملها ابن عربي، حول الأحرف والألوان، هناك قصيدة مشهورة لرامبو: «أحرف العلة». يعطي فيها كل حرفِ علةٍ لونا، ويتكلم عن كيمياء الألوان، ولعله استفاد من بودلير قبله في هذا المضمار. لكنها ظلت قصيدة واحدة.
ابن عربي ابتكر قبله فصلا واسعا جدا حول الموضوع، في منتهى الجمال.
«مقهى الكوكبة» في روايتي: «تقرير الهدهد» ينتمي أساسا لِعالَمِ التخييل الخالص.
على فكرة، في سوريا هناك الآن أكثر من «مقهى الكوكبة»! سعدتُ جدا بالخبر. اظن أن هناك إثنين، على الأقل.
وضعتُ أبا العلاء فيه، رغم أنه عاش في جيلٍ سبق «المكتب السياسي» للمقهى، بأكثر من ثمانية قرون، لأني مقتنعٌ بأن هناك ظلما كبيرا في تقييم هذا الشاعر، على الصعيد العالمي، بل في معرفة عطاءاته.
بدأتُ كتابةَ الرواية في نهاية 2009. كانت سنة مهمةً جدا في تاريخ العلاقة بين العِلم والظلمات. فقد كانت هناك احتفالات ضخمة في فرنسا، وفي كل دول العالم المتقدمة معرفيا، بمناسبة مرور 150 سنة على كتاب «أصل الانواع»، و200 سنة على ميلاد داروين. احتفالات ثقافية كثيرة جدا.
كلُّ فيلسوفٍ، آتٍ من أغوار الماضي، كان قد قال كلمة صغيرة جدا لها علاقة استباقية حدسيّة بنظرية داروين، تمَّ رفعُه إلى عليين في ذلك العام.
فيما أبو العلاء لا مكان له بينهم، هو الذي كان أقربهم لروحِ العِلم ونظرية داروين.
صدِمتُ حينها فعلا: أبو العلاء قال أشياء عميقة، أكثر من بقية فلاسفة التنوير في القرن 18 أحيانا، وفي أكثر من صدد.
لكن إذا ما قال ديدرو مثلا كلمة تنسجم مع فكر النشوء والارتقاء، فهناك دوما من يقول: يا للعظمة!…
فيما لا شيء يخصُّ أبا العلاء الذي قال:
جائزٌ أن يكون آدم هذا
قبله آدمٌ على إثر آدم
كاسرا رؤية الميثولوجيا الدينية، ومعبّرا عن تراتبية شجرة الأنواع الداروينية، أكثر من غيره.
أبو العلاء الذي قال أيضا:
أرى الحيّ جنسا ظل يشمل عالمي
بأنواعهِ لا بورك النوع والجنس
مكثّفا فيها رؤية داروين، وكثيرين ممن درسوا الطبيعة الإنسانية.
دون الحديث عن نيتشاوية أبي العلاء، قبل نيتشه، في:
ولا تحسب مقال الرسل حقا
ولكن قول زور سطّروهُ
وكان الناس في عيشٍ رغيد
فجاءوا بالمحال فكدَّروهُ
كان متقدما جدا، في كثير من المجالات، دون الحديث عن عظمة «رسالة الغفران»، وإبداعات رؤيتها التخييلية،المعجونةِ بروح الفيلسوف العقلاني الساخر الحرّ من بعض ميثولوجيا الجنة والجحيم والعالَم الآخر.
أحبُّ أبا العلاء منذ الطفولة. الرواية اندلعت أوّلا من تأثّري في كون كل هذه الاحتفالات العلمية قد أغفلتْ إنسانا كان، فيما يتعلّق بالعقل والعلاقة بالدين، أكثر تقدّما مما قاله الآخرون، حتى في القرن الثامن عشر.
كانت لديَّ رغبة عنيفة في إعادة الاعتبار لأبي العلاء المعريّ، المنسيّ والمظلومِ في عالمِه العربي أساسا.ومن ناحية ثانية، تقديمِ مشروعه بطريقة روائية لِيَصل لأكبر مجموعة من الناس، عبر التخييل الروائي الخالص.
ولأن الرواية مشروعٌ هندسيٌّ يتوجّه نحو الخيال والأحاسيس، فتقديم أبي العلاء في مشروع هندسي، تعدُّديّ الأوجه، كان مُحفِّزا جدا لي كروائي. إذ هو مشروعٌ هندسي متعدِّد الأهداف فعلا.
ومن ناحية أخرى، تسمح بتقديم إنسان عظيم قال أشياء كثيرة، قلتَ أنت، عزيزي بدر الدين، بعضها قبل قليل، مثل:
فلتفعل النفس الجميل لأنه
خيرٌ وأحسنُ، لا لأجل ثوابها
أي: الفضيلة بالنسبة له غاية بحد ذاتها، تختلف عن فضيلة سوق الحسنات والسيئات، أو ما يسميها نيتشه: «أخلاق العبيد».
في كثير من المجالات كان طليعيا فعلا. ثمّ أبو العلاء لم يكن متحجّرا منغلقا قط.
هاكَ واحدة من أبياته عن الشك واليقين:
أما اليقين فلا يقين وانما
أقصى يقيني أن أظنّ وأحدسَ
باختصار: ينطلق المشروع الهندسيّ للرواية من سرد رحلة عكسيّة لرحلة «رواية الغفران»، في رسالة الغفران. تنضوي فيه شذراتٌ من سيرة ذاتية روائية لأبي العلاء، في أحضان سيرةٍ تخييلية واسعة، ورحلةٍ زمكانية أيضا، أدرجتُ، في سيرورة متنِها السرديّ، شذراتٍ من أعمال أبي العلاء في اللزوميات. وذلك في تناغمٍ، معاكسِ الاتجاه الجغرافي، مع رحلة رواية الغفران.

vv بدلًا من أن يصعد إلى السماء قمتَ أنتَ بإنزاله إلى الأرض، في رحلة معاكسة، وبإعادتك صوغ أبي العلاء المعري بشكلٍ جعلته به يعود للعالم، الذي لم يره من قبلُ إلا ببصيرته، كي يراه بعينيه.

ll: «عيناه مثل أشعة روتنجِن تخترق الملابس، الجلد، البشرة، العظام، لتصل إلى كنه كل حقيقة، وكنه كل إشكالية»، كما تقول افتتاحية الرواية.

vv لا أحب تلخيص الروايات. حين أكتب عنها، فانا أدعو فعلا كل من يستمع الينا ولم يقرأ هذه الرواية أن يقرأها، لأنها تقدم عالَما قلّ من تناوله بهذه الطريقة المعاصرة في العالم العربي، وما أكثر الروايات. لكن طبعا ما كل من كتب روايةً بروائي، وما كل ما كُتِب تحت عنوانه رواية، هو رواية.
في جملةٍ تصل في نهاية الرواية، أطلقتَ أنت مفهوم التعاقد العصريّ الراقي بين الديني والدنيوي، بحيث لا يتدخل العلم في فضاء الإيمان الحر ولا بقضايا الخير ولا بقضايا الخير والشر والقضايا الاخلاقية لكل إنسان، ولذلك تترك فضاء الدين لمن يشاء، على أن يبقى بعيدا عن التخريف في مجالات وشؤون العلم.
قرأتُ لأحدهم كتب في نهاية مقاله عن الرواية: (قطعة فنية فذة تجمع الحاضر بالماضي، الواقع بالخيال، وتلخص قيما وحكما كثيرة).
هل يمكن أن توافق على هذه النتيجة لقارئ رواية تقرير الهدهد؟

ll: عادة لا أتدخّل في آراء القراء حول الموضوع.

vv…طيب، سأعيد السؤال بطريقة أخرى: ما رأيك بالفهم الذي يصل اليه من يقرأ روايتك، لما تمّ تلخيصه بهذه الطريقة.

ll: الثلثان الأوليان من العبارة معقولان لأن فيها سيرة تاريخية حقيقية لأبي العلاء وسيرة تخييلية. الجملة الأخيرة ليست دقيقة جدا ربما، لأنها نست الجانب الروائي الفني لسرد الحِكَم والقيَم، في رأيي.

vv لنأتِ الآن إلى رواية ابنة سوسلوف. المثير للعجب في العنوان أنك تسخر فيه. فاتني أن أذكَّر أنك تستخدم السخرية بشكل مرهف في رواياتك، وهذا أعتبره شخصيًا عنصرًا مقوِّمًا من عناصر بناء الرواية، كما يجب أن تكون. باعتبار أنَّ أبَوي الرواية في العصر الحديث، كما يقول كونديرا، هما رابليه ودون كيخوته.
نحن نعلم من هو سوسلوف: واجهة أيديولوجية الاتحاد السوفيتي حينها. واطلقتَ اسم سوسلوف على الرجل الذي كان يقوم روائيا بنفس المهمة في دولة اليمن الجنوبي، عندما كانت تحكمه الماركسية اللينينية في أكثر صيغها طفولية وسوء فهم، أثناء هذه التجربة.
سأتعرض لعقدة الرواية الأساسية: بعد حرب عام 1986، كلُّ من كان ماركسيا لينينيا، أو معظمهم، استحالوا إلى سلفيين مغرقين في الماضوية، مما جعل اليمن يتمزق هذا التمزق الذي ما زالت آثاره حتى الآن موجودة.
ولكي توضح هذه العلاقة، بين هذه العودة السلفية وبين من بقي مخلصا للتقاليد الحداثية ومحاولة الخروج من العصور الوسطى، وليس على الطريق الذي سارت عليه الماركسية اللينينية اليمنية في ذلك الوقت، وضعتَ عمران ووضعتَ الفتاة التي كان اسمها فاتن (ابنة سوسلوف اليمني)، ثم صار اسمها، بعد انهيار الماركسية الللينينية في عدن: أمَة الرحمن.
انشأتَ بين هذين الإثنين، عمران الحداثي وأمة الرحمن، علاقة عشق مذهلة، لم تقتصر على الجسد فقط في ذهن كل منهما، لكنه كان عشقا أيضا بين إثنين، وليس عشقا بين عالَمين.
عمران كان يحاول أن يهيمن على أمة الرحمن، وأن يعيدها لتصير فاتن التي عرفها مراهقا في اليمن، وعشقها وربما عشقته أيضا، وهذا دليل لقائهما بعد سنوات في صنعاء.
تنتهي الرواية بانفصام هذه العلاقة بين الإثنين. ماذا يعني هذا التواطؤ في العشق، على صعيد الرواية؟
إلامَ يرمز؟ ألا يرمز إلى أنَّ هذا التواطؤ حاصل في الحقيقة بين الاتجاهين على أرض الواقع، كل منهما يترك للآخر فسحة زمكانية، كما تستخدم أنت هذا التعبير، ثم تأتي ساعة لا بد أن تكون ساعة الحقيقة، فينفصلان كما انفصل هو عنها، مضحيًا بكل هذا الحب الذي كان يعيشه بكل جوارحه وكيانه. أليس كذلك؟

ll: شكرا على هذا التقديم والتلخيص والتكثيف.
كأننا نعود هنا إلى اللقاء بين جدلية نعم ولا، وتلاقح تناقضين، كما بدأنا بذلك مع ابن عربي!
هذا التلاقح مبرَّر جدا هنا. فمسرح الواقع الذي تدور فيه الرواية مشحون بالتناقضات، بالحروب، بالقمع… وكلّ ما يقود إلى هذا السيناريو فعلا.
فاتن وعمران عاشا عشقا خفيّا قويا في الطفولة في عدَن، بدأ بلقاءات في دكّان «الأعمى». باعدتْ بينهما الحروب، وتغيّراتٌ جذريّة في الواقع المعاش، فيما ظلّت معادلة حبِّهما بلا حل، خارج إرادتهما.
ثم التقيا يوما في صنعاء: شابٌّ مدنيّ بروح القرن الواحد والعشرين، مع شابّة تبدو، بعد ما حصل لها من غسيل دماغ، كما لو جاءت من القرن السادس عشر مباشرة.
والواقع لم يعد الواقعَ القديم: تراكمتْ أقنعةٌ فوق أقنعة، ونفاقٌ على نفاق في كل مكان.
كان طبيعيا أن تعود علاقتهما بعد وفاة زوجة عمران، وفي ظلّ غَرقِ فاتن (التي تغيّر اسمها إلى: أمَة الرحمن) في دوّامةٍ ظلامية مجنونة، وعلاقات غريبة مع زوجٍ معتوه، وأبيه «الجورو» المرعب.
الواقع تشوّهَ كثيرا بعد غسل الأدمغة الظلامية، فتعقّدَ حلُّ معادلة حبّهما كليّة. كلٌّ منهما يريد جرّ الآخر إلى جهته. بدأت هكذا حربٌ روحية بين الإثنين، بجانب علاقةٍ جسديّة عارمة، كانا معا في أمسِّ الحاجة لها.
والحروب الروحية، كما يقول رامبو، أفظع من حروب الشجعان العسكرية.
احتدمتْ هذه الحرب الروحية في واقعٍ مليءٍ بالتناقضات، وفي ظل يوميات ثورة الربيع اليمني، لكنها وصلتْ في لحظة معينة لنهايةٍ مسدودة. وكانت فرصة روائية أيضا لتقديم يوميات ثورة الربيع اليمني من منظورين مختلفين: من منظورٍ علمانيٍّ لعمران، وسلَفيٍّ لأمة الرحمن.

vv هناك ملحوظة حول الراوية الجديدة التي قرأتُها، ولا أريد أن أذكر عنوانها إلا إذا أردت أن تذكره مفاجأةً لجمهورك، ستكون قيد الطبع والظهور قريبًا. لكن هناك جملة في هذه الرواية، سوف تستغرب لو عرفتَ أنها على صلة بعبارة لكاتب سوري، من كبار كتّاب القصة القصيرة في سورية والعالم العربي، إن لم يكن أكبرهم، ألا وهو زكريا تامر.
في هذه الرواية، تقول جملتك، وأسمح لنفسي أن أقرأها «وفي يوم بعيد جدا، صدِّقوني، سيصحو المرء، تواجهه دعوة للمحكمة أو عقوبة رادعة، لأنه اقترف في منامه حلمًا يخالف القانون».
ما رأيك أن زكريا تامر في قصة عنوانها «سليمان الحلبي»، في مجموعة أصدرها عام 1970 بعد هزيمة حزيران وبدء تسلط الأجهزة الأمنية على سورية، وسنتحدث بعد ذلك عن العلاقة بين اليمن وسوريا، كتب قصة سليمان الحلبي، الذي نعرف جميعا أنه قتل الجنرال كليبر. لكنه في قصة زكريا تامر، يُقبض على سليمان الحلبي لأنه حلم بأنه سيقتل الجنرال كليبر! نعم، قبض عليه الأمن لأنه حلم بقتل الجنرال كليبر!
نحن نعلم الحادث تماما، ونستوعب الألعوبة التي لجأ إليها زكريا تامر: ألعوبة الخيال القصصي.
قصةٌ ثانية له تقترب مما حدث فعلًا في اليمن وفي سورية، وهما بلدان يعيشان الآن أكبر نزيف يمكن أن يعيشه بَلدان في عالمنا العربي، منذ تاريخهما البعيد.
كتب عن مجتمعٍ الناسُ فيه هممن يخدمون الجرذان الجالسة على موائد المطاعم! إلى هذا الدرك وصلنا في كل محاولاتنا في عالمنا العربي المعاصر الذي تدعوه أنت لكي يلجأ إلى العِلم، وأن يتخلّى عن كل الخرافات التي لا علاقة لها بأي تاريخ ولا بأي جغرافيا، كما تحدثتَ عن قصة الملكة بلقيس كما رُوِيت في التوراة، وكما استعادها القرآن من التوراة في قصة الملك سليمان والهدهد.
إلا أن ما يثير اعجابي، في هذه الرواية الجديدة التي ستصدر، أنك تستخدم دائما كل ثقافتك الإسلامية، من حيث اللغة وغيرها. وفيها، سيتحول العالم القادم إلى عالمٍ تملأه الروبوتات بالكامل.
لن أتحدث كثيرا، لكنها تشبه أحيانا من حيث وصفك لها، نفس الوصف التي تُقدمه المخيلة الاسلامية لما نسميهما: رقيب وعتيد، أو منكر ونكير في القبر.
التمثيل هذا محاولة منك للخلاص من سيطرة وهيمنة ما يمكن أن نسميه اللا عقل على العقل.
اترك لك أن تقول الكلمة الأخيرة.

ll: مدخل جميل للحديث عن روايتي القادمة. الجملة التي قلتَ إنها تشبه جملة زكريا تامر كانت، بالنسبة لي، في سياقٍ قد يحصل بالفعل. سكانير الدماغ يستطيع حاليا متابعة ما يدور بالدماغ أثناء النوم، وأثناء الحلم. يعرف بسهولة منذ الثمانينات من القرن المنصرم فيما لو أنك تفكر باسم، أو بفعل، وعموميات من هذا النوع…
وفي المستقبل، بعد أربعين أو خمسين سنة، هناك إمكانية لأن يستطيع العِلمُ الذهاب بعيدا في قراءة الأفكار. الأمر ليس خيالا علميا قط. هناك مشاريع علمية مرتبطة بدراسة تفاصيل خارطة الدماغ، وكل ما يدور فيه. لأن كل تفكيرنا وأحاسيسنا ليست، في الحقيقة، إلا تيارات كهروكيماوية بين عصبونات الدماغ.
هكذا جاءت عبارتي، في سياقٍ مستقبلي، لكنه مستقبليٌّ معقول.
بالنسبة لسوريا واليمن، هيّجتَ جراحا كثيرة جدا عند الحديث عنهما. نعيش معا، أنتم ونحن، جراحا وهموما مشتركة، في سوريا واليمن. كنا نتكلم قبل فترة عن كلِّ ما يوحِّدنا، بما فيه الفلك والميتافيزيقيا، عندما تحدّثنا عن نجمين في السماء: الشعراء اليمانية والشعراء الشامية.
أراقبهما باستمرار حين أشاهد السماء. يقعان في مثلث «إبط الجوزاء» الذي يسهل رؤيته،قرب كتف «كوكبة الجبار». ويمكن بعد رؤية هذا المثلث اكتشاف بقية خارطة السماء بسهولة!
ليس ذلكما فقط، تجمعنا أشياء كثيرة جدا. وتجمعنا الجراح الأخيرة.
أتذكّر دائما سوريا واليمن، عندما أتذكّر جملةً في فيلمٍ مشهور: «الطيب، الشرير، والبلطجي». أحد هؤلاء الثلاثة يقول، بعد أن أفرغ رصاص مسدسِ خصمه وهما في المقبرة، وأجبرهُ على الحفر بحثا عن الكنز المختفي فيها:
«العالَم ينقسم إلى قسمين: هناك من يحمل مسدسا مشحونا بالرصاص، وهناك من عليه أن يحفر. والآن: إحفرْ!».
لعلّي لستُ مخطئا، لأن هذه الجملة تُكثِّف وتُلخِّص واقع نظامَينا السياسيين، وموقع شعبِ كلِّ منّا وهو يحفر تحت فوهة رصاص المهيمنين عليه.
بالنسبة لما ذكرتَهُ حول الرواية، واستعارةِ عتيد ورقيب فيها: قبل جائحة الكورونا، كانت النيوليبرالية، وما عملته الأسواق المالية بعالَمنا المعاصر، قد أوصلتهُ فعلا إلى طريق مسدود. وكان قادتها يدركون حقيقة المأزق: اللامساواة وصلت حدّا غير مسبوق، الكوارث البيئية، العولمة المتوحشة أدّتْ إلى كوارث متنوّعة…
روايتي الجديدة تغوص في بعض الهموم الكبرى لهذا العالم:
التجسّس الرقمي على كل الناس، منذ 11 سبتمبر 2001، يسير على قدم وساق، وبمشاريع مرعبة. الروبوتات الجاسوسية رقيبٌ وعتيدٌ فعلا، كما لاحظتَ. والروبوتات القاتلة خطرٌ قادمٌ حقيقي…
كلّ ذلك محكيٌّ ومكشوفٌ في الرواية، في سياق أدبي روائي محض.

vv أعِدُ نفسي أن أعقدَ معك جلسة عند صدور الراوية وبمناسبة صدور الرواية.

ll بذلتُ في هذه الرواية مجهودا كبيرا، وأخذتُ الوقت الكامل لهندستها، وأتمنى أن تُقدِّمَ النتيجة المطلوبة، وأن نناقشها بالفعل في جلسة كاملة.

vv بالفعل، لها علاقة بما نعيشه الآن، ولكن على الصعيد العالمي، وعلاقتنا به نحن كعرب. كلنا في الهم عرب، مع ما يجري في العالم الان.

ll تمامًا.. بالضبط..

شاهد أيضاً

سليمان العيسى .. كنت زميلاً للسياب «ذكريات تنشر لأول مرة»

حاوره: بيان الصفدي* عام 1995 في جلسة خاصة مع الشاعر سليمان العيسى في صنعاء قال …