أخبار عاجلة

حسن جوني كثيرة كانت الآمال الكبيرة، الآن صرت أرضى بظلالها

  حسن جوني فنان تشكيلي لبناني تعدّت شهرته وأهميته الساحة المحلية. يمضي معظم أوقاته في محترفه، حيث تجذبه المساحة البيضاء للوحته ، فيملأها خبريات ملوّنة.

درس الفن في الأكاديمية اللبنانية ليتابع دراسته فيما بعد في الأكاديمية الملكية الاسبانية، حيث تعزّزت لديه تعبيريّته.

درّس الرسم في كلية الفنون الجميلة في بيروت وكان رئيس قسم الرسم لسنوات.

الآن هو متفرغ للرسم فقط، وقد كتب على باب محترفه أرجو عدم الإزعاج لمن ليس لديه شغل. العمر لا يكفي لإنجاز لوحة.

 

٭ كيف حالك «حسن جوني»؟

– أكثر مصالحة مع «الأنا» مع وجودي، مع أنماط طقوس حياتي طقوسي اليومية، مع أحلامي التي اشتغل فيها وأحترق، ولم اقدر على إنقاذها. أنا أكثر سعادة كجزيرة غمرت المياه أطرافها، وسلمّت قمّتها، أحاول الدفاع عن فرحي بها ومن حولي، الواقع والذكريات، ووجوه من حضروا وغابوا، وأتزود من الحياة ما يروق لقناعتي ويتداخل في مزاجي وأزوّد أنا بدوري الحياة بلوحات هي خلاصة ما اختبرت وشعرت ولوّنت، كثيرة كانت الآمال الكبيرة صرت أرضى بظلالها، لست يائسا، انه الواقع الذي ظننت يوما انه سيتغيّر كما سأتغير.

٭ على أي أساس سيتغّير الواقع، ما الذي لا يعجبك في الواقع؟

– الواقع الذي كنت ارتجي تغييره هو التطوّر المطلوب داخل المجتمع بالأدوات والعناصر، في التفكير وتبلورها بالطّموحات والآمال التي عادة  تعقدها الشعوب لنفسها تفكر بها وتشتغل على تطويرها،هذا واقع يشكل حالة عامة، هو حاوية الحياة والحركة والسكون، حاوية التناقضات التي يعيش الإنسان داخل المجتمع. هذا ما أسميته أنا الواقع، الواقع السياسي الثقافي.

٭ ما الذي لا يعجبك فيه؟

– هذا التوتر الباعث على القلق القاتل الذي يمنع الإنسان عادة من الاسترسال في أحلامه، وحين تنقطع الأحلام وتنقطع التّخيلات سينقطع شيء اسمه الإبداع أو اسمه التواصل مع الآخر، مع الإنسان .

٭ ما الذي يقلقك ويمنعك من الاسترسال؟

– الفوضى الهائلة التي نعيشها، الفوضى العدمية، كون الموت يصل ولا يصل المرض يصل ولا يصل التلوث  الخبر يصل أو لا يصل، هذه مجموعة المنغصات هي عائق بالنسبة لاستمرارية استرسال الفنان أو المبدع بعمله؛ الاستقرار المرتجّ .

الإبداع بحاجة للتأمل وليس، للرعب

٭ ألا يُقال أحيانا بأن الهدوء الكامل يسبب الملل والكآبة؟

– بالعكس، الاستقرار هو الباعث للإبداع الحقيقي في الحياة وليس القلق الذي من الممكن أن يوّصل إلى حالات إبداعية، ولكن إلى أناس يعيشونه عن بعد يتأملونه عن بعد وليس في وسطه، فأنتِ داخل النار لا تستطيعين إلا الإحساس بالنار، فخارجها تستطيعين الإحساس بالمأساة على هول اكبر. فأنا حين احكي بخلاص مجتمع يعني خلاص  فنان من دائرة مقفلة من الآلام والأحزان والتوتر  لأن إذا كان هناك سمة للعصر، فهو زمن الفتك بالإبداع البشري والمخيّلة الإبداعيّة عند الإنسان، ليس لديك الوقت للتأمل. الإبداع بحاجة لتأمل مسبق و ليس للرعب.

٭ إذا لم تتابع الأخبار السياسية و امتنعت عن الاستماع إلى ما يجري من أحداث، ألا يساعدك ذلك على الهدوء؟

– في الحقيقة هذا ما يجعلني استمر في الحياة، فأنا لا استمع إلى الأخبار، إلا مرة واحدة في النهار وذلك كي احدد الطريق إلى المنزل أو حين أتوجه إلى المحترف. وفيما عدا ذلك، أحصر حواراتي في النهار مع أناس لا علاقة لهم بالحرب وبالفوضى القاتلة، لكن هذا لا يمنع بأن الحرب موجودة باللاوعي، ونحاول أن نَعمل تصحيحات و تجميل.

 ٭ كيف تصحح وتجمّل من خلال لوحتك وكيف تترجم أفكارك وآراءك ؟

– أعود لرسم حالات العشق

 ٭ أي أنك تعكس الأمور؟

 – نعم ،لأن حالات العشق هي أسمى علاقة تكون بين إنسان وآخر. بالحب وليس بالزواج ولا بالأولاد ؛ في الحب ينمو البشر من الداخل وليس من الخارج فأنت تتعاطف من الداخل ، تتعاطف بشكل صاف وليس  بتكاذب ومصالح … 

٭ لماذا يتزوَج الإنسان طالما يعتبر بأن الحب هو الأهم وليس الزواج ؟

– في حالات الحب، وحين تقف على عتبة الزواج فتتجمد، لأن الزواج ونمط الحياة المتبادل بهمومنا اليومية

التي تشهد بعض الصراعات ، خاصة إذا دخل الزوجان الاضطراب المعيشي اليومي ، فهو يقضي على مادة الشوق الموجودة في داخلهم .

٭ ألم تنتهوا من تلك المرحلة، مرحلة المعيشي اليومي؟

 -على الصعيد المادي ربما ، ولكن هناك القلق على الأولاد والأحفاد وعلى المحبّين الذين هم يتحرَكون في   الحياة . فأنا مثلا إن رأيت شخصين على كورنيش البحر «المنارة» متعانقان يقبلان بعضهما ، ويقال لي بأن حصل انفجار في مكان آخر ، آسف على من رحل ، ولكن أزعل كثيرا على الذين انقطع حبهما ، بشكل أو بآخر. هذا أسى إنساني وليس أسى وجودي بالمعنى المباشر للكلمة، الإنسانية يجب أن تستمر ، بعاطفتها «وليس بمحاولة القتل» .

٭ الإنسان حين لا يزاول مهنة تضطرّه في الاحتكاك المباشر مع الآخر . فكيف يتأثر بالواقع ؟

 – يظل هناك احتكاك مع الآخر ،فأنا ربما جسديا أو ماديا منقطع عن الآخر ، فأنا لست من روّاد المقاهي والأماكن العامة لست قريبا من التعامل اليومي مع الناس ولكن أنا كوّنت خلاصات من العلاقات الإنسانية التي أسبح فيها كل سلحظة دون انقطاع إلا في حالات النوم .ولكن أنا في النهار على تواصل من خلال حاسة السمع وأحيانا بين وقت وآخر ،فأنا أستدعي أحدا من الذين أرتاح إليهم لأراه  وأنا أسمعه، وأسمعه حين أراه ، إنه التماس الوحيد الذي يربطني في العالم الآن . لأن وقتي لا يسمح لي أن أكون قريبا من الناس الذين أحبهم ،لكن هناك خلاصات منهم أكلمهم ويكلّموني . 

٭ أليس لديك مجموعة تجالسها من وقت لآخر بقصد النقاش والتكلّم بأمور مختلقة ؟

– عندما أرغب في ذلك ، وأنا لا أحب الجلوس مع أحد إلا تحت إلحاح نفسي ؛ فأتصل بالبعض وأسألهم إن كانوا يملكون الوقت لنلتقي ، وتستمر تلك الحالة ساعات وأحيانا أيام .

٭ ألا تشعر بالحاجة للتكلم في الفن ؟

 – هذا أمر لا بد منه بحياة الفنان لأنني دائما أطرح لوحتي كإشكالية، وما زلت لغاية اليوم أعانيها كإشكالية وأنا معني بأن أجد معادلة لها .وإلا لما كنت أستطيع الوقوف أمام ما أسميه الدهشة في اللوحة ، الدهشة لإيجاد المعادلة لإشكالية كانت دائما تطرح نفسها علي كسؤال مبهم قليلا . فأنا عندي دائما بعض التصوّر الأوّلي له ، لكن بحاجة لأن أخوض فيه أكثر ، وهذا عادة ما أفعله مع شعراء وليس مع تشكيليين .

٭ في الماضي كان هناك ما يعرف بالصالون الأدبي ، وجلسات نقاش فني وأدبي .إلى أي مدى هذا الأمر مطروح الآن في لبنان والعالم العربي ؟

– بكل أسف هذا الزمن الحاضر لم يعد يسمح للفنان في الدخول إلى ذاته حتى تصير هناك عملية تحريض نفسي على مباشرة الكلام بالخصوصيات . وهذا على مستوى الجلسة . الآن ما من مجلس أدبي وفني بل أصبح مقتصرا على عدد من الفنانين يريدون التكلم في الفن ويلتقون بدافع رغبة مشتركة . ولكن أصبح هؤلاء قلّة . 

المدارس الفنية ضاعت نتيجة العولمة

٭ إلى أي مدة أصبح لدينا تراث تشكيلي في عالمنا العربي؟

– بالنسبة للفن اللبناني والعربي فهو غير محكوم بمدارس وتيارات فنية. فالفنان في العالم العربي يعمل ما يحلو له، فهذا يذهب إلى السريالية وآخر يذهب نحو التجريدية أو التعبيرية.

٭ على كل حال أليس هذا ما يحدث أيضا في العالم الآن حيث اختلطت المدارس والتيّارات بعضها ببعض؟

– بلى، فالمدارس ضاعت نتيجة الحرية والعولمة فالعولمة حسب فهمي لها ، هي إلغاء حدود الهوية بميراث المجتمعات ، فحين أشاهد لوحة لفنان مكسيكي ولا أستطيع أن أقول بأنها مكسيكية ، ضاعت النكهة والمحلية فبعد وصل العالم بعضه ببعض عبر الجسور الهائلة من هندسة الاتصالات، حذفت لون المعاناة الفردية فأصبح الفنان يعيش في الحرب ويرسم السلم ، يعيش في الحرب ويرسم المنظر ، يرسم التجريد . هذا هو تأثير العولمة ، فالفنان أصبح يركض وراء الموضة وما عاد يركض وراء ذات.

٭ ولكن للعولمة إيجابيّات كأن يجتهد الفنان لإبراز نفسه محافظا على خصوصيّته ، ألست معي في ذلك؟

– بالمعنى الطوباوي من المفروض أن يكون كذلك ،أما الجانب الإيجابي للعولمة ، فتح بوابات الاتصال بين الشعوب فهو رائع جدا من الجانب الهندسي ، أن يطلّ الفنان على هذا العالم الذي كان مقفلا أمامه من قبل ، والفنان الآخر يطل على الفنان الآخر ويعرفه بشكل أوضح ، إنما لا تبقى الحالة على هذا الحدّ ، فقد أصبح هناك غزو ثقافي في العالم ، بحيث أنه أصبح هناك وإن صحّ التعبير ، تشريعات لحالة معيّنة من الفنون فيكتب عنها وتتوّج بأنها هي سمة العصر التشكيليّ .

٭ هل هي الهيمنة ؟

– الهيمنة بقصد الإلغاء ، هذه أهم مخاطرها  فيصبح الفنان الناشئ في صراع بينه وبين ذاته وتطويرها ، فأنت تعلمين بأن الفنان التشكيلي ، لا تكتمل ذاته إلا بالعمل التراكمي ، بالاختبارات اليومية والخوف من الهيمنة الثقافيّة بأن يصار للمصارعة بفراغ وهناك فنانون كثر ، لو كانت توفّرت لهم البيئة الحاضنة ، فما كان فنّهم قد انزلق ، وهذا ما يهدّد الموهبة الناشئة اليوم، فليس هناك من فنّانين راسخين بالصراع ضد الهيمنة الفنيّة .

على الفنان ترسيخ نفسه بالثقافة

٭ برأيك كيف على الفنان تحصين نفسه ؟

– في الثقافة المعمّقة لمعطياته الخاصّة ، المعطيات التاريخيّة الفلسفية الجغرافيّة ، يعني اليوم أعود لأقول بأن فنان أمريكا اللاتينيّة في الأربعينات والخمسينات مثلا حين كان يعرض مع الفنّان الروسي ، كان يبان بأن هذا الفنان هو روسي والآخر هو من أمريكا اللاتينيّة ؛ هذه الخصوصيّة هي بحدّ ذاتها غنى .فتجعل من الفنان يتابع مسيرة من داخل مسيرة ، مسيرته هو فيدخل كجزء من الكل العام .اليوم العولمة فقد فتّت الكل وحوّلته إلى جزء عام.

٭ إذن أصبح لدى الفنان تحد وصعوبات أكبر. فيحارب العولمة ليصل إلى العالمية. حين يفرض خصوصيته؟

– إنها معاناة لم يكن الفنان بحاجة إليها ليزيدها إلى معاناته. الفنان يعاني المادة التلوينية، يعاني المادة التثقيفية، التخيليّة، الحلميّة، وأيضاً نجره إلى معاناة أخرى في صراع مع آخر، فهذا كله يأكل من جهد الفنان ويشكل له إلتباسا، من الصعب جداً أن يخرج منه إذا لم يكن فنان مبنياً بناءً صحيحاً.

٭ هل أنت تبذل مجهودا كبيرا للأستمرار؟

– لا،حسبي أنني لم أسقط بالمغريات، فهناك الكثير من المغريات في الحياة اليومية، وهناك إحباط،وهناك الكثير من المحرّضات كما أن هناك الكثير من الحوافز . أنا اكتفيت بصدقي مع عملي ومصداقيّتي مع نفسي .أنا مصالح مع ثقافتي وروحي ومجتمعي وجغرافيّتي .

٭ على هذا الأساس ، فأنت إلى ماذا تطمح ؟

 – أن أستمرّ بعمل اللوحة التي أقوم بها .

٭ ما هي تلك اللوحة ؟

 – هي تعبير عن روح الإنسان في هذا العصر وروحيّته ومن وقت لآخر أقدّم لهذا الإنسان فسحة من الحلم الذي هو بحاجة إليها ، بحاجة للتعويض عليه .

٭ ألا نستطيع أن نسمي ذلك بالوهم ؟

– أجمل الأحلام هي وهم ، أجمل الحقائق وهم ، الحياة بوقائعها حين تنتهي بموت فهي تصبح وهم .

لو يعود المتنبّي … لن يعني شيئا.

٭ كيف ترى عالمنا العربي من خلال نظرتك كفنان؟

– أنظمة تتخبّط بحاضرها وماضيها ، فإننا نعيش في دوّامة في العالم العربي من الصعب جدا اتجاه البوصلة فيها اتجاه واحد لمدّة خمس دقائق . عالم متحرّك سريع وباتّجاه الأسوأ . هذا الاستقرار أوصلني لتحد بأن أنتزع لنفسي واحة في داخل هذه الصحراء ، يكون مكان لمصالحة أو لقلق مع الذات ، مصالحة اللوحة مع اللون والفكرة مع المتخيّل الثابت لها .

٭ اللوحة حين تنجز إلى أين هي ذاهبة ، في أي إتّجاه ؟

– أنا أشعر بأن الفنان العربي اليوم مهمّته صعبة جدا ،كونه مهدّد بحياته ووجوده ؛ إنه يعاني حروب داخليّة أكثر من الحروب الخارجيّة .

٭ إلى أي درجة هو مهدّد ؟

– إذا كان هناك قرار في خراب وطنه ، فهو يصبح بلا وجود بلا مكان الفن هو حياكة إبداعيّة يصنعها الحاضر للمستقبل والمستقبل يتحوّل لماض فيما بعد .

٭ هل ما زال للفن من تأثير مثل الماضي ؟

– لم يعد للفن من كلمة ، فأنا أذكر بأنه حين كانت تنشر قصيدة لشاعر كبير في إحدى الصحف ،كانت تهزّ وجدان الشعب لفترة من الزمن، أما اليوم لو يعود المتنبي ويقول ديوانه بأكمله وينشر أجزاء منه كل يوم في الصحف ، فلن يعني ذلك بشيء. هذا الجفاف الفكري يتحوّل عند الإنسان الحاضر للبحث عن هموم معيشيّة وحياتيّة أسوأها ما يلجأ إليه شعب في هذه الحياة ، فيصير الشعب وبدلا من أن يهتم برأسه فهو يهتم بمعدته إنه أمر بالغ الخطورة .

٭ نحن نعيش حروبا أخرى غير الحروب الداخلية فالخارج هو من يلفّق الأسباب لتلك الحروب ،أهو مأزق ؟

 – نحن نعيش على صفيح ساخن من حروب خارجيّة حينا وحروب داخليّة أحيانا أخرى. أهنالك حرب أهليّة تدوم خمسة وعشرين عاما أو ثلاثين ، ومهدّدة بأن تعود أيضا خمس وثلاثون أخرى ، هذا لم يمرّ في التاريخ  فثلاث سنوات هي كافية بأن تضع فنا مقاوما ،ويستبشع الفنان تلك الحرب وأهوالها . وبعد الحرب فهناك مدّة زمنية تترك للفنان فسحة من التأمّل والوقت ليعود فيستعيد الهول ويسجّل ملاحظاته حول الحرب ، حول الموت والحياة ، أما نحن فليس لدينا تلك الفرصة . 

تصوّري شعب دون تاريخ دون هويّة

٭ ما رأيك فيما جرى في العراق وما أتلف وسرق من أعمال فنيّة وأثريّة ؟

 – حرب العراق هي واضحة فهي لتدمير تاريخ وليس فقط تدمير شعب . المؤامرة على التاريخ وليس فقط على الجغرافية ، تصوّري شعب دون تاريخ دون هويّة .

٭ ما هي التأثيرات الفنيّة المحفورة في داخلك؟

– الإنسان ، أنا من بيئة فقيرة مسحوقة ماديا ،أما معنويا فاستطاعت الحفاظ على كرامتها ؛  كنا نعيش في أحياء فقيرة جداً والدي واحد من هؤلاء الفقراء. لا زلت مسكوناً بهواجس هذا الإنسان ، لذلك فأن الطبيعة إستهوتني، وتكريماً للطبيعة التي استهوت هذا الإنسان التي كانت تشكل أحلامه، فرسمتها بالحنين ورسمت الإنسان بالحنين لإنسانيته. أنا في الحقيقة اهتم برسم الحنين.

٭ طالما  أنك نشأت في ظروف وطفولة بهذه القساوة فما الذي يأخذك لرسم الطبيعة التي هي بهذا الجمال فبدلا من أن تظهر الأسى ، كأنك تهرب منه ؟

– لا بل أنا أهرّب الطبيعة كأنني إنسان يهرّب حسناء من الوحوش . الضيعة التي أرسمها لم تعد موجودة بل هي حلم بالنسبة لي . المطربة فيروز أثّرت بي كثيرا والرحابنة كذلك من خلال شعرهم وموسيقاهم . هناك حزن جميل ، هناك ضوء وقمر حزين وضيعة حزينة . مرور الزمن بحدّ ذاته فهو أمر محزن وليس مفرحا .

٭ أتعتقد ذلك ؟

– نعم لأن الزمن يأكل ويلتهم ، الزمن سبق وهضم حضارات بكاملها ، أين هي تدمر أين هي البصرة ، أين بلاد ما بين النهرين كما نعرفها ، أين هو برج بابل .

٭ في الماضي ، هناك أشياء غير جميلة أيضا ؟

– حين ترسمي تفكّري في الماضي الجميل ، في تلك اللحظة التي تفكّرين فيها بالماضي تكونين جميلة وتفكّرين بهذا الجمال .

٭ ولكن هناك أشياء سيّئة أحيانا تؤثّر بك وتعود فتتذكّرها ؟

– نعم تستعيدينها وترسميها لتقدّميها بقالب جمالي وإلا من أين تنطلق فلسفة علم الجمال . فهي أتت من هنا ، تجميل الأشياء القاسية ،فمثلا لوحة غيرنيكا، ل «بيكاسو» والحرب الأهليّة لدالي ، لوحات السوداء لغويا … جماليّة الأداء تجعل من العمل يعيش وتأخذ سرمديّتها وتؤثّر أكثر ، هذه هي أهميّة الفنّان ، وهذا سبب من أسباب استمرارية العمل الفني في الوجدان. 

٭ كيف تغذّي نفسك من الداخل ؟

 – أقرأ الشعر بشكل خاص فهناك مجموعة كبيرة من الشعراء الذين أحبّهم أقرأ لنيرودا ، بورخيس ، بيكر ، لوركا ، أراغون …ولشعراء عرب فما زال المتنبي حاضرا في ذاكرتي .وأقرأ لشعراء العراق كالبيّاتي والسيّاب من سوريا بدوي الجبل ونزار قبّاني ، من لبنان محمد شمس الدين ، الأخطل الصغير ،خليل حاوي ، شوقي بزيع …

٭ وسط الهزائم العربيّة كيف ترى النصر ؟

 – أرى النصر قوس نصر مبني من إيمان وتضحية ودماء ، وإثبات حقّ لا يموت طالما وراءه مطالب … النصر لغة ولون ولحن وعمارة ومسرح … النصر ثقافة يجب التعامل معه بجديّة ومسؤوليّة.. انتصارنا كان مكلفا فلا زلنا نلملم جراحاته …

٭ ولكن هناك هزائم مكلفة أيضا ،وهنا النّتيجة ليست واحدة ؟

– من دون أدنى شك ، ما قامت به المقاومة الإسلاميّة في لبنان لم يقم به أحد ؛ هذا ربما يكون قد عدّل الكثير من المفاهيم في المنطقة ، لا أعلم إلى  أين سيصل .

٭ ما الذي أنجزته في حياتك الفنيّة ، هل أوصلت فكرة ما  جئت من أجلها ؟

– أنا واكبت الحرب ، رسمت مجموعة عن الحرب ، مواضيع الإجرام والموت ،والهجرات المرتدّة . رسمت الطبيعة . الناس بحياتهم اليوميّة ، العذابات الفرديّة والجماعيّة .

٭ لماذا حين يعرّف عن الفنان حسن جوني ، تذكر لوحات الطبيعة الهادئة ، النّضرة، ولا تذكر لوحات الحرب ؟

– اللوحات ألتي طلّعتها عن الحرب هي قليلة جدا ، واحتفظت بالباقي ، أما أعمال الطبيعة ، فمن وقت لآخر أشعر بأنني معني باللوحة القصيدة ، اللوحة الموسيقى اللوحة الشعر …

٭ من هم الفنانون العرب الذين تعجبك أعمالهم؟

– من سوريا لؤي كيّلي ،من مصر محمود مختار ، من العراق جواد سليم ، ومن لبنان ناديا صيقلي فهي تعمل بطريقة رائعة جدا ، أيضا بول غيراغوسيان ورفيق شرف .

٭ الفنانون المعاصرين لك في لبنان من هم ؟

– مارون حكيم ، شوقي شمعون ، محمد روّاس ، حسين ماضي ،كل هؤلاء يعملون جيّدا وأنا أحبّ لوحتهم .

٭ هل تشكّلوا تيّارا معيّنا ؟

– لا ، نحن نشكّل قلب الحركة التشكيليّة ،  لكن كل واحد منّا يضخّ على طريقته وفي اتّجاهه .

حين توصل دولة إبداعها للعالم،

يعني هذا بأنه بلد حضاري

٭ الآن وصلنا إلى مرحلة بأن الفن في الغرب ليس هو بالأفضل ، ولكن ظروف الفنّان والإعلام ومجهود دولتهم أفضل ؟

 – المشكلة في تراجع السلطة السياسية، يعني أن يكون هناك لبنان ولا يكون متحف للفن التشكيلي، أو صالة عرض دائمة هذا عائق. أن يكون هناك لبنان معاصر حاضر اليوم ولا يكون له إسهامات على مستوى عال في البينالات العالمية هذا أيضا عامل يسيء، على لبنان أن  يعترف بأنه لديه عددا من الفنانين يجب أن يصل بهم إلى العالمية ، الفنان بفرديته لا يستطيع ذلك ، الذي عليه أن يقوم به من أجل العالمية قام به عبر لوحته ، وإيصال اللوحة إلى الآخرين ، لا يكفي بأن ندخل عبر الإنترنت والى وسائل الاتصالات .

ما أعرفه بأن كانت فرنسا وأسبانيا وإيطاليا وحتى روسيا وأمريكا والبرتغال وبلاد أخرى كانوا يحملون فنانيهم ويعرضون لهم في العالم معرّفين عنهم بأنهم عصارة مجموعة الفنانين لديهم . بحيث تقتني متاحف العالم من الفنان ، نتيجة شيوع فنه في العالم عن طريق دولته .

ولا مرة الدولة اللبنانية أو وزارة الثقافة قصدت أن تقوم بمعرض لحسن جوني أو لعشرة فنانين تشكيليين معترف بهم لبنانيآ  وأخرجوهم إلى العالم . إنه أمر فائق الخطورة ويدل على تردّ هائل بتناقض الحس الوطني حين لا توصل دولة أو نظام ظاهرة من ظواهر إبداعها للعالم يعني هذا بأنه بلد حضاري . وحينها يصبح مطلوبا من الفنان أن يعمل على صعيد واسع
 
حاورته:سهى صباغ كاتبة من لبنان

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …