أخبار عاجلة

زاهر الغافري لا ينبغي أن يكون الشعر أمراً ثانوياً عند الشاعر بعض الشعر العماني في قلب الحداثة الشعرية العربية

«أنا الكائن / ذو الأخطاء الكبيرة / لم أعرف اللعبة قط/ على الأرجح/ تنقصني المهارة لأدخل/ في قلب العالم/ تحت راية / الصيارفة»

هذا ما يقوله الشاعر زاهر الغافري بعد أن طاف في دروب الشعر والحياة متبخترا ب«أخطائه الكبيرة» الجميلة ، عارفا  اللعبة ، لعبة الكتابة كاشفا أسرارها فدخل التجربة متسلحا بوعي مبكر على وجود متخم بمسافات قاحلة فاستعان بالمخيلة والشعر التي فتحت  له فضاءات جمالية  بدأها بتجربته الأولى «أظلاف بيضاء» الصادر في باريس عام 1984 و«الصمت يأتي للاعتراف» كولونيا ١٩٩١ و«عزلة تفيض عن الليل» مسقط 1993 و«أزهار في بئر» كولونيا ٠٠٠٢ و«ظلال بلون المياه» دار المدى 2006 و«كلما ظهر ملاك في القلعة» دار الإنتشار العربي ببروت 2008 وعشرات المقالات والنصوص والكتابات السينمائية التي نشرها في الصحف والمجلات العربية وزاهر الغافري الذي فازهذا العام  بجائزة كيكا للشعر عاش متنقلا  بين العراق والمغرب والولايات المتحدة والسويد ومدن وعواصم عربية وأجنبية عديدة :

«من مدينة الى أخرى/ عبر بقاع العالم أخوض/ في أنهار خالية / من الصدقات/ أستعين بالخوف/ بالتعاويذ بسحر الأيام/ الخوالي/ وأعرف بأن السهم لن يكف عن/ الإنطلاق في أية لحظة».

 

 

يتمتع الغافري بحس إنساني رقيق يشعرك إنك حين تخاطبه تقف بحضرة الشعر متهجدا  في محراب الشاعر، يسعى بكل ما يستطيع من جمال أن يفتح نوافذ قلبه للجميع و يمد يديه ليصافح نجوم المحبة ليضعها في جيبك  محاولا  أن يقنعك أن كل من يتنفسون الهواء او التراب في كوكبنا الصغير هم أصدقاؤه

«قلبي دير ملاك

وخطوة أولى فوق

عشب الحديقة تكفي»

D تكتب القصيدة الحديثة أهي تأثيرات إقامتك الطويلة في الخارج واحتكاكك بالتجارب الشعرية الطليعية؟ أم إنها ناتج طبيعي لعدة تحولات شهدتها الشعرية العمانية؟

٭ من الطبيعي أن تكون الاقامة الطويلة في الخارج والانشغال بالمنجزات الشعرية الطليعية سواء كانت عربية أم عالمية، أقول من الطبيعي أن يكون هذا الاحتكاك مؤثراً ومفيداً ليس في الشعر فحسب بل في مجمل نمط التفكير وبالتالي فهم الحياة والعالم على نحو أعمق وأكثر ثراء. هناك نوافذ تنفتح فيتجدد الهواء، ترحل الأفكار وتتلاحق، تشرف الرؤى على حافات متعددة، هذه كلها بالطبع تأثيرات على وفي الكتابة الشعرية. لقد استفدت ومازلت من كل هذا، تخيل وأنت تسمع في كاتدرائية ضخمة في نيويورك والمطر يتساقط في الخارج كوكبة من الشعراء الكبار كلهم حائزون على جائزة نوبل منهم اوكتافيو باث وديرك والكوت واليوناني سيفريس وآخرون، أليس هذا احتكاكاً وتأثيراً مفيداً؟

D لاتزال الخريطة الشعرية العمانية بحاجة الى تأطير نقدي، مسألة التقسيمات الجيلية ليست محددة، كيف تضع هذا الإطار؟

٭ سأبدأ من القسم الأخير من سؤالك، أولاً أصبح مصطلح الأجيال يُثير إرباكات عدة، وقد كثر استخدام هذا المفهوم أو لنقل هذه اللازمة كثيراً سواء في الصحافة أو عبر الكتب فضلاً عن النقاشات المباشرة بين الكتاب والشعراء. مع ان هذا المصطلح ينبغي في رأيي أن يدخل في باب النقد وتحديداً على الصعيد الإجرائي فحسب. أي أنه لا يمتلك حكم قيمة بحد ذاته. انه يفيد للتأريخ. أما الخريطة الشعرية العمانية المعاصرة فهي كما ذكرت في مناسبات سابقة، متنوعة، مختلفة إذا نُظر الى هذا الشعر بعين فاحصة ومُحبة. بعض الشعر العماني في قلب الحداثة الشعرية العربية وبعضه يحاول الوصول. هناك بعض الشعراء الجدد وهم قلة كما في أي مكان في العالم، يمتلكون موهبة وجرأة وربما الرغبة في سرقة النار، لكن الرغبة وحدها لا تكفي بالتأكيد. إذ ينبغي مطاردة القصيدة بأساليب متباينة لكن بذكاء وجدية، لا ينبغي أن يكون الشعر أمراً ثانوياً عند الشاعر، ومع الأسف يحدث هذا عند بعض الشعراء. الشعر اما أن يكون في قلب الحياة وفي علو تجربة الوجود أو يظل بعيداً ومتمنعاً. إذ لا مجال للاستسهال.

هناك شعراء يكتبون الشعر، هذا صحيح، لكن الأهم في رأيي أن يمتلك الشاعر مشروعاً شعرياً ووجودياً بالمعنى العميق للكلمة. 

D في مقالاتك التي تنشرها في الصحف المحلية والعربية والمواقع الالكترونية ، تطفو لغة الشعر كيف توازن بين لغة الشعر ولغة النثر في كتاباتك؟

٭ لم أكن ذات يوم صحفياً محترفاً ولا أريد أن أكون. ولو خيّرت بين أن أكون صحفياً أو بحاراً لاخترت بالتأكيد مهنة البحر، وهي شاقة أيضاً. ما حدث هو انني أكتب مقالات هي في الأساس تأملات وربما أحلام. أتتبع فكرة أو موضوعاً أحبه فأكتب عنه، ليس رغبة وتقاطعاً معه فحسب وانما أيضاً من أجل التعرف الى نفسي. من هذا المنطلق ربما تطفو لغة الشعر أو لغة تمتلك مخزوناً شعرياً ثم أن الموضوعات التي حاولت مقاربتها هي موضوعات ذات طابع شعري في الأساس. لا يمكنني أن أكتب بلغة نثرية جافة عن موضوعات تمس الوجدان والعواطف، ولا أحاول بالطبع أن أغلب لغة الشعر بحيث تختفي الفكرة أو حزمة الأفكار المركزية في صلب الموضوع. لقد كتبت مثلاً عن الباب والعتبة باعتبارها موضوعة شعرية تأملية تصب في ما هو رمزي واستعاري بدلالات مختلفة. كما كتبت عن المكتبة والمتاهة وفق بورخيس ولكن انطلاقاً من بعدٍ شخصي وحميم حول الكتاب. كتبت عن المنفى لأن لدي أصدقاء بعد ثلاثين عاماً أو أكثر يحاولون العودة من المنافي الى أوطانهم دون نجاح كبير. 

D تعد اللغة المقوم الأبرز من مقومات التجربة الشعرية الحديثة ، لو لم تبتكر اللغة كيف سيكون الشعر؟

٭ اللغة مسكن الشاعر وشرط أن تتجدد باستمرار، تماماً مثل الحياة. هناك صديقة المانية سألتني يوماً أين تجد نفسك؟ وأجبتها بعفوية في اللغة، ثم أضفت والكتابة، والشعر بما أنه فعل من أفعال الحياة فانه يتمظهر في اللغة والكتابة بالمعنى الاصطلاحي للكلمة، لكنه مبثوث أيضاً في مجمل تجربة الوجود.

قال الارجنتيني العظيم بورخيس مرة، ما معناه أننا عندما نبحث عن الشعر نبحث عن الحياة والحياة مكونة من الشعر لذلك فالشعر ليس غريباً أنه يترصد عند المنعطف ويمكن له أن يبرز أمامنا في أي لحظة بهذا المعنى، بهذا الاقتران الحميم بين الشعر والحياة فإن الشعرية تتجاوز اللغة بمعناها الإصطلاحي أيضاً.

 D كيف يمكن للشاعر أن يؤسس لعالمه الفني خارج حدود الوعي بالواقع؟

٭ ما نسميه بالواقع هو هذه الفسحة المقرونة بعناصر الشرط الانساني وطالما كان الشرط الانساني قاسياً وصعباً وله اشتراطات خاصة فإنه يفرض عليك في لأكثر الاحيان أن تتعامل معه بكيفية أو أخرى. كما إنه من المتعذر أن يتأسس العالم الفني على نحو متعالٍ على شروط الواقع وبُناه المتبدلة باستمرار.

وفي ظني أن الواقع هو المحفز الأكثر إثارة لعناصر العمل الفني دون أن يكون هناك تطابق تام بين الاثنين كما أن هذه العملية لا تتم وفق شروط آلية ناجزة ، فالمخيلة الابداعية في نهاية المطاف تمتلك ضوءها الخاص وهي من يقود ويرفع أعمدة الجمال في الفن.

D يقول دورنمات «الكتابة إغتصاب العالم باللغة» ماذا يعني لك فعل الكتابة؟

٭ على الأرجح الكتابة فعل إنصات، إنصات للذات وللآخر لنقل أن هناك نوعا من التبادل الخفي، نوعا من التواطؤ الخلاق إن صح القول بين الكاتب والمتلقي، الكتابة بهذا المعنى فعل تجاذب وطريقة للنظر ومسار للمعرفة، وهي قبل هذا وذاك فعل من أفعال الحياة، ربما قربتنا الكتابة الى لحظة من لحظات الجمال والألم ربما غسلتنا من الداخل مثل موجة تقترب وتبتعد.

وشخصياً تُعينني الكتابة أولا على التعرف على نفسي، وأن أعيد ترميم بقايا طفولة ولت وربما بقايا حياة ستجيء. لا أعرف تماماً. غير أن فعل الكتابة يشبه الى حد ما فعل التعري والكشف لذلك تمتلك الكتابة الشعرية على نحو خاص هاتين الصفتين صفة «البراءة» و«اللعب» بالمعنى الجمالي للكلمة. وعبر اللغة التي هي أشد المقتنيات خطراً وفق هولدرلين يصبح فعل الكتابة وجوداً حيوياً في قلب الحياة. لم أنظر يوماً الى فعل الكتابة على انه أمر سطحي عابر وعبر ممارسة القراءة والكتابة اكتشفت أن التأمل ضلع محايث لمعنى الكتابة فأنا عندما استيقظ في الصباح وعادة ما يكون استيقاظي مبكراً ومع فنجان القهوة الصباحي ينصب تأملي في الكتابة وأنا أنظر الى البحر مثلاً أو الى أسراب الطيور المهاجرة. هذه العملية حتى لو لم أكتب شيئاً تجعلني على تماس مع هذا الفعل على نحو دائم.   

D تفرغت طويلاً للكتابة، هل ترى أن المبدع يجب أن يدافع عن عزلته بشتى الوسائل؟

٭ بالتأكيد غير ان العزلة التي أتمنى أن يعنيها سؤالك، هي العزلة الخلاقة، يتحصن فيها الكاتب والشاعر للدفاع عن ذاته ضد مظاهر القبح والزيف والسطحية التي تحيط به. عزلة تجعل الشاعر يعي ويجرب فتنة الجمال وفحوى التأمل ولاحظ هنا أنني لا أتحدث عن عزلة مرضية أو تضخم في الأنا النرجسية بل هي  عزلة سوية تقارب المحبة وتعيد وصل الحياة بأريحية صافية. وهذا ما يحتاجه الشاعر في أغلب الأحيان أمام هذا الدوّي الهائل الذي يخرب روح الانسان أمام التسطيح الذي أصبح سمة هذا العصر. العزلة وانت تقرأ كتاباً تحبه أو تستمع الى مقطوعة موسيقية مثلاً تعيد إليك صفاء الطفولة أو جزءاً خفياً في داخلك. بهذا المعنى العزلة مطلوبة للشاعر والفنان بل هي ضرورة عزلة خلاقة تدفع الشاعر للبحث عن الأماكن القصية في الروح، عن الأماكن المجهولة أيضاً، عن الينابيع الدفينة إنها «حركة النزول الى أنفسنا» كما يقول الشاعر الفرنسي إيف بونفوا. وهذه الحركة هي التي تجعل الشاعر يواصل ويستمر في الكتابة.

D هل الانغماس بتفاصيل الحياة يعطي المبدع مادة متجددة للكتابة أم يجعله مسطحاً؟

٭ يتصل هذا السؤال بالسؤال السابق فإذا كان الانغماس في تفاصيل الحياة هو رؤيتها من «الخارج»، فهذا بالتأكيد نوع من التسطيح. غير أن هناك زاوية أخرى للنظر. فإذا كانت الحياة بتفاصيلها توفر للكاتب بعداً يتجاوز ما هو يومي ومبتذل، فهذا يعني أن هناك عينا اختراقية، عينا تتأمل وتذهب الى المعاني الخفية – إذا أمكن القول – لهذه التفاصيل بمعنى آخر على الكاتب والشاعر أن يضع يده، أن يقبض وأن يستخلص ما هو جوهري في التفاصيل الحياتية المعاشة، وهو أمر ليس سهلاً دائماً لكنه مطلوب، في هذه البرهة ذات  الشروط الإنسانية القاسية.

إن الانغماس في تفاصيل الحياة انغماسا كلياً بحيث تصبح تابعاً ذليلاً لها، هو قتل لفكرة البراءة والطراوة والدهشة التي يحتاج إليها الشاعر. إن أي دخول في دائرة الروتين الحياتي العام والاستسلام الأخرق للابتذال اليومي، ينسف الكتابة من حيث هي في الجوهر تجدد دائم، واشراق معرفي، والدخول في المجهول. واسترسالاً للسؤال يمكنني القول أيضاً بأن حتى القصيدة التي أطلق عليها قصيدة التفاصيل والقصيدة اليومية تبدو عند أغلب كتابها من الشعراء في البرهة الراهنة نوعاً من السياحة البرانية مع استثناءات بالطبع، بمعنى آخر أن هناك حركة وصفية خارجية لمشهد ما مثلاً دون يتبع ذلك تصعيد شعري حقيقي وهذا النوع من الكتابة الاستنساخية إذا جاز القول في غاية السهولة إذ يمكن أن تكتب عشرات القصائد في اليوم الواحد كما عبر ذات مرة سركون بولص.

D عشت تجوالاً متواصلاً من مسقط الى بغداد، الرباط، وباريس، لندن، نيويورك، مالمو في السويد، هذا الرحيل بين العواصم لماذا؟ وماذا أعطاك؟

٭ لاحظ يا عزيزي عبد الرزاق، هذا سؤال صعب يجر ويسائل تجربتي الحياتية برمتها. لكنني لكي أختصر الموضوع سأجيبك في فقرات قليلة. واحدة من الأشياء التي ينبغي أن نفهمها ان الجزيرة كلها مبنية على فكرة الرحيل أو الترحال منذ شعر ما قبل الاسلام، وأظن أننا نحن أبناء ترحلات كبرى، لأن كل هذا قادم من الجذور. لا أعرف كيف أشرح الأمر غير أن حياتي ارتطمت بأمكنة الرحيل مبكراً، كانت بغداد موئل الصداقة والحب والصبا وبدايات الكتابة. أما العواصم الأخرى التي ذكرتها فكانت لحظة معيش وكتابة أيضاً.  ولكن على نحو أعمق.

ولكل من هذه المدن ذائقة خاصة أعطتني وقدمت لي حزمة من الأفكار ونمطا من الحياة، أعطتني الشغف بأن أكون هنا والآن حاضراً في قلب التجربة وان أتعلم منها باستمرار. أجل لقد تعلمت كثيراً من المدينة العربية ولكنني تعلمت أكثر من المدينة الأوروبية، أنا ابن ريف في الأساس وتخالطت معي إشكاليات المدينة مبكراً، أعني منذ طفولتي، لهذا أحس داخلياً بأنني أبن أكثر من مكان واحد.

في عُمان في الستينات عشتُ أيضاً في أكثر من مكان، ورغم هذا التضارب بين الأمكنة إلا أنني أشعر بأن المكان يفلت مني ويرحل عني وينبغي أن ألاحقه باستمرار.

D صدرت لك أخيراً مجموعتك الشعرية «كلما ظهر ملاك في القلعة، أين تموضع هذه التجربة؟

٭ تنتمي مجموعة «كلما ظهر ملاك في القلعة» على الصعيد الزمني الى مرحلة أسبق وهي امتداد معمق لمجموعة «أزهار في بئر» التي صدرت قبل أكثر من ثماني سنوات ولكن لأسباب فنية وأخرى متعلقة بنشر الكتاب في العالم العربي تأخر صدور هذه المجموعة وهي على كل حال مجموعة تحتوي على ما يقارب من ثمانية عشر نصاً بعضها قصير وبعضها طويل وقد كتبت على مراحل امتدت من عام 1999 حتى 2004. والمجموعة بشكل عام تعيد استنطاق مناخات شعرية مختلفة فيها ما هو حميم على صعيد ذاكرة الطفولة وفيها أيضاً تقاطعات العالم الخارجي عبر ثيمة الترحال والتماس مع الآخر.

ما أريد أن أقوله أيضاً :بصدور مجموعتي  «كلما ظهر ملاك في القلعة» أكون ربما قد ودعَت جزءاً من تجربة القول الشعري التي ابتدأت في «الصمت يأتي للاعتراف» ثم «أزهار في بئر» وأخيراً هذه المجموعة. أما مجموعة «ظلال بلون المياه» فهي تجربة – في ظني – أخذت بعداً مفصلياً من حيث أنها تنتمي الى سياق كتابة أحدث أولاً وثانياً أرى أن ليس لها ما يماثلها في سياق تجربتي، وأرى أنها تجربة ستبقى هكذا وحيدة أو في سياقها الخاص خصوصاً وأنني أعمل منذ زمن على صياغة قول شعري قد يبدو مغايراً لا يعتمد على تفصيلات الصورة الشعرية بل على الصورة الكلية والجمل الشعرية القصيرة التي تذهب ان صح القول الى الهدف مباشرة عبر استنطاق روح المكان أو لنقل تلك العلاقة المتواترة بين الشاعر والمكان.

٭   ٭   ٭

٭٭ باختيار زاهر الغافري لجائزتها الشعرية هذا العام ٨٠٠٢ فإن «كيكا» تكافىء بذلك قصيدة شبَّتْ في المنفى واحتمت بظلال بعيدة عن مساقط ضوء خارجية، والتفَّتْ حول نفسها كنواة جمالية صلبة متشبثة، في قوة، بنزعة تعانق الحلم  والجرح الانساني والهامش المتروك والعوالم الآفلة، وهذه ميزة جنّبت قصيدة الغافري التفجع العاطفي أو الهجاء السياسي لواقع الحال. ففي تجربة زاهر الغافري التي امتدت أكثر من ربع قرن، عاشها كلها خارج بلاده، غنائية انسانية كتيمة وجارحة ورواقية شفيفة لا تنكسر أمام شقاء الانسان في العالم. ففي قصيدته نلمس تمسك الغافري بنضال انساني عنيد لصنع عالم يليق بروح الانسان وجسده ويكون أرضا صالحة لنمو أحلامه.

وتوقفت لجنة التحكيم أمام استخدام الغافري للغة والصور والموروث ورأت أنه يعكس تمكّنا ومراسا عاليين ومرنين من غير أن يفسد المراس والتمكّن تلك الهبات العفوية واللقى الطازجة التي تجعل لقصيدته حرارة خاصة في قراءة تتكشف، بالتدريج، عن طبقات متداخلة من المعاني والعواطف المنضبطة والرؤى المشعة من الداخل.

كما لاحظت لجنة التحكيم ذلك الدأب الذي عمل الشاعر، في ظلال صمته وكدحه، على تطوير قصيدته بعيدا عن التقليعات التي تطرأ على المشهد الشعري العربي ولا تبرح تختفي في اطار نزاعات الشكل والاسلوب، جاعلا القبض على الشعري في حالاته المتغيرة والمرواغة مسعاه الشخصي والكتابي، من دون أن يعني هذا تخليها عن العمل على الشكل الذي تناط به، على نحو متضافر بالمعنى، مهمة الصنيع الشعري.

وأولت لجنة التحكيم قصيدة زاهر الغافري، بصفتها قصيدة اغتراب وبحث عن الجمالي في تعالقاته الانسانية، تقديرا خاصا لانفتاحها على «الآخر» واقتراحاته الجمالية من دون انقطاع عن جذورها العميقة حيث ظلت تتغذى من تلك الينابيع البعيدة التي أمدتها بأول قطرة وشكلت نسغها الحيوي. وبهذا تسهم تجربة الغافري، بانتمائها الى طور شعري عربي مهجري، في اغناء المشهد الشعري العربي الحديث بنبرة مميزة، وتوضح، في آن، تواصلها، تأثرا وتأثيرا، مع المجرى العام للقصيدة العربية الحديثة الراهنة في لحظة محتدمة من الصراع على بلورة صورة جديدة للهوية العربية التي يسعى الشعر، من ضمن فنون أخرى، إلى صوغها على أسس انسانية.

لكل تلك الأسباب ولما تمنحه قصيدته، بشكل خاص، من متعة في القراءة والتلقي وعمق في تقليب أوجه الحنين للطفولة والخطى البعيدة والأصوات الضائعة، قررت لجنة التحكيم منح جائزة «كيكا» للشاعر العُماني زاهر الغافري. (قيمة الجائزة ٠٠٥ دولار، وكذلك يقوم موقع كيكا بالمساعدة على ترجمة اعمال الشاعر الفائز الى عدد من اللغات الأجنبية).

(من تقرير لجنة تحكيم جائزة «كيكا» للشعر التي ترأسها الشاعر الأردني أمجد ناصر)
 
   حاوره : عبد الرزاق الربيعي شاعر وكاتب من العراق

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …