أخبار عاجلة

رفائيل ألبيرتي امتداد شعري بشساعة البحر

آخر العقد في جيل 27 الشعري:

في يوم 28 أكتوبر 1999م توقفت نبضات قلب شاعر عالمي كبير، عرف كيف يكون شاعرا وشاهدا ومثلا أعلى في الصدق، وفي الحب، وفي التسامح لقد رحل باتجاه البحر ناشرا كلماته المضيئة البهية أشرعة، وحده البحر يستطيع أن يحتضن شاعرا بحجم رفائيل ألبيرتي آخر شعراء جيل الـ27 في اسبانيا، جيل فيديريكو جارسيالوركا، جيراردو دييجو، وخورخي جيين، ولويس ثيرنودا، وفثينطي ألكسندري، وداماصو ألونصو وبيدروساليناس.. وغيرهم..

كان شاعرا، وتشكيليا وعاشقا للبحر الذي نسج معه حكايات وله متجددة بتجدد الزمن، آخرها رغبته في أن يتم نثر رماد جثمانه في مياه خليج قادش، قرب مسقط رأسه وشطآن طفولته التي تطن عليها قرية بويرتو سانتاناماريا ببياضنا الناصع، بياضها الذي يشبه قلب الشاعر. لقد عاش هذا القلب نابضا على مدى قرن، وكتب بالحبر السري تغريبة الفتوة، وألم الحرب الأهلية التي مزقت اسبانيا في الثلاثينات، كتب عن إنكسارات حلم شعب، وعن فضاءات المنفى الذي عانقه أكثر من ثلاثين سنة منتظرا العودة إلى وطنه والتي تمت بعد وفاة الجنرال فرانكو وتحقيق المصالحة الوطنية في إسبانيا: "خرجت منها وقبضتي مشدودة وعدت بيدي مفتوحة رمزا للسلام والإخوة بين الإسبان" ولد رفائيل ألبيرتي سنة 1902 بـ"بويرتو دي سانتا ماريا" في قادش، عاش جزءا من طفولته بمسقط رأسه، حيث تابع دراسته الابتدائية بمدرسة اليسوعيين، وفي سنة 1917 انتقلت أسرته الى مدريد، فتوقف الشاعر عن متابعته الدراسة الثانوية، متفرغا للرسم والتشكيل حيث أعد أول معرض تشكيلي له سنة 1922، وخلال فترة خلوده للراحة بسبب المرض في "سييرا كواداراما" (جبل بالقرب من مدريد)، شرع في محاولة نظم الشعر، وان كان قد استمر في مزاولة التشكيل، إلا أن الشعر سيشغل بعد ذلك حيزا هاما وأساسيا في حياة ألبيرتي يقود عن تلك الفترة:

"لم يكن لدي وضوح حول المهنة التي سوف أمارسها مستقبلا، فقط كنت أؤمن في قرارة نفسي أنني شاعر". وفي سنة 1925 سينال الشاعر رفائيل ألبيرتي الجائزة الوطنية للآداب، مناصفة مع شاعر آخر من جيل 27 هو خيراردودييجو، عن مجموعته الشعرية الأولى المعنونة بـ "بحار في اليابسة"، وفي سنة 1931 انخرط الشاعر في الحياة السياسية، وساهم مساهمة نشيطة في تعبئة الجماهير أثناء الحرب الأهلية الاسبانية من موقعه اليساري، فشارك في التجمعات الشعبية التي كانت تنظم في المدن لمواجهة الزحف الفاشي الفرنكوي الذي اكتسح جنوب اسبانيا وأصبح يهدد العاصمة مدريد.. بعد أن وضعت الحرب أوزارها وخسر الشاعر أحد رهاناته إثر انهزام المعسكر الجمهوري المنتخب شرعيا، سيختار رفائيل ألبيرتي المنفى شأنه في ذلك شأن العديد من المثقفين والكتاب والسياسيين الإسبان، سينتقل كلاجئ سياسي من وهران الى باريس ثم بوينس أيريس فروما، قبل أن يتمكن من العودة الى وطنه اسبانيا بعد نهاية الدكتاتورية والانتقال الى الديمقراطية بوفاة الجنرال فرانكو، وسيرشح ألبيرتي لشغل منصب نائب عن منطقة قادش في مجلس النواب، وإذ سيتم له ذلك فإنه سيتخلى عن المقعد البرلماني بعد مدة قصيرة ليتفرغ للشعر وللرسم، وسيعود الى قريته الصغيرة التي لن يغادرها إلا في مناسبات قليلة.. حصل الشاعر على عدة جوائز أدبية هامة مثل: جائزة لينين للآداب 1966 وجائزة سيرفانطيس للآداب 1983 كما منح درجة دكتوراة شرفية من كل من جامعة قادش وجامعة بلنسية.

عن مسيرة ألبيرتي الشعرية:

يحقق شعر رفائيل ألبيرتي إدهاشا لقارئه، بسبب تنوع موضوعاته وايقاعاته وأساليبه، لقد قال عنه خيراردو دييجو "انه شاعر الجد، وشاعر السخرية" والحقيقة أن انتاج ألبيرتي واكب مختلف التحولات التي عرفها الشعر المعاصر في اسبانيا خلال قرن من الزمن، فقد شهدت القصيدة الشعرية عنده تلوينات مختلفة بدءا بالأشكال التقليدية والباروكية ومرورا بما اصطلح عليه بالشعر الخالص وصولا الى الاتجاهات المطليعية كالسوريالية مثلا.. لقد عبر ألبيرتي في شعره عن رؤى انسانية عميقة موظفا السخرية، واللعب بالألفاظ والكلمات، والألم والحزن والعشق والانتماء والموقف السياسي الثابت والملتزم، والقلق الوجودي… الخ، سيصرح هو نفسه سنة 1931 قائلا: "لقد حاولت ولوج العديد من المسالك مستغلا في أحيان كثيرة تلك الأساليب الجمالية التي أحس ميولا تجاهها. الشعراء الذين ساعدوني، والذين مازلت أحتفظ لهم في نفسي بتقدير واعجاب كبيرين هم خيل فيثينطي والشعراء الغنائيون الاسبان المجهولون وجراثيلاسو وجونجورا ولوبي دي بيكا وبيكر وبودلير وخوان رامون خيمينيث وأنطونيو ماشادو"، لكنه بعد فترة قصيرة سيصرح بأن أعماله السابقة عن 1931 كانت شعرا بورجوازيا، وانه يراهن على جعل ابداعه الشعري في خدمة أهداف سياسية ثورية، لكن أعماله اللاحقة أي تلك التي كتبها خلال وبعد الحرب الأهلية لم تكن في الواقع إلا تطويرا لتجربته الشعرية السابقة، أي أنها لم تخلق تلك القطيعة الجذرية مع انتاجه السابق، وقد صنف جل النقاد الذين درسوا شعر ألبيرتي تجربته الى مراحل خمس:

1- المرحلة الأولى: وتمثلها المجموعات الشعرية الثلاث الأولى لرفائيل ألبيرتي وهي تتميز بحضور غنائية شفافة تعتمد بشكل أساسي على التراث الغنائي الشعبي الاسباني القديم:

أيلتي يا هذا الصديق الطيب

أيلتي البيضاء

الذئاب قتلتها

على حافة الماء

الذئاب يا هذا الصديق الطيب

تلك التي فرت عبر النهر

الذئاب قتلتها داخل الماء

                                قصيدة "أيلتي" من مجموعته "بحار في اليابسة"

إن مجموعة ألبيرتي الأولى "بحار في اليابسة" 1924، وعلى غير المتوقع من باكورة شعرية، تتضمن أشعارا وقصائد في منتهى الاتقان، ويعتبر مصدر الإلهام الأساسي في هذا الكتاب هو الحنين المتأجج إلى المكان الذي يمثل الصفاء وبراءة الطفولة، المكان الذي أنجب الشاعر، وكان شاهدا على طفولته الفضة، وهو أرض قادش المنفتحة، على عالم البحر بمراكبه وأشرعته ونوارسه وبحارته، يستحضر الشاعر جزئيات المكان من موقع اغترابه بمدريد، وتشتعل الرغبات العنيفة في أعماقه لاستعادته عبر الذاكرة رغم بعده المادي وعائق عجز الذات عن اختراق المسافات، فيغدو التذكر من خلال الكتابة وسيلة لتحقيق تواصل الذات مع رغبتها:

البحر، البحر

البحر، وحده البحر!

لماذا يا أبتي أتيت بي

إلى المدينة؟

لماذا نبشت عني البحر!

في الأحلام، تسحبني العاصفة

من القلب

تتمنى لو تمضي به

لماذا يا أبتي أتيت بي هنا؟

قصيدة "البحر، البحر"

من مجموعة "بحار فى اليابسة"

إن الحنين يتحول الى حزن وقتامة نلامسهما وهما ينسكبان في غنائية مرهفة قال عنها خوان رامون خيمينث بأنها "خفيفة الحركة، مليحة، ومومضة: شديدة الأندلسية" فالأبيات الشعرية ترشح بالضوء وبالبياض، وبالألوان الحية الملتمعة، وقد صاغها الشاعر في أشكال خفيفة، اقتبسها من الغنائية التقليدية في التراث الشعري الشفوي الاسباني لكنه عرف كيف يجعل هذه الصياغة متفردة، وحركية، ومشذبة، إلا أن هذا لا يلفي وجود بعض السوناتات في "بحار في اليابسة" يقول:

"على مركبك قاعدة عمود خضراء من طحالب البحر

من رخويات، من محار، من زمردة نقشت

أيا ربان الرياح والسنونوات

وشحتك بوسام موجة البحر

تنشر لك السواحل ذات الواجهات المتعرجة

عند مرور سكتك أغنية

أيها البحار، الإنسان الحر الذي تتمايل له البحار

ببرقياتك اللاسلكية حدثنا عن نجمتك القطبية

أيها البحار الطيب، يا ابن الانتحابات الشمالية

يا ليمون الظهيرة، يا راية الحاشية المزبدة

للماء، يا صائد الحوريات

نحن كل سواحل العالم الراسية

نلتمس أن تأخذنا سفينتك إلى البحر

في أخدود عميق وسلاسلنا محطمة

قصيدة "إلى ربان سفينة" من مجموعة

"بحار في اليابسة"

والمجموعة الشعرية الثانية المعنونة بـ "العاشقة" 1925

لا تحيد عن هذا المسار فهي استمرار لنفس النغمة الشعبية، الا انها تتميز بكونها ممثلة لحالة افتتان بالشعر الخالص، فالقصائد لا تعتمد التجربة الحياتية في حكي مغامرة العشق، إنها خلق خالص، ابداع من العدم، وقد كتبت خلال قيام الشاعر برحلة عبر أرض قشتالة، أما المجموعة الثالثة "فجر الخيري" 1925- 1926 فهي خاتمة العقد في عمر هذه المرحلة البدئية لألبيرتي، وأهم خاصية تميزها اعتمادها ملامح الأسلوب الباروكي والإيقاعات الشعبية التي طبعت شعر ألبيرتي خلال هذه المرحلة وتبرزني هذه المجموعة موضوعة مصارعة الثيران بشكل لافت وخصوصا القصيدة المهداة الى ايجناثيو سانشيس ميخياس مصارع الثيران الاشبيلي صديق لوركا وألبيرتي الذي لقي مصرعه في حلبة المصارعة فرثاه الشاعران يقول ألبيرتي في مرثيته:

"اسفحي الدموع في منديلك

ايتها الخيرالدا المورية الصغيرة

انظري كيف يصعد الحسن

مصارع الثيران الى عنان السماء

طفل من قطيفة ومن ذهب

كيف أجهشت فرقتك بالبكاء

كيف تبكي إشبيلية

وهي تودعك بعيدا عن الثور

نهرك من شدة الحزن

يعري منابت زيتونه

ويروي عبر الرمال

الأزهار من جبهته

فلتقل لها وداعا يا مصارعي

فلتقل وداعا لأشرعتي

لتقل وداعا لبحارتي

فأنا لا أريد أن أصير نهرا"

قصيدة "خوسيليتو في مجده"

من مجموعة "فجر الخيري"

2- المرحلة الثانية: يمكن حصر هذه التجربة الشعرية

في مجموعتين شعريتين هما "كلس وأغنية 1926- 1927 و "كنت غبيا وما رأيته صيرني غبيين" 1929، فأما المجموعة الأولى "كلس وأغنية" فهي تضم اشعارا تمثل تحولا واضحا نحو الباروكية فالطليعية، إذ احتفت هذه التجربة بالأشكال الجونجورية من خلال السوناتات والثلاثيات والرومانس، كما تتضمن هذه المجموعة قصائد من الشعر الحر وهي بذلك تندرج في محاولة تجاوز البنى الشعرية التقليدية من خلال استلهامها العناصر الموجهة للتيار الشعري الطليعي، كما تعالج قصائدها أحيانا مواضيع جديدة ومستقبلية في إطار تثوير المضمون الشعري يقول في قصيدة "شرارة":

"القمر في المستشفى

في الشوارع تعبر رجة كهربائية

ساقان متقاطعتان دونما جسد

فوق الرخام

مقطوعتان على حد الركبتين

ساقان طليقتان

من فولاذ

أين؟

المستشفى دونما أحد"

قصيدة "شرارة" من مجموعة "كلس وأغنية"

أما المجموعة الثانية الممثلة لهذه المرحلة والمعنونة بـ "كنت غبيا وما رأيته صيرني غبيين" فقد أفردها الشاعر لبرز الوجوه في السينما الصامتة مثل: شارلوت، وبوستر كايتون، ولاوريل وهاردي.. وغيرهم، والقصائد ليست مجرد احتفاء بهؤلاء، بل إن الشاعر جعلهم مجرد مصدر ومنطلق لاستلهام موضوعاته، ولالتقاط اللحظات المنغلقة والانسانية القلقة والعميقة التي لا ترى بالعين المجردة، إنها قصائد للتعبير الساخر عن عبثية الواقع، وتحويل للمتخيل السينمائي المرئي الى مصدر للتأمل الإنساني بعد تحقيق التجاوز لإطار الشاشة وأغراضها، لعبة تتجاوز الضحك المجاني لتتموضع في موقع السخرية السوداء من واقع محكوم بمنطق العبث واللامعقول يقول في قصيدة "موعد حزين مع شارلوت":

ربطة عنقي، قفازاتي،

قفازاتي، ربطة عنقي،

الفراشة تجهل موت الخياطين،

هزيمة البحر أمام واجهات المتاجر.

عمري، يا سادتي،  900000 سنة.

أوه!

كنت طفلا حينما لم تكن الأسماك تمشي،

حينما لم بكن البط يقيم قداسا

ولا الحلزون يهجم على القط.

فلنلعب آنستي لعبة الفأر والقط.

المحزن حقا سيدي هو الساعة:

الساعة 11، الساعة 12، الساعة 1، الساعة 2،

في الثالثة بالضبط سيموت عابر سبيل.

أنت، أيها القمر، لا تخف،

أنت، يا قمرا لسيارات الأجرة المتأخرة،

قمرا لسخام رجال الاطفاء.

المدينة تحترق عبر السماء.

بدلة مماثلة لبدلتي تضجر في الحقل.

عمري قريبا سيكون 25 سنة

الأمر أن الثلج يتساقط، الثلج يتساقط

وجسدي يتحول الى كوخ خشبي،

أنا أدعوك إلى الاستراحة ايتها الريح.

الوقت متأخر الآن لتناول النجوم عشاء.

لكن نستطيع أن نرقص ايتها الشجرة التائهة

"فالسا" لأجل الذئاب

لأجل حلم الدجاجة بعيدا عن مخالب الثعلب.

ضاع مني العكاز،

من المحزن أن أفكر أنه وحيد في العالم،

يا عكازي

يا قبعتي، يا قبضتاي،

يا قفازاتي، ويا حذائي.

العظم الذي يؤلمني بشدة، يا حبيبتي هو، الساعة:

الساعة 11، الساعة 12، الساعة 1، الساعة 2.

في الساعة 3 بالضبط.

في الصيدلية تبخرت جثة عارية.

3- المرحلة الثالثة: لقد عاش رفائيل ألبيرتي خلال سنة 1927 أزمة وجودية عنيفة، نتجت عنها تحولات جذرية في شخصيته كإنسان وكشاعر، لقد اهتزت أفكاره ومعتقداته وأحاسيسه. ففقد إيمانه الراسخ بكل ما كانه في السابق، في محاولة منه لتجاوز ذاته، وعندما كتب مجموعته الشعرية "عن الملائكة" 1927- 1928 فاجأ النقاد بطاقة ابداعية خلاقة ومتفردة اختزنتها قصائد هذه المجموعة، فبالأضافة إلى اشتغاله المتميز والمتجدد على مستوى اللغة الشعرية، وعلى مستوى الأسلوب، أبرز تلك الرؤية الارتيابية والقلقة التي تهيمن بقوة على المجموعة الشعرية المذكورة. إن مجموعة "عن الملائكة" وان كانت تتأطر ضمن الاتجاه الطليعي الذي دشنه الشاعر في المرحلة السابقة، إلا أن التجاوز المستمر والتنويع التصاعدي والمتطرف أحيانا ضمن هذا الاتجاه الرحب سيقوده إلى مراحل متقدمة ضمنه، سيدخل غمار تجربة سوريالية، متجاوزا أدواته وتقنياته الابداعية السابقة، موظفا أدوات جديدة وأساليب مغايرة، مع حضور بارز لذلك الشرخ العميق والقلق الوجودي العنيف في ذات الشاعر. منطلقا من أبيات جوستافو أدولفو بيكر كقاعدة ومنطلق يوجهه ليرى نفسه كما يقول بيكر "في ضيافة الضباب" دونما ضياء ولا معالم تكشف له الدرب، وتعيد له أحلامه المسلوبة، مطرود من الفردوس الذي سيتيه بحثا عنه دونما جدوى، يغدو الشاعر هائما على وجهه في عالم فوضوي يفتقد إلى معنى، روحه مسكونة بالفراغ المهول، هكذا يصير جسدا مهجورا، ويموت الأمل في قلبه، فتغدو الكائنات الغريبة التي تتحرك في محيطه القاتم رامزة الى كل المعاني المتناقضة، والى كل ما هو سلبي على وجه الخصوص، ظاهريا هي ملائكة ولكنها ملائكة تجسد القساوة والحزن واليأس والنفاق والخيانة والموت، ومجرد استعراض لعناوين بعض القصائد يشي بعمق أزمة الذات العنيفة وفقدانها الثقة في الوجود، وهذه بعض العناوين: "ملاك الغضب"، و "ملائكة الحرب"، و "الملاك الخائب"، و "ملائكة الخراب" و "الملائكة العفنة"، و "الملائكة القساة"، دون أن ينسى طبعا "الملاك الطيب" و "الملاك العديم الحظ" و "الملائكة الخرساء" يقول الشاعر في قصيدة "الفردوس المفقود":

"على مدى قرون

أبحث عنك مسهدا

دونما سبب على الاطلاق

خلفي ملاكي الميت لا محسوس

يراقب دون أن يحتك بكتفي

يسأل في صمت

أين الفردوس أيها الظل

أنت يا من به حللت؟

مدن دونما جواب

أنهار دونما كلام

قمم دونما صدى

بحار خرساء

لا أحد يعلم ذلك

رجال ثابتون

على حافة القبور الساكنة

واقفون

طيور حزينة

أغان ذاهلة

تنكر علي الاتجاه

لحظة التجلي

عميان بلا شمس

لا يعلمون شيئا

وفي الفراسخ رياح

قديمة خاملة

لكي يمشوا يقفون مخترقين

يهوون على قفاهم

لا يقولون إلا ما قل من الكلام،

متحللة ودونما شكل

تهرب مني السماوات

وتخفي الحقيقة في ذاتها

هناك في أقصى الأرض،

عند الحافة الأخيرة

تزحلق العينين،

ميت في دواخلي الأمل،

أبحث عن ذلك الرواق الأخضر

في الهوات السوداء

أواه، يا حفرة ظلال !

يا غليان العالم !

يا لفوضى القرون !

إلى الخلف، إلى الخلف !

يا لهول ضباب دونما أصوات !

يا لخسارة روحي!

أيها الملاك الميت، استفق !

أين أنت؟

أضيء العودة بشعاعك

صمت،  صمت أشد

ثابتة نبضات

لا نهاية الليل

أيها الفردوس المفقود

مفقود أنت لأنني بحثت عنك

أنا بلا ضياء إلى الأبد"

قصيدة "الفردوس المفقود" من مجموعة "عن الملائكة"

هذه القصيدة التي جعلها رفائيل ألبيرتي استهلالا لمجموعة "عن الملائكة" تكشف بعمق عن المعاني والعوالم التي تتنفس فيها معظم القصائد، فهي تختزل بشكل ما تلك التجربة الوجودية السوداوية، بكثافتها وعمق مأمساويتها، وعلى مستوى البنية الايقاعية والتركيبية اعتمد الشاعر في النصف الأول من الكتاب الأوزان القصيرة، بينما اعتمد الأوزان المديدة والمتراوحة الطول في النصف الشاي منه، مع احتفاء كبير بالايقاع في حركيته المدهشة والجبارة على امتداد الديوان، كل هذا جعل من مجموعة "عن الملائكة" أحدى أهم المجموعات الشعرية لرفائيل ألبيرتي ولجيل 27 الشعري، وسيستمر ألبيرتي على نفس الخط الطليعي في مجموعته اللاحقة والمعنونة بـ "عظات ومساكن" 1929- 1930، نفس الرؤية السوداوية ونفس القلق الوجودي، ونفس الارتيابية، فالعالم هو مجرد مجال لمراكمة السلب، ولنفي تحقق الذات، ولتنا سل الخطايا، وتجريد الإنسان من كل السري الإنسانية فيه.

4- المرحلة الرابعة: سيكون الخط الشعري الجديد في مسيرة ألبيرتي، الأكثر امتدادا، إذ سيعلن منذ 1931 التزامه بقضايا اجتماعية وسياسية، أو على الأصح ما أطلق عليه الشاعر اصطلاح: "الشعر المدني" يقول ألبيرتي: "من قبل كان شعري موجها لخدمة فئة ضيقة، أما اليوم فلا، فما يوجهني فيه هو ما يوجه جماهير العمال والفلاحين، أي القضايا والغايات الثورية، وهذا ما سيعكسه فعلا عنوان مجموعته الشعرية الأولى خلال هذه المرحلة: "الشاعر في الشارع" 1931- 1936 والتي ستشكل مع مجموعتين شعريتين ستليانها حلقات متكاملة تسير في نفس الاتجاه، "من فينة لأخرى" (1932- 1938) و "ما بين القرنفلة والسيف" (1932-1940) ستتميز قصائد هذه المرحلة باعطاء الأولية للقضايا الآنية والمستعجلة للشعب الاسباني وخصوصا مواجهة الخطر الفاشي المهدد للحكومة الشعبية، إنها مرحلة تاريخية حساسة وحاسمة، فالمجتمع الإسباني انقسم على ذاته في صراع دموي رهيب، طرفاه الرئيسيان المعسكر "الوطني"، ويمثله الجيش والكتائب الفاشية، والمعسكر الشعبي وتمثله الفئات المثقفة والمتنورة والحكومة الشعبية الشرعية، إن الحرب الأهلية الإسبانية جعلت جل المثقفين الإسبان في الخندق المعادي للفاشية، وكان من الطبيعي أن ينخرط ألبيرتي وشعراء جيل 27 في هذه الجبهة، لقد تميزت قصائد المشاعر خلال هذه المرحلة بالتبسيط على مستوى الأشكال التعبيرية والجمالية، مع عناية خاصة بالمضامين الايديولوجية واعتماد الهجاء اللاذع، والسخرية، والمباشرة، والتقريرية، ومن نماذج قصائد هذه التجربة قصيدة (s.o.s) يقول فيها:

"6ملايين من الرجال

12 مليونا من الأيدي

بعيون حطم أقفالها الغم

البؤس والجرح يوسعان عبر الليالي

غزو ساعات الحقد والسهد البطيئة

والسماء تتساءل عن الدخان

والدخان عن النار

ونار المصانع عن الفحم إذ ينتظر أن يكف في النهاية،

عن أن يكون جدارا ميتا للمناجم

ينهض العاطلون عن العمل في العالم

يتنامون

العاطلون مثل البحر يرتفعون

يهوون

ينهضون

يتنامون

10ملاين من الرجال

20 مليون ساعد حزينة

مثل أغصان بلا مطر

ساقطون

متيبسون مثل أغصان (…)"

من قصيدة (s.o.s) من مجموعة "الشاعر في الشارع"

5- المرحلة الخامسة: إن الأعمال الشعرية التي ألفها رفائيل ألبيرتي خلال مرحلة المنفى غزيرة جدا، وهي أعمال انتشرت بشكل واسع واشتهرت بـ "قصائد المنفى والانتظار"، وهي تتكون من مجموعات شعرية عديدة أبرزها "توشيحات خوان باناديرو" (1949- 1953) و "استعادات النبض الحي البعيد" (1948-1956) و "بوينس أيريس بالحبر الصيني" (1950) و "بالادات وأغنيات البارانا" (1953-1954) و "ربيع الشعوب" (1955-1968) و "مفتوح في كل الساعات" (1960-1963)… وغيرها.

إن قصائد المنفى والانتظار، تعتبر امتدادا طبيعيا لما أطلق عليه ألبيرتي "الشعر المدني"، بل إنها أكثر نضجا وعمقا واستلهاما للحظة التاريخية الآنية، واستيعابا للحظة الماضية، تمتلك قوة التأمل بعيدا عن الحماس الزائد الذي يفقد الشعر جوهره وجما ليته، ويحوله الى شعارات سياسية مجردة وجوفاء، إن واقع الاغتراب القسري الناتج عن المنفى بكل دلالاته سيفجر لدى ألبيرتي غنائية حزينة وعميقة، قدرة خارقة على استكناة الدلالة الوجودية للمكان، إذ أن الشاعر سيظل متمسكا بانتمائه للوطن البعيد، من خلال الحنين المشتعل في أعماق ذاته، ومن خلال ذاكر ته التي تعج بالصور، وبالرغبة في تحيين الماضي لاضاءته، وجعله تعلة ومبررا للوجود وللاستمرار في مقاومة زحف الزمن المدمر، الذي يحاول اغتيال الذات، وتحويلها الى شبح باهت وأخرس، لقد استلهم ألبيرتي صور الألم واليأس والحزن، وصاغ من خلالها قصائد غنائية لها عنف المأساة، وجرح الابعاد القسري، وعمق الحب الأسطوري الذي لا يفنى أبدا يقول في "الأغنية 7" من ديوان "بالادات وأغنيات البارانا":

"تكفي شرفة مطلة على النهر

وبضعة خيول ترعى

لتسافر ليل نهار

دون أن تتحرك من موضعك

الخيول ثابتة

والنهر هادئ دائما

فقط حين يعبر زورق أحيانا يرجه

أما الهواء فلكي يتحرك قليلا،

ولكي يقوم بعمل ما،

يغير أحد الخيول من موضعه

وهناك يتركه

بينما رجل الشرفة

يعود من سفر طويل

دون أن يتحرك من موضعه"

أما في القصيدة المعنونة بـ "بالأندلس الضائعة" فيقول:

الأندلس ضائعة

فى الضفة الأخرى للنهر

أيها النهر، أنت يا من يعرفها

من تكون؟ ولماذا أتت؟

لربما أرى منابت الزيتون

قرب نهر آخر

أيها النهر أنت يا من يعرفها

ما الذي تفعله أبدا قرب النهر؟

أرى قريتها من طوب

في الضفة الأخرى من النهر

لا أرى منابت الزيتون

في الضفة الأخرى من النهر

فقط خيول وخيول ،

خيول وحيدة وتائهة

وعزلة أندلس

في الضفة الاخرى من النهر

ما الذي قد تفعله وحيدة تلك الأندلس

في الضفة الأخرى من النهر؟"

من مجموعة "بالادات وأغنيات البارانا"

لقد وظف الشاعر على مستوى الشكل، كل أشكال الإيقاع المتاحة، كما استلهم فضاءات الغناء الشعبي التقليدي بروح إبداعية مجددة، محققا للشعر تلك القدرة على الامتاع، وعلى تشييد أفق انتظار شاسع للمتلقي، ولخياله لكي يعيد خلقه.

للاشارة فقط فإن ألبيرتي استمر في كتاباته الشعرية ومن بين أعماله المتأخرة "سياط الضوء" و "أبيات منفردة لكل يوم" و "حزام فينوس المحلول" و "خليج الظلال"…

وغيرها، إلا أن ألبيرتي له وجه آخر أقل غزارة وانتشارا، وهو الوجه الذي تمثله كتاباته النثرية، فقد كتب في المذكرات كتبا رائعة عنونها بـ"الغابة التائهة"، وتتمتع هذه المذكرات بقيمة عالية، سواء فيما يتعلق بشهادته حول أحداث عصره، أو بتطور شخصيته كشاعر وكإنسان، أو علاقاته مع جيله الشعري جيل 1927، ومع شخصيات بارزة في مجال الفن والأدب والسياسة، ويكفي أن نذكر من بينهم أسماء جارسيالوركا وسالفادور دالي، ولويس بونويل، وبيكاسو وما نويل دي فايا وبابلو نيرودا ولويس أراجون وغيرهم، أما أسلوب المذكرات عنده فيتميز بسحر بلاغي يجعله أقرب إلى الشعر منه إلى النثر، ولألبيرتي مسرحيات، فقد فاز بالجائزة الوطنية للمسرح سنة 1981، ومن أهم مسرحياته "الإنسان المشوه الخلقة" و "الإنسان غير المسكون" و "ليلة حرب في متحف البرادو".

إن رحيل ألبيرتي، هذا الشاعر الكوني الذي أصفى إلى همسات الكون، وهمسات وطنه على مدى قرن وحولها، إلى قصائد وأغنيات مضيئة، سيجعل أوراقه تعبر الضفاف نحو قلوب الأجيال فهو الصوت الحي والمستمر للأندلس التائهة، ولبياض موجة البحر: إنه، شاعر بعمق وشساعة البحر.

قصائد شعرية مختارة

للشاعر الإسباني رفائيل ألبيرتي

من ديوان: استعادات النبض الحي البعيد

استعادات الحب الحديث الظهور

لما ظهرت، كنت أتألم

في أحشاء الكهف الأكثر عمقا

دونما هواء، دونما مخرج

أسبح في الظلمة محتضرا

مصغيا لحشرجة تخفق كرفرفة طائر ضئيل

وسكبت فوقي خصلات شعرك

ارتقيت الشمس، رأيت فيها فجرا

يغشى بحرا عاليا خلال الربيع

كما لو أنه سيصل المرفأ الأبهي للظهيرة

تغمرك المناظر الأشد صفاء:

جبال مضيئة حادة متوجة بثلج وردي

ينابيع متخفية في التموجات الوارفة للغابات

تعلمت الإستناد إلى كتفيك

والنزول عبر أنهار ومنحدرات،

تعلمت الإشتباك بالأغصان الممتدة

وتعلمت أن أجعل من النوم موتي الأكثر عذوبة

فتحت أمامي أقواسا

في حب ظلك وقعت سنوات عمري

المزهرة الحديثة الصعود نحو الضوء

كشفت القلب أمام الريح الطليقة

ضبطته وفق ايقاع صوتك الأخضر

الآن سوف ينام، الان سوف يصحو

وهو يعلم أني لا أتألم في كهف مظلم،

وأني أسبح دونما هواء. دونما مخرج

لأنك في نهاية المطاف ظهرت.

استعادات الحب في مقصورة مسرح

هنائك في الخارج، في القاعة موسيقى وأضواء

حب متكلف، حب يقدم في شكل قطعة جليد

في أحرف ميتة، وإن كان القلب ظاهر،

يغني الحياة نازفا.

منطفئة تأتي من بين الستائر.

من بين قطع ذهبية مزيفة

ومخمل أحمر، صرخة البل المحتضر

نحو الظلمة المتخفية لمدخل المقصورة

حيث يمارس الحب الحقيقي دونما كلمات،

دونما حركات أعدت سلفا.

كانت الأيدي ناعمة، والعيون

منكشفة اللغز. الفتور الظليل لبشرة الجلد،

العتمات المتموجة، والصمت الواهن

للمشهد الغرامي الذي كنا نقدمه

دونما تصفيقات

فقط لمتعه مرآة خرساء

أواه، فتنة السنين، يا روعة أن تهدي الحب

أي ظليل، ظليل عربة، زاوية منعزلة أو مقصورة

مسرح

مادام ممكنا الا ينتبه إليه حتى الموت أثناء عبوره.
استعادات الحب في الشرفات

قد أتى ذاك الزمن الذي تتزين فيه

السنين، الساعات، الدقائق والثواني

المعيشة بك وتمتليء بنا،

فيغدو مستعجلا، يغدو ضروريا،

تثبيت صور ذا الأكثر حظا وتعاقبا،

حتى لا ترى ماضية صحبة الموت،

أين أنت الآن؟ ترى أين سأتأملك؟

في أية صخرة؟ في أي بحر. تحت أي غاب؟

أو في أي ظليل لشراشف صيفية؟

في أية مضاجع شمالية ساخنة؟

مرت القيلولة العذبة للزرقات

التي أفرشتها لنا الجزيرة الشاسعة في الحلم.

فينوس شبه نائمة ما تزال، وأنت تطل

على الملجأ الحميمي للمراكب

وكل أناك الآن تغني مثل مرفأ عاشق

للأشرعة والصواري.

خصلات شعرك المترامية تتطاير من الشرفات

فتتشابك بالنسيج الرقيق لشباك،

لتضع الرايات على الأعمدة الأكثر علوا

وتعزف كونسيرتو المحب في الأجواء البحرية

فيما بعد، حين تعود صامتة نحو الغرب

بياضات الملح وأجنحة النوارس

أضع أسماعي في قلبك العاري

وأصغي للبحر، أستنشق البحر المتدفق من خلالك

وأبحر باتجاه الليل المشرع.

استعادات الحب كما كان

كنت خلال ذلك الزمن شقراء متسامية

كنت زبدا جامدا حارة وهائجا

تتبدين جسدا منتزعا من أعماق الشمس

جسدا هجرته فوق الرمال موجة البحر العاتية

كان كل شيء قد صار نارا في ذلك الزمن،

الشاطئ يحترق من حولك،

الطحالب، الرخويات، والأحجار

التي أرسلها التموج ضدك تم اختزالها

إئى زجاج متوهج من الضوء

كان كل شيء قد سار نارا، صاعقة

خفقان ذبذبة ساخنة فيك.

لو كانت يدا فاليد الجريئة أو الشفاه،

جذوات عمياه متطايرة كانت تصفر

في الهواء. زمن محترق، حلم متلاش

في ذلك الزمن، انسكبت أنا في زبدك.
 
خالد اليسوني (شاعر ومترجم من المغرب)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …