أخبار عاجلة

حوار مع أحمد الفلاحي

إنه عاشق الكتب جاء من »وادي نام« بالمنطقة الشرقية من عمان, معطرا بطيبة القرية ونسمة روحها الهادئة, كرمه ينافس ثقافته العميقة, يعتبر الأب الروحي للمثقفين العمانيين, ومحور اتجاهاتهم الأدبية, والينبوع الذي يسقيهم التشجيع الدائم, كثير الغيرة على ثقافة وحضارة بلده. هو صندوق حكايات عمانية, حينما تجلس إليه وتسمعه وتناظره وتجادله لا تعبأ بالساعات الطوال التي تتحول إلى رصيد ثقافي وتاريخي تحتفظ به. إنه عاشق الكتب, الأستاذ الأديب أحمد الفلاحي يحكي لنا بعض سيرته مع الثقافة والأدب.

أجرى الحوار : يحيى سلام المنذري

 

* الطفولة هي المكون الأول لحياة أي إنسان, وهي نبع أنهاره وشخصيته وتحولاته فيما بعد, فهلا حدثتنا عن نشأتك الأولى, طفولتك, صباك, بداية تشكيل وعيك?

* ولدت في بلدة »بطين« وهي قرية زراعية صغيرة تحيطها الجبال والوديان وتكثر في وديانها البعيدة غابات الأشجار البرية المألوفة في البراري العمانية كالسدر والغاف والراك والأثل والشوع والسمر والسرح وغيرها. وهي واحدة من تسع قرى صغيرة يتضمنها »وادي نام« ولا تبعد المسافة كثيرا بين كل قرية وأخرى بل كلها في حكم الجارات المتقاربات.

كانت هذه القرية يوم خرجت إلى الحياة تعاني شدة الجدب ونقصان الماء وانقطاع الفلج عن التدفق مما أدى إلى موت النخيل والأشجار واضطرار أغلب السكان للهجرة إلى مناطق أخرى في عمان أو إلى شرقي إفريقيا وبلدان الخليج, ولم يكن بقي من أهل القرية عندما بدأت أعي سوى قلة قليلة, وكان من هؤلاء الباقين جدي الذي كنا نعيش في كنفه, حيث كان هو كبير القرية ومرجعها وإنسانها الأوحد وموئل أهلها ومقصد زائريها, وكان متدينا قارئا للكتب له اهتمام بالأدب والتاريخ بالإضافة إلى ثقافته الدينية العالية وكان بيته ممتلئا بالكتب المختلفة من شتى صنوف المعرفة. ومن نماذج الكتب التي تركها وبعضها موجود حتى الآن كتاب »شرح النيل« في عدة أجزاء وكتاب »قاموس الشريعة« في عدة أجزاء و»هيمان الزاد« و»مشارق الأنوار« و »طلعة الشمس« و »جوهر النظام« و»أرجوزة الصايغي« و »تحفة الأعيان« و » قصص الأنبياء« » والجنة في وصف الجنة« و »السيرة الجامعة« وأجزاء من »بيان الشرع« و »القاموس المحيط« و »إحياء علوم الدين« و »الجامع الصحيح« وشرحه في جزئين يحتويها مجلدين ضخم و»مختار الصحاح« وكتب أخرى متنوعة بعضها مخطوطة وأكثرها مطبوعة في الهند أو في مصر أو في مطبعة السلطان برغش في زنجبار.

كنت في السادسة من العمر حينما توفي جدي ولم أعد أذكر اليوم شيئا من ملامحه سوى قامته الطويلة وعمامته الدينية البيضاء وجلسته الصباحية يتدفأ على الجمر الموضوع في »كانون« أمامه ملتفا بعباءته الصوفية السوداء » المنسول« وبقربه كتاب يطلب من والدتي أن تقرأ له منه, نظرا لضعف نظره خاصة داخل الحجرات في ساعات الصباح على الرغم أننا كنا نراه يقرأ في أوقات الظهر والعصر في السبلة أو في المسجد في كتاب أو مصحف محمول على مرفع خشبي يوضع بين يديه.

كنت أذهب للجلوس بقربه ومصافحته وكان يلقنني بعض الكلمات المتعلقة بالتوحيد ويحفظني بيتا من الشعر, ويستمع مني إلى قصار السور التي كنت حفظتها. كان هذا الجد هو الشخصية الأولى ربما التي انبهرت بها في باكر طفولتي مع ما تراكم بعد ذلك من حديث لم يكد ينقطع في البيت والقرية كلها لسنوات طويلة بعد مماته عن مزاياه العالية وفضله وكرمه ونبل أخلاقه ومكانته الجليلة بين الناس وحكمته ومعارفه الواسعة والأنوار التي تكررت مشاهدتها على قبره, لم يكن في بيتنا رجال  يوم توفي جدي فقد غادر أبناؤه الأربعة منذ زمن بعيد, ثلاثة إلى أفريقيا وكان أبي أحدهم, والرابع إلى منطقة الخليج سعيا وراء الرزق, وقد بدأت أعي دون معرفة والدي الذي قيل لي أنه غادر بعد عام من مولدي وبعد أربعين يوما من مولد شقيقتي, وكانت هناك بالإضافة إلى والدتي خالتي الكبرى وجدتي لأمي وجدتي لأبي وبعض الأمهات الأخريات من نساء الأسرة, وقد تولت والدتي رعايتي والإشراف الكامل على تربيتي وتعليمي وكانت شديدة لا تتساهل وكانت تقرأ وتكتب شأنها شأن كل أفراد أسرتنا الذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة رجالا ونساء, وتلك في الحق سمة لأغلب أهل قريتنا حيث لم يكن سوى القليل منهم من لا يحسن الكتابة أو القراءة, وبفضل حرص أمي ومثابرتها استطعت الانتهاء من ختم القرآن وأنا في سن السابعة ثم بدأت تعليمي الكتابة وتدريبي على قراءة بعض الكتب مثل »تلقين الصبيان« و »الجامع الصحيح« و»نونية أبو مسلم« وكانت مطبوعة بطريقة تشبه طباعة القرآن في المطبعة البارونية في القاهرة, بالإضافة إلى دفاتر مخطوطة بخط نسخي جميل تحتوي على قصائد متنوعة معظمها عمانية تنتمي لعصور مختلفة, ومنها لبعض أجدادنا الراحلين وأخرى لشعراء من قريتنا أو من المنطقة ومن بينها أراجيز تتحدث عن أسفار ورحلات في مناطق عمان أو في خارجها. وفي الأمسيات كانت الجارات وصديقات أمي يتجمعن وتقوم هي بقراءة كتاب قصص الأنبياء المسمى »رائس المجالس« أو كتاب »دلائل الخيرات« أو »الجنة في وصف الجنة« أو كتاب »السيرة الجامعة« وتبكي النسوة حينما يجيء ذكر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو ذكر حروب الصحابة ومعركة -النهروان- وقصة الإسراء والمعراج ووصف الجنة والنار, وحينما تأكدت أمي من قدرتي على قراءة تلك الكتب والمخطوطات أوكلت إلي مهمة قراءة السهرة لصديقاتها وكنت أحلم بشوق لذلك, وكم من مرة حاولت لفت انتباهها إلى قدراتي وما كدت أصدق حينما جربتني ظهيرة ذات يوم واطمأنت لمستواي وأنبأتني أن هذه الليلة ستكون ليلتي, وأخذت أدرب نفسي وأعد العدة لتلك اللحظات المهمة وفي المساء كانت أمي وسط صديقاتها تقوم بطبخ قطع »الفندال« على موقد الجمر الذي يتوسط الجلسة »الصريدان« ثم تعد القهوة في الموقد ذاته وهي مصغية لهذا الصغير الذي يصدح بصوته مترنما بقصيدة »المحل« لجدي الأكبر وقصيدة »زنجبار« لابنه جدي الأصغر عم والدي, ثم قصيدة »النونية« لأبي مسلم في اليوم التالي أو قصيدتي »فتح الرستاق« و »فتح نخل« لابن شيخان في يوم آخر, وقصائد »التوبات« وهي عدة منها »توبة النبهاني« و »توبة الستالي« و »توبة أبو مسلم« و »توبة المر بن سالم الحضرمي« في ليال تلت, وفي الوقت الذي كنت فيه أغرد بحنجرتي الصغيرة بتلك المنظومات مسجعة منغمة كانت النسوة ومنهن جدتي يصغين مبهورات لهذا الصبي الصغير الذي تمكن من القراءة على هذا النحو ومع إصغائهن كن ينشجن بالبكاء متأثرات بما يسمعن دون أن يفقهن في الغالب معنى الكثير منه, وكانت الوالدة تقو م أخطائي وهي لا شك فخورة سعيدة بنجابة ابنها وبنجاحها في تعليمه وإيصاله لهذا المستوى الذي لا يبلغه في نظرها إلا القلائل من أقرانه في عمره ولم تكن السهرات كلها للقراءة بل كان بعضها لرواية الحكايات الغريبة عن السحرة والجن والشياطين وعن أخبار بعض الماضين من الأجداد أو من الصالحين أو حكايات معارك وبطولات وأشخاص من الشجعان الخارقين وحكايات كثيرة أخرى متنوعة تقصها بعض النساء الحافظات لمثل تلك القصص المثيرة.

كانت الكتب بأغلفتها الفخمة وبتجليدها الفاخر تثير اهتمامي كلما رأيت والدتي تقلب بين يديها صفحات واحد منها وكنت أشتاق للإمساك بها وتقليبها ومعرفة سرها وخباياها وقد شجعتني أمي بعد أن أثبت أنني أحسن القراءة أن أقرأ في بعضها مما كانت تعينه لي ولكن شغفي كان بالمجلدات الضخمة السوداء التي كانت تزجرني عن الاقتراب منها لأنها أكبر من استيعابي, وكنت أتمنى لو استطعت تناولها دون أن يراني أحد, ولكن البيت لا يمكن أن يخلو والكتب كانت توضع في مكان مرتفع لا يتسنى لي الوصول إليه عدا أن تلك الكتب كانت ضخمة ثقيلة يصعب علي حملها.

ومن أحداث الطفولة المهمة التي لها بقايا ضبابية في قعر الذاكرة حادثة الطائرة الضخمة التي ملأت سماء القرية ذات نهار صاف بصوتها الهادر القوي وحجمها الضخم وقد أخذت تحوم في أعالي القرية منخفضة حتى لتكاد تلامس قمم النخيل وأعالي البيوت مما أنزل الخوف والهلع الشديد على أهل القرية وأثار اضطرابهم فخرجوا صغارا وكبارا لرؤيتها فإذا بها في لحظات انخفاضها تمطر أكواما من الأوراق الحمراء والخضراء والزرقاء غطت الحقول والأشجار وأعواد القمح التي كانت تفترش الأرض أيام الحصاد وأسطح المنازل والطرقات والسواقي وكل مكان, وتجمعت النسوة حول أمي يسمعن ما تقرأه لهن مما كتب في تلك الأوراق التي كان مضمونها يتعلق بأحداث الجبل الأخضر المتفجرة في تلك الفترة, وظل حدث مجيء الطائرة وشكلها المخيف واجنحتها الضخمة حديث أهل القرية لسنوات تلت, وبعد أن عاد أبي من سفره هطلت الأمطار بغزارة فاقت كل التصور وفاضت الوديان فاقتلعت الأشجار وبعض البيوت وتدفق الفلج ليخصب القرية ويعيد حيويتها وأهلها المغادرين الذين سرعان ما توافدوا من مهاجرهم البعيدة والقريبة, ودبت الحياة حثيثة نشطة, الكل يزرع الحبوب والمحاصيل ويغرس فسائل النخيل والأعناب والموز والأشجار المختلفة.

وكبرت قليلا وارتقى بي الحال لأكون قارئ السبلة في سهرة الرجال تحت إشراف والدي الذي يختار لي القصائد المناسبة مخلفا جلسة النساء في البيت كما لو كنت أستقبل مرحلة جديدة وأدخل في طور آخر, وقد أحضر الوالد من سفره الكثير من الكتب الجديدة التي لم تكن موجودة من قبل, وجاءته أخرى بعد وصوله واستقراره, ومن بين هذه الكتب الجديدة التي استحوذت على الاهتمام في تلك السهرات »نهضة الأعيان« و »بهجة المجالس« و»سلك الدرر« و»ديوان الستالي« و»ديوان النبهاني« «و»جواهر الأدب« و»المنظومات الأربع« و»ديوان أبي مسلم« بالإضافة إلى نخبة من الكتب القديمة, من أبرزها »جوهر النظام« و»تحفة الأعيان« و»السيرة النبوية« وديوان المتنبي ومع هذه الكتب كانت دفاتر القصائد المخطوطة والقصائد الجديدة التي كانت ترد بين فترة وأخرى ومنها قصائد أحداث الجبل الأخضر و»رثاء زنجبار بعد نكبتها« وقصائد أخرى كان الوالد يحتفظ بها لأنها نسخت له خصيصا من قبل بعض أصدقائه أيام شبابه. وفي تلك الفترة لا تكاد سبلة الوالد تخلو من الضيوف والزائرين الذين يأتون من خارج البلدة ويقيمون أحيانا لعدة أيام وكنت أشعر بشيء من الزهو حين تتاح لي فرصة القراءة أمام هؤلاء الضيوف وأنال استحسانهم وثنائهم وبعضهم من ذوي المكانة والوجاهة من الشيوخ والقضاة والشعراء ونحوهم ومن الزائرين المتكررين كان هناك رجل من حفاظ الشعر ومنشديه يسمى حمد بن سيف البطاشي وكان له صوت عذب ونبرة قوية ترك تأثيرا في نفسي بفصاحته ونغمة صوته الشجية فحاولت تقليده ولكن حنجرتي الصغيرة لم تكن تسعفني فنهاني والدي عن التكلف وكان ثمة كتاب مخطوط يحتوي على عدة موضوعات وفيه تفاصيل دقيقة لأحوال الحشر والقيامة ولوصف الجنة والنار والسماء والملائكة كان له أثره الكبير في نفسي. ومن الشخصيات الذين انبهرت بهم في صباي أحد الرجال من الأعيان اسمه أحمد بن سعيد العامري كان شيخا جليلا وكان حديثه أقرب إلى الفصحى ويبدو حين يتحدث كأنه يخطب وكان متكلما بليغا يجيد انتقاء الكلام ويحفظ الكثير من الشعر ومن قصص العرب وأمثالهم وأخبارهم وحكمهم يأسر من يحدثهم بطلاقته وعفويته, وثمة شخصيات أخرى لديهم هذا التأثير أيضا على محدثيهم ولكن هؤلاء يتحدثون بالعامية المحكية وبعضهم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب, ولكنهم كانوا من حفظة النوادر والقصص وأخبار الحروب العمانية وسير الأعلام وقصائد الشعر العامي التي تؤرخ للحوادث وكان لهم أسلوب مشوق في السرد وفي الحكايات التي يروونها. أذكر منهم سعيد بن الرشيد النهدي وأخاه مسعود, والشايب هديب بن مسلم مخزن الحكايات التي لا تنتهي.

توفيت أمي وأنا ما زلت بعد في الثامنة من عمري ومعها توفيت جدتي وأختي الصغيرة وعمي وآخرون كثيرون أخذهم الموت في نازلة مرض خطير حل بالقرية دون أن يعرف نوعه وأسبابه, وقد نقدر اليوم أنه ؛الكوليرا« وكان أثر ذلك قاسيا علي, وبعد أن أفقت من معاناتي المؤلمة وتجاوزت مرضي الشديد الذي قيل أنه استمر أربعة أشهر غصت في القراءة وتقليب تلك الكتب الضخمة المخطوطة والمطبوعة محاولا أن أتقصى أسرارها وما تخفيه في سطورها وأوراقها, وكان أكثرها فوق مستوى فهمي وإدراكي ولكنني كنت مصرا على الاستمرار في مهمتي, وكلما اكتشفت قصة أو حكاية أو مثلا أو بيت شعر عجيبا أعتبر ذلك فتحا مبينا أخبر به الناس, وفي تلك الفترة حفظت المعلقات السبع كاملة وحفظت نونية أبي مسلم وقصيدتي فتح نخل والرستاق لابن شيخان واراجيز محمد بن عيسى الحارثي في رحلاته إلى وادي الطائيين والمنطقة الداخلية والهند وزنجبار ورحلته إلى البحرين وقصيدة الشيخ السالمي البائية وبعض الردود التي أثارتها ضد الشاعر المجيزي وبعض القصائد التي قيلت في نصب الإمام سالم الخروصي وقصيدة ابن الرومي في الأوطان وقصيدة ابن الوردي اللامية وعدة قصائد للمتنبي وبائية أبي تمام وقصائد للنبهاني والستالي والشريف الرضي.

*أحداث شيقة وتبدو أنها مازالت عالقة في ذاكرتك, وحفظك لكل هذه العناوين من الكتب والتي من المؤكد أنك ما زلت تحتفظ بها, ولكل إنسان حوادث وقصص طريفة مر بها في أيام عمره, فهلا ذكرت لنا بعضا منها.

*من أحداث الطفولة التي علقت بذاكرتي حتى الآن موضوع جهاز الراديو وأول ما وعيته من أمره ما سمعته من جدتي وهي تصف أحدهما بأنه »روديا« وحين استنبأت عن معنى اللقب الذي اسند لذلك الشخص فهمت أن معناه الكذاب لأن ذلك الشخص كذوب قلما يصدق مثله مثل »الروديا« الذي هو »صندوق إبليس« وقد صنعه النصارى من أجل تدمير المسلمين وخرابهم والشيطان يغوص في دواخله ويتحدث منه إلى الناس مباشرة كما يتحدث الإنسان إلى الإنسان, ولكنه لا يقول إلا الأكاذيب التي تفتن الناس, وقد روت الجدة عن زوجها الراحل أنه أخبرها بأن من علامات الساعة أن ينطق الحديد وهاهو الحديد قد نطق فما هذا »الروديا« إلا قطعة حديد, ونقلت عن الجد تحذيره من هذا الشيء يوم أن رآه عند بعض أقاربه الأثرياء بإحدى القرى البعيدة بعض الشيء عن بلدتنا حينما جاءوا به من الهند مبينا لهم أن الملائكة لن تحل في بيوتهم طالما أن هذا الصندوق الشيطاني موجود فيها لأن الملائكة لا يمكن لها مساكنة الشياطين وحين تستفرد الشياطين ببيت فذلك هو الخراب والدمار وغضب الله.

وفي مرحلة لاحقة أظهر والدي أحد دفاتره وبه قصيدة تتحدث عن خطورة »صندوق الشيطان« وضرره للشيخ أبي حميد حمد بن عبدالله السالمي وجهها لأخيه الشيخ أبي بشير محمد بن عبدالله السالمي في سياق معارضة كبرى قادها مجموعة من العلماء والشيوخ ضد وجود هذا الصندوق في منزل الشيخ محمد السالمي وكان قد أحضره إلى بيته في بدية أثناء عودته من إحدى سفراته إلى الهند ولم يستجب الشيخ لمعارضتهم وغضبهم وأبقى الجهاز في بيته, وفي الدفتر أيضا أسئلة وجهت إلى بعض العلماء حول الحكم الشرعي لهذه الآلة الجديدة وأجوبتهم عليها. وفيما كانت هذه القصائد تقرأ في تلك العشيات وقد مر أكثر من عشرين عاما على كتابتها وصلت هذه الأعجوبة فجأة إلى البلدة على غير توقع, أحضرها أحدهم لدى عودته من السفر واضطربت القرية وأهلها أشد الاضطراب لهذا الحدث المثير ولم يعد للناس من حديث سوى حديث »الروديا« كما أسموها أو ؛الإذاعة« كما نطقها الفصحاء ممن سافر واطلع. وتوافد الرجال والنساء ليشهدوا تلك الأعجوبة وليستمعوا مباشرة إلى ما تخرجه من كلام قيل أنه كلام الشيطان, وصرح والدي ومجموعة من الذين عرفوا هذه الآلة في زنجبار وبلدان الخليج أن هذه »الإذاعة« ليست سوى آلة لنقل الأخبار من أمكنة بعيدة وأنها موجودة في مصر وأن جمال عبدالناصر ذاته قد تحدث فيها بلسانه, ولكن هؤلاء لم يستطيعوا الجزم القاطع في حمى الجدل بأن النصارى لم يخفوا في بواطن هذه الآلة شيئا من خبثهم ودسائسهم التي تلحق الضرر بالمسلمين وظلت الأغلبية في ريب وقلق من أمر هذا الشيء الغريب وتنادوا لمنع صغارهم من الذهاب إلى هناك خوفا عليهم ربما من مضرة الشيطان أو خشية على عقولهم الصغيرة من أن تتأثر بالكفر وشددت الجدة التحذير ونشطت محاولاتها لمنع أهل البيت أن يسيروا إلى حيث الشيطان وصندوقه غير أن كل من في البيت ومع احترامهم لها واقتناعهم بكل حججها لم يستطيعوا مغالبة أشواقهم في التعرف على ذلك الصندوق السحري ومنع نفوسهم من التوجه لرؤيته, وفي يوم غاب فيه أبي في سفر وفي غفلة من بقية الأهل جاء دوري وابن عمي المماثل لي في العمر فتسللنا خلسة إلى منزل ذلك الرجل لكي نشاهد ونسمع ؛صندوق إبليس« العجيب واستقبلنا الرجل مبتسما مرحبا وقدم لنا بعض الحلويات التي لم نكن رأيناها من قبل, ثم أرانا الصندوق الذي كان بجانبه صندوق آخر أصغر منه أخبرنا أنه ضروري لتشغيل الصندوق الكبير فهما أخوان توأم ؛ولم يكن ذلك الصندوق الآخر سوى البطارية التي تغذي جهاز الراديو بالكهرباء حيث لم تخترع بعد فيما يبدو البطاريات الصغيرة وكانت تلك البطارية هي نفس البطارية التي نستخدمها اليوم في السيارة, وكان ثمة هوائي منصوب في السطح للمساعدة في التقاط موجات الإرسال الإذاعي يشبه الهوائي الذي استخدم فيما بعد للتلفزيون« وظل الرجل ينتقل بمؤشر الجهاز من محطة إلى أخرى وكنا نستمع إلى ما يذاع دون أن نفقه شيئا أو نستوعبه وخرجنا بعد فترة من الوقت حائرين لا ندري إن كان هذا هو ؛صندوق إبليس« أم لا ولكن نفسي كانت أكثر ميلا إلى اعتباره جهاز الشيطان مستندا في ذلك إلى تلك القصائد وإلى فتاوى جدي التي روتها جدتي وإلى الرأي الشائع في القرية ولازمتني هذه القناعة لسنوات, وتجادلت مع كثيرين حول الشيطان الذي يدخل إلى أعماق هذا الجهاز ويعبر عن نفسه من هناك بلسان طليق, وبعد أن تجاوزت هذه المرحلة وسافرت وتطورت أفكاري أصبحت صديقا حميما للراديو ومستمعا مواظبا له في محطاته المختلفة وخاصة »صوت الساحل« من الشارقة و»صوت العرب« من القاهرة و »إذاعة لندن« وأقر اليوم بأنني تأثرت كثيرا جدا ببرامج الإذاعتين الأخيرتين واستفدت كبير الفائدة مما كان يقدم منهما من السياسة والأدب والثقافة على اختلاف مشاربها, وقد راسلت هاتين الإذاعتين في فترة شبابي الأول وكتبت لهما بعض خواطري وهواجسي وتجاربي البسيطة التي وجدت مكانا في برامجهما, وكنت أنتشي طربا وأنا أسمع ما كتبته يقرأه كبار المذيعين, وغداة عودتي إلى الوطن عام 1970 ني المصادفة المحضة بدون تخطيط مسبق للعمل في الإذاعة العمانية, وكانت إذاعتنا يومها في بداياتها الأولى, فكان ذلك من غرائب المصادفات, عداء للإذاعة واشتباه في أمرها فصداقة ثم دخول إليها والعمل في أروقتها, وقد أشرت إلى شيء من ذلك في مقالة طويلة نشرتها بجريدة عمان قبل عدة سنوات.

ولا شك أن هناك حكايات كثيرة أخرى بعضها طواه النسيان وبعضها قد يطول سردها وليس فيها ما يستحق الذكر ويستوجب التوقف ومثلها يقع للكثيرين. والحق أن الحديث عن التجارب والأحداث لا ينبغي ان يكون لواحد مثلي فالذين يتحدثون عن سيرهم إنما هم الأعلام من أهل السياسة أو أهل العلم أو من هو متميز ولست من هؤلاء على الإطلاق, أقولها صادقا وجادا ولكنني أستجيب أحيانا لرغبة أخواني وربما أيضا استجابة للنفس الأمارة التي أغراها ثناء الأخوان وتمجيدهم فانطلقت تتحدث عن ذاتها متوهمة أن لديها ما يجب قوله وتلك هي مأساة الكائن البشري إلا من رحم ربي يطرب للثناء حتى يصدق ما يقوله أصحابه فيه مما ليس فيه وإلا فكيف لمثلي التقدم للحديث عن سيرته وتجربته وأي تجربة هامشية بائسة تلك?

) كعادتك دائم التواضع, والإنسان ترتفع قيمته بتواضعه وكرمه وأخلاقه النبيلة وثقافته الواسعة, ولا يختلف اثنان على تمتعك بجميع هذه الصفات. ولعلك لا تمانع أن تسرد لنا مشوار بدايتك لما بعد مرحلة الصبا.. ظروفها وتكوينها وقصصها?

)  طريق الشباب لم يكن طريقا سهلا, بل لعله أقرب إلى المتاهة التي أضعت فيها أكثر مما اكتسبت, ولم أتحصل من مساري عبر دروبها ومنعرجاتها إلا على النصب والمتاعب, ولقد رأيت وسمعت ولاحظت خلال هذه الفترة فترة الشباب الكثير الكثير فيما يخص الذات والأهل والأقربين وفيما يخص الوطن والأمة والعالم بأسره, مثلي في ذلك مثل أي مواطن عربي من ملايين أبناء هذه الأمة, وقد نسيت اليوم كثيرا مما وعيت وبقيت في النفس ربما أشياء قد لا تسمح ظروفي الذاتية أو الظروف العامة بالبوح بها وإزاحة الستار عنها في يومي الراهن على الأقل. ومنذ عامين ودعت نصف قرن من الزمن أحس بشدة ثقله على ظهري وبسخونة حرارته في دواخلي وحسبك بنصف قرن من الزمن, هذه الكتلة الضخمة من الأيام كيف لمثلي أن يطيق ضغطها الرهيب وسنوات ما بعد الخمسين التي بدأت الآن اشعر أنها الأدهى والأقسى إزعاجا وألما. إنه تيار الحياة العارم يجرفنا بعنف كما فعل الماضي إلى الخواء واللاشيء. وها أنا في هذا العمر المحمل بتراكمات البؤس أردد قول صديقي الشاعر المبدع الأستاذ هلال السيابي:

لم أنل بغيتي ولم أقض ديني

لعلاء ومطمح وفنون

تتقضى السنين عاما فعاما

دون ذكرى يا ضيعة للسنين

أتلقى الأيام والقلب وار

والحنايا في زفرة وشجون

*أشرت في حديثك لكثير من الكتب التي تعرفت إليها منذ بداية صباك, ما هو الكتاب الأدبي الذي سحرك أكثر من غيره?

* الكتاب الذي أغواني وسحرني اكثر من غيره في صباي كتاب ؛ألف ليلة وليلة« ولم يكن ذلك الكتاب من مقتنيات عائلتنا ولا كان من الكتب المسموح بدخولها إلى بيوت العائلة لأنه من الكتب التي لا يليق بالمحترمين من الناس مطالعتها ولم أكن قد سمعت باسم هذا الكتاب من قبل أن أراه, ولكني سمعت بعض بني عمي الكبار يتحدثون مرة فيما بينهم عن كتب توجد عند فلان من الناس من أهل البلدة من غير نوع الكتب التي في بيتنا وأنها ممتعة وبها قصص مشوقة, ولما كنت في تلك الفترة أهيم في الكتب وأعشق القراءة توجهت فورا إلى بيت ذلك الرجل, وكان هو من محبي السفر لا يكاد يستقر في القرية حتى يعاود السفر إلى أن مل فجنح إلى الاستقرار وأصبح معلما للقرآن في وقت لاحق, وهذا الرجل يدعى راشد بن علي الفلاحي وهو ذاته الذي جاء بالراديو إلى القرية لأول مرة وأحدثت من الأمر ما أحدثت كما قصصنا قبل قليل وحينما طلبت منه رؤية الكتب التي عنده فوجئت بتلك الكتيبات الكثيرة بعناوينها القصصية المغرية »حكاية إبليس« »قصة اللص والثعلب« »قصة السارق الحكيم« »قصة العجوز وبناتها« »حكاية الجني والملك« »حكاية الكنز« وعشرات أخرى من هذه القصص والحكايات بعضها من التراث كمثل »قصة معاذ بن جبل« وقصة »الملك النعمان بن المنذر« وبعضها لعلها من الخيال المتوارث, وقد أدهشتني هذه الأقاصيص وكانت فتحا جديدا بالنسبة لي وظللت أستعيرها الواحدة تلو الأخرى, كلما أعدت واحدة أخذت أختها, وقد أنهيتها كلها في ظرف أيام أو أسابيع قليلة, وتنبه الرجل إلى نهمي الشديد للقراءة ولعله قال في نفسه إن هذا لا يشبعه سوى شهرزاد تلك التي تجعل القصص تتوالد من بعضها حتى لا تكاد تنتهي, وهكذا أعطاني الجزء الأول من ؛ألف ليلة وليلة« وكانت الطبعة التي عنده تتكون من أربعة أجزاء , وهناك دخلت عالم ألف ليلة وليلة المدهش الممتد إلى ما لانهاية والمتشابك والمتداخل في عوالمه وأشخاصه وحركته العجيبة الآسرة, وفيه غرقت حتى لم أعد أشعر بشيء من عالم الحياة من حولي سوى ذلك العالم الممتلئ بالسحر والأساطير والمعجزات والغرائب والحوادث, وقد اكتشف أبي الكتاب فأعاده إلى صاحبه طالبا منه عدم إعارته لي مجددا ومحذرا إياي في الوقت نفسه من قراءته ولكنني استعرته مرة أخرى وخبأته بحيث لا يراه والدي وواصلت قراءة أجزائه حتى النهاية, ثم كررت قراءته مرة ثانية كما لو أنني أستظهر متنا من المتون, وقد فتنني ألف ليلة وليلة فتنة لا مزيد عليها وأدخلني في طور آخر من أطوار حياتي ولقد قرأت بعده المئات من الكتب ولكنني ما أزال أشعر حتى اليوم بخيوطه العنكبوتية المتشابكة تتشرنق في أعماق نفسي.

*عاصرت الكثير من الشخصيات العمانية والعربية في النطاق الأدبي, فمن هم أكثرها ممن أثر في شخصيتك?

* من الشخصيات العمانية التي عاصرتها وتعرفت عليها مباشرة وتأثرت بها بشكل أو بآخر أستطيع ذكر أسماء الشيخ محمد السالمي والأستاذ عبدالله الطائي والشيخ إبراهيم العبري والشيخ سالم بن حمود السيابي والشيخ عبدالله بن علي الخليلي والشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي والشيخ سعيد بن حمد الحارثي والشيخ سالم بن حمد الحارثي والشيخ أحمد بن حمد الخليلي والأستاذ عبدالله بن صخر العامري والأستاذ هلال بن سالم السيابي والأستاذ محمد أمين عبدالله وأسماء أخرى كثيرة ممن عايشناهم وخالطناهم وأخذنا منهم أو تأثرنا بهم بصورة من الصور ومع الفرق بين واحد وآخر في حجم التأثر ونوعه وآخرون كثيرون عاصرناهم أو أدركنا سنوات حياتهم الأخيرة  ولكننا لم نلتق بهم مباشرة وإنما أثروا فينا أيضا من أمثال المشايخ العلماء خلفان بن جميل السيابي وحمد بن عبيد السليمي ومحمد بن سالم الرقيشي وأمثالهم والتأثير هنا إنما كان عبر مؤلفاتهم وكتبهم وأشعارهم وما نسمعه عنهم أما من غير العمانيين فقد قرأت للكثير من أعلام الأدب الذين كانوا يملأون الساحة العربية ولعل من أبرزهم د.طه حسين و د.أحمد زكي ود.أكرم زعيتر ود.شاكر مصطفى ود.سهيل إدريس والأستاذ نقولا زيادة والأستاذ محمد حسنين هيكل, وشعراء العربية الكبار امثال أبو ريشة والقروي وقباني والبردوني وإبراهيم العريض وقد التقيت بهولاء الثلاثة الأخيرين وتحدثت إليهم, ومن الروائيين نجيب محفوظ والطيب صالح وعبدالرحمن منيف وأمين معلوف وجمال الغيطاني ونبيل سليمان ويوسف القعيد, ومن النقاد صلاح فضل وعبدالقادر القط وجابر عصفور ورجاء النقاش ومحمد يوسف نجم وإحسان عباس ومحمد بنيس وأحمد درويش وعلي شلش وجبرا إبراهيم جبرا وقد سعدت بالتعرف عليهما ومجالستهما قبل رحيلهما, ومن أصدقائي الذين اقتربت منهم د.علوي الهاشمي والأستاذ إبراهيم غلوم وكثير غير هؤلاء ولعلني أزعم أنني انجذبت أكثر ما انجذبت للدكتور طه حسين والدكتور أحمد زكي والأستاذ هيكل ولم ألتق بأي منهم وعلى العموم فمن الصعب علي اليوم التحديد الدقيق وما زلت حتى اليوم أقرأ وألتقي بأصدقائي من الكتاب وهذه القراءات وهذه اللقاءات تضيف إلي جديدا وتثري معرفتي وثقافتي.

*سافرت إلى الكثير من البلدان وعملت في بعضها في المجال الثقافي, إلى أي مدى ساعدك هذا في تنمية رؤاك الثقافية?

*السفر في حد ذاته ثقافة, وإذا زرت بلدا من البلدان فأنت تكتسب معرفة إضافية مما تراه هناك من المآثر القديمة والمتاحف أو من الحركة الاجتماعية والتعرف على خصوصيات ذلك البلد وأهله وخاصة إذا أتيحت لك الفرصة للإلتقاء بالكتاب والمثقفين والفنانين, وهذه هي تجربتي الخاصة فمن كل بلد أزوره أخرج بكمية كبيرة من المعرفة تضاف إلى رصيدي, ولقد زرت حتى الآن معظم بلاد الوطن العربي مشرقا ومغربا وبقيت فقط أربعة بلدان أو خمسة لم أزرها, وزرت الكثير من بلاد العالم وتشرفت بلقاء نخبة من أعلام الكتابة والأدب العرب, ومع بعضهم تكونت لي صداقات وأواصر أعتز بها, وكما تفضلت فقد أتيح لي العمل في الملحقية الثقافية في كل من البحرين ومصر واستفدت أكبر الاستفادة من وجودي في هذين القطرين العربيين العريقين, فقد عشت في مصر ما يقرب من خمس سنوات, والبحرين أكثر من ست سنوات, وتعرفت على كثير من الأكاديميين والإعلاميين والتربويين وأهل الثقافة والفن وأعلام المبدعين وحضرت مئات من المحاضرات والندوات والمعارض وعروض المسرح والسينما والموسيقى, وكل ذلك أكسبني مزيدا من الثقافة والمعرفة وساعد من غير شك في إنماء ثقافتي واتساع الوعي لدي وتطور أفكاري ورؤيتي.

*كنت من أوائل الذين ساهموا في تحرير مجلة ثقافية في البلد وهي مجلة (الغدير).. ما هي قصة هذه المجلة وهذا المشروع الطموح.. كيف تكونت الفكرة الأولى.. وكيف نفذت.. ثم لماذا إنقطع المشروع ولم يستمر?

*قبل مجلة »الغدير« كانت هناك مجلة »الثقافة الجديدة« التي كنا أصدرناها عام 1974 خلال »النادي الوطني الثقافي«, وقد قام على تأسيس ذلك النادي في منطقة »العريانة« بمدينة مطرح مجموعة من المهتمين بالشأن الثقافي وكنت أحدهم, وعندما تعثرت مسيرة هذه المجلة وتوقفت بعد ذلك بتوقف النادي تزامن ذلك مع مبادرة تأسيس »نادي المضيرب« بولاية القابل في المنطقة الشرقية ولما كنت أحد المبادرين والمؤسسين لهذا النادي فقد كنت أتطلع لفعل ثقافي يؤديه إضافة لنشاطه الرياضي, وقد تم ذلك فعلا وبدأ النادي يولي الأنشطة الثقافية عناية خاصة قياسا لغيره من الأندية.

وكانت تجربة مجلة »الثقافة الجديدة« حاضرة في الأذهان وجرى الاقتراح باقتفاء خطاها وتكملة مسيرتها وتم إصدار مجلة »الغدير« وكانت مجلة متواضعة يحررها الشباب أنفسهم وقد استطاعت هذه المجلة الإستمرار لعدة سنوات وفتحت صفحاتها للشباب الراغب في الكتابة, كما استطاعت استقطاب الشعراء والكتاب الكبار. ولا شك أنها قد سدت فراغا في تلك المرحلة رغم بساطة شكلها وإخراجها ومضمونها وقلة صفحاتها, وكانت محاولة طيبة في العمل الثقافي ومساهمة محمودة بين مساهمات أخرى, وقد كتبت في صيف عام 2000 مقالة عن هذه المجلة نشرت في ملحق »عمان الثقافي« تعطي بعض الإيضاح عنها.

* في أي سنة بالتحديد صدر أول عدد, وكم نسخة كانت تصدر? وما مجموع الأعداد التي صدرت فيها? وما  الأسماء العمانية التي كانت تكتب فيها?

*  صدر العدد الأول من »الغدير« في نوفمبر 1977م وصدر آخر عدد منها في يونيو 1984م وكان عند العدد السابع والسبعين أي أنها استمرت لمدة ستة أعوام ونصف العام, وكانت في سنتها الثانية تصدر في حدود ألف وخمسمائة نسخة, وعند توقفها كان الإصدار قد وصل إلى ثلاثة آلاف وخمسمائة بزيادة تجاوزت الضعف, وكان ذلك خير دليل على القبول الذي أحرزته تلك المجلة ورغبة الناس فيها بالرغم من بساطتها وحالها المتواضع, ولكن سمة التلقائية والعفوية والأخذ من كل شيء بطرف وطرق موضوعات لم تكن تطرق في الصحافة في ذلك الوقت فيما يخص الداخل العماني أو المحيط العربي بعيدا عن السياسة وتعقيداتها في الغالب وتركيزا على الثقافة بكل ألوانها بما فيها الجوانب الدينية والتاريخ والشخصيات والأدب والفن والرياضة والحوارات والمساجلات. وقد كتب في هذه المجلة أغلب إن لم نقل كل أعلام العلم والثقافة والأدب والفكر في عمان ابتداء من العلماء الكبار الشيخ سالم بن حمود السيابي والشيخ أحمد بن حمد الخليلي وأمثالهما من الفقهاء, وفي الأدب كان هناك الشاعر الكبير عبدالله الخليلي الذي كان يوالينا بقصائده أولا بأول بالاضافة إلى الشعراء والكتاب الآخرين الشيخ هلال السيابي وابو سرور والشيخ سليمان الخروصي والشيخ أحمد بن عبدالله الحارثي وسالم الكلباني وسعيد الصقلاوي وهلال العامري وذياب بن صخر ومحمود الخصيبي وغيرهم, ومن الأدباء الشباب الذين بدأ تألقهم من خلال صفحات ؛الغدير« زاهر الغافري وصالح العامري وعبدالله الريامي ومحمد الحارثي ومبارك العامري وغيرهم من جيل الشباب. وفي العموم كانت المجلة تجربة مهمة أسهمت بقسط لا بأس به في تحديث الكتابة والثقافة وتجديد الرؤى والأفكار وفق الإمكانات المتاحة والظروف القائمة, وعلى الرغم من بساطة التجربة وتواضعها إلا أنها قامت بدور لا يمكن نكرانه وعندما يؤرخ للحياة الحديثة في عمان وللصحافة بشكل خاص فإن تجربة ؛الغدير« ستكون حاضرة هناك بإيجابية أيا كان مستوى ذلك الحضور.

*  كتبت الشعر.. لماذا لم تواصل.. لماذا لم تكن شاعرا?

*  أحببت الشعر منذ نعومة أظافري ومازلت, وفي الزمن الذي ظهرت فيه في عمان كان علامة المثقف المتميز هو أن يكون شاعرا أو على الأقل لائذا بحمى الشعر مستظلا بأغصان شجرته. ولقد حاولت من البداية السير في ركب الناظمين مقلدا في أول الأمر ثم مجربا بعد ذلك ولكنني لم افلح في الحصول على الجيد من الشعر ولم تسعفني موهبتي بما يرضيني فآثرت التوقف مثلي مثل ذلك الذي قال في زمن مضى »نأبى رديئه ويأبانا جيده« وتستفزني المواقف أحيانا فأقول شيئا أعود إليه بعد حين فأراه يستحق التمزيق أو الإهمال, والشعر بحر عميق لا يستطيع صيد لآلئه إلا الغواص الماهر القدير, ولم أكن كذلك.

* كثيرا ما تتعمق رؤيتك للشعر وفي عشقه أيضا, ما هو الشعر بالنسبة لك.. ومن هو الشاعر الذي أحببت شعره كثيرا.. عربيا و محليا ?

* أما الشعر بعامة من وجهة نظري فهو نسمة الهواء التي لا يمكن لحياة أن تكون بدونها, وأما أن الشعر رسالة فذلك هو الأقرب إلى تفكيري ولكن دون التخلي عن الفن, وقصدي بكونه رسالة أن يكون مع الناس وليس ضدهم, أن يعبر عن مطامحهم وأشواقهم ومطالبهم ومشاعرهم وليس بالضرورة أن تختفي منه العواطف والغنائيات التي بدونها يصبح الشعر جافا يفتقد الروح والنداوة والرقة, وإذا كنا نريد شعرا لا يكون ضدنا ومع عدونا فإننا لا نريده غبارا أهوج ينفخ بكلمات لا حياة فيها بل نريده غمامة مليئة بالمطر وبالهواء المنعش تخصب نفوسنا وتبهجها, نريده سماء وأرضا هي أرضنا وسماؤنا المحملة بمشاعرنا وعواطفنا كيفما كانت للذات أو للمجموع, للوطن أو للمرأة, للانتماء أو للحب تظهر فيه قضايا الوطن والأمة, ولا تغيب عنه إخفاقات القلوب وانبهار العيون بالوجه الحلو والمشهد الجميل.

أما الفن للفن فلا وأما أن الأوطان تحترق والشاعر ليس لديه سوى التغني بليلاه فلا نعم للشعر يحتضن هموم الأوطان ويعتلج بآلام الأمة دون أن تغيب عنه اختلاجات النفوس ونبضات المشاعر فتلك هي الحياة تمضي بجانبيها, والشعر هو المرآة لحال أمته كما نرى في أشعار العرب القدماء الذين تأسس الشعر على أيديهم وحتى شعراء العالم الكبار الذين يشار إليهم من أمثال فولتير وطاغور وناظم حكمت ولوركا وغيرهم ممن كان شعرهم يعبر عن ذواتهم وعواطفهم الخاصة وعن هموم أوطانهم ومجتمعاتهم وأممهم. ثم أنني أحب الشعر واضحا صافيا صفاء الماء العذب ولا أحبه غامضا مكللا بالغبار والأدخنة والضباب أحبه كلمات وجمل تأخذ مني بعض الوقت كي أستبين مقاصدها وأحبه صورا باهرة اتأملها ثلاث مرات أو أربع لأستجلي ملامحها وتفاصيلها, أما الدوران في الألفاظ والكلمات والصور التي لا ملمح لها, والنقاط وعلامات الاستفهام والتعجب حيث لا استفهام ولا تعجب فذلك مما لا أستسيغه ولا أفهمه.

أما الشاعر الذي أحببت شعره أكثر من سواه, فإن كنت تقصد مطلق الشعر العربي فهو »المتنبي« من غير استغناء عن الآخرين, وأما إن كنت تشير إلى عصرنا فكثير منذ البارودي وشوقي وانتهاء بالبردوني ومحمود درويش مرورا بالرصافي والقروي وبدوي الجبل والأخطل والسياب والجواهري وأبو ريشة ونزار قباني وعشرات آخرين ولنزار قباني عندي منزلة خاصة ولدي حول شعره نظرة قد لا يوافقني الكثير عليها, وأما على المستوى العماني فالشاعر الأول أبو مسلم الرواحي, وقد ظل شعره يمد سحائبه على الشعراء العمانيين لما يقرب من قرن من الزمن ولا يزال, والثاني هو عبدالله الخليلي الذي كان أبو مسلم تحديه الأكبر وقد هيمن هو الآخر على كل أجيال الشعر التي جاءت بعده. وهذان هما الأبرز مع الفارق بينهما بين متبوع وتابع, والمتبوع هو أبو مسلم والتابع الخليلي, أما غيرهما فلا شك أن هناك مئات تتفاوت مراتبهم بين سابق ومن يليه, وتتقارب أحيانا أو تتباعد. ابن شيخان, أبو سلام المر بن سالم بن عبدالرحمن الريامي, أحمد بن عبدالله الحارثي, هلال السيابي وعشرات لكل منهم ميزته. هذا عن المحدثين وأما القدماء فهناك النبهاني والستالي والكيذاوي واللواح, والأقدم من هؤلاء كعب بن معدان الأشقري وابن زوزان الصحاري وإن لم يؤثر عنه سوى مقطوعة واحدة أوردها ياقوت الحموي في معجمه, وابن دريد والخليل, ولا شك أن هناك من كان قبلهم ومن جاء بعدهم في القرون التي تلتهم مباشرة وللأسف لا يوجد الكثير من الشعر العماني القديم والوسيط, وعمان هي إحدى منابت العرب الأولى والشعر هو لسان العرب, ولعل أشعار العمانيين قد أضاعتها الحروب والنزاعات وإهمال الرواة لها لأغراض مذهبية أو عرقية ويبدو أن قلة الشعر في عمان مسألة أثيرت منذ وقت مبكر حيث أبدى الجاحظ انزعاجه الشديد من هذه المقولة »ولربما سمعت من لا علم له يقول ومن أين لأهل عمان البيان وهل يعدون لبلد واحد ما يعدون لعمان من البلغاء والفصحاء« وعلل أحد القدماء أن الخطابة في أهل عمان والشعر في  أهل البحرين, ولا شك أن المقطوعات والقصائد القليلة المتناثرة التي وصلتنا من جميع العصور تعطي إشارة واضحة عن الشعر في عمان, ولكن لعل شعر عمان أصابه ما أصاب  تاريخ عمان من قلة التدوين واحتراق كثير من الدفاتر المدونة في الحروب والفتن ونهب الغزاة وإعراض كثير من المهتمين بالتاريخ والأدب عن عمان وأعلامها بسبب التعصبات العرقية والمذهبية كما لاحظ ذلك العلامة عز الدين التنوخي الدمشقي الذي أبدى استغرابه من خلو يتيمة الدهر في كل أجزائها من شاعر عماني واحد, ويضاف إلى ذلك عزلة عمان وبعدها الجغرافي, وكذلك كان كثير من العلماء أكبر همهم تدوين الفقه وعلوم الدين باعتبارها العلوم الأخروية النافعة وإهمالهم التام للتاريخ والأدب وقد ثبت لدينا الآن أن عددا من الشعراء قد مزقوا أشعارهم وأحرقوها حينما تقدم بهم العمر لأن بها غزليات وأمورا دنيوية لا يصح للمقبل على ملاقاة ربه أن يجعلها ضمن أعماله وبعض تلك الأشعار مزقها الأبناء زهدا أو رغبة في الآخرة لأن بها أشعار الغزل واشعار الفخر والمديح, وثمة نماذج معلومة ومعروف أسماء أصحابها من المتأخرين فعلوا هذا الفعل فما بالك بالقدماء الذين كانوا أكثر زهدا وتحوطا, بيد أن هناك مما تبقى ما يكفي ليدل الباحث ويفتح أمامه الطريق.

* إذن أفهم بأنك لا تستسيغ شعراء الحداثة ?

*  لست ضد أي كتابة أو تجربة مهما كانت مغايرتها ومباينتها للسائد والمألوف بل إنني مع الجديد دوما وبقوة ومن دعاة إفساح المجال لكل التجارب والمحاولات مهما بدت غريبة ومفاجئة, علينا أن ندع -كل الزهور تتفتح- كما يقال وأن لا نضيق بشيء فالساحة بها اتساع للجميع بشرط ألا يجيء من يجيء لإلغاء أحد فبقدر ما نرحب بكل جديد بقدر ما نعلن رفضنا القاطع لاجتثاث القديم أو تهميشه وأرى في الساحة كثيرا من اللغط والكلام الكثير وكأن ثمة حربا طاحنة تشتعل لابد أن ينتصر فيها خصم على خصمه والإستيلاء على أرضه, وأنا بالتأكيد ضد هذه المعارك – الدانكشوتية – المتوهمة. الكتابة فيها متسعة للكل والموهبة القوية والأصيلة ستثبت وجودها وستشق طريقها وأما الإدعاء الفارغ فسيذهب مع الريح. وأما أن القافية جعجعة فارغة من غير طحين وأن كتابة النثر هي الأقوى والأهم والأكثر تعبيرا فلست مع هذا الرأي وليس الأمر كذلك, والأهم والأكثر تعبيرا بلغة العصر وذوقه هي الكلمة القوية البليغة الصادرة عن نبع فوار لا يغور ماؤه أيا كان الشكل الذي ظهرت فيه, ولا أفهم كثيرا في الحداثة فأنا رجل تقليدي كلاسيكي وثقافتي وتجربتي كانت على هذا النحو, بيد أنني استمتع كثيرا بمحمود درويش وجبرا ابراهيم جبرا وعبدالرحمن منيف والماغوط وسيف الرحبي والمقالح, كما استمتع بقراءة نجيب محفوظ وجمال الغيطاني وحنا مينا وسهيل ادريس وبدوي الجبل وشوقي والسياب والجواهري والأخطل الصغير ونازك الملائكة وفدوى طوقان وعبدالله العروي والمسعدي وأحمد زكي وغيرهم سواء بسواء, ولكنني لا أفهم الغموض والجمل التي لا تدرك معانيها والكتابة التي لا يمكن تصنيفها وفهم سياقها ومقاصدها.

* هلا حدثتنا عن صداقتك للشاعر الكبير عبد الله الخليلي? متى بدأت جلساتك معه? عن أشعاره?

* علاقتي بالشيخ عبدالله الخليلي كانت علاقة تلميذ بأستاذ, وقد عرفته ربما في عام 1974 واستمرت العلاقة بعد ذلك وازدادت تطورا وقد اقتربت منه كثيرا واستفدت من لقاءاتي به وجلساتي معه عظيم الفائدة, وكان رجلا واسع المعرفة والإطلاع وخاصة في التراث وكتب الأدب والتاريخ ودواوين الشعر القديمة بالإضافة إلى ثقافته الفقهية والدينية وإلمامه الكبير باللغة العربية وصرفها ونحوها وجذور كلماتها. وكان محدثا بارعا وجليسا مؤنسا يخجل جليسه بتواضعه ودماثة خلقه, وكان من ذلك الجيل الأصيل في ثقافته وفي سماحة نفسه وعلو أخلاقه, وأما أشعاره فهي التي تحدث عن نفسها وهي جزلة قوية تنبع من موهبة غزيرة وتضارع قصائده قصائد الفحول من كبار الشعراء, وقد غطت شاعريته الساحة العمانية لأكثر من نصف قرن, ولقد قلت من قبل وأعيد اليوم أن شاعرا كهذا لو شب ونشأ في دمشق أو القاهرة أو بغداد لكانت منزلته بجانب الجواهري وأمثاله من كبار شعراء العربية المعاصرين, وأزعم أن مجال التصوف والروحانيات ومجال شكوى الدهر هما الأبلغ والأقوى في أشعاره لأنه في هذين المجالين ينسكب بتدفق وتلقائية وتأتي قصائده فيهما من أعماق نفسه معبرة عن أحاسيسه ومشاعره الروحية وعن أنين ذاته المتألمة لوقوف الدهر أمام طموحاتها البعيدة والحيلولة بينها وبين ما ترنو إليه وترى أنها مستحقة له. ولا شك أن بحر شعره الواسع ينتظر الدارسين والباحثين لإبرازه وإظهاره وتحليل مراميه وأبعاده وقوته وضعفه, وهو في النثر أيضا مبرز كما هو في الشعر, ونثره لا يقل روعة وبيانا عن شعره فهو الأديب المطبوع شاعرا وناثرا.

* لك الكثير من المقالات والآراء المنشورة في الصحف العربية والمحلية.. لماذا حتى الآن لم تنشر كتابا يضم هذه المقالات?

*  لقد اقترح أصدقاء جمع تلك المقالات ونشرها في كتاب وما زلت أتردد في الإقدام على خطوة كهذه لعلني أتخوف من ألا تكون هذه الكتابات في مستوى يؤهلها للنشر ومازال الأمر قيد التفكير والنظر, والمقالات متنوعة المضامين والأغراض ولا يجمعها في الغالب هدف واحد إلا أن توزعت وجزئت, وعلني قد أغامر باختيار مجموعة منها تتقارب موضوعاتها بعد التشاور مع الأصدقاء.

*  هل هناك مشروع كتاب لسيرتك الذاتية?

*  وهذا أيضا من المشروعات التي يراودني شأنها منذ سنوات ويلح أصدقائي في أمرها, وقد جمعت مادة لا بأس بها من الوثائق والشهادات عدا ما هو في ذاكرتي مما سمعت به أو اطلعت عليه, ولكني حين أنظر إلى الحال من جانب آخر أسأل نفسي إن كان يحق لمثلي إصدار سيرة ذاتية وما أنا إلا مواطن عادي مثله مثل ألوف الناس من أبناء هذا الوطن وهذه الأمة, فالذين ينتظر منهم عادة كتابة سيرتهم هم أهل السياسة من الزعماء والوزراء والسفراء  أو ذوو المكانة والتميز من العلماء والشعراء والكتاب والمفكرين والأكاديميين الكبار, ولست واحدا من هؤلاء, وإذن فلماذا أكتب سيرتي إنها حالة تحيرني ويستهويني أحيانا أن تكون لي سيرة مكتوبة منشورة بين الناس تجعلني – ولو بالتوهم – أحد الأعلام المعدودين ومع ذلك فالأمر ليس سهلا وثمة أشياء لعله من الصعوبة الإقتراب منها أو التفصيل فيها وأمور لا يصح فيها التلميح والاشارات البعيدة وقضايا شائكة وملتبسة لابد من التوقف معها واستجلاء خفاياها وأحوال مرتبطة بأخرى يؤدي دق المسامير فيها إلى تداعي جدرانها وربما جدران تقف خلفها وحكايات كثيرة فيما يتعلق بالذات والوطن والأمة قد لا تتيسر مناقشتها كما يجب, وربما كانت الرؤية حول بعضها غير واضحة ويكتنفها الضباب, وعلى أية حال فالفكرة مازالت قائمة.

* كيف تنظر لمسيرة تاريخ النثر العماني..أقصد الكتب القديمة عن عمان.. أدب.. سياسة.. تاريخ.. إلخ?

*  النثر العماني منه الخطب والرسائل والمقطوعات الانشائية التي يمكن إدخالها ضمن النثر الفني الأدبي, وهذه ماتزال متناثرة في ثنايا الكتب المختلفة ولم تبذل أي جهود حتى الآن في التعرف عليها وتلمس أمرها فضلا عن دراستها وتحقيقها وجمعها ومساءلتها. أما الكتب فهي كثيرة العدد وأغلبها في الفقه وبعضها مطولة جدا بلغت مجلداتها الأربعين والخمسين وربما أكثر وإلى جوانب الفقه ربما احتوت تلك الموسوعات على بعض الخطب والرسائل والمكاتبات والوصايا والنصائح وغير كتب الفقه هناك التاريخ والأدب وعلم اللغة وكتب الطب, وإن كان الفقه هو المهيمن. وعندما تدرس هذه الكتب دراسة علمية حديثة على ايدي أخصائيين متمكنين فلا شك ستظهر منها أمور كثيرة وعمان غنية في هذا المجال بصورة واسعة والأمر يحتاج إلى جهد مؤسسات وإلى أموال ترصد وإلى خطة دقيقة تنفذ على عشر سنوات أو أكثر, وما يزال الكثير من هذه الكتب مخطوطات مخبأة في الصناديق أو في المخازن في بيوت أصحابها الذين يضنون بها حتى أن يراها احد ولعل كثيرا منها أيضا قد خرج من عمان وتوزع على مكتبات ومتاحف العالم ويجب أن نسعى لتصويرها إن تعذر إستعادتها.

*  وماذا عن مسيرة تاريخ الأدب العربي?

* ذلك شيء تصعب الإحاطة به في جواب سؤال, والأدب العربي قدم إسهامات مهمة في مسار الآداب العالمية ولا يمكن تصور حركة الأدب في العالم على مختلف المراحل والسنين بدون الأدب العربي بشعره ونثره وإبداعاته على اختلافها, وقد كتب عن ذلك العشرات من مؤرخي الأدب ودارسيه في لغات العالم الحية من أسبانية وإنجليزية وألمانية وفرنسية وإيطالية, بالاضافة إلى لغات الشرق اليابانية والصينية والهندية والفارسية وغيرها. وقد ترجمت الآداب العربية إلى هذه اللغات ونشرت وطبعت كثير من الدواوين والروايات ولا يزال الأدب العربي يلقى رواجا في كثير من عواصم العالم وجامعاته ومراكزه العلمية وتقام بشأنه الندوات والمؤتمرات ويثير المزيد من الإهتمام لدى القراء وفي أوساط الباحثين والدارسين سواء كان ذلك للأدب القديم ابن خلدون والمعري والمتنبي والتوحيدي أو الحديث شوقي والجواهري ونزار ومحمود درويش ونجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وسعد الله ونوس وسواهم, دعك من الأدب المكتوب أساسا بلغات أجنبية كروايات الطاهر بن جلون وأمين معلوف وأمثالهما ممن أن يكتبوا بلغات غير العربية.

* أنت من أوائل المثقفين من طالب بإنشاء جمعية للكتاب العمانيين.. كيف كانت الفكرة لهذا المشروع?

* نعم لقد ناديت بهذا التجمع وسعيت له منذ النصف الثاني من السبعينات وتحدثت في شأنه مع عديد من المسؤولين وكذلك مع الكتاب والمثقفين الذين أعرفهم وتربطني صلة بهم, ولعلني لست الوحيد أو الأول الذي سعى إلى مثل هذا السعي بل أظن أن هناك غيري راودته هذه الفكرة وعبر عنها. وقد وعدني أحد كبار المسؤولين بالمساعدة لو أني استطعت جمع تواقيع ما لا يقل عن عشرين من الأدباء في رسالة منهم تتضمن هذا الطلب مرفقة بلائحة تحدد الأهداف والأغراض وطبيعة الأنشطة وتنظيم الإدارة وقد قمنا بذلك واستعنا بلائحة رابطة الأدباء الكويتية ولائحة أسرة الأدباء البحرينية وانتقينا منهما ما يتوافق مع طبيعة ظروفنا ووضع الأدباء توقيعاتهم وكان في مقدمتهم الشاعر الكبير الشيخ عبدالله الخليلي وكتاب آخرون من المخضرمين أو من الشباب ولكن لمحاولة لم يكتب لها النجاح على الرغم من تقبل بعض المسؤولين للفكرة والوعد بدراستها والنظر فيها. والمجال اليوم مفتوح لسعي كهذا بعد أن صدر قانون الجمعيات, وعلى كتابنا المبادرة في تكوين جمعيتهم مثلهم مثل بقية الجمعيات الأخرى التي أخذت تظهر ويتوالى إعلانها, وجمعية كهذه هي التي ينتظر أن تلم شمل الأدباء وتجمع شتاتهم وتكون عنوانا لهم في داخل البلاد وخارجها وهي اكثر من ضرورية ولابد منها.

*  ما تقييمك للأدب العماني الحديث ?

* لا أملك الجرأة لأعطي تقييما للأدب العماني ولم أصل بعد لمستوى كهذا ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه ولكني من خلال متابعتي وملاحظتي أستطيع الرد على سؤالك طالما أنك سألتني. رؤيتي لأدبنا الحديث إيجابية وانطباعي عنه جيد وقد بدأ يبرز ويظهر, وصدرت العديد من المجموعات الشعرية والقصصية لعدد من مبدعينا أظنها كانت بمستوى طيب وتعطي إشارة عن التطور الواضح. أما الرواية فلعلها ما تزال في خطواتها الأولى ولكننا نلحظ كذلك أن ثمة تجارب قد صدرت كان لها صداها وأن تجارب أخرى تحت الإعداد اطلعنا على شيء من فصولها مما نشر أو ما عرضه علينا بعض الكتاب وهي ذات مستوى متقدم من حيث اللغة أو من حيث المعالجة وأظن أننا سنشهد قريبا خلال سنتين أو ثلاث صدور مجموعة من الروايات وكذلك الشأن بالنسبة للدراسات وقد صدر بعضها وآخر لعله في طريقه للصدور وأغلب هذه الدراسات لشبابنا الأكاديميين من جيل الجامعة ومعظمها أعدت لنيل درجات علمية مما يساعد  في اعتبارها مراجع أساسية نظرا للدقة التي تتطلبها الدراسات الاكاديمية عادة, وهكذا تجدني لست قلقا حيال الأدب العماني وانتشاره وتطوره على مختلف صنوفه وأشكاله بل أراني في تفاؤل وتطلع وأمل وإن كان ثمة خشية من شيء في هذا المجال فهي من المتطفلين المدعين ولكن الذي يطمئن أن هؤلاء قلة وان الأكثر هم أهل الابداع الحقيقي وأهل البحث والجدية فيه, وفي النهاية لن يصح إلا الصحيح.
 
أجرى الحوار: يحيى سلام المنذري كاتب من سلطنة عمان

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …