دلدار حسن في تجربته التشكيلية ما لدورورر بصوته العذب الجارح

لكأني بالشاعر ينذر صديقه دازيت, الذي يأخذ عليه انهزاميته, بل يحذر قارئ كتابه, بما معناه: يجوز لكل إنسان إبداء رأيه, واذا كنت تنازعني في هذا الحق, لا تطالعني. إن منح كل شخص الصلاحية المطلقة في الإعراب عن فكرته هو أفضل وسيلة للتفاهم وإنهاء النقاش. لكن وضع هذا المبدأ قيد التنفيذ هو أصعب مما يظن البعض. كل واحد يعتقد أنه المصيب وغيره المخطئ. ويريد أن يفرض وجهة نظره بتسلط على الآخرين. إن المنطق أداة خطرة, إذا سخرناه لخدمة غرائزنا, لأنه يستطيع أن يكسو أكثر الخواطر ضلالا برداء من المعقولية يقنعنا بها. إن النزوات والأهواء الخاصة, إن الاستدلالات النسبية, قد تستطيع, إذا استعانت بقوة الجدل, أن تتراءى أمامنا, بمظهر اليقينيات المطلقة واللاشخصية. لكن إذا نزعنا عنها طلاءها السفسطائي, لتبدي لنا ما يختبئ وراءها من غرور وإدعاء, ومواقف فردية ضيقة,

– عشت الموت, عشت تحت ضغط فكرة الشر.

– الوجوه على بشاعتها, جانب من حقيقة الإنسان.

– كيف اختفت ملامح الوجوه تماما أو تعوعجت لدى شاب في الثلاثين من عمره.

– كيف نواجه نسمات الحياة بالبصاق والشتائم.. أقذعها

– كيف نواجه الموت وبعدها… ماذا….

– ماذا أفعل بقلة النوم وايزودور دوكاس.

حتما وعند مشاهدة المرء للوحات الفنان دلدار فلمز في تجربته الأخيرة يصاب بصدمة عدم الفهم لما يرى.

فدلدار في لوحاته المستوحاة من موت والده ومن تجليات تأثير أناشيد مالدورور تكسر أفق توقع العارف بدلدار الشاعر الفنان المرهف الذي لا يوحي حضوره ولا حديثه وحواره اللطيف معك بما ستراه على قماش أو ورق.

وحتى وان كنت مضطلعا  على أشعار دلدار- قريبة النشر- والتي تحمل من حزن المساحات الواسعة في الجزيرة.

– أمسح النهار بالليل- دلدار فلمز

الذين أغلقوا الباب

ورحلوا في حنين كاذب

تركوا دموعا على اللحاء

أين الذي كان متوجا بالأمس

ويداي في كل هذا التعب

والوردة الخيانة مغروسة

في قميصي القديم

وصباحا تذرف لون الحقيقة

أستيقظ في نزق مبكر

تائها بين الجهات

وتواقيع مثبتة على الجدار

غرفة تحتوي أشياء تافهة

                من العابرين

لم يرنى حتى جدا, جدا

إلا أبو اميل وسراميكه

التي تغطي جدران حانوته

ثم وحيدا عدت أحترق

كورق سرخس في فلتات أوزون

وأحلم بأصدقاء يأكلون من أكتاف

في فيضان الخيانات

أمسح النهار بالليل

وأمر على حانات رخيصة

ورائحة الخمر على شفتي المتيبستين

وحيدا على الطاولات والآرائك الخبيثة

تشدني إلى الذي مضى

وأبحر في مركب من متاهات

نحو العتبة المجهولة

في المجهولة.

والمكتنزنة ببنية تراب الشمال السوري وزرقة أنهاره ومهرجان ألوان الثياب الكردية والعربية هناك فأنت حتما لن تصمد أمام التساؤل عند مشاهدة الرسوم.

من أين لك هذا….

هل تحمل كل هذا في قلبك يا صغيري

لكن الحقيقة تبدو جلية وواضحة تماما بعد الحوار مباشرة: كل منا يحمل ما في قلب دلدار لكنه الأشجع والأشجع…

في نظرية القبح الميؤوس منه- القبح الجميل, أو ما اقبحك… ما أجملك- لا يستبعد دلدار فلمز القيمة الجمالية لما يتفاعل داخل أفكاره وأحاسيسه وانما هو يعبر عن جمال الحياة ومحسوساتها بقبح.

هذا القبح/ الجميل الذي يفرزه دلدار فلمز بألوانه وفرشاته ضرب على قماش شادر, ضربا بالسكين: يلطخ ما تراكم لسنين وسنين من ذاكرتنا البصرية التي تهالكت على اجترار الواقعية والبورترية والصمت والانطباعية تلك التعبيرية في مرآة دلدار التي تعكس ما يراه:

وجوه, حالات, جمل, أشعار امتزجت بأشعار لوتريامون الذي لم يصمد أمام آلام رأسه المطروق بمطرقة هائلة- من ناحية وبآلامه الشخصية التي عبر عنها ببدائية طفل صغير أراد أن يواجه شظف الحياة بزهرة لكنها ذبلت

فانتقم…. بنبل

عندما يرسم دلدار يستسلم لتوجهات جهازه العصبي المفعم بأناشيد مالدورور وآلام الجيل بل آلام الفرد تجاه المجتمع والقدر

جفاف الوجوه يعكس بحيادية وموت الفعل الميت الذي يستحق رد فعل من جنسه.

ليس لرسمه رسالة انه تفريغ عن شحنات تراكمت وتراكمت ليكون صاعقها للانفجار أناشيد الموت والألم أناشيد غناها هو يتوجه مرة الى اللوحة ومرة الى النافذة ليرى ما يراه أو ما يريده من الشمال الوحيد المهمل.

وما نتج ليس الا صور على الناس أن يقرؤونها كما يشاؤون

الحياة جدا قاسية ونحن لا نحس بالجمال حتى نفقده فما رأيكم بأن أعطيكم جرعة من ما آراه وحتما في النهاية يكون العمل الابداعي بحد ذاته عملا  شرسا , أناشيد بصرية موجودة في رؤوسنا جميعا قد تؤرقنا قد لا تفعل لكن الأسوأ ان نتعايش معها.

أناشيد بصرية نغنيها جميعا سوية كل يوم منا من يتفرد بها ومنا لكننا حتما لن نملك أن نخرجها.

لكن دلدار بصقها من داخله ؛تشوهات اصابت أرواحنا وما يزال يخفي الكثير منها« كونه انسانا فقط

وكوننا بشرا أيضا لم نتعود النظر إلى مثل هذا القبح والتشويه الجميل فحتما نحن أمام إشكالية

أنتقزز مما نراه أم نفزع, أنصفه بالرهيب والمفزع أم نتباهى بما نراه ان فلاسفة علم الجمال اختلفوا كثيرا حول مفهوم القبح وجماليته ولكن الانسان بطبيعته يعشق أشياء كريهة ويحب أمورا بشعة حقا من أفلام الرعب الى مسرح القسوة الى التراجيديات الدموية وأشعار لوتريامون معزقة السوداوية.

من هنا فالإنسان لا يعي إلا ما يقارب ذهنيته لكنه في لا وعيه يتقبل أمورا سيئة.

لذلك فكل شيء جميل لأن كل شيء قادر على أن يجذب انتباهنا ويسلبه بدرجات متفاوتة قد يكون أكثرها تطرفا هو تشوهات الوجه والروح لذا فدلدار قام بجرأة وبحركة اقتناصية منه بعرض شرائح من أذهاننا مزجها بآلام رأس مالدورور.

في عام 1960 قذفنا الشاعر أنسي الحاج بقصائد نثره الشهيرة »لن« تلك المرعبة والمقززة والتي تثير حتى الخوف مما قد يفكر به ذلك الشاب لكنه وفي حوار لاحق مع الشاعر نوري الجراح يصرح بأنه قد أفرغ شحنات كبيرة ومرعبة في لن وحتى هو لا يستطيع قراءته الآن فهل ستنحني خطوط دلدار الحادة والهندسية هل ستلين فرشاته دون أن تقطع أوصال النسب التشريحية

هل ستهدأ ألوانه ويعود الى عالم جمالنا أم سيستمر مع عالم جماله المسحوب والمجرور خلفه من الشمال البني حتى دمشق.
 
فارس الذهبي كاتب من سوريا

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …