أخبار عاجلة

خوخي بورخيس وسبينوزا

بعد ثلاثة قرون، وينفس اللغة التي دحض بها "سبينوزا" السلطات اليهودية التي أدت لطرده من مجمع امستردام قام كاتب ارجنتيني أعمى بكتابة سونيتة (قصيدة من 14بيتا) بعنوان "باروخ سبينوزا". وكان قبل ذلك بسنوات قليلة كتب سونيتة أخرى سماها ببساطة "سبينوزا". الشاعر هو بالطبع خورخي لويس بورخيس أحد أكثر الكتاب شهرة بأي لغة. لم ينتج رواية شهيرة، أو مسرحية ناجحة، ولم يخلق شخصية يمكن مقار نتها بـ "دون كيشوت " أو "هاملت " أو حتى "الأب براون ". لكن في قصائده وقصصه ومقالاته، يتلمس قرننا صوتا يحرك الدهشة الساكنة، والتي بحسب الاغريق تكمن في مصدر حب المعرفة والحكمة.

ادعى بورخيس انه ببساطة "رجل حروف "، كما وصف نفسه انه "رجل أدب محتار". مع ذلك وعلى الرغم أنه لم يدع أنه فيلسوف، إلا أن مادة ابداعه هي في الغالب فلسفية: الأحاجي التي يستند اليها العقل عند التفكر في مشاكل مثل حقيقة العالم الخارجي، هوية النفس وطبيعة الزمن.

لقد اعتبرت "دائرة فيينا" الميتافيزيقيا فرعا من الأدب الخيالي. وقد اشترك بورخيس مع وجهة النظر هذه باشاراته الساخرة، لكن التثمينية، للميتافيزيقيا، حيث كان يعدد من سادة هذا النوع الكتابي كتابا مثل "افلاطون "، "ليبنيز" , "كانت "، و"سبينوزا" والذين اعتبر ابداعاتهم ذات الجوهر المطلق بخواص مطلقة أدبا رائعا.

إن بورخيس، الذي اعترف أنه يثمن الأفكار الفلسفية وفقا لقيمها الجمالية وبقدر ما يكون محتواها متفردا ورائعا، لم يقد قراءه أبدا الى توقع أسلوب يعتمد على الوصف الصارم أو التماسك المستديم مما تخلو منه كتاباته. وعلى الرغم من ذلك على المرء الا يتعجل بالاستنتاج انه كان لا مباليا تجاه الحقيقة. فقد شعر أن هناك تماسكا متينا بين الجمال والحقيقة والخير،واذا كان يعبر عن الشكوكية عميقة الجذور فإنها شكوكية كانت تحفز مسعاه الحذر.

غير أن "سبينوزا" اعتبر فلسفته هي الفلسفة الحقيقية. وفي نظامه لا يوجد مكان للشك ولا حتى شك "ديكارت " المشروط.

ماذا، إذن، كانت الرسالة التي نقلها الفيلسوف الألماني بعد ثلاثة قرون من موته الى رجل الحروف الارجنتيني ؟ وكيف يمكن قراءة تعاليم "سبينوزا" في أعمال بورخيس ؟

في كتاب «قاموس بورخيس " تستدعي مفردة «سبينوزا" الانتباه الى أصداء منهجه الهندسي في الاستدلال للحقيقة في "الموت والبوصلة " (وهي قصة بوليسية دقيقة يظهر فيها اسم الفيلسوف كأحد الأدلة)، أو أيضا في قصة "تلون، أو كبار، أوربيس تيرتياس "، حيث يتم تطوير كوكب خيالي يتم التنبؤ به من خلال اعلان أن آثار الجماع والمرأيا بغيضة لأنها تقوم بإكثار الكون المرئي. وبالطبع يظهر اسم "سبينوزا" في هذه القصة أيضا، على الرغم من أن الراوي يشير الى أن الفكر وحده – وليس الفكر ومدلول اللفظة – في قصة «تلون " يمكن فهمه على أنه خاصية مقدسة (وهذه فكرة متكررة في أعمال بورخيس). مع ذلك علينا الانغالي في تقدير هذه الاشارات الضمنية. فخيال بورخيس ليس قريبا من تعاليم "سبينوزا" مثل قربه من "بيركلي "، و" هيوم " و« شوبنهاور"، و«برادلي "، أو "موثنر" والذين اعترف بتأثيرهم الكاتب نفسه الى جانب النقاد. لذا علينا التأكيد أن اسم "سبينوزا" نادرا ما كان يظهر في أعمال بورخيس العديدة، وبعضها فلسفي محض. من جهة أخرى، فقد كتب بورخيس قصيدتين عن «سبينوزا"، وليس هناك ذكر لأي قصائد عن الفلاسفة الآخرين. ويبدو أن هناك أمرا سريا، أو على الأقل خاصا فيما يتعلق بهذه العلاقة.

ومن المؤكد أن هذا لا يعود فقط الى الاعجاب العميق بـ"سبينوزا" والذي كان يبديه والد بورخيس – استاذ علم النفس والكاتب أحيانا – والذي وجه ابنه نحو الأدب والميتافيزيقيا، والأهم الى التفكير الحر في بلد يسود فيه الدين ظاهريا.

لذا من الطبيعي التركيز على قصيدتي بورخيس حول "سبينوزا". وتتبع تطورهما ومحاولة فهم الاختلاف بينهما، ونحن نستمع الى الحوار القديم بين الشعر والفلسفة.

القصيدة الأولى "سبينوزا" موجودة في مجموعة شعرية بعنوان "الآخر، المتشابه " ظهرت عام 1964. انها قصيدة جميلة، وقد كان بورخيس، الذي كان يدعي أنه ينسى كتاباته، يرددها على مسامع أي شخص يسأله عنها. بعد عشر سنوات طلب منه أن يشارك في كتاب عن "سبينوزا" كان يعده المتحف اليهودي في بوينس ايرس للاحتفال بذكرى مرور ثلاثة قرون على وفاة الفيلسوف. فكتب بورخيس قصيدة جديدة، كان اسمها هذه المرة "باروخ سبينوزا".

في مقدمة «الآخر، المتشابه "، سخر بورخيس من عادته في كتابة الصفحة مرتين، بتغييرات بسيطة، والتي تؤدي، برأيه، الى نسخة أخرى رديئة. وفي مقدمة مجموعة "القطعة الحديدية " التي ضمت القصيدة الثانية عن "سبينوزا" يشير اليها على أنها، ربما، نسخة أسوأ من القصيدة الأولى. لذا فإنه بعد عدة سنوات، عندما سئل في مقابلة صحفية عن أعماله المفضلة ذكر "الأبدية » و" قصيدة عن سبينوزا"، مما يغري بالاستنتاج أنه كان يقصد القصيدة الأولى. وهذا محتمل لكنه، ربما، غير عادل.

ويجب أن أتخيل أن بورخيس كان يعطي أهمية لحقيقة أن – وهذا مفاجيء بما فيه الكفاية – القصيدة الأولى تعبر عن تعاليم "سبينوزا" بشكل أكثر دقة من القصيدة الثانية، التي تعتبر تصويرا فضفاضا وبالتأكيد تفسيرا أكثر خيالية لمنهاج "سبينوزا". أقول مفاجئا بما فيه الكفاية لأن القصيدة الثانية كتبت بعد فترة كان بورخيس خلالها يقوم بدراسة معمقة لأعمال "سبينوزا" وقراءة ما كتب عنها، وقرر أن يؤلف كتابا كان سيحمل عنوان "المفتاح الى سبينوزا» أو "المفتاح الى باروخ سبينوزا" حتى أن هذا المشروع يظهر على أنه تم انجازه في السيرة المتخيلة لبورخيس الموجودة في "موسوعة سوداميريكانا" للعام 2074 والتي يقتبس منها في خاتمة أعماله الكاملة. وفي المكسيك عندما كان يتحدث مع روفينيللي، اعترف بورخيس: "إنني أقوم بالتحضير لكتاب عن فلسفة سبينوزا، لأنني لم أفهمه أبدا. لقد كان يجذبني دائما أقل من بيركلي، وأقل من شوبنهاور، لكنني لا أستطيع فهم سبينوزا".

والآن، هل صحيح أن بورخيس لم يستطع استيعاب فلسفة "سبينوزا" ؟ وهي فهمها بعد استئنافه دراساته عنها؟ وهل تم تكثيف الكتاب – شيفرة سبينوزا التي أعلن عنها أكثر من مرة ولم يكتبها أبدا – أخيرا في أربعة عشر سطرا في القصيدة الثانية ؟

لننتقل الى القصيدة الأولى. من المعروف أنه عندما تم طرد "سبينوزا" من المجمع، اضطر أن يرحل الى نوع من المنفى في الخارج، لكنه لم يتخل أبدا عن معتقداته ولم يعتنق مذهبا جديدا. ولكي يحرس استقلاله الذي يفخر به رفض، حتى نهاية حياته القصيرة نسبيا، أي منصب أو تعويض أو تكريم، وفضل أن يكسب قوته من تلميع العدسات، وهذا ما تصوره به السطور الأولى من القصيدة.

" يدا اليهودي نصف الشفافة

تلمعان العدسات الكريستالية

تحت ضوء خفيف ".

العدسات ترمز الى أيام "سبينوزا" وعمله، ويمكن القول إنها تصور أيضا –  وهذا ما يظهر بدقة في السطور الأخيرة من القصيدة – اتجاها مركزيا في الفلسفة الحديثة التي لم تتوقف عن اعتبار العقل الانساني مرآة تعتمد على اخلاصها دقة أي معرفة أو حقيقة يمكن انجازها.

لكن العقلانية الحديثة والتجريبية الحديثة كان عليهما الصراع مع الآراء المسبقة للأديان المعروفة لضمان بناء العلم. ولم يكن الصراع دائما دون دعاء، فقد كان يقود عادة الى العزلة والصمت، والاضطهاد والتعذيب. لا عجب اذن، أن تظهر شيمة الشر مباشرة في القصيدة على شكل خوف أو رتابة:

"والغسق المحتضر خائف ومرتجف

(ساعات النفق كلها متشابهة)»

غير أنه لا الخوف أو الرتابة تشوشان المفكر:

"اليدان والهواء الأرجواني

الشاحب حتى حدود الغيتو

غير موجودة لدى الرجل الصامت

الذي يحلم بمتاهة واضحة ».

إن هذا الحلم الذي لدى "سبينوزا" هو حلم فريد. ففي الغسق الحزين هو الضوء، وربما الطريق. انه واضح مثل الكريستال الذي لمعته يدا الحالم لتحويله الى عدسات، أو مثل النص الذي سيستخرجه الشاعر من عمائه الشجاع بعد مرور قرون.

"متاهة واضحة ": أتساءل إن كان هذا المصطلح تناقضا مباشرا. في الحقيقة لا تسبب متاهات بورخيس اليأس عادة، لكن في بعضها هناك يأس مطلق دون شكل حيث قد يفقد انسان طريقه ويموت، والمتاهات الأخرى تمثل مشهد العزلة والملل، ولكن مرة أخرى، مشهد الأعمال الشجاعة التي يقودها الحب، كما أن هناك تلك المتاهات التي تشكل نظاما سريا يجذب اليه التوق الى الماضي وفيه يزدهر الأمل. في عام 1984 كتب بورخيس: "انه واجبنا الثمين أن نتخيل أن هناك متاهة وشعاعا. لن نمسك بذلك الشعاع أبدا. ربما نستوعبه أو نفقده في فعل ايمائي، أو في ايقاع، في حلم، في الكلمات التي نسميها فلسفة، أو في السعادة الواضحة والبسيطة ".

في الأبيات الثلاثة الأولى عن سبينوزا نعلم أنه:

"لا تقلقه الشهرة.

تلك المرآة العاكسة

لأحلام هي حلم رجل آخر.

ولا حب العذراوات الخائفات ".

كيف يمكن لبورخيس الا يعجب بالمنبوذ الذي أحس والده خورخي جيليرمو بورخيس، تجاهه بمثل هذا الاخلاص، الفيلسوف الذي كرس نفسه لحب الإدراك رافضا التكريم ومواجها عدم الامان بشجاعة.

لقد نبذ سبينوزا الفراغ والوهم وتسلق مرتفعات جوهر ندائه غير المزخرف: «تحرروا من المجاز والأسطورة " لأنه لم تكن لديه رغبة في الانبهار بالأدوات البلاغية، كما نفى عن المعرفة النهائيات التي تحيل الانسان الى الايمان بالمخلوقات الخارقة للطبيعة:

"يشحذ كريستالا قاسيا:

الخارطة المطلقة للواحد

الذي هو جميع نجومه ».

لقد انتهى الغسق، وفجأة في الظلمة يشع كريستال لامع بإشعاع جميع النجوم. لقد تم ترويض المطلق بابتكار فريد وهو خارطة الكون وفي الوقت نفسه خارطة الخالق.

لماذا هذه المعادلة ؟ لأنه بالنسبة لسبينوزا هناك جوهر واحد: الخالق أو الطبيعة. وبغض النظر عما اذا كان هذا التعريف الفاضح سببا في حرمانه الكنسي أم لا، إلا أنه كان نقطة البداية في كتابه "demonstrata geometrico ordine Ethica " الذي نشر بعد وفاته لأسباب واضحة.

إن ديكارت الذي درسه سبينوزا وعلق عليه يتحرك من النفس وجهلها لكي يدرك في النهاية وجود الله وليكتسب المعرفة بالعالم. أما سبينوزا، في الجهة الأخرى، يبدأ من "السبب نفسه" الذي هو الخالق. واللاهوت عند سبينوزا ليس الخالق المتفوق في الأديان المعروفة، وليس كائنا خارقا لأنفسنا أو خارج نظام الطبيعة، وحتى ليس كائنا يظهر سخطه أو عطفه أو يقوم بالمعجزات أو يجعل ابنه يموت من أجل خلاصنا. يقول سبينوزا: "الخالق، تلك هي الطبيعة. الخالق هو الحقيقة الوحيدة، وخارج الخالق لا يوجد شيء. لكن اذن. الطبيعة هي الجوهر الوحيد وخارج الطبيعة لا يوجد شيء". وهذا يفسر لماذا، منذ أن بدأت تعاليمه تنتشر، تم اعتبار سبينوزا من قبل البعض شخصا ملهما ينادي بوحدة الوجود، الفيلسوف الذي "يشرب مع الخالق " كما قال عنه "نوفاليس " بينما راه آخرون على أنه "أمير الملحدين " العنيد المنادي بالطبيعة والذي لا يعترف بأي شيء غير النظام المادي. وفي أي درجة في السبينوزية لا يحتاج العلم أن يشير الى أي نظام خارق للطبيعة فالانسان ليس شقا في الوجود ويستطيع تحقيق الخلاص من خلال الفلسفة، وأكثر من ذلك فالدولة لا يجب أن تخضع للدين.

في قصة بورخيس "الكتابة الالهية " عندما يشير المشعوذ "تزيناكان " راوي القصة وبطلها، الى نشرته فإنه يعرفها على أنها "التوحد مع المقدس، مع الكون " ويضيف أدلا أعرف أن هاتين الكلمتين تختلفان ". فهل تتصادف أفكار "تزيناكان " بورخيس هنا مع أفكار سبينوزا؟ نعم ولا. نعم لأنه يدعي تطابق الخالق والطبيعة. ولا، لأن هاتين الحقيقتين المتعادلتين هما في الواقع مجرد كلمات: "لا أعرف أن هاتين الكلمتين تختلفان ". وبورخيس يدرك جيدا أن الكلمات لا تلمس لب الحقيقة، ولا توجد لغة بمثابة خارطة للعالم أو شيفرة الكون أو الحياة.

إن هذا الاعتقاد الكئيب، الذي يشق صرح العقلانية الكلاسيكية، يتخلل القصيدة الثانية "باروخ سبينوزا". قبل وقت قصير من تأليفها، كما قلنا، قام بورخيس بدراسة مكثفة لأعمال سبينوزا، كانت مقدمة لكتاب حول الفيلسوف. واحدي النتائج التي قادت اليها هذه الدراسة – والتي تم التنبؤ بها من خلال انكاره الراسخ لجميع أنواع التفكير النظامي – عبر عنها بورخيس في مقابلة أجريت معه بعد بضع سنوات لاحقة. في هذه المناسبة أكد بورخيس أن الشكل الهندسي لكتاب Ethics" " وبعيدا عن كونه جوهريا في تعاليم سبينوزا، لم يكن مناسبا لتفسيره. وقد أكد أن سبينوزا لم يفهم الكتاب بالأصل على هذا النحو، لكنه لاحقا منح الكتاب هذه الآلية الغريبة، وفوق ذلك فقد اختار هذه الآلية بالخطأ. وتأسف بورخيس على ذلك حيث إنه اعتقد أن محتوى الكتاب يمكن تفسيره دون اللجوء الى مثل هذه الآلية، وانما كما عبر عنه سبينوزا في رسائل لأحد أصدقائه من أنه "أكثر الكتب الممتعة والمحببة ".

إن مؤلف كتاب , "Ethics" لم يقصد منه أن يكون شخصيا، وما كان يجب أن يسمع فيه هو وحده صوت العقل الى جانب الجرس المميز الذي اكتسبه من جاليليو وديكارت، ولا يجب أن تتردد فيه أي عاطفة مهما كانت غير مباشرة. لكن بورخيس – الذي يفهم شعره عادة على بأنه موضوعي بينما هو ينبع من شعور خفي – اكتشف عنصرا مؤثرا هو سبينوزا الحزين والعنيد والجريء، من خلف ستائر البديهيات والبراهين والنتائج الطبيعية. وقصيدة «باروخ سبينوزا" تبدأ بتقديمه مواجها المهمة المطلقة التي نذر نفسه لها أو التي جعلته يتميز عن كل رجال عصره.

"ضباب ذهبي,

الغرب يشع من خلال النافذة ,

المخطوط المتقن ينتظر

وهو الأن محمل بالمطلق

شخص ما ينشيء الخالق

في الضوء المتلاشي".

إنه المساء نفسه وربما نفس المكان الذي تشير اليه القصيدة الأولى «سبينوزا". لكن شفافية العدسات الكريستالية لا يتم ذكرها، هناك فقط نافذة تشع من خلال الأشعة الأخيرة للشمس الغاربة، وهناك يجلس وحيدا سبينوزا مجبرا نفسه على كتابة المطلق.

إن عظمة مهمة سبينوزا واضحة وكذلك فشله العظيم والحتمي. ومن الواضح أن الهدف الذي تؤكد عليه القصيدة الأولى لم يكن متواضعا أو يمكن تحقيقه، فالفيلسوف كرس نفسه لمهمة ليست أقل من صياغة جوهرة تعكس الخالق، أو رسم خارطة مطلقة للكون. لكن في "باروخ سبينوزا" يتم توجيه الطموح ربما من قبل منطقه نفسه، نحو مسعى آخر أعلى، فهذا الخالق هذا الكون سيتم نحته من المادة الخشنة للغة وهي ليست صقيلة في جميع أشكالها الهندسية.

"رجل ينجب الخالق.

انه يهودي

بعينين حزينتين

وجلد شاحب ,

يحمله الوقت قدما

مثل نهر يحمل ورقة

في جريانه للأسفل ".

لعبة في نهر الوقت – دمية، مثل ورقة خريفية أو ورقة تدوي بقصيدة أولية وسبينوزا لا يتحسر، مثلما يفعل "هاين " في قصائد أخرى لبورخيس على "قدره في أن يكون رجلا وكونه يهوديا". فالأول يستلقي منهكا ويستذكر "ألحانا رقيقة » قام بعزفها والثاني أبدع بعناد "هندسة رقيقة ".

الأبيات الأربعة التالية في هذه القصيدة الاليزابيثية تقول:

"لا يهم يثابر العراف ويصرغ

الخالق بهندسة رقيقة ,

من ضعفه , من فراغه ,

يستمر في نصب الخالق بالكلمة ".

لقد لاحظ جاليليو أن العالم كتاب مكتوب بأحرف رياضية. أما «ماورائي" بورخيس، وقد تعلم أن يقرأ – وأن يكتب – هذه الأحرف، يستطيع بشكل شرعي أن يغذي مشاريع أكثر طموحا وأكثر معقولية من تلك التي صممها الكيميائي، أو حبر براغ الذي صنع تمثالا تافها لا يصلح لتنظيف المجمع. ومع ذلك، فإن عبارات بورخيس تثير السحر والصوفية والأحلام والخلق الأدبي النادر.

لقد قلل بورخيس من أهمية الشكل الهندسي للعرض في كتاب "Ethics" مبديا اهتماما ضئيلا بالالهام الرياضي الديكارتي فيه. فالهندسة التحليلية التي اكتشفها ديكارت يتم تقليصها الى "هندسة رقيقة " تشير بدورها الى فن لغوي. فسبينوزا يقوم بصياغة الخالق من خلال الكلمة، مثلما يقوم الشاعر بخلق النص. إن هذه الكلمة، كما يقول بورخيس، ينطقها الفيلسوف "من خلال ضعفه ». وربما لا يوجد ما هو أبعد عن هذه الفكرة من رؤية سبينوزا لنفسه وللانسان في العالم. وبينما يعتبر نوفاليس الحياة "عجزا للروح " ويفرق باسكال في «الصمت الخالد للفضاءات المطلقة "، فإن الانسان بالنسبة لسبينوزا يشارك بشكل كامل في الوجود ولا يوجد مكان لأي شعور بالعجز في الكون المركزي الذي يقترحه العلم الحديث.

صحيح أن ديكارت اهتم بالسحر في شبابه وصحيح أيضا أن سبينوزا في شبابه درس "القبلانية" الصوفية، والغموض والشعراء وكان أيضا معا هو الباسكال، لكن ما يبقى من هذا كله أقل بكثير مما قد تشير اليه هذه الأسطر الأخيرة التي اقتبسناها. من جهة أخرى، في المقطع الخامس من القصيدة والذي يشير الى الخالق، نجد الفكرة الأقل دينية والتي تم التعبير عنها في السطرين الأخيرين:

" الحب الأكثر سخاء

منح له،

الحب الذي لا يتوقع

أن يعيشه ».

لم تكن نية سبينوزا أن يصوغ الخالق، ولكن أن يكتشف أو يتوصل الى نظام هو النظام الفريد للحقيقة أو ذلك المتعلق بجزءيها المعروفين لنا: الدلالة والفكر.

إن مفهومه لوحدة الطبيعة ليس نفسه الذي جاءت به حماسة النهضة الأوروبية، ولكنه إشارة متجددة وقوية تؤكد على التفاؤل العلمي الذي يشبع جميع رغبات الانسان بعقلانية ويطالب بمجتمع يعبر فيه الانسان عن نفسه بحرية.

ان الخالق عند سبينوزا، كما عبر عنه بورخيس في نص آخر، "لا يكره أحدا ولا يحب أحدا". فكيف يمكن اذن لسبينوزا أن يتوقع حبه ؟ أو ليس اعلانه عن هذه النتيجة طريقة للتأكيد على الطبيعة غير الشخصية لهذا الخالق في كتاب  "Ethic"..

وربما ما يعبر عنه بورخيس بدوره في نهاية هذه القصيدة، هو نموذج قريب من ذلك الذي اكتشفه وقيمه لدى روبرت ل. ستيفنسون، والذي يقول بأن الانسان يجب أن يكون عادلا، مهما كان الخالق عادلا أم لا أو موجودا أم لا. ومثل ذلك على الشاعر "أن يقوم بكتابة الشعر الذي لا يمكن أن يفسد" بالرغم من أن المادة التي يتعامل معها فانية.

إن سبينوزا كما تصوره القصيدة الثانية مجرد من سلاحه الهندسي، وتشكيلاته ليست استخلاصا مكينا للحقيقة فالمنطق هو فن الكلمة ولا شيء يضمن أي اتصال عميق بين الفن والعالم.

في عام 1979، عندما طلب من بورخيس أن يذكر أفضل شخصية تاريخية لديه، أجاب دون تردد "سبينوزا الذي خصص حياته للتفكير المجرد". وهذا دليل على أنه في تأليفه قصيدة "باروخ سبينوزا" لم يكن ينوي أن يقدم الفيلسوف كصانع أسطورة يخترع الخالق بشكل سريع على أنه الحقيقة الوحيدة غير المخلوقة.

كما يجب الاتقرأ القصيدة على أنها تقدير لمفكر بعيد أو حتى حل أنها نقد لنظام مفهومي. إنما هي تؤشر على لقاء في متاهة العالم والأفكار، برفيق مغامر قديم وحليف وصديق.

وعلى الرغم من ادعائه العكس، أعتقد أن بورخيس قد فهم دائما معمار الصرح الذي نصبه سبينوزا، لكنه لم يعتقد أبدا أنه يمكن للانسان السكن فيه، أو يمكن أن يساعد على إدراك الحقيقة غير المشكوك فيها، أو تجربة نوع من الخلود أو الخلاص.

لقد كان حساسا تجاه الأحزان العميقة للفيلسوف، لكنه لم يؤمن بالعبارات اللوغاريتمية التي استخدمت لاشباعها. والدراسات التي قام بها قبل كتابة القصيدة الثانية قادته الى تجريد الأدوات الرياضية من الأسطورة في كتاب Ethics"  " من أجل أن يرى مؤلفه "رجل حروف ببساطة " وحتى يقوي شكوكه. لكن ذلك لم يقلل من الاعجاب الذي نقله والده اليه، وانما قاد عاطفته بشكل أقرب الى المفكر، المفكر الحر والغامض والمجتهد، بدلا من التوجه الى نتائج نظامية لفكره. لذا يمكن القول إن القصيدة الأولى هي بحق، وليس فقط بفضل عنوانها، تعبير شعري بورخيسي عن سبينوزا الكلاسيكي التاريخي، بينما الثانية تصوير لسبينوزا المقرب من بورخيس والمحبب اليه.

في سنوات لاحقة، أكد بورخيس على عدم قدرته على استيعاب تعاليم سبينوزا. أو كان يقول إنه يستوعبها، لكنها كانت تشكل دينا لا نظاما، وأن مؤلفها يجب اعتباره قديسا.

وعلى الرغم من ذلك، ظل بورخيس، وحتى وفاته عام 1986، يرفض الاجابة على أسئلة حول سبينوزا من خلال شعور قوي بالاعجاب ( بعد اصابته بالعمى، كانت الاجابة على الاسئلة أحدى الطرق التي يتجنب بها الكتابة، أو ربما تدفعه للكتابة). وافترض أنه شعر بأن الابداع الأفضل في كتاب "Ethics " كان مؤلفه نفسه. فقد يثبت أن الكتاب لا يسعى لإدراك الحقيقة أو المطلق لكنه يعكس النظرة التي تسعي وراءهما بغض النظر عن المخاطر وابغاض الشهرة والثراء. وسبينوزا، وليس الخالق، يتم تصويره من خلال البناء في الكتاب. والتاريخ يعلمنا أنه كان موجودا وعاش أفكاره.

ومن المؤكد أن بورخيس أعجب بجرأة سبينوزا في الابداع الفلسفي والتزم بالعديد من الأفكار الدينية والتضمينات الاخلاقية والاجتماعية فيه. لكن فوق ذلك كله، أدرك بورخيس من خلال حياة سبينوزا قبوله لعاطفة ذهنية قوية، وربما رأى في تلك الحياة صورة لوجوده هو نفسه حيث التزم بشكل كامل بقدره الأدبي الذي لا يمكن الشك فيه.
 
 
خوخي بورخيس وسبينوزا
مارسيلو أبادي
ترجمة : مروان حمدان (مترجم من الأردن)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …