رسائل من فؤاد التكرلي (1927-2008)

خالد المعالي

لا تسعفني ذاكرتي بشيء واضح حول بداية علاقتي بفؤاد التكرلي، فهناك علي الشوك (1930-2018) الذي يرد ذكره في أول رسالة، وهناك حكمت الحاج الذي كان يقيم بتونس حينها وكنت على تواصل معه، وحسين الموزاني (1954-2016) الذي زار تونس وجلب معه مخطوطة رواية التكرلي «المسرّات والأوجاع» لغرض نشرها ضمن منشورات الجمل، ولكنّي لم أفلح في نشرها بسبب الصعوبات العديدة التي كنت أعانيها حينذاك في صف النصوص. ويبدو أن علي الشوك هو من اقترح علينا التواصل فيما بيننا كما هو واضح من أقدم رسالة محفوظة. لقد نشرت لفؤاد التكرلي روايته القصيرة الأولى «بصقة في وجه الحياة» عام 2000 بطبعة وحيدة لم تنفذ حتى يومنا هذا.
أتذكر لقاءاتنا الدوريّة خلال معرض تونس للكتاب في كل عام، حيث كنا نخرج سويّة بسيارته الصغيرة، على الأغلب مع حكمت الحاج. في لقاء لنا بتونس، وكان هذا قبل عام 2003 كان غاضبًا من حسين الموزاني لسوء فهم سياسيّ بينهما، وكنتُ أحاول بلطف أن أطيّب خاطره مؤكدا له أن الخلاف أمرٌ طبيعي وهو صراع أجيال وعقدة الأبن والأب الخ… لكنّه أجابني بلهجة بغدادية افتقدتها لزمن طويل:» أنا كنت قاضياً ببغداد… وهؤلاء آل موزان، أستاذ خالد، عشيرة قتلة، كل أسبوع يقتل أحدهم الثاني…». حين عدتُ إلى ألمانيا حاولت الاستفهام من حسين الموزاني حول موضوع خلافه مع التكرلي، وذكرت له حكاية القتلة، فضحك الموزاني، ولكنه فيما بعد أخبرني بأن العشيرة التي يقصدها التكرلي ليست عشيرته هو. لكننا التقينا لآخر مرة في شهر أكتوبر 2004 خلال معرض فرانكفورت للكتاب، وأعتقد أنّ فؤاد التكرلي كان مدعوًّا آنذاك بمناسبة استضافة الثقافة العربية في المعرض.
يذكر في رسالته الأولى مسرحية «سقوط بابل» وينسبها إلى علي الشوك، وأعتقد أن الصحيح أن المسرحية هي «هلاك بابل» وهي للكاتب العراقي عارف علوان (1941-2017) التي كنتُ أرسلت إليه نسخة منها. ولا أذكر أنه أرسل لي مادة للنشر بقلم زوجته الكاتب رشيدة التركي.
هنا مجموعة من الرسائل التي وجدتها في أرشيفي، أما رسائلي إليه فلا أملك نسخًا منها، عسى يأتي وقت وترى النور هي أيضاً.
(خ. م.)

 

تونس: 27/08/1996
عزيزي الأستاذ خالد المعالي
تحية طيبة
أشكر لك جزيل الشكر مبادرتك الجميلة بإرسال عدد من مجلة «عيون» مع بعض منشورات «الجمل» ومسرحية الصديق علي الشوك «سقوط بابل».
لقد وجدتُ عدد المجلة متميّزاً، يبرز من العراق وجهه الأصيل، ويتصل بثقافات العالم بشكل متوازن ومحترم. أسعدني حقاً أن أطلع على مقالة «هابرماس» عن أدورنو (مقالة هابرماس عن أدورنو نُشرت في العدد الأول من مجلة «عيون» العدد -1 1995، وهي من ترجمة حسين الموزاني. خ. م.)، وأن أقرأ للصديق طهمازي، ومراسلات الصديقين شاكر (حسن آل سعيد) و(حاتم) الصكر. أرجو أن يسمح لي الوقت لقراءة مجموعة الأخ حسين الموزاني بتأنٍّ.
عزيزي الأخ خالد،
أخبرني الأخ أبو زينب (علي الشوك) بأن في النية توسيع منشورات «الجمل» وزيادة المطبوع منها، واقترح عليّ أن أتصل بك بشأن رواية أتممتها منذ أشهر وأشتغل على تبييضها، ولعلي أنتهي منها خلال الشهرين القادمين. لقد نشرتُ ثلاث روايات لدى سهيل أدريس؛ ولا أدري ما إذا كانت منشوراته تصل إليكم أم لا؛ وهل لديك فكرة عن كتاباتي!
المهم أن الرواية الجديدة قد لا تصلح للنشر في البلاد العربية، ولدى سهيل أدريس على الأخص؛ ففيها تحديات كثيرة للرقباء على الأخلاق العامة كما يسمون أنفسهم؛ إذ ما إن يمسك الكاتب حقاً بطرفٍ من حريته الداخلية، حتى يجد نفسه متجاوزاً الحدود بمراحل. باختصار، أفتّش عن ناشر في أوروبا، رغم علمي بضعف التوزيع عموماً هناك، ولذلك أحببتُ أن أسألك إن كانت لديك الرغبة والقابليّة على نشر عمل ضخم إلى حد ما (100 ألف كلمة) يتضمن… أو «قد» يتضمن نشره بعض المشاكل في إدخاله إلى البلاد العربية، ليس من الناحية السياسية بل فيما يعتبر تصويراً لمناظر تمس «الحياء العام» كما يعبرون عنها؟ وفي هذه الحالة، ما الشروط التي تتعامل بها كناشر؟
أرجو ألا أثقل عليك أيها الأخ خالد، فما نعاني منه في الغربة هو نفسه سواء كان في أوروبا أو في البلاد العربية.
ختاماً، أكرّر شكري للطفك وكرمك بإرسال رزمة الكتب إليّ. آمل أن تسنح لنا الفرصة لنستمر في التواصل.
واسلم مع الود،
المخلص فؤاد التكرلي
تونس: 31/10/1997
عزيزي الأستاذ خالد
تحية ومودّة
يجب أن أعتذر لك لعدم إجابتي على رسالتك الأخيرة التي وصلتني منذ مدة طويلة. أتذكر أنك أردت منّي أن أعمل (الديسك) لروايتي الأخيرة وأرسله لك لنشرها… إلخ ونظراً لوضعي المادي لم يخطر لي أن أعمل هذه «الديسك» اللعينة لأنها تكلفني مالاً لا أملكه.
على كل حال، فقد حدث أخيراً أن قبل فخري كريم «المدى» أن يطبع الرواية فأرسلها له الصديق علي الشوك وهي الآن – كما كتب لي سعدي يوسف – على مكتبه في دمشق تنتظر أن يُبت بمصيرها.
أخي خالد،
لست متفائلاً كثيراً من هذا الترتيب، لأنّ في الرواية بعض الألغام (الجنسية خاصة) التي قد يخشى معها الأخ فخري نشر الرواية. حينئذٍ يأتي دورك، كما أخبرت الأخ حسين الموزاني، لأنّي واثق أنك تبحث – مثلي – عن متاعب من هذا النوع. لذلك سأرسل لكما، للأخ حسين ولك، نسخة من الرواية وهي بعنوان (المسرات والأوجاع) لكي تطلع عليها أولاً وتتمتعا بما فيها ثانياً ولكي نكون على اتصال فيما بيننا بعد ذلك ثالثاً. ألديك اقتراح آخر؟
أرجو لطفك إيصال رسالتي إلى الأخ حسين الموزاني.
خالص محبتي وتمنياتي الطيبة، واسلم.
فؤاد التكرلي

 

تونس: 29/12/1997
عزيزي الأستاذ خالد
تحية المودة
شكراً لرسالتك الأخيرة ولمخابرتك التلفونية التي أحاطتني بجوّ الحماس الجيد الذي يتملكك. اتصل بي الأخ علي الشوك أمس مساءً وأخبرني بأن فخري كريم خابره وأخبره بأنه قد تم طبع «المسرات» في (470) صفحة وصُلحت مرتين، وسيرسلون مع ذلك البروفات لي لتصليحها للمرة الثالثة. وهكذا خرجت الرواية من سيطرتي. إنما يهمني أن أعرض عليك، محبةً مني لنزوعك الثقافي المؤثّر، أن تنشر مجموعة قصصية لي لم تجمع من قبل في كتاب، مع رواية صغيرة قديمة لم أتجرأ على نشرها حين أنهيتها في سنة 1949 وهي معي الآن في تونس واسمها (بصقة في وجه الحياة) لا أدري ان كنتَ سمعت بها أم لا، فقد تحدث عنها طويلاً د. عبدالإله أحمد في كتابه عن «القصة العراقية» إذا كنت مستعداً فاكتب لي لأجمع الأقاصيص وأرسل لك صورها مع الرواية.
تحياتي للأخ حسين الموزاني وتمنياتي الطيبة له ولعائلته بالعام الجديد. تمنياتي لك بعام جديد مشرق مليء بالنشاط وبقليل من خيبات الأمل.
واسلم مع الود الدائم
فؤاد التكرلي

 

تونس: 09/02/1998
عزيزي الأخ خالد
تحية المودة
استلمت رسالتك الأخيرة منذ أسابيع، كنت بدأتُ بتحضير مجموعة من الأقاصيص لم تنشر في مجموعة، فكرت أن أضمّها إلى (بصقة في وجه الحياة) لتكوّن عشر أقاصيص مع مقدمة أكتبها عن موقفي الحياتي والنفسي خلال كتابة هذه القصة سنة 1948/1949. أرجو أن يكون هذا ملائماً لك ولمنشورات الجمل. وأنا أكتب إليك هذه الرسالة لأنّي أشعر بأني سأتأخر قليلاً في إرسالها إليك. إذ لم أزل لم أكمل المقدمة وسأسافر يوم 20/2 إلى القاهرة، فتنقطع سلسلة أفكاري! مع ذلك، تأكد بأني سأرسل لك صورة من المجموعة للاطلاع وتقدير نشرها من عدمه. ووددتُ كذلك أن أخبرك بأن لدى زوجتي التونسيّة رشيدة التركي (لها مجموعة قصصية نشرتها دار الآداب سنة 89 بعنوان عصر الحنين) أقاصيص جديدة يمكن أن تشكّل مجموعة قصصية ذات مستوى محترم. إن محاولتها الأخيرة تستحق الاهتمام حقاً. إذا كان لديك متّسع أرسلتُ لك المجموعة للاطلاع عليها.
عزيزي خالد،
أرسل لي فخري كريم البروفات النهائية «للمسرّات والأوجاع» منذ أكثر من أسبوعين فصلحتها وأعدتها إليه. أرجو أن تصدر خلال وقت قريب. هل يرسلون لك مطبوعاتهم؟ اقترحت عليه شروطاً آمل أن يقبلها، وهي على كل حال، ليست مُشِطة.
تحياتي للأخ حسين الموزاني مني ومن زوجتي رشيدة. كان تعارفنا مع مدام هانيك (ربما يقصد كارين، زوجة الموزاني حينها… خ. م.) سعيداً حقاً وهي امرأة جدية وتهتم بالثقافة.
واسلم.
المخلص
فؤاد التكرلي

 

تونس: 16/02/1998
عزيزي خالد،
تحية
أرسل إليك هذه «البصقة في وجه الحياة» حسب وعدي لك. إنّها نسخة أعددتها لك ويمكنك أن تقرأها على مهل وتقرر قضية نشرها من عدمها. وكما ستلاحظ فإنها مكتوبة في ظروف خاصة (سأشرحها في المقدمة) من قبل شاب لم تنضج كل أموره الأدبية! فإذا وجدتها صالحة للنشر أضفنا إليها تسع أقاصيص أخرى تكوِّن مجموعة محترمة. أجبني على ما تراه بشأنها لكي أرسل إليك المقدمة التي لم أتمها بعد ونسخ الأقاصيص. الأقاصيص لم تنشر في مجموعة، ثلاث منها نشرت في مجموعة لم تخرج من تونس!
سأسافر الجمعة القادمة إلى القاهرة للبقاء أسبوعًا وسأشارك في مؤتمر الرواية العربية ببحث عن اللغة الأدائية. لست متحمسًا للتنقل، وهذا الجو السياسيّ اللعين يطاردنا ليل نهار.
كنتُ أرسلت لك رسالة كي لا يطول انتظارك. دعني اسمعْ منك عن قريب. تحياتي للأخ حسين الموزاني.
واسلم مع الود.
فؤاد التكرلي

 

تونس: 27/04/1998
عزيزي خالد
تحياتي
سرني حديثنا التلفوني القصير صباح اليوم.
أرسل إليك طيًّا المقدمة التي وعدتك بها. في ظني، إن نشر «البصقة» بمفردها سيكون عملاً مبرراً بسبب طبيعة النص. بعد ذلك، يعود إليك إخراجه بشكل ملائم حسب ذوقك وخبرتك؛ وأنا واثق أنك لا تحتاج لمشورة أحد بهذا الشأن.
لدي، كما أخبرتك، عشر أقاصيص جاهزة للنشر، وهي تشكل مجموعتي القصصية الثانية. سبع منها نشرت في الصحف فقط، وثلاث نشرت ضمن مجموعتي التونسية التي لم توزع خارج تونس. سأنتظر منك أن ترسل لي عقداً عن (البصقة). اقتراحاتي هي: 10% من سعر الغلاف. 30 نسخة لي. 25% من الحقوق عند النشر. اكتب لي عن رأيك في هذه الشروط، رجاءً.
تحياتي للأخ حسين الموزاني.
واسلم مع المودة الدائمة
فؤاد التكرلي

تونس: 23/11/1998
عزيزي الأستاذ خالد
تحية المودة
آسف لتأخري في الإجابة على رسالتك المؤرخة 04/09/1998. ظننتك مستعجلاً لنشر الكتاب فأسرعتُ لكتابة مقدمته! كنت معوّلاً على نشره هذه السنة لأسباب خاصة. مع ذلك، فالظروف لا تسمح دائماً بتحقيق الرغبات.
أخي خالد،
لا بأس بشروطك للنشر، سوى أني غير مهتم بمثل هذا المبلغ من المال يأتيني في القرن القادم! لذلك أفضل أن ترسل لي أو بقسم منه نسخًا من «البصقة» إن أمكن. كما أرجو لطفك أن نتعاون فترسل لي البروفات الأخيرة لتصليحها. أعانك الله على إنجاز أعمالك ومنحك الصحة والقوة.
واسلم.
المخلص
فؤاد التكرلي

 

تونس: 13/04/1999
عزيزي الأستاذ خالد
تحية المودة
سررت كثيراً قبل عدة أسابيع حين وجدتُ منشورات «الجمل» معروضة في إحدى مكتبات تونس! إذ إن هذا حدث استثنائي، في هذا البلد الذي يضع الأدب والأدباء فوق الفضلات بقليل!
ما هي أخبارك؟ هل سنراك خلال معرض تونس الدولي للكتاب؟ أم سنرى منشوراتك فقط؟
عزيزي خالد
وددت تذكيرك برغبتي في تصحيح البروفة الأخيرة لـ «بصقة في وجه الحياة»، إذا كان ذلك ممكناً. سأكون شاكراً لك جهدك الأخوي لإيصالها إليّ.
واسلم مع التمنيات الطيبة.
المخلص
فؤاد التكرلي

تونس: 01/09/1999
عزيزي الأخ خالد
تحية المودة
أسمع أخبارك في مجال النشر والترجمة والتوزيع وأفرح بها كثيراً؛ ولقد شكرتُ لك اهتمامك بأن ترسل لي البروفات الأخيرة لروايتي الصغيرة؛ إلا أني أشك في أنك ستقدر على البر بوعدك!
ولذلك أقترح عليك أن تعيد إلينا النصّ لكي يقوم أبو زينب… حكمت الحاج، بترتيب الديسك وأكون أنا قريباً منه فأصلحه في الوقت نفسه. ما رأيك؟ يهمني أن نتعاون أولاً وأخيراً.
أنا بشوق للاطلاع على قائمة مطبوعاتك، وخاصة الترجمات من الألمانية. إنك تؤدي خدمة عظيمة للأدب بهذا العمل. وفقك الله وشكراً لاهتمامك «بالمسرات».
واسلم مع الود الدائم.
فؤاد التكرلي

 

تونس: 31/08/2001
عزيزي خالد،
تحية المودة
وصلتني صباح اليوم رزمة تحتوي على عشرين نسخة من «البصقة». شكراً جزيلاً لهذا الاهتمام الأخوي المخلص. كنتُ بحاجة لهذه النسخ من أجل الأصدقاء الذين أخذوا يلحّون بطلبها على أساس أنهم لا يجدونها في المكتبات! أكرر شكري لك يا عزيزي خالد.
أصارحك القول بأني دهشتُ بعض الشيء لردود أفعال أصدقاء أحترم ذوقهم ورأيهم النقدي، حين أشادوا بهذا العمل الصغير واعتبروه مذهلاً!
لم أستطع، حقيقة، أن أجد تفسيراً لذلك. حتى المترجمة الأستاذة كاترين كوبهام، التي ترجمت «الرجع البعيد» – وقد نُشرت قبل شهرين في القاهرة ونيويورك – أبدت لي إعجابها وقررت أن تكتب عنها مقالاً!
عزيزي خالد،
يجب أن أقول لك بأني أعجبت بشخصك خلال لقاءاتنا القصيرة في معرض الكتاب. أحب كثيراً في «الأدباء / الأصدقاء» أن يكون لديهم بعض التعالي الجميل عن المادة وشؤون الحياة الرخيصة. لا يثير إعجابي هذا التقاتل السمج حول المال. ولقد حدستُ فيك هذا الشيء.
لم نلتق كثيراً مع الأسف، ولكن الظروف لا بد أن تسمح بلقاء آخر طويل.
أكرر شكري لك، عزيزي خالد، متمنياً لك كل توفيق وسعادة.
واسلم.
المخلص
فؤاد التكرلي
ملاحظة: أرسل إليك نسخة العقد موقعة حسب الأصول وكما طلبتَ منذ فترة طويلة. مع الاعتذار.

شاهد أيضاً

حياة جثة

حمود سعود عندما تغرق السفينة لا تبحث عن لوح للنجاة أو قشة للهروب أو جناح …