أخبار عاجلة

راينر مارياريلكه قصائد فرنسية (منتخبات)

في أواخر سنيه، انهمك الشاعر راينر ماريا ريلكه Rainer Marria Rilke (1875-1925 ) بالترجمة عن الفرنسية (فرلين، مالارمه فاليري )، وكتب عددا من الدفاتر الشعرية مباشرة بهذه اللغة التي كان يجيد استخدامها، كان ست قبل قد ترجم الى الالمانية (لغته الأم، وهو الذي ولد في براغ ) بعض الأعمال الأدبية كالرسائل العشقية المدعوة بـ "رسائل الراهبة البرتغالية " وسواها. إلا أن انهماكه الأخير بالترجمة عن الفرنسية كان يبين عن نية واضحة في تقديم تحية إجلال لهذه اللغة ولعائلة من شرائها تجمع المعاناة الفذة الى الاناقة البالغة، ربما كانت تتلخص في الأسماء المذكورة الثلاثة. ويومذاك، كان ريلكه قد فرغ للتو من وضبع عمليه الكبيرين "مراتي دوينو" و"سونيتات الى أورفيوس " في فترتين متقاريتين وفيما لا يزيد على بضعة أسابيع وكان شيء من التعب والوهن الصحي يشعره بأنه يودع الحياة (وسيفارقها على أثر ابيضاض في الدم، يقال إن سببه كان ملامسة الأشواك المحيطة بوردة). ولدى صدور قصائده الفرنسية هذه، ومع سرور يلكه الواضح بصدورها استغرب بعض نقاده بين الألمان بخاصة، من هذه الأهمية التي يعلقها شاعر بضخامته على قصائد مكتوبة بلغة ليست لغت الأم. قصائد يتضح فيها نوع من النمنمة والتطريز والرشاقة والخفة، هذه الاشياء كلها الغائبة عن عمله بالغ الصرامة في الألمانية. واكتفى ريلكه بالرد بأنه إنما أراد أن يشكر عبر هذه القصائد منطقة "الفاليه " le Valais الفرانكفونية في سويسرا التي احتضنته طوال سنيه الأخيرة تلك، وأن يقدم كما يقول في عنوان إحدى قصائده الفرنسية، نوعا من"ضرائب الحنان لفرنسا"، ثم إنه، وبحد قوله، كان يريد أن يوافق بهذه القصائد الترجمات الفرنسية  لأعماله، وكانت قد بدأت هي الأخرى الصدور في باريس (على يد موريس بيتس واخرين ). وبالفعل فالقاريء يجد قي هذه القصائد بعض الاضاءة لهواجس ريلكه الشعرية وعددا من التنويعات على "موضوعاته " الأساسية على أن الفارق بينها وبين أثره الألماني يظل مديدا. وكان ريلكه نفسه واعيا بهذا الانزياح  فها هو يكتب في أولى هذه القصائد "صوت كأنه صوتي" هذه العبارة ( " كأن "، أو "تقريبا") هي التي تفصل كما كتب الشاعر والمترجم السويسري فيليب جاكوتيه في تقديمه لهذه القصائد (منشورات "غاريمار" ) بين الصوت الولادي والاخر "المعار". وما كان لشاعر بنزاهة ريلكه. نزاهة يرفعها الى مصاف اختيار وجودي، إلا أن يبوح بمثل هذه المسافة. هنا نماذج من هذه القصائد الريلكية الفرنسية مقتطفة من مختاراتنا الواسعة من شعر ريلكه، والتي هي قيد الطبع.
بساتين

-1-

هذا المساء يدفع قلبي للغناء

ملائكة تتذكر

صوت، كأنه صوتي،

بوفرة من الصمت مجذوب،

يحلق ويقرر

ألا يعود أبدا؛

في حنوه في جراءته

بم هو ذاهب ليتحد؟

-2-

يا قنديل المساء يا مسامري الهاديء

أنتما عن قلبي لم تكشف !

(ربما كنت ستضيع فيه ؟)، لكن منحدره

من ناحية الجنوب مضاء برقة.

أنت أيضا، يا قنديل التلميذ،

من يريد أن يتوقف ذلك الذي يقرأ

من هنيهة لأخرى دهشا، ويضطرب

فوق كتابه إذ إليك ينظر

(وتشطب بساطتك ملاكا)

-3-

ابق هادئا لو فجأة

هبط على مائدتك الملاك !

وبرفق امح بعض التجاعيد

التي يرسمها السماط تحت رغيفك.

ولتهده زادك الفقير،

 
   

ليذوقه بدوره،

وليرفع الى الشفة النقية

قدحك البسيط اليومي.

-4-

كم من مسارة غريبة

همسنا بها للأزهار

حتى يقول لنا هذا الميزان

المرهف وزن حماستنا

النجوم كلها آسفة

لأننا نجمعها بأحزاننا

ومن أقواها حتى الأوهن

ولا واحدة عادت لتحتمل

مزاجنا النزق،

تمردنا، صرخاتنا

إلا المائدة التي لا تكل

والسرير (المائدة المتلاشية).

-5-

كل شيء يحدث كأنما

يعاب على التفاحة

أنها للاكل تصلح

بيد أن ثمة مخاطر أخرى

خطر أن ندعها على الشجرة

أو ننحتها في المرمر

والأخير الخطر الأفظع

أن نلومها لأنها من الشمع.

-6-

لا أحد يدرك كم يحكمنا

ما يرفض اللامرئي أن يهبناه

عندما للخديعة غير المرئية

تستسلم من دون أن ترى، حياتنا

ببطء، وعلى هوى التجاذبات

يتنقل مركزنا من أجل
أن يكون القلب بدوره هناك

 

هو سيد الغيابات الأعظم أخيرا.

-7-

كلمتنا قبل الأخيرة

ستكون كلمة شقاء

ولكن أمام الوعي – الأم

ستكون الكلمة الأخيرة عذبة

إذ سيكون علينا أن نلخص

جميع جهود رغبة

لن يقدر مذاق أية مرارة

أن يتضمنها

-8-

إذا ما غنيتم إلها

فسيقابلكم هذا الإله بصمته.

لا أحد منا يتقدم

إلا صوب إله صامت

ذلك التبادل الخفي

الذي يرجفنا

يصبح إرث ملاك،

ولا يعود إلينا.

-9-

إن " السنطور" لعلى صواب،

إذ يجتاز واثبا فصول

عالم يكد أن يبدأ

حتى ملأه هو بقوته.

وحده مزدوج الطبيعة

في مأواه كامل.

نحن نبحث في جميع الأماكن

عن النصف المفقود لأنصاف الآلهة هؤلاء

-10-
قرن الخصب

أيها القرن الجميل من أين

على انتظارنا تنحني ؟
أنت يا من لست سوى منحدر

 
   

في هيئة كأس، ألا انسكب !

أزهار، أزهار، أز هار،

بسقوطها تصنع سريرا

للاستدارات المتوثبة

لهذه الثمار الناضجة كلها!

وهذا كله بلا انتهاء

يهاجمنا ويندفع

ليعاقب تقصير

قلبنا المزدحم من قبل.

يا قرنا بالغ البشاعة أية

معجزة عبرك تتحقق !

يا بوق الصيد، أنت يا من تصدح

في نفس السماء بأشياء!

-11-

مثلما يعرف قدح من "البندقية"

في ولادته هذا الرمادي

والسطوع المتردد

الذي سيهيم هو به،

فهكذا يداك الحانيتان

حلمت باديء ذي بدء

بأن تكونا الميزان المتمهل

للحظاتنا المفرط امتلاؤها.

-12-

شذات عاجع

أيها الراعي العذب يا من يبقى

بعد دوره بحنو

مع بقايا نعاج

على كتفه

أيها الراعي العذب يامن يبقى

في عاج مصفر

بعد لعبه الرعياني
إن قطيعك المندثر

 

ليدوم مثلك

في الكآبة المبطئة

لوجهك الذي يسند،

والذي يلخص في اللانهاية،

سكون مراع نشيطة

-13-

عابرة الصيف

أتراها مقبلة على الدرب المتنزهة،

هذه التي تحسد السعيدة، المتريثة؟

في منعطف الطريق ينبغي أن يحييها

سادة من الأمس، بهيون.

تحت مظلتها بلطافة خاملة،

تستثمر الخيار العذب :

أن تمحي أمام النور المباغت للحظة،

ثم أن ترجع الظل الذي به تستضيء

-14-

مع تنهيدة الصديقة

الليل كله ينهض،

مداعبة وجيزة

تعبر السماء المنبهرة

كما لو أن قوة للعناصر

في الكون تصبح

ثانية أم

كل حب يضيع.

-15-

يا ملاكا صغيرا من "الصيني "

لو حدث أن نظروا لك بازدراء،

فنحن عندما كانت السنة ملأى

وهبناك من توت العليق قلنسوة.

لقد بدا لنا من الحمق

أن نضع لك هذه القلنسوة الحمراء،

لكن مذ ذاك كل شيء بات يتحرك
إلا تاجك الحنون تاج " البارون " ( 1)

 
   

يا بس هو، ولكنه صامد،

ونحسب أنه يتضوع أحيانا

ومتوجة بشبح

جبهتك الصغيرة تتذكر

-16-

معبد الحب من يأتي ليكمله ؟

كل يذهب منه بعمود

وفي الختام يندهش الجميع

من أن الإله بدوره

يحطم السياج بسهمه

(هكذا نعرفه )

وعلى هذا الجدار المهجور

تنمو المناحة

-17-

أيها الماء المتدافع الراكض – يا ماء ينسى

أن الأرض الساهية تشرب،

تردد في يدي المجوفة للحظة

تذكر!

ياحبا جليا ومسرعا يا عدم اكتراث

 ياشبه غياب يركض

بين وصولك الكثير ورحيلك الكثير

يرتعش بعض مكوث.

-18-

كم يلذ أحيانا أن أشاطرك الرأي،

يا شقيقى البكر، يا جسدي

كم يلذ أن أكون قويا

بقوتك

أن أحس بك ورقة، لحاء، غصنا

وكل ما تقدر أن تكون أيضا

أنت البالغ القرب من الروح

أنت يا بالغ الصراحة يامن تتجمع

في جلي فرحك
في أن تكون شجرة الحركات هذه

 

التي تبطيء لهنيهة

سير السماوات

لتموقع فيه حياتها

-19-
"من بستان"

-1-

إذا كنت جرؤت على بالكتابة بك

أيتها اللغة المعارة، فربما حتى أستخدم

هذا الاسم الريفي الذي وحده سلطانه الفريد

يؤرقني منذ الأزل ( Verger )(2)

ياللشاعر المسكين هذا الذي عليه أن يختار

ليقول كل ما يتغمده هذا الاسم

تقريبات بالغة الغموض تترنح

أو أسوأ : السياج الذي يصد !

"فيرجيه " يالأمتياز قيثار

أن يقدر على تسميته ببساطة،

اسم لا نظير له يجتذب النحل،

اسم يتنفس وينتظر..

اسم ساطع يتخفى وراءه لربيع الأقدم،

مليء، ومع ذلك شفاف

وفي مقاطع متناسقة

يضاعف الكل ويفيض

-2-

صوب أية شمس تتدافع

كل هذه الرغائب المثقلة؟

هذه الحميا التي تقولون

أين مجرتها ؟

حتى يسر أحدنا الاخر

أو يلزم هذا الضغط كله ؟

لنكن خفيفين وخفيفات

على الأرض المشتغلة
بهذه القوى المتنابذة كلها.

 
   

ألا انعموا النظر الى البستان

لا مناص من أن يثقل

ومع ذلك فمن هذا العسر نفسه

يصنع سعادة الصيف

-3-

أبدا لاتكون الأرض أكثر حقيقية

مما في أغصانك أيها البستان الأشقر

ولا أكثر عوما مما في الدنتيل

الذي تضفره ظلالك على الحشيش

هنا يقوم ما يتبقى

لنا، ما يثقل وما يغذي

مع المرور الواضح

لحنو بلا انتهاء.

لكن في مركزك النافورة الوادعة

شبه نائمة في دائرتها العتيقة،

وعن هذا التضاد الرائع لا تكاد أن تتحدث،

لفرط ما بها يمتزج.

-4-

ماتراها تفعل ببركتها

كل هذه الآلهة العاطلة،

التي يدفعها ماض ريفي

لأن تكون عاقلة وطفلة؟

كأنها محجبة بصخب

حشرات تكدس

هي ذي تدور الثمر

(مشغلة إلهية).

لأن أحدا منها لايمحي

مهما يكن من عزلته !

وأولئك الذين يهددوننا أحيانا

هم لهة متبطلون.

-5-

ألدي ذكر، ألدي امال
وأنا أحدق بك يا بستاني ؟

 

إنك يا قطيعا للخصب، حولي تشبع،

والى التفكير تدفع راعيك.

دعني عبر أغصانك أتأمل

الليلة المؤذنة بالبدء.

عملت وكان هذا لي يوم أحد

فهل تراني في استراحتي تقدمت ؟

ما أعدل أن تكون راعيا أخيرا؟

أيمكن أن يكون بعض سلامي

تلغلغل اليوم برفق في تفاحاتك ؟

ذلك أنك تدريني على رحيل…

-6-

أما كان هذا البستان كله،

ثوبك المنير محيطا بكتفيك

أو لم تشعر الى أي حد يعزي

عشبه اللدن يتجعد تحت قدميك ؟

كم مرة، بديل النزهة،

فرض نفسه متعاظما

وكان هو والساعة الهاربة

من يمران في كينونتك المترددة

كان كتاب يرافقك أحيانا

ولكن نظرتك المسكونة بأشياء متبارية،

في مراة الظل كانت تواصل

اللعب القلب لمشابه بطيئة.

-7-

ياللبستان السعيد العاكف على إكمال

الأبعاد غير المحصية لجميع ثماره

والذي يعرف أن يحني غرائزه العريقة

أمام شباب لحظة!

ياللعمل العذب، يالنظامك من نظام !

طويلا يتمهل عند الأغصان الملتوية

ولكنه، مفتونا أخيرا بقوتها،
يفيض في سكون فضائي

 
   

أليست مخاطرك ومخاطري

متآخية يا بستان يا شقيقي ؟

الريح نفسها الاتية إلينا من بعيد،

تلزم بأن نكون حانيين وزاهدين.

جميع أفراح الأسلاف

تمر عبرنا وتتراكم

قلبهم السكران بالصيد

واستراحتهم الصامتة

أمام نار شبه مطفأة

لو، في قاحل اللحظات

فرغت منا حياتنا

فبهم سنظل ممتلئين

وكم من النساء كان عليهن

أن يهربن فينا، سالمات

مثلما في فاصل

مسرحية لم ترق

مزينات بشقاء لا أحد

ليريده اليوم أو يحتمله

يبدون قويات

الى دم الغير مستندات.

وأطفال أطفال !

جميع أولئك الذين يرفضهم الحظ،

يجربون فينا

جيبة الوجود مع ذلك

-21-
بورتريت داخلي

 ليست الذكر قط

هى ما يصونك في،

وأنت لست لي

بقوة رغبة جميلة
ما يحيلك حاضرة

 

هو المنعطف اللاهب

الذي يتبعه حنان متمهل

في دمي نفسه

لا حاجة لي

لرؤيتك تظهرين

كفاني أن أولد

لأضيعك أقل.

-22- 

كيف أميز من جديد

ما كانت الحياة العذبة؟

ربما بأن أتأمل

في راحة يدي صورة

هذه الخطوط، وهذه التجاعيد

التي نصون

إذ نطبق على الفراغ

هذه اليد للاشيء "

-23-
الشائق سفر

شيء منا، بدل أن

يتبعنا فهو يتنحى

ويتعود السماوات

أليس اللقاء القصي للفن

هو الوداع الأعذب ؟

والموسيقى : هذه النظرة الأخيرة

التي نصوب نحن أنفسنا إلينا؟

-24-

كم من المرافيء مع ذلك، وفي هذه المرافيء

كم من الأبواب ربما استقبلتك

كم من نوافذ

ترى فيها حياتك وجهدك.

كم من البذور المجنحة بالمستقبل
التي إذ تنتقل على هوى العواصف،

 
   

في يوم عيد بالغ العذوبة

سترى أزهرارها عائدا إليك.

كم من الحيوات تتجاوب أبدا

وبالانطلاقة نفسها التي هي لحياتك

مع انتمائها الى هذا العالم،

أي عدم شاسع الى الأبد مورط !

-25-

أليس محزنا أننا نغمض أعيننا؟

نريد عيوننا مفتوحة دائما،

لأننا أبصرنا قبل الأوان،

كل ما نضيع.

أليس فظيعا أن أسناننا تلتمع ؟

يلزمنا سحر أكثر تكتما

حتى نحيا في عائلة

في زمن السلم هذا.

لكن أليس الأسوأ أن أيدينا تتشبث

نهمة وقاسية؟

ينبغي أن تكون الأيدي بسيطة وطيبة

لحمل القربان !

-26-

غالبا أمامنا

تندفع الروح – الطائرة،

إن سماء أعدب

من قبل توازنها،

فيما نسير نحن

تحت غيوم صفيقة

فلنفد، فيما نكدح

من رشاقتها اللاهبة

-27-

مرئية من لدن الملائكة، ربما كانت ذوائب الشجر

جذورا تشرب السماوات،

وعلى الأرض تبدو لهم جذور الزان العميقة
ذرى صامتة.

 

ألا تبدو لهم الأرض شفافة

في مواجهة سماء ملأى كجسد؟

هذه الأرض اللاهبة حيث ينوح

بإزاء الينابيع نسيان الأموات ؟
-28-

آه يا جميع أصدقائي، إنني لا أنكر

أحد ا منكم، ولا حتى ذلك العابر

الذي ما كان من الحياة غير المتصورة

سوى نظرة عذبة، مفتوحة ومترددة

كم مرة يوقف كائن رغما عنه

بعينه أوإيماءته

هرب الآخر الخفي

إذ يحيل له هنيهة مرئية

المجهولون لهم نصيبهم الكبير

من حظنا الذي يتمه كل يوم

صوبي جيدا أيتها المجهولة المتكتمة

الى قلبتي الشارد، عندما نظرك تصوبين.

-29-

يا للحنين للمواضح التي لم تحب

في الساعة العابرة كفاية،

كم أود لو أرجعت إليها من بعيد

الايماءة المنسية الفعل الاضافي !

أن أعود أدراجي وأعيد بهدوء

وحيدا هذه المرة – ذلك السفر،

ثم عند النافورة أن أتمهل

لألمس هذه الشجرة وأداعب تكلم المصطبة

أن أصعد الى المصلى المتوحد

الذي يعده الجميع بلا فائدة

أن أدفع سياج تلكم المقبرة

وأصمت كما تصمت هي الصامتة الكبيرة!
أفليس هذا هو الزمن الذي ينبغى فيه

 
   

أن نقيم تواصلات ورعة، وحاذقة

كان هذا قويم ا لأن الأرض قوية

ولئن كان ذاك يتشكى، فلأننا لا نعرفها.

-30 –

هذا المساء خطر في السماء بعض شيء

يجعل المر  يطرق،

نود أن نصلي من أجل السجناء

الذين تتوقف حياتهم،

وبالحياة المستوقفة نفكر..

بالحياة التي لم تعد لتخطو صوب الموت

والغائب عنها المستقبل،

التي ينبغي أن نكون فيها أقوياء عبثا

وعبثا حزانى.

حيث تراوح في مكانها جميع الأيام

وتسقط الليالي جميعا في الهاوية

وحيث وعي الطفولة الصميم

الى هذا الحد يتلاشى

بحيث يكون القلب أكثر هرما من أن يفكر بطفل

وليس هذا لأن الحياة معادية،

بل لأننا نكذب عليها

محبوسين في سماكة نصيب لا حراك له.

-31-

ذلك الحصان الذي يرد النبع

وهذه الورقة التي في سقوطها تلمسنا

وهذه اليد الفارغة أو ذاك الفم

الذي يهفو ليحدثنا ولا يكاد يجرؤ

هي كلها تنويعات على الحياة التى تهدأ،

هي كلها أحلام للألم الذي يهوم :

آه، فليبحث من قلبه متطامن
عن الكائن وليعزه.

 
-32-
الربيع

إيه يا ميلوديا النسغ يامن

من آلات جميع

هذه الأشجار تتعالين –

ألا رافقي غناء

صوتنا بالغ الوجازة!

في بضع تقاسيم

فحسب نتابع

الصور الجمة

لتخليك الطويل

 أه ياطبيعة زاخرة

عندما سيلزم أن نصمت

سيواصل آخرون

لكن الآن ما أفعل

لأعيد لك

قلبي الواسع المكمل ؟

-2-

كل شيء يتهيأ ويمضي

شطر المسرة المتجلية،

الأرض وما يتبقى

سيسحراننا عما قريب

سنكون مموقعين بحيث

نرى كل شيء ونسمع كل شيء

بل سينبغي حتى أن نتمنع

ونقول أحيانا : يكفي !

هذا إذا كنا في الداخل،

ولكن المحل الرائع

مواجه أكثر من اللزوم
لهذا اللعب المؤثر.

 
   

-3-

 صعود النسغ في الشعيرات

الذي يري الشيوخ فجأة

ألسنة بالغة القسوة التي لن يرتقوها

والتي تهيىء الرحيل، في داخلهم

جسدهم (المهان بهذا الاندفاع

للطبيعة الفظة التي لا تدرك

إن هذه الشرايين التي ما برحت هي تغلي فيها

لاتكاد تحتمل نظاما يتعجل )

يرفض المغامرة المباغتة

وفيما يتصلب بارتياب

ليدوم على شاكلته فهو يحيل

على الأرض القاسية اللعب سهلا.

-4-

النسغ هو من يقتل

الشيوخ ومن يترددون

عندما يطوف هذا النغم

الغريب في الشوارع فجأة

كل من لم بعد لهم القوة

ليحسوا بان لهم اجنحة

مدعوون الى الطلاق

الذي بالأرض يمزجهم.

العذوبة تخترقهم

بسنانها القصي،

والدعابة تطوح

بمن، مع ذلك يتمنعون.

-5-

العذوبة ما قيمتها

إن لم تقدر

في حنوها وامتناعها على الوصف

أن تفزعنا ؟
الى هذا الحد تتجاوز

 

كل عنف

بحيث عندما تصاعد،

لا أحد ليحتمي.

-6-

في الشتاء الموت المميت

يدلف الى البيوت

يبحث عن الشقيقة وعن الأب

ويعزف لهما على الكمنجة.

لكن عندما يتململ التراب

تحت المحراث الربيعي

فإن الموت في الشوارع يركض

والمارة يحيي.

-7-

من ضلع ادم

سحبت حواء

فإذا ما حياتها اكتملت

أين تمضي لتحتضر؟

أسيكون آدم لها هو القبر؟

أينبغي لما تتعب

أن يهيىء لها محل

داخل رجل مسور؟

-33-

هذا النور هل تراه يقدر

أن يرد لنا عالما بأكمله ؟

أم هي بالأحرى العتمة

الجديدة، راجفة وحانية،

من إليه يشدنا؟

هو من يشبهنا الى حد بعيد

والذي يدور ويرتعش

حول دعامة غريبة.

ظلال أوراق واهية

على الطريق والحقل،

حركة مألوفة بغتة
تتبنانا، وبالسطوع

 
   

بالغ الجدة تحبمعنا

-34-

في النهار وسط شقرته

تمر عربتان بالحجر مترعتان :

نبرة وردية تارة تطالب

وطورا تعدل

كيف يحدث أن تصبح

هذه النبرة الحانية فجاة دالة

على مؤإمرة للحياة جديدة

بيننا نحن والغد؟

-35-
النافذة

-1-

ألست أنت هندستنا،

أيتها النافذة، يا شكلا بسيطا

يامن تؤطرين بلا جهد

حياتنا الشاسعة

هذه التي نحب ليست أبدا أجمل

إلا عندما نراها تظهر

مؤطرة بك ذلك أنك يا نافذة

تردينها شبه أبدية.

الصدف كلها ملغاة الكيان

يقف وسط الحب،

مع هذا الفضاء القليل حوله

الذي يحكم.

-2-

أيتها النافذة يا مقياس انتظار،

مرارا يملأ

عندما تنسكب حياة وتتعجل

صوب حياة سواها

أنت من تفصلين وتجتذبين
متغيرة كالبحر

 

مرآة فجأة، يتمرأى فيها محيانا

ممتزجا بما نرى عبرها،

أنموذج حرية مهددة

بحضور الحظ

مسكة بها بيننا يتعادل

فرط الخارج، الكبير

-3-

يا إناء عموديا يطعمنا

الزاد الذي يلاحقنا

والليل مفرط العذوبة

والنهار مفرط المرارة أغلب الأحايين.

المائدة التي لا تريد الانتهاء

بالأزرق متبلة

ينبغى ألا نكون متعبين

وبالآعين أن نتغذى

كم من الأطباق لنا تقدم

فيما تنضج الكمثرى

أه ياعيني يا آكلتي الورد

لمن القمر ستشربان !

إنه، طويلا، المنظر، إنه ناقوس

وللمساء هو التحرر النقي

بيد أن هذا كله يمهد فينا الاقتراب

صورة جديدة حانية..

هكذا نحيا في حرج جد غريب

بين القوس القصي والسهم بالغ النفاذ

بين العالم الأكثر غموضا من ان يسمح بالقبض على

الملاك

وهذه التي بحضورها المفرط تعوقه.

-37-

نرتب ونركب

الكلمات في صيغ جمة

لكن كيف يا ترى سنفلح
في مضاهاة وردة؟

 
   

إذا كنا تحتمل الادعاء

الغريب لهذه اللعبة

فلأن ملاكا يشوشها أحيانا.

– 38 –

في عيني الحيوان رأيت

الحياة الوديعة الدائمة

والهدوء الذي لا انحياز فيه

للطبيعة الثابتة

يعرف الحيوان الخوف

ولكنه سرعان ما يتقدم

وعلى طريقه الزاهرة

يحمحم حضور

محرر من مذاق كل "هناك ".

أينبغي حقا هذا الخطر كله

لأشيائنا الغامضة؟

أسيضطرب العالم،

إذا كان أكثر موثوقية؟

ياقارورة صغعرة مقلوبة

من وهبك القاعدة النحيفة هذه ؟

بشقائك العائم المهدهد،

أصبح الهواء جذلان

-40-
النائمة

محيا المرأة مسور على

رقادها فكأنما تذوق

صخبا ليس يشبه أي صخب

يملؤها كلها.

من جسدها المرن النائم

تستمد متعة

أن تكون بعد همسة
في نظر السكون.

 

-40-
الظبية

 آه يا ظبية أي داخل جميل

لغابات عتيقة في عينيك يفيض

كم من ثقة مكورة

ممتزجة بكم من الخوف.

هذا كله تحمله الرشاقة

الحيوية لوثباتك

لكن أبدا لاشيء يحدث

لجالهالة جبينك هذه.

غير المستحوذة

-41-

قفوا قليلا ولنتحدث

أنا أيضا من يتوقف هذا المساء

وانتم أيضا من إلي تصغون

بعد ذلك بقليل سيتظاهر اخرون

بكونهم جيران.على قارعة الطريق

تحت أشجار الفاتنة التي يعيرها البعض للبعض.

من الرباعيات الفالية"(3)

 إلى السيدة جان ده سيبيبوس – دوبرو

-1-

مثلما يكون من يتحدث عن أمه

شبيها بها فيما يتحدث

فهذه البلاد اللاهبة تشفي غليلها

من التذكر بلا انتهاء.

طالما بقيت أكتاف الكثبان

تحت الحركة البادئة تفيء

الى هذا الفضاء الذي يرجعها

الى دهشة الأصول.

– 2-
الارض هنا محاطة

 
   

بما يليق بدورها

الكواكبي متواضعة بحنو

تحمل هالتها.

عندما ترتمي نظرة فيا للطيران

عبر المسافات الصافية هذه

يلزم صوت الشحرور

حتى نقيسه.

-3-

يا بلادا تغني فيما تعمل،

يا بلادا سعيدة عاملة

فيما تواصل المياه أنشودتها

تصنع الكرمة عطفة بعد عطفة.

يا بلادا صامتة لأن نشيد المياه

ليس سوى صمت وافر،

ذلك الصمت الذي بين الكلمات

في الايقاعات يتقدم

-4-

طرق لا تفضي الى أي مكان

بين حقلين

كأنما بحذق

عن غايتها حرفت

طرق لا يكون غالبا

أمامها شيء آخر

سوى الفضاء وحده
والموسم.

 
الهوامش

1 – لقب " النبالة " المعرو ف (المترجم )

2 – المفردة فرنسية، وتعني "بستان " اثبتناها بلغتها الأصلية لتعلق الشاعر، كما يتضح في القصيدة برنين المفردة نفسه (المترجم ).

3 – نسبة الى منطقة "الفاليه " Le Valais السويسرية التي ؟مضى فيها الشاعر سنيه الأخيرة (المترجم ).

 
 
ترجمة ويقديم: كاظم جهاد
( شاعر ومترجم وأستاذ جامعي عراقي يقيم في باريس)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …