أخبار عاجلة

[حفر دافئة] للحبيب السالمي فاجعة الموت والرعب النهايات في عالم الاغتراب

المكان مهترىء، والاشياء ثقيلة ضاغطة على الحواس، و "الجسد منهك" والروح مخرقة"، ولا انفتاح في أي اتجاه، سوى ما يعمق لحظة التذكر، مثل جرح نازف. صفحات وأسماء وأطياف وجوه تترجرج في ثورة أعصاب مستعدة، كأنها سحابة ثقيلة تغطي سماء الذاكرة، فيرتسم المشهد في بداية "حفر دافئة" (1) كي يسفر توتر العلامات عن ثلاثة أسماء محددة:

عادل الطالبي، ذلك الفتى المهاجر الذي حقق بـ "المخاطرة" بعض النجاة حينما استجاب أخيرا لنداء الاقاصي وعاد الى أمه بعد تشرد دام سنين، وحمودة الاشهب، ذلك الوجه الآخر الممكن لأب ميت أو "عم مهاجر" تردد صداه في "متاهة الرمل"، وهو المختلف عنه ايجابا بدلالة الحلم المتحقق حينما عاد الطائر المهاجر الى عشه الاول، هناك في "الهوارب" قريبا من "العلا"، موطن السارد بعد ان فقد الابن والشغل، وسعاد غرس الله، تلك الرغبة أمست واقعا في زمن عابر، وسرعان ما انقلبت الى رغبة مستحيلة كأن غابت الى الابد لتترك ندوبها حية نازفة في قيعان الذاكرة.

بين "متاهة الرمل" و "حفر دافئة" منظوم حكاية واحدة، وان اختلفت اسمية السارد، اذ يكفي أن نسترد تفاصيل الجزء الاول من الحكاية كي تطالعنا حقيقة بدئية في تجربة السفر مفادها ان "الجمال بداية الرعب والسفر موت جميل" (2). ولكن لفظة الجمال هذه تحتجب في "حفر دافئة" بعد ان استبد رعب النهايات بالسارد ودقت أجراس الخطر.

"خواء هذا اللحم. خواء كله اذا كانت الروح منهكة ممزقة مثل مرمى رصاص".

هي الحركة في الداخل كأن يستقدم فضاء الغرفة عالم الهجرة وتفيض الازمنة وتفاصيل الاماكن في لحظة ليست كغيرها من اللحظات ليتحول مجال المحكي من مدينة – مدن بشوارعها وارقتها ومبانيها الى حيز مفكرة قديمة تلقفتها يد السارد بعد ان استبد به الارق.

شخصيات ثلاث متباعدة لا تتواصل في واقع الحياة تلتقي في مجرى سردي عام، واذا المكان المنفلت الذي تحدد به فعل التذكر في "متاهة الرمل" ينقلب في "حفر دافئة" الى دائرة مغلقة، هي الغرفة في مكان هرم يتضاءل داخل حيز ورقي يبدو لحظة التذكر أكثر ضيقا، تلك المفكرة القديمة يلوذ بها السارد من عزلته القاتلة بحثا هناك داخل الاوراق عن وجوه قديمة تستعاد لتعمر بعضا من الفراغ "الجسد منهك والروح مخرقة مثقوبة مثل مرمى رصاص". وكما ينفتح الجرح النازف في نفس السارد تتسع اللحظة لتولد نصا روائيا جميلا لا تتناظم احداثه في سلك واحد على غرار "متاهة الرمل"، وانما هي أنساق سردية كبرى أربعة تتحدد برؤى مختلفة لتنصهر في بنية عامة مشتركة، كأن يصف أنا- السارد ذاته بما يشبه السيرة الذاتية او يصف بعضا من حياة الأخر: عادل الطالبي او حمودة الاشهب او سعاد غرس الله..

إلا ان السارد وهو يصف الآخر المتعدد في مشاهد كبرى ثلاثة يوصف بما يشبه – تقريبا- لعبة المرايا الكاشفة عن ابعاد أخرى للوجه الواحد الذي يبدو عند الرؤية المباشرة في مفتتح النص الروائي مسكونا بعلامات الموت الوشيك: "في المرآة يتراءى لي وجهي شاحبا مثل ليمونة بدأت تجف…".

فتنقطع الخطوط او الانساق الاربعة لتتقاطع في منظوم حكائي، الواصل بين مختلف أجزائه، ذات ساردة تتحدد بضمير مفرد متكلم قادر على كثافة الحضور احيانا والتوزع داخل نسيج المحكي واطرافه أحيانا أخرى، بما يكسب الحكاية طابع السيرة الذاتية دون البقاء في مدار حرفيتها التقليدية التي تداولتها أقلام الكتاب العرب عقودا، كأن ينفتح الضمير المفرد المتكلم على الآخر المتعدد. واذا الموصوف الحكائي "رواية – قصيدة"، الفاعل الاول فيها ذلك الضمير المفرد المتكلم، والفاعل المرجعي – بمنظور السياق الحكائي- تلك الجماعة المهاجرة، تتعدد وجوهها وتختلف سبلها، ولكنها تلتقي في وضعية وجود واحد: حياة الهجرة. ولنن تضمن الفعل الاول الانساق مجمعة تمهيدا للضرب في شهاب الحكاية، كما استعاد الفصل الاخير وعي المكان ووحدة الذات المتذكرة فان الفصول الاخرى معابر شتى للرؤية: من حاضر الأنا الى أزمنة تقضت، ومن موقع الضمير المفرد المتكلم الى الشخصيات الاخرى بضرب من التجوال المنظم بين مختلف المواقع.

فتتوزع الفصول تبعا للرؤية المصاحبة بأسلوب من التناوب والاطراد، يصف ليقطع الموصوف ويستأنفه بعد ارجاء. واذا الحكاية لحظة عابرة تتسع في الاتجاه المعاكس للسطح الممتد فرارا من وحشة المكان ودبيب النهاية الوشيكة بعد ان تأكد غياب الافق وتعطل تجربة السفر. فالمرأة،. شأن الواقع حقيقة فاضحة تؤكد للذات معنى الخطر الذي أمسى قريبا هن النواة، ذلك ما يظهر بدءا كي يعود الى الانكشاف انتهاء: "وجه رمادي جامد حاد الملامح كأنه منحوتة من طين".

إن الوجه موضوع الحكاية الأول، نو صفحة الوجود تختصر أعو اما من تجربة السفر، وهو بغضونه المتعبة معبر الى أقبية الروح حيث نزيف أعوام ميتة وظلال وجوه طوتها أزمنة سالفة.

واذا فعلية المحكي في "حفر دافئة" تستجيب فورا لذاكرة خرقتها ثقوب النسيان وانتهى بها المطاف الى ما بعد – الحلم خلافا لفعلية السرد في "متاهة الرمل" التي هي محصل ذاكرة قادرة على الحلم واستعادة الماضي. وتفعيل الحواس بما يصل بين الذات ومحيطها المكاني فالمكانية في "حفر دافئة" فضاء مغلق أفضت اليه متاهة اعوام من الترحال وهو تلك الانحناءة صوب عالم الذات مرورا من السطح المنكشف الى القاع المجوف حيث لا إرجاء لفاجعة النهاية. وبين السطح المنكشف والقاع المجوف وجه متهدم وبقايا ذكريات لأناس عادوا الى الرحم الاول او تلاشت وجوههم في هدير الأعوام الهالكة وضجيج مدن الشمال.

"خواء هذا اللحم. خواء كله اذا كانت الروح منهكة مثل مرمى رصاص". بهذه اللازمة يقارب نشيد الذات "ملحمة مضادة" تنظم غناء حزينا متقطعا يروي فشل فرد وانحباس أفق في حياة مجموعة مهاجرة.

فتتغير الحقيقة من "الجمال بداية الرعب والسفر موت جميل" تروى سردا روائيا وثيق الاتصال بالاشياء القديمة والحادثة الى وجه آخر للحقيقة يتمثل تصريحا في الاعتراف بالوهن بعد مضانكة دامت أعواما، وقد صيغ بأسلوب أقرب الى كتابة الحال منه الى توصيف الحدث.

وكأن "متاهة الرمل" و "حفر دافئة" رواية واحدة بفصلين مختلفين اذ تقارب القصيدة بدءا، وهي القصيدة تتخذ لها بالسرد وجها روائيا في صياغة لاحقة.. ذلك ان السرد لم يعد قادرا على الاتساع لمثل هذه الحالات الطارئة..، فبين السابق واللاحق لعبة ضمائر ثلاثة – بمنظور فلاديمير جانكلفيتش (3) كأن يتردد وعي الموت بدءا بين الـ "هو" والـ "أنت"، بحثا خارج حدود الـ "أنا" عن فضاءات شاسعة ترجىء فاجعة التوقف الدال على النهاية المحتومة، لذلك تندفع الحكاية بدءا صوب مستقبل ما يقترن بالبحث عن العم المهاجر الذي يولد في الذات رغبة الاستمرار في السفر. فيكون بذلك الفرار نحو زمن قادم. وما يرد من علامات دالة على الموت في نسيج الحكاية، بفصلها الكبير الاول، ليس الا غياب الآخر، لا يستقر في موقع محدد، بل هو ذلك الموجود المترجرج بين الـ "أنت" والـ "هو"، يهم في كل حين بالاستقرار في الموطن القريب: "أنت" وسرعان ما تدفعه مخاطرة السفر، كما تعيشها الذات الساردة، الى دلالة الوجود المنفلت، الى الـ "هو" القصي..

الا أن الـ "أنا" في الفصل الثاني (حفر دافئة) لم يعد قادرا على التباعد عن الموصوف السردي، اذ أسفر الوجه عن ملامحه الدفينة بعد ان سقط قناع السنين، وما عاد بالامكان الاستمرار في لعبة الفرار.. فكل شيء أمسى قابلا للانكشاف هناك، في مرآة الروح بعد أن زال وهم المصير المنفلت وحل محله مصير واحد هو الموت.

ولأن الموت هو المصير الأبعد في الزمن – على حد عبارة فلاديمير جانكلفيتش – فانه السر الأعمق الدفين، اذا انكشف اختلت لعبة الضمائر لتتخذ لها في الوعي نسقا مغايرا، لذلك يدق جرس الكنيسة في المكان الفيزيائي الخارجي بدءا او انتهاء سرديين بما قد يشي بخطر وشيك بدأ يحدث هناك في أعماق النفس بعد أن انتقل وعي فاجعة الموت من التخوم النائية او القريبة الى صميم ذات الموجود. فأمست المواجهة مباشرة شرسة حينما انقلب الصراع، نزوعا الى البقاء، من العالم الى الذات.

1- الحبيب السالمي "حفر دافئة" – بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ط 1 1999.

2- الحبيب السالمي "متاهة الرمل"، بيروت – المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 1994، ص 635.

3- Vladimir Jankelevith, "lomort", Flammanior, 1977.
 
 
مصطفى الكيلاني (كاتب من المغرب)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …