خالد درويش في «موت المتعبد الصغير» إعلان موت السرد إحياء للغة الشعر

عندما أطلق الفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا تفكيكيته تحدث عن فك الارتباط العضوي الاعتباطي بين الدال والمدلول واستبدله بلعب الدوال الحر (free play of signifiers) ناسفا ما وصفه مركزية اللغة المتعالية (metalangauae) وتحكم المسمى بقدرة الأسماء لا على الدلالة فقط بمعنى الإشارة والمرجعية بل حتى على مستوى الإيحاء ليعطي بذلك فضاء مفتوحا من التفاسير تلقفه الناقد الأمريكي بول دومان بقوله «إن كل قراءة هي قراءة خاطئة»..أي أننا أمام نصوص تشفيرية تحتاج إلى أدوات خاصة لتفكيكها وبالتالي إحالتها إلى منطق القراءة المألوفة.
لا أجد مبالغة في القول أن رواية «موت المتعبد الصغير» تثبت هذه المقولة كونها دخلت فضاء التجريب على مستوى اللغة وصولا إلى حد المغامرة بمنطق السرد والحكاية لصالح اللغة المتحررة من أي قيود رغم أن في ذلك مخاطرة لحشر النص أمام خيارين: التبسيط في عرض الحدث والتعقيد في مستوى التعبير عنه فكانت المعادلة صعبة التحقيق التي يفترض بالمنطق الروائي أن يستجيب لها كي يضع القارئ أمام شكل تقليدي ملتزم بمفهوم الزمن التاريخي لا الزمن الافتراضي التجريبي الذي يعتمد مقص الكولاج في قص وإعادة تركيب الزمن قياسا مفصلا للحالة الشعورية من خلال فكرة المونولوج والفانتازيا وأسطرة التعابير العادية بل وتشفير الأرقام.
غير أن هذا الفضاء التجريبي الواسع بقدر ما هو رحب بقدر ما هو مستعصٍ لا لأنه يتمرد على تسلسل الحكاية بمعنى السرد فقط بل لأنه يعيد انتاج الشخصية المألوفة روائيا بطريقة «المخيلة غير المألوفة» أي بتغريب الشخصيات عن محيطها الطبيعي مكانا وزمانا والقفز بها إلى عوالم داخلية قد لا يستسيغها القارئ غير المدرب.
ما يشد في رواية المتعبد-وهي الأولى لمؤلفها كما علمت-أنها تستفز اللغة إلى حد الجنون الأقصى مدمرة الفواصل بين الجنس والدين والوطن في إطار مفهوم التاريخ المتبدل حتى على مستوى المدلول الأخلاقي لهوية قومية كانت ولا تزال محط تصور مثالي أوله الشهادة الجسدية والشهادة الأخلاقية، وبالتالي فإن مجرد نسف الأسس التقليدية للمفاهيم الثلاثة في إطار هذه الهوية المثالية هي في الحقيقة جرأة خطيرة قد لا يغفرها الكثيرون من القراء للكاتب لاسيما وأنه قدمها في جو من الفانتازيا الموغل في التخيل والبعد عن الوصف المادي للحبكة التقليدية المعروفة.
ولعل أولى سمات التجريب في نص الراوية-التي لا أظنها تحمل صفة الشعبية الجماهيرية لأسباب عديدة- أنها تفرض على القارئ طقسا خاصا بالقراءة بسبب طبيعتها غير المألوفة.
فالقارئ الذي يتحضر لقراءة عمل روائي يفاجئ بأنه أمام لغة موغلة في الشعرية وتكثيف المجاز ربما إلى حد المبالغة في بعض المقاطع، ناهيك عن أنه يضع القارئ أمام أكثر من راوي الأول لا يزال في إطار الحاضر الممسك بالنص سرديا والأخر ينتقل بين الماضي والحاضر والمستقبل بشكل فانتازي لا يفصل بين الأثنين إلا حوار متقطع بخط أسود عريض يعيد القارئ إلى الراوي الأول في «الحاضر المقروء» ليرميه ثانية في تفاصيل الزمن الفوضوي.
«أنا لست أنا» هي العبارة المفتاح للانتقال بالنص من الزمن الحاضر أو لنقل زمن القراءة إلى زمن تطور الأحداث الذي لا يأتي انطلاقا من الترتيب العادي بل ومنذ بدايته يعود إلى الخطف خلفا بطريقة سريعة:
  – أنا لستُ أنا!
  تمتم كأنه في صلاة؛ كأن العبارة أفلتت من بين شفتيه المطبقتين على
  صمته الطويل.
  اتسعتْ عيناها واحتدّتْ نظراتها…تحدّق في عينيه الصغيرتين فيغريها 
 عمقاهما ويأخذاها إلى متاهات لا تستطيع الإفلات منها.
  – أنتَ لستَ أنتَ!
  – ماذا؟
  – أنتَ تقول…
  – ماذا أقول؟ 
  – قلتَ أنكَ لستَ أنتَ!
 – أنا لم أقل شيئا.
من هنا يبدأ الكاتب لعبة الزمن المتخيل في عالم الطفل أولا وبعد ذلك الفتى المراهق والشخصيات الأخرى وصولا إلى تغيرات مفاجئة في الشخصيات الحاضرة على مستوى الشكل والمضمون التي تقفز إلينا في الحلم لتتحول إلى شخصيات غرائبية بل وأسطورية وفي أزمان عجائبية وأماكن غير مألوفة
– أنا لستُ أنا!
 قال بوضوح.
 – ماذا تقصد؟
 – أنا طيفي..أنا طيف الولد الذي كنته ومات بالحمّى
«الطيف» هي الكلمة التي يستحضر بها المؤلف عالمه السحري وكأنه يحضر القارئ لما سيأتي لاحقا رغم أن النص بعد ذلك يتجاوز هذا التحضير ليصل إلى حد الأحجية سواء على مستوى تطوير الحبكة أولا وعلى مستوى زمن الحدث الذي يتجاوز في كثير من الأحيان مفهوم التاريخ نحو زمن خارج التاريخ …
لكن الإشكالية تكمن في إن هذا الخط السردي لا يوصل إلى مكان فالنهاية لا يعود الكاتب إلى المقهى والحوار الذي دار بين «من هو ليس هو» والمرأة التي تستمع إلى قصة «طيف الولد الذي مات بالحمى»:
 «وأنا، ما الذي افعله هنا، في هذا البرزخ بين الحياة والموت! هل قتلني غياث!، هل أنا ميّت!. ولكنّني ما زلتُ قادراً على التذكّر: اسمي خالد، واسم أمّي هند، وعينا حبيبتي عسليتان. إذا أنا حيّ، لأنّ الموتى لا يتذكّرون. وأنا مازلتُ اشعرُ بالألم؛ أطبقتُ أسناني على شفتيّ فتألمتُ… والموتى لا يتألّمون!، وأنا مازلتُ قادرا على الفرح برؤية النار والماء والأحباب.. فهل يفرح الموتى؟.
 ثمَّة اشارات في هذا الممرّ تفصحُ عمّا تؤول إليه الردهات والمسالك والدروب المتعدّدة من حولي: «إلى الشمس»، «إلى الريح»، إلى «مانوسيرا»،   « إلى برج الحصان» و»إلى الحياة».
وقفت بأوّل درب الحياة. كان طريقا شائكاً، وعراً، وقرَّرْتُ أن امشي فيه تاركاً الرجلَ الصغير في مدفنِه.»
النهاية ليست دائرية بمعنى أن الخط السردي لا يعود إلى الراوي الأصلي للرواية التي بدأ بها الكاتب وكأن ثمة تداخل بين شهرزاد الراوية والشخصية الراوية، صحيح أن الراوي هو الشخصية الأساسية في النص لكن تشعر بأن فارقا ما بينهما.
هل أجاب الراوي على سؤال حبيبته: « وماذا بعد؟ كيف تحولتَ بعدما متَّ بالحمّى؟»
بالشكل المباشر للسؤال نعم أجاب ولكن الطريقة التي وصلت للقارئ قد لا يكون الأمر بهذه السهولة لأن عند هذه الجزئية تكمن تلك المساحة الفوضوية من اللعب الحر للدوال التي- وفي تغريبة اللغة الشعرية التي يوظفها الكاتب علاوة على تداخل الزمن السردي-تصبح متحررة من أي مدلول محدد حتى أنها في بعض المقاطع تصل إلى مستوى التشفير الدافنشي (6x 8) والرقم طبعا 48 تاريخ النكبة الفلسطينية..في معادلة يختلط فيها العام بالخاص والعكس صحيح.
إنه مجاز الشاعر لا الراوي هو من يضع الجواب بهذه الطريقة أمام القارئ وقد يكون مبررا ذلك لأن السؤال بخد ذاته يتجاوز «الموت بالحمى» إلى موت وجودي كامل مع مقاربة رأيتها في غاية الجرأة وهي تلك العلاقة التناقضية التبادلية بين «المسجد وندى الأنثى».
« كانت ندى تجاور الله في وجداني. وكنت ناجحا في التوفيق بين ميولي نحوهما على نحو يمنحني السلام والاطمئنان؛ له الإيمان وطقوس العبادة ولها رفيف القلب. ولكنها، رويدا، رويدا أخذت تزاحم الله في فؤادي».
هنا نجد مغامرة الشاعر لا الراوي فالشاعر المسلح بتكثيف المفردة جماليا ودلاليا يضع هذا الصراع في دائرة الانقسام الوجداني حول إيمان مطلق وعشق تدفعه الغزيرة ومنطق الطبيعة..
وهنا أعود إلى ما قاله الاستاذ حسن البطل في صحيفة الأيام عندما تكلم عن شطحة الصوفية والحلم الدانتي «رؤية الفردوس والجحيم».
قد يكون الشكل الذي تعاطي معه الراوي يلتقي مع الصوفية في الخروج من عالم الواقع لكن الصوفية لا تضع  جزءا وجوديا قبالة كل مطلق..مما يسقط المفهوم الصوفي ليستبدله بفانتازيا ذاتية متمردة عن المألوف…
هذه العلاقة بين هوس المراهق بالتعرف على الأثنى يعيد إنتاج رمز التفاحة الأولى كدلالة مناقضة للقيود الدينية والاجتماعية التي (وفي الراوية) لا يصالحها سوى الهوية القومية (العلم).
كان الراوي موفقا في استحضار هذا الرمز ليرسم جسرا بين متناقضين وبالتالي فإن غياب هذه المشروعية بين الذات والأخر والإفصاح عن هذه العلاقة رسما في دفتر تعرض الفتى للعقاب…
وكأن الراوي أراد أن يبلغنا بطريقة غير مباشرة أن الإنسان الفلسطيني وبسبب محنته استقال من خصوصيته كفرد ليعلن تلاشيه في العرف العام وإعادة مفهوم النكبة جيلا بعد جيل وما يعزز هذه القراءه أن الفتى (أو بعبارة أخرى الشعب الفلسطيني) بقي معلقا في البرزخ (بين الشتات وحلم العودة) لا يزال متأرجحا بين صراع حاضر يوميا مع مأساة المنفي بين حلم مؤجل بالعودة « وأنا، ما الذي افعله هنا، في هذا البرزخ بين الحياة والموت».
لقد أعلن المؤلف صراحة موت المتعبد الصغير ليستبدله بفتى يبحث عن مظاهر البلوغ لكن العرف ومأساة المخيم لا تترك لهذا الفتى المراهق سوى الحلم ليجد فيه ما يريد.، ولا أدري إن كان الكاتب يقصد في هذا الموت وفاة الأمل المنتظر بالعودة ومن هنا تتكشف حقيقة العبارة التي يقولها الراوي (الفتى شابا) « أنا طيفي..أنا طيف الولد الذي كنته ومات بالحمّى».
وهناك نقطة في غاية الأهمية أثارتها الرواية وتعكس حالة الاستلاب لدى الإنسان الفلسطيني التي تحولت قضيته إلى موقف سياسي يوظف عند الحاجة بل ويفر..ض عليه خسارة «عرضه وشرفه» كما جرى للحاج حسين الذي فرت زوجته مع صاحب الطرطيرة بائع مخلفات طعام الجيش في المخيم…
الموت الأخلاقي هنا لم يأت على يد العدو المحتل بل من شقيق (بالمفهوم القومي)، ثانيا أن الحاج حسين وفي زوايا الحلم لدى الفتى المراهق يتحول إلى سارق للصغار (ملمحا في بعض مقاطع الرواية إلى وصفه بالولع الجنسي بالصغار)، وهنا يظهر هذا التشوية الأخلاقي في شخصية الفلسطيني التي بقي الأدب يضعها في قالب مثالي، ويأتي خالد درويش ليعيدها إلى طبيعة الإنسان العادي عن طريق الحلم….هو حكم أخلاقي على ضياع هذه الشخصية بفعل المنفي والغربة عن المكان المألوف الذي يضمن استمرار الحالة الطبيعية للشخصية الفردية…
وقد بدأ الكاتب ذلك بوضوح عندما وضع المرأة ضحية لجرائم الشرف وكيف تتحول الفتاة الشابة النضرة إلى مجرد طقس من طقوس تقديم القرابين لصالح المجتمع والدين.
موت المتعبد الصغير قد لا تجد قبولا لدى القارئ العادي لأنها وببساطة لا تحكي قصة-بالمنطق الروائي المتعارف عليه- بل تشفر سردا لحالة وجدانية عالية التصعيد، وتدخل في مقاربات خيالية تبتعد عن الواقع المباشر إلى فضاء الرمز تاركة المجال للمخيلة أن تضع خيوط السرد المتشابكة بين الفانتازيا المبهمة والخيال المتمرد تارة وبين الواقع المعاش المحطم في أزقة المخيم عبر تاريخ مستدام من المأساة المعلقة في (البرزخ).
لكنها وبرأيي المتواضع ستلفت انتباه النقاد، فهناك فرق بين من يرى اللوحة الجميلة بعين المتلقي الانطباعي المندهش بالألوان وتقاطع الخطوط وبعين المتلقي العارف بتفاصيل صناعة اللوحة ومهارة الفنان في تجسيد رؤيته الفنية –بالدرجة الأولى- عبر تقنيات يثبت فيها مقدرته على فهم الأشكال والألوان لتطويعها في منظور جمالي أولا وفكري ثانيا، أي يقدم تجربة إنسانية بأبعادها المختلفة…
لكن وهنا الأهم برأيي أن تقنيات الشاعر غلبت أدوات الراوي فقد جاءت الراوية بأسلوب الشاعر المغرم بلعبة الكلمات التي تحتاج قارئا خاصا ليربط بين فضاءاتها المتناثرة بين مكان حاضر ومكان لا زمان فيه ولا تاريخ بل مجرد حلم تمتد فيه اللحظة الشعورية الواحدة لتصبح بمفردها زمنا مستقلا…
عــدي جــــوني
  كاتب من لبنان

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …