رحلة إلى الواحــــــــات

طلعت رضوان

سألتني عن موقف أتوبيس الواحات. قلت “أنا ذاهب إلى هناك”. لاحظتُ أنها تتعثر في خطواتها. تمشي بضع خطوات ثم تضع حقيبة السفر على الأرض لتستريح. عرضتُ عليها حمل حقيبتها فلم تمانع.
إنها المرّة الأولى التي أقرر فيها الذهاب إلى الواحات. لا أحد ينتظرني هناك، ولا أحد يرافقني، ولا أعرف سببًا لرغبتي التي أملتْ عليّ الذهاب.
وصلنا إلى موقف الأتوبيس، لاحظتُ أنها لم تتقدم نحو شباك التذاكر مثلي، ولم أهتمّ. علمتُ أنّ الأتوبيس سيتحرك بعد نصف ساعة، عرضتُ عليها الجلوس في كافتيريا المحطة فلم تمانع.
عاتبني أصدقائي كثيرًا على عادة متأصلة في طبعي، إذْ أنسى نفسي وأنا أنظر في وجوه الآخرين، وقالوا إنها عادة مرذولة، ورغم اقتناعي بنصيحتهم، أضبط نفسي أفعلها في الطريق. فأنا مولع بتأمّل الوجوه، ومغرم بقراءة جلد الوجه والعينين. وأُشبع رغبة لا أعرف لها سببًا.
وهذه السيّدة التي تجلس أمامي، والتي لم تمانع في حمل حقيبتها، ولم تمانع في دعوتي للجلوس في الكافتيريا، ماذا وراءها؟ هل هناك غير وجهها يفضّ غشاء صمتها؟ تخلــّـصتُ من ترددي وصوّبتُ نظراتي إلى الوجه الجالس أمامي. شدّني جلدٌ متغضن، وبريقٌ لامع في العينين، وعندما سألتها ماذا تشرب، لم تسمعني من المرة الأولى. فتأكــّـد شعوري بأنها غائبة عني في عالم لا أعرفه. عدتُ للجلد المتغضن، ولبريق العينين. أقرأ بعمق. مطمئنٌ إلى أنني لن أُضبط متلبسًا بالتطفل. قالت قراءتي الأولى إنه صراع الشباب والشيخوخة. لم أطمئن لهذه القراءة. قالت قراءتي الثانية علــّـه امتزاج الشيخوخة بالشباب. أحسستُ بها قراءة قلقة، فقالتْ قراءتي الثالثة ربما يكون تغضن الجلد مع بريق العينين، هو تصالح شيخوخة الجسد مع روح الشباب، قلتُ ربما وأنا أكاد أختنق بجهلي.
فوجئتُ بها تسألني عن الساعة، قلتُ: “الثانية وعشر دقائق” شكرتني ونظرتْ في ساعتها. استرختْ في مقعدها، فأرسلتُ إلى عينيها نظراتي. كانت غائبة في عالمها. تخيّـلتها كالموديل التي تجلس لاهية أمام الفنان ليفعل ما يشاء بوجهها. اكتشفتُ جمالا في الوجه اللاهي عني؛ ربما أخفاه التغضن في نظرتي الأولى. جبهةٌ مشدودة، تستدير في انسيابية، ونعومة على ذقن صغير، وشفتين رقيقتين. أما شعرها الفضي القصير، فقد تناغم مع بريق عينيها، كأنما يعزفان لحن الجمال الذي لم أنتبه إليه من قبل، وانتقلتْ عيناي إلى الجاكت الخريفي بألوانه الزاهية، فبدتْ لي كلوحة فنيّة بديعة.
اكتشفتُ أنها انتصبتْ في جلستها، وتخلــّـتْ عن الاسترخاء، وأنّ رقبتها تتحرك إلى اليمين وإلى اليسار، وإلى مدخل المحطّة. ولا تكف عن سؤالي عن الساعة ثم النظر في ساعتها. تلبّسني توترها، وتملــّـكني حنق على نفسي لفشلي في قراءة عينيها. وعندما اقتربتْ الساعة من الثانية والنصف قلت لها: “الأتوبيس على وشك التحرك” نظرتْ في ساعتها وقالت: “تفضل أنت قبل الأتوبيس ما يفوتك” سألتها: “وأنت؟” قالت: “تفضل أنت، ولا تشغل بالك بي” وضعتني أمام الحدّ الفاصل بين قراريْن: أنْ أركب أتوبيس الواحات أم أبقى معها؟ دقائق تفصل بين الاختيار: أنْ أذهب في رحلتي إلى مجهول لا أعرفه، أم أبقى لهدف أجهله؟ انتبهتُ على صوتها “الأتوبيس يتحرك، اجري بسرعة كي تلحقه”، قلتُ وقد انحزتُ لرغباتي التي لا أعرف أسبابها: “أنا لن أسافر”.
كان الصمت رفيقنا الثالث لعدة دقائق. أنا أفكر في قراري الأحمق، وينحفر في صدري سؤال كالسكين: هل هو قرار أحمق فعلا؟ وسؤال الحمق يسحبني إلى أسلوب حياتي. إلى يوم إجازتي الأسبوعية الذي أخصصه لسفر بلا هدف، وإلى كل أيام الإجازات. أقطع المسافات ذهابًا وعودة، إلى الإسكندرية أو دمياط أو المنيا. في كل مرّة أشتري تذكرتيْ ذهاب وعودة على نفس القطارأوالأتوبيس. يلحّ أصدقائي في ضرورة عرضي على طبيب نفسي. أقول لهم إنّ ما أفعله يُحقق لي بهجة لا أعرف مصدرها. ينصحونني بالزواج، وقد تخطيتُ الأربعين، وكلــّما فكرتُ بجدية في نصيحتهم تملــّـكني رعبٌ لا أعرف أسبابه. عادتان تملــّـكتاني: السفر بلا هدف، وقراءة الوجوه. عادتان تـُحققان بهجة أسعى إليها. أُدرك أنها غامضة، ولكنها تـُشعرني بنبض الحياة. بعد رحلة العودة من سفر بلا هدف، أشعر كأنني التقيتُ معشوقتي.. وتبادلنا الحديث والغرام، وشخــّـصنا أوجاع النفس. وأمراض المجتمع وأزمة الوجود، فأنام كالعاشق على صدرمعشوقته. أما متعة قراءة الوجوه فهي لصيقة بمتعة السفربلا هدف. إذْ يتملــّـكني يقين أنني كلــّما تمكــّنتُ من قراءة الوجوه، فهذا يعني أنني موجود، ولكن، آه، ها أنا أفشل في قراءة الوجه الجالس أمامي، وكيف لم أكتشف أنّ بريق العينين اللامع، يذوي وينطفئ مع مرور الدقائق وسؤالها الملحّ عن الساعة؟
انتبهتُ على صوتها: “هل كنت تنتظر أحدًا؟”
تردّدتُ في الإجابة، وبعد أنْ نظرتُ في عينيها اللوزيتين، وإلى شفتيها الورديّتين، فضّلتُ الكذب فقلت: “نعم” سألتني: “صديق أم صديقة؟” تصوّرتُ أنّ الكذبة كلــّـما كانت كبيرة كان تأثيرها أعمق فقلتُ: “صديقة”، قالتْ: “أكيد أنت حزين لأنها لم تحضر؟”، قلت: “بالعكس. أنا سعيد لأنها لم تحضر” قالت: “كيف تكون سعيدًا لإنها لم تحضر؟ هذا أغرب رد سمعته في حياتي” قلتُ وقد تصوّرتُ أنها تخاطب نفسها أكثر مما تخاطبني: “من لا يحترم الموعد، لايستحق الزعل عليه” انفعلتْ وانتفضتْ، وعلا صوتها لأول مرة ((أنت تجلس هنا، ولا تعرف ماذا حدث لها، ربما تعرّضتْ لحادثة؟ أو..أو..”
فوجئتُ بسحابات تــُـضببْ عينيها. أيقنتُ أنّ حماقتي بلا حدود، وأنها تبكي حالها الذي أجهله، وتتحسّر على أتوبيس الواحات الذي تركها وحيدة في صحراء بلا بشر. أحسستُ بالكلمات على لساني مقيدة. والمعاني تتزاحم وتتصارع. هل أقول لها أنني كذبتُ عليها؟ وأنني إنسان عابث وأحمق؟ هل أكتفي بالاعتذار لأنني فجّرتُ دموعها؟ أنقذتني من حيرتي عندما سألتني عن الساعة. قلتُ: “الثالثة والنصف” نظرتْ في ساعتها، وقالت: “أنا سأغادر المحطة، هل لديك أمل في وصول صديقتك؟”
أدهشتني براءتها المضادة لحماقتي. لم أجد سلاحًا غيرسلاح الحماقة فسألتها:
“هل كنتِ تنتظرين أحدًا؟” كنتُ أخشى أنْ تنغلق على نفسها وترفض البوح، ولكنّني فوجئتُ بها ترد بعفويّة: “طبعًا”. قلتُ: “صديق، أليس كذلك؟” قالتْ بنفس العفوية التي أدهشتني كثيرًا لعدة سنوات: “صديق؟ وأي صديق؟ اسمع يا أستاذ، ليس من المهمّ أنْ أعرف اسمك، أرجوك أنْ تسأل عن صديقتك، يجب أنْ تطمئن عليها، ولا تتخلَّ عنها، خذ نصيحتي وخبرتي، صديقي الذي لم يحضر، قابلته من أسبوعيْن بعد فراق عشرين سنة، وقضينا أجمل أسبوعيْن في حياتنا. قال لي إنّه بنى بيتــًـا في الواحات، وعرض عليّ أنْ أعيش معه هناك، ونبدأ حياتنا من جديد”.
تضاربتْ انطباعاتي وهي تتكلم. هل هي تغسل همومها، وتتطهر وتسمو فوق معاناتها؟ أم أنها تستسلم وتخبو كما خبا بريق عينيها. وهي تنظر في الساعة. وفي كل الاتجاهات؟ قلتُ أواسيها.. وقد تغلغلتْ روحها في وجداني ((أكيد فيه سبب خارج عن إرادته منعه من الحضور” قالــــتْ: “كلامك صحيح، لكن كيف أعرف؟” قلت مستنكرًا سؤالها: “تعرفي عندما تتصلي به وتسأليه”. قالت بنفس العفوية: “المشكلة أني لا أعرف له لا تليفون، ولا عنوان”.
لولا جلال الموقف لضحكتُ بعنف. أسعدني أنني لستُ الأحمق الوحيد. كتمتُ رغبتي في الضحك وقلـــــتُ: “هذا عبث”.
فوجئتُ بها تسألني عن وظيفتي، أدهشني سؤالها. قلتُ: “أستــــاذ فلسفة”. قالت: “أنا أيضًا أحب الفلسفة، وإنْ كنتُ لا أفهمها، وغير قادرة على فهم الحياة، رغم حبي لها”.
نظرتْ في الساعة، ولم تسألني عنها كما اعتادتْ. ثم قالت: “أعتقد أنه لا جدوى من الانتظار”. تخبّط لساني وارتبك وأنا أقول:” طبعًا”.
كنتُ أود أنْ يطول البقاء، وأنْ يستمر الحديث. كانتْ قد نهضتْ قبلي. انحنتْ تحمل حقيبة السفر، عرضتُ عليها حمل الحقيبة فلم تمانع، وغادرنا بوفيه المحطة.

شاهد أيضاً

رسائل من فؤاد التكرلي (1927-2008)

خالد المعالي لا تسعفني ذاكرتي بشيء واضح حول بداية علاقتي بفؤاد التكرلي، فهناك علي الشوك …