أخبار عاجلة

سحر اللغة الشعرية عند الشاعر الكولومبي خوان مانويل روكا

للشعر لغته المتفردة، لغة تسكن سحر الصورة التي تختص باستعارة الواقع وفق قواعد القول الشعري الخاصة، وهو ما ينتج لنا عالما مليئا بالتخيلات التي تقول الأشياء والعالم والإنسان بشكل يوازيها في الواقع الفعلي اليومي المرئي والمحسوس، لأن للغة الشعرية حميميتها المدهشة التي تبني عالمها الذهني من سحر الاستعارة التي لا تستوعب إلا بإقامة جسور للتأويلات، الشعر يدخلنا متاهة برزخية بين الوعي واللاوعي، فكلماته وعوالمه السرية تشيد بنايات خفية تتأسس على الحلم والحدس والقلق والذكرى والأمكنة والظلال والأفعال والصور، وهو ما يخلق لدى القارئ إدهاشا بالكلمات التي تتخذ معنى آخر أكثر خصبا وأكثر عمقا وأكثر إشراقا، يقول غاستون باشلار:» الشعر أحد مصائر الكلمة عند تشذيب التملك للوعي باللغة على مستوى القصيدة». وما من شك أن الشاعر الكولومبي خوان مانويل روكا يعتبر ساحر اللغة بامتياز، فتأمل قصائده يكشف عن عمق تملكه للوعي باللغة وسحرها حين يحولها إلى قصائد حميمة المعاني، شفيفة القول، ساحرة لأرواح قارئيها ومدهشة لهم بصورها واستعاراتها القلقة التي تتهم يقينهم وتدعوهم للتأمل بشكلٍ مختلفٍ، شكلٍ يتجاوزُ التأويلات الجاهزة والمعطاة سلفا للواقع اليومي، إنه يفتح لنا بوابة التخييل ليقدم لنا صورة أخرى عن الواقع، صورة تسمو وتتعالى عن كل ما هو تبسيطي فيه، لأن الواقع معقد ويستوجب إعمال التخييل لملامسة تفاصيله الحارقة، والشعر لا يكون شعرا إلا بقراءة المستغلق ومحاولات الكشف والمكاشفة التي تفتحه على معان أخرى جديدة لا تسكن في المهيمن والقريب، بل تتجاوزه إلى الممكن والبعيد… علما أن خوان مانويل روكا شاعر إنساني العمق، ملتزم بقضايا الإنسان، عفوي وحميمي في تعبيره عن القضايا التي يؤمن بها ويدافع عنها، لكنه لا يتنازل أبدا عن شرط الأدبية في التزامه المبدئي، بل هو يسكن في منفى اللغة يقيم في تخومها القصوى، ويصوغ قصيدته الشعرية الإنسانية من كيمياء الصمت وظلال الزمن حيث تتداخل الذاكرة بالنسيان، والواقعي بالذاتي، والفردي بالجماعي، والحميمي بالتاريخي، والمقروء بالمعيش، والجمالي بالشخصي في هذه الكيمياء التي لا تقيم حدودا بين هذا وذاك… تقول لوسيا إيسترادا:
«إن تجربته –أي خوان مانويل روكا-وهي تقتحم حدود الذاكرة، تستمرُّ في ديمومة الشهادة الاستعارية حد صيرورتها استعارة بسبب التعقيد الذي تشتمل عليه، يشكلها في ملمحٍ عميقٍ من المعرفة بمحيطها، والذي عند تقاسمه في دلالة القراءة يصل حد التحول إلى تجسيد لشعره، وحسب غاستون باشلار: يصير»الشاعر متحدثا في عتبة الوجود»، وهو هنا الشاعر خوان مانويل روكا، مقيما في تلك العتبة المسماة لغة»، أو بالأحرى مقيما في «الشعر باعتباره الشرط الفردوسيَّ للغة» حسب بول فاليري… إن خوان مانويل روكا، وانسجاما مع ذاته والتزامه الأخلاقي والسياسي والأدبي ومع كل ما يثيره ويستهويه أيضاً، يشيِّد علاقة حميمية وعفوية مع العالم والأشياء والإنسان، لكن عفويته الشعرية تبعده بمسافة كافية تجعله ينزاح عن الواقع نسبيا، وبالتالي مع مختلف آثاره المباشرة ليحقق توازنا خلاقا بين اللغة والحياة، أو ما يمكن أن نسميه الحياة داخل الأدب في محاولة لتأسيس حوار بين الجمالي واليومي، بين الشعري والشخصي، وتلعب الذاكرة دورا أساسيا في إعادة صياغة اليومي والواقعي وترتيبه من جديد في كلماتٍ تحقق للصورة التخييلية أعلى درجات الشفافية والعمق، إن «الذاكرة هي المكانُ الوحيد الذي لا يمكن أن يكون لنا منفى»، حسب تعبير ريشتر، ولذلك نجد في قصائد روكا تأملات عميقة بصدد العالم بمختلف تمظهراته: التوحد والخلوة، الأحلام والكوابيس، اللاطمأنينة والحيرة والريبة والنسيان والقلق الوجودي والحب والسكينة والتلاشي والرحيل والحرب، يقول بصدد الحرب في قصيدة عنوانها «على خطو الاستعراض العسكري»:
-» وإذا ذهبت إلى الحرب، هل سيودعونني بالرايات والطبول؟
– بالمناديل في الهواء والقبلات التي تلقى من الشرفات.
– وسيرفعون بالونات بيضاء وزرقاء حين أعود؟
– إذا سددتَ بعين جيدة وأطعْتَ الأوامر سيغطونك بالعناقات وبالغار.
– وسيقيمون لي تمثالا مثل الذي يوجد في الحديقة؟
– بل وأكبر بكثير، يا بني، أكبر بكثير جدا.
– وسيتبوَّلُ عليَّ نفسُ الكلبِ، يا أبي، أليس كذلك؟»
إن القصيدة فضلا عن إيجازها تُبنى على المفارقة الساخرة بين مشهد التمجيد الذي يمضي في تسلسل متصاعد لكنه ينتهي بهدم أفق التلقي من خلال السخرية السوداء في آخر سطرٍ/جملةٍ من القصيدة.
فقراءة شعر خوان مانويل روكا تنقلنا إلى توتر الكلمات والصور وهي تستقر في الذاكرة وتسكنها، وتروي ظمأ الشعر إلى نبع متدفق بالرسائل والخطابات والأغاني والمونولوغات، وفضاءات تتحول إلى متاحف للغياب وللمنافي وللهويَّات الممنوعة والمصادرة، وتغدو الاستعارة سرْبالا لكلماته المنفلتة ومرايا لأعماق أرواح وذوات إنسانية تتحسَّسُ العالم والأشياء، وتتألم لفظاعاتها المتكررة والمُتأبدة.
لكن خوان مانويل روكا هو أيضا شاعر الميتا شعري بامتياز، فهو مُحاوٍرٌ أساسيٌّ للشعرية والشعراء في مسارات بنائهم للقصيدة، إذ يحمل في دواخله روح الناقد العارف بالشعر وتجارب الشعراء الذين رسخوا الحداثة الشعرية في العالم، مثل لوتريامون ورامبو وباييخو وتراكل وبوريس فيون وشارل سيميك وبول سيلان… وغيرهم، كما يحيلنا الى أمهات كتب الإبداع الإنساني بعمق ثقافوي عارف مثلما يحدث مع «الإلياذة» و»الأوديسة» من التراث الإغريقي، أو على «الملك لير» وغيرها من أعمال شكسبير من التراث الإنجليزي أو على «ألف ليلة وليلة» من التراث العربي.
يقول الشاعر التشيلي غونثالو روخاس في كلمة تقديم لأعمال خوان مانويل روكا المعنونة بـ: « أبجدية الطريق»، جماع الأعمال الشعرية (1973-2014):
« قد أكون قرأتُ العديد من المُتَعلِّمين الذين لا يقولون لك أي شيءٍ، والذين لا يضعونك في لحظة إشراقٍ، ولا يفتنونك، باللاحذق في عملهم. وليس هذا شأن روكا، الذي يعرف معنى القول. أن يقول الأرض، أن يقول الزمن، أن يقول العالم. أقرأ وأعيدُ قراءة هذه الأوراق وأصغي إلى الهُوَّةِ السحيقةِ فيها، المُخاطرةُ، ذاك اللاأحد الذي لطالما جعله يرتَجُّ ولربَّما ينخطفُ، لأنَّه إن كان ثمَّة مَنْ لا يليقُ أن يتمَّ الإفراطُ في توظيفِهِ ومنذ الأوديسة، فذاك هو هذا اللا أحد، منذ هوميروس وحتى جويس ومنذ ذلك الحين إلى الآن، ممتطيا صهوة حصانه متلبساً لاأحدَهُ هنالك يمضي ويأتي خوان مانويل وأسمع الصهيل يصلُ إلى عنان النجوم».
يشير مانويل بوراس الناشر الإسباني لخوان مانويل روكا إلى أن «شعره يمكن أن يعتبر بحق تأملا واسعا بصدد الحرية من خلال الخيال». وقد كتب الروائي الكولومبي أوسكار كواثوس: «لقد رأيت غير ما مرة في دهشة الشباب الذي يحملون بين أيديهم كتابا لروكا، كما قرأت مقتطفات من قصائده وقد كتبت على جدران بنايات عامة، وقد عاينت لحسن الحظ التواصل الذي أنشأه الشاعر مع جمهوره. ثمة شيء ساحر داخل شعره، إنها حساسية جيل»… وقد أشارت لجنة تحكيم جائزة «كاسا دي لاس أميريكاس» أي جائزة دار الأمريكتين، وهي تتوج أحد أعمال خوان مانويل روكا عام 2009 وكانت متكونة من (جيوكوندا بيي، خوليا إسكوبار، لويس غارسيا مونتيرو، أندريس بيريث بيرُّوكا، بنخامين برادوس وآنا ماريا رودريغيث أرياس)، إلى قدرته على تطويع الجوانب الشكلية، وتنويعه البنائي للقصيدة في أشكال من البناء المتماسك والمتين في كل عمل من أعماله الشعرية. كما امتدحوا قدرته على تمثُّل الواقع شعريا… وفي العديد من المقابلات، اعترف خوان مانويل روكا بتقاليد الكتابة الأمريكو-لاتينية ممثلة بسيزار باييخو وخوان رولفو، وهو أيضا من الشعراء الذين يعكسون التمثل للنموذج الشعري المنبثق عن الرومانسية الألمانية، والتي سيتم استكشافها لاحقا من قبل السرياليين الفرنسيين، بقيادة لوتريامون ورامبو. وفيما يتعلق بالشعر الكولومبي، فإنه يجد نفسه ممثلا في العمل الشعري لخوسيه أسونسيون سيلفا، وأوريليو أرتورو، ولويس بيداليس (الذي هو خاله)، وكارلوس أوبريغون، وهيكتور روخاس هيراثو وفرناندو شاري لارا. ويصنف النقاد خوان مانويل روكا ضمن ما أطلق عليه «الجيل اليائس أو جيل الخيبة» (وهو يتكون من جماعة متنوعة من الشعراء الذين ولدوا في الأربعينيات، ونشروا أعمالهم الأولى في السبعينيات من القرن العشرين، دون تصور جمالي مشترك)، وضمن هذا الجيل نتعرف على أسماء شعراء مثل ماريا مرسيدس كارانثا، داريو خاراميُّو أغوديلو، خايمي غارسيا مافلا، خوسيه مانويل أرانغو ضمن أسماء أخرى…
ولد خوان مانويل روكا في ميديين في 29 من ديسمبر 1946. أمضى طفولته في المكسيك وفيما بعد في باريس. وخلال الفترة ما بين 1988 و1999، عمل كمنسق لمجلة الدومينيكال لصحيفة:»إسبكتادور»، وهي ملحق ثقافي ساهم عمليا في تكوين جيل من الكتاب والشعراء، حيث نشر عددا كبيرا من القصائد والمتابعات النقدية والدراسات عن الشعراء الحديثين والمعاصرين. وكان أيضا مؤسسا بالاشتراك مع آخرين لمجلة «كلابي دي سول» أي «مفتاح الشمس»، والصحيفة الثقافية «لا ساغرادا إسكريتورا» أي «الكتابة المقدسة». وبالإضافة إلى ذلك، قام منذ عام 1986 بتنظيم ورشات عشق الشعر ببوغوتا في بيت سيلفا للشعر. وفي عام 1993 حصل على جائزة سيمون بوليفار الوطنية للصحافة ومنحته جامعة الفايي الدكتوراه الشرفية في الآداب سنة 1997. وقد شارك كمحكم في العديد من الجوائز الأدبية الوطنية والدولية، كما نال عن كتابه: «الأوبئة السرية وقصص أخرى» جائزة القصة من جامعة أنتيوكيا، وكتب روكا عملا روائيا وحيدا بعنوان «تلك العادة اللعينة للموت» نشرت سنة 2003. وهو أحد الشعراء المقروئين بشكل واسع في كولومبيا، بل وفي إسبانيا وأمريكا اللاتينية… ترجمت أعماله إلى الفرنسية والسويدية والألمانية، والإنجليزية، والهولندية والإيطالية…
في مجال الشعر نشر عدة دواوين شعرية: ذاكرة الماء) 1973)، قمر العميان (1976) نال الجائزة الوطنية الشعر جامعة أنتيوكيا، اللصوص الليليون (1977)، رسائل من الحلم (1978) – مع داريو بييغاس، علامة الغِربان (1979)، كتاب الفروسية (1979) – مع أوغوستو ريندون، كتاب الحكايات الملكي (1980)، مختارات شعرية (1983)، بلدٌ سريٌّ (1987)، مواطن الليل (1989)، قمر من العميان (1990) – مختارات شعرية، نورسٌ مع الشيطان (1990)، مونولوجاتٌ (1994)، ذاكرة اللقاءات (1995)، صيدلية الملاك (1995)، مسامرة الغائبين (1998)، مكان التجليات (2000)، الجنازات الخمس لبيسوا (2001) – مختارات شعرية، شِجارُ الحالم (2002)، مسرح الظلال مع سيزار باييخو (2002)، كمنجة لأجل شاغال (2003)، فرضية لاأحد (2005)، غناءُ النأي (2005) مختارات شعرية، الملاكُ المُحاصَرُ وقصائد أخرى (2006)، عازف البيانو بلد المياه – مع باتريثيا دوران، ثلاثية كومالا- مع أنطونيو ساموديو، عن روزنامة السيرك – مع فابيان ريندون، وصايا (2008)، الكتاب المقدس للفقراء (2009)، جواز سفر عديم الوطن (2012)، الوجوه الثلاثة للقمر (2013)
وقد حصل على العديد من الجوائز والتمييزات الفخرية من بينها:
• جائزة إدواردو كوت لاموس الوطنية للشعر(1975)
• جائزة الشعر الوطنية بجامعة أنتيوكيا (1979)
• جائزة أفضل كاتب للمتابعات النقدية عن الكتب من المكتب الكولومبي للكتاب (1992)
• جائزة سيمون بوليفار الوطنية للصحافة (1993)
• جائزة القصة القصيرة الوطنية جامعة أنتيوكيا (2000)
• جائزة الوطنية للشعر عن وزارة الثقافة (2004)
• جائزة دار الأمريكتين: «كاسا دي لاس أميريكاس» للشعر خوسيه ليثاما ليما 2007، بكوبا، عن ديوانه «غناء النأي». مختارات شعرية.
• جائزة دار أمريكا للشعر الأمريكي 2009، بإسبانيا، عن ديوانه الشعري :»الكتاب المقدس للفقراء».
• وقد نال أيضا الدكتوراه الفخرية من الجامعة الوطنية لكولومبيا سنة 2014.
قصائد للشاعر
خوان مانويل روكا
مكتبة العميان
مُسْتَغْرِقين في طاولاتِهم مِنْ خشَبِ المَاهُونِ،
يَتَصَفَّحُ بَعْضُ العُمْيَانِ الكُتُبَ كَمَا لوْ كَانَتْ آلَةَ بيَانُو
كُتُبٌ بَيْضَاءُ تَصِفُ زُهُورَ بْرَاي
ذَاتِ العِطْرِ القَدِيمِ.
اللَّيْلُ المَلْمُوسُ الَّذِي يُدَاعِبُ أصَابِعَهُمْ،
هُلْبُ مُهْرٍ بَيْنَ الخَيْزَرَانِ.
تَبَدُّدُ كَلِمَاتٍ يَلِجُ عَبْرَ الأيَادِي
وَيَفْتَتِحُ سَفَراً عَذْباً حَتَّى الأسْمَاعِ.
مُنْحَنُونَ عَلَى ثَلْجٍ مِنْ وَرَقٍ
كَمَا لوْ كَانُوا يَسْتَمِعُونَ إلَى رَكْضِ الصَّمْتِ
أوْ شِبْه مُطِلِّينَ عَلَى الدَّهْشَةِ يُدَاعِبُونَ الكَلِمَةَ
مِثْلَ آلَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ.
يَهْبِطُ المَسَاءُ مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ لِلمِرْآةِ
وَفِي المَكْتَبَةِ الصَّامِتَةِ
تَحْمِلُ خَطَوَاتُ اللَّيْلِ هَمَسَاتِ أسْطُورَةٍ،
هَمَسَاتٍ تَأتِي حَتَّى ضِفَافِ الكِتَابِ،
وَعَائِدَةً مِنَ الدَّهْشَةِ
بَعْدُ مَا زَالَتْ تَرْتجُّ كَلِمَاتٌ بَيْنَ أنَامِلِهِ قَوِيَّةِ الذَّاكِرَةِ.
أغنيةُ صانعِ المَرايا
أصْنَعُ مَرَايَا:
أضِيفُ لِلْبَشَاعَةِ مَزِيداً مِنَ البَشَاعَةِ
وَالمَزِيدَ مِنَ البَهَاءِ لِلْبَهَاءِ.
أحْمِلُ فِي الشَّارِعِ مِرْآةً مِنَ الزِّئْبَقِ:
تَنْعَكِسُ السَّمَاءُ فِي المِرْآةِ
وَتَرْقُصُ السُّقُوفُ
مِثْلَ لَوْحَةٍ لِشَاغَالَ.
لمَّا تلِجُ المِرْآةُ بَيْتاً آخَرَ
سَتَمْحُو الوُجُوهَ المَعْرُوفَةَ،
فَالمَرَايَا لا تَحْكِي مَاضِيهَا
لا تَشِي بِسُكَّانِهَا القُدَامَى.
بَعْضُهُمْ يُشَيِّدُون سُجُوناً،
قُضْبَاناً لِلأقْفَاصِ.
أصْنَعُ مَرَايَا:
أضِيفُ لِلْبَشَاعَةِ مَزِيداً مِنَ البَشَاعَةِ
وَالمَزِيدَ مِنَ البَهَاءِ لِلْبَهَاءِ.
على خطو الاستعراض العسكري
– لوْ أتَعَلَّمُ أنْ أسِيرَ هَكَذَا، أأسْتَطِيعُ أنْ أصِيرَ جُنْدِياً؟
– نَعَمْ يَا بُنَيّ.
– وَإذَا ذَهَبْتُ إلَى الحَرْبِ، هَلْ سَيُوَدِّعُونَنِي بِالرَّايَاتِ والطُّبُولِ؟
– بِالمَنَادِيلِ فِي الهَوَاءِ والقُبُلاتِ الَّتِي تُلقَى مِنَ الشُّرُفَاتِ.
– وَسَيَرْفَعُونَ بَالُونَاتٍ بَيْضَاءَ وَزَرْقَاءَ حِينَ أعودُ؟
– إذَا سَدَّدْتَ بِعَيْنٍ جَيِّدَةٍ وَأطَعْتَ الأوَامِرَ سَيُغَطُّونَكَ بِالعِنَاقَاتِ وبِالغَارِ.
– وَسَيُقِيمُونَ لِي تِمْثَالاً مِثْلَ الَّذِي يُوجَدُ فِي الحَدِيقَةِ؟
– بَلْ أكْبَرُ بِكَثِيرٍ، يَا بُنَيّ، أكْبَرُ بِكَثِيرٍ جِدّاً.
– وَسَيَتَبَوَّلُ عَلَيَّ نَفْسُ الكَلْبِ، يَا أبِي، ألَيْسَ كَذَلِك؟
مونولوج خوسيه أسونثيون سيلفا
إلى ريكاردو كانو غافيريا
المدينةُ التي تحيطُ بي
وتتضاعفُ في بِرَكِ المَطَرِ
لها لِباسٌ مِنْ ظِلالٍ،
تخدِشُ الرِّيحُ الَّتِي تأتي من فَلَواتِ
كْرُوثْ بِيرْدِي بِسُتْرَتِها اللَّيْلِيَّةِ
السَّوْداءِ زُجاجَ البَيْتِ،
تتسَلَّلُ عَبْرَ أبْراجِ الأجْرَاسِ
تخبِطُ
المِقْرَعَاتِ البرونزيَّةَ لأبْوابِ الكَانْدِيلارْيا.
تلكَ الرِّيحُ، تلك الرِّيحُ هِيَ رُوحِي
ما بين هُدْنَاتِ صمْتٍ قريبةٍ
تُدوِّي حُروبُ البِلادِ
بينما يُخَشْخِشُ القِنديلُ
الذي أضيءُ بهِ كُتُبي الملتبِسَةَ
عَنِ التِّجَارَةِ.
تلكَ الرِّيحُ، تلك الرِّيحُ هِيَ رُوحِي
تَهْمِسُ حَلَقَاتُ المُثَرْثِرِينَ مِنْ كائناتٍ
مُقَنَّعَةٍ عند عُبُوري. وُجوهٌ ثابِتةٌ في المَشْهَدِ،
تمَاثيلُ مِنْ ثلجٍ عند مَدْخَلِ كنيسةٍ
مَانِيكَاناتٌ
بالكادِ يُحَرِّكُها سِكِّينُ الفلاةِ
البَارِدُ
تلكَ الرِّيحُ، تلك الرِّيحُ هِيَ رُوحِي
مَنْ يَرسُمُ في قميصي خَريطةَ القلبِ؟
مَنْ يَخُطُّ مركزاً في طريق حُمَّايَ؟
الأختُ المَيِّتة تعْبُرُ الباحَة:
صوتُها صارَ ينْتمِي
للبناياتِ السِّرِّيَّةِ للفَراغِ.
تلكَ الرِّيحُ، تلك الرِّيحُ هِيَ رُوحِي
القرْيةُ يتمَطَّى جِلْدُها، جِلْدُ الخَشْخَاش،
تُسَرِّبُ ضَوءً على جَنَباتِ السَّاحةِ
في ساعة تبدو فيها المدينةُ حَيَّةً.
أتحدَّثُ عَنْ تأنِّيهَا، عَنْ ثَبَاتِها المُدْهِشِ:
بينما تُخْتَمُ حَركَةُ رَجُلٍ
يحْمِلُ فنجاناً من الطَّاوِلَةِ إلى فَمِهِ،
يَعْبُرُ الأبديَّةَ، يُغَيِّرُ العَالمُ
الفُصُولَ،
تَمْضِي الحُرُوبُ، ثمَّةَ أوقاتُ آتِيَةٌ هارِبَة
والرَّجُلُ لا يُنْهِي المَوْقِفَ
الذي يُذَوِّبُ شفتيْهِ في فِنْجانِ القهوَةِ،
يبدو الجميع مصابا بِلوْثَةِ سِحْرٍ
لرُبَّما يَرَوْن في سكينَتِهِ
الطَّائرَ اللامَرْئيَّ
الذي يُشيرُ لهُمْ على رسَّامِ بُورتريهاتٍ مُتَخَفٍّ
ومن جديدٍ، الرِّيحُ.
تلكَ الرِّيحُ، تلك الرِّيحُ هِيَ رُوحِي
هي طلقةٌ أكثرُ، سيقولُ الجيرانُ
هيَ طلقةٌ أكثرُ ضِدَّ حُروبِ النِّسيانِ
الأبديَّةِ.
الحياةُ ذلك الإفلاسُ الشَّرِسُ.
يومية الليل
ساعةَ يتسللُ النَّوْمُ
مثلَ لصٍّ عبْرَ دُروبِ مِنَ اللِّبْدِ
يشرَبُ الشُّعَراءُ مياهاً هامسَةً
بينما يتحدثون عَنِ العتمةِ،
عن العُمْرِ المُعْتمِ الذي يُطوِّقُنا.
ساعة يُسَخِّمُ القطارُ وجْهَ القمرِ
ويُهْجَرُ مَلاكُ المواخيرِ إلى مَصيرِهِ
تعْزِفُ الجَوْقةُ لحْناً حَزيناً.
مُهْرَةٌ بِلَوْنِ المَرايَا
تغرقُ في الليلِ وهي تهزُّ ذيلَها
ذيلَ مُذَنَّبٍ.
أيُّ فارسٍ لا مرئيٍّ يَحُثُّها على الرَّكْض؟
قصيدَةٌ اِجْتاحَها الرُّومانُ
الرُّومانُ كانُوا خُبَثاء
مَلأوا أورُوبا بالخَرائِبِ
المُتآمِرةِ معَ الزَّمَنِ.
كانَ الآتي يُثيرُ اهْتِمامَهُم
الآثارُ أكثرُ مِنْ مَوَاطِئِ الأقدامِ
الرُّومانُ، يا كَسَانْدرا، كانوا مَاهِرين
لمْ يضَعُوا قنَاةَ المِياهِ لِشَقُّوبِيَةَ
كقناةٍ لِلمَاءِ والضَّوْءِ.
بل فكَّرُوا فيها كأثَرٍ،
كَمَاضٍ مُذْهِلٍ.
زَرَعُوا في أوروبَّا مَبَانِيَ صَدِئَةً،
تماثيلَ عَديمَةَ الرُّؤُوسِ
اِبْتلعَها مَجْدُ رُومَا.
لم يَبْنوا الكُولِيسيومَ
لتفْتَرِسَ النُّمورُ
على هَوَاها المَسِيحِيِّين
الَّذِينَ لا يُثِيرُون الشَّهِيَّةَ
ولا لِيَرَوْا أنْصَارَ سبارتاكوسَ
مُخْتَرَقينَ مِثْلَ فواصِلَ تمْثيلِيَّةٍ مِنَ الجَحِيمِ
فكَّرُوا في خَرَائِبِهِ، خَرَائِبَ مُتَناسِبَةٍ
فِي الظِّلِّ المَنْهُوشِ للشَّمْسِ المُحْتَضِرَةِ،
صَدِيقِي دِينُو كَامْبَانَا
كان يُمْكِنُ أنْ يُهَاجِمَ بِشَرَاسَةٍ
أحَدَ آلِهَتِهِ المَرْمَرِيَّةِ.
فالرُّومَانُ يَحْمِلُونَ كَثِيراً عَلَى التَّفْكِيرِ،
مثلاً،
حِصَانٌ برُونْزِيٌّ
في السَّاحةِ البَيْضاءِ،
أثناءَ تَرْميمِهِ
عِندَ الإطْلالِ عَلى فَمِهِ المُنفَرِجِ
عَثَرُوا فِي بطنهِ
على هيَاكِلَ عَظْمِيَّةٍ لِحَمَامَاتٍ
مثل حُبِّكِ
الذي يتحوَّلُ إلى خَرائبَ
كُلَّما حاولتُ أن أعيدَ بناءَهُ أكثر.
فالزَّمنُ رُومَانِيٌّ
حُزنُ الأشياءِ
زَوْجُ الحِذَاءِ هَذَا
رَافَقَنِي إلَى بِرْكَةٍ
حَيْثُ الصَّوْتُ الوَحِيدُ يُصْدِرُهُ إلَهٌ
وَحِصَانٌ يَمْتَصُّ أضْوَاءَ الأقْمَارِ.
مَرَّةً انْتَصَبَا
أمَامَ سَيِّدَةِ المَرْقَصِ اللَّيْليِّ،
اِمْرَأةٌ كَانَتْ تَبْدُو
مُمْتَطِيَةً قِطَّيْنِ بمَتْنٍ شَائِكٍ.
زَوْجُ الحِذَاءِ المُهْمَلُ هَذَا
يَنْتَفِضُ وَحْدَهُ
حِينَمَا ينبثقُ صَوْتُ الأمِّ الكَبِيرَةِ طُورِنْتُون
مِنْ مَكَانٍ مَا فِي الجِوَارِ.
حِذَاءَانِ لمْ يَكُونَا لِمُقْعَدٍ
لكِنَّ كَسَلِي كان يُمْلِي عَلَيْهِمَا وصْفَةَ
كَرَنْتِينَةِ الاسْترَاحَةِ.
لمْ يكُونا لِشَخْصٍ أُعْدِمَ شَنْقاً
لكنَّهُمَا لمْ يَخُونَا قَطُّ مَيْلَهُ تُجَاهَ الهَواءِ.
صَعَدا مَرَّةً
القاعِدَةَ الصَّغيرةَ لِعُلْبَةِ مَاسِحِ الأحْذِيةِ
في مُنْتَزَهٍ مَنْسِيٍّ.
لكنهُمَا لمْ يَمْتَنِعَا قَطُّ
عَنْ تَحْطِيمِ شَظيَّةٍ مِنَ البُعْدِ
كُلَّمَا هَوَتْ إلَيْهِمَا مِنَ السَّمَاءِ كُرَةٌ ضَائِعَةٌ.
لمْ يَقِفَا فِي الطَّابُورِ مَعَ قُدَمَاءِ الحَرْبِ
وَظَلَّا بَعِيدَيْنِ عَنْ تَوْزِيعِ كِسَرِ الخُبْزِ اليَابِسِ.
الإسْكَافِيُّ الَّذِي صَنَعَهُمَا
يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَلِيلَ
يَهُودِيٍّ تَائِهٍ هَرَبَ مِنْ ذَاتِهِ
خَلْفَ الرِّيحِ الَّتِي تَبْتَلِعُ المَسَافَاتِ.
كَانَا يَتَدَحْرَجَانِ عَلَى هَوَاهُمَا فِي زَوَايَا الحَانَاتِ
وَفِي المُدُنِ المَجْهُولَةِ
إذْ رَافَقَانِي بَحْثاً عَنْ شَوَارِعَ بِلا عُمْقٍ.
هَذانِ التَّوْأمانِ السِّيامِيَّانِ مِثْل مِرْآتيْنِ
يُسَافِرَانِ فِي شَاحِنَةِ القُمَامَةِ
يَحْمِلانِ سِرَّ الطُّرُقَاتِ المَقْطُوعَةِ
بَيْنَمَا اللَّيْلُ يُخْفِي آلافَ الأحْذِيَةِ تَحْتَ الأسِرَّةِ.
خارِطَةُ المَشَّاءِ
احتفاء بأندري برتون
قد عادَ مِنْ جديدٍ
مستوطِنُ
الفُصُولِ البرمائية للحُلْمِ،
مَشَّاءُ بابلَ مِنْ مَرَايا.
شخصٌ ما قد رآهُ
يتحدَّثُ إلى لصِّ المَسَافاتِ.
شخصٌ ما يسألُ
مِنْ أيِّ مكانٍ أتَى
حاملا الليْلَ في عُرْوَتِهِ.
أنا أجهلُ التَّعَازِيمَ
وسِحْرَ صوْتِهِ،
لكنِّي أحسُّ نِداءَهُ المَجنونَ
إلى الحُبِّ! بلا أبَّهَةٍ
سواءً أكانَ في السَّريرِ العاجيِّ
أمْ في دِهْليزِ الصَّيْدَلِيِّ.
قد عَبَرَ جِهاتٍ مِنَ الأرْضِ
حيثُ شخْصٌ ما يقرَعُ الأخشَابَ
ويكونُ رعبُ فتْحِها رِتَاجاً.
أبوابٌ مُشْرَعةٌ
بَابٌ
مشْرَعَةٌ على اللَّيْلِ
والجَلبَةُ تسكنُ
الأمكنةَ.
يُعْلِنُ صَريرُ
مَفصلاتِهَا
أنَّ شَخْصاً ما قادمٌ مِنَ المَطَرِ
أو خطواتِ حَيَوانٍ مُتَمَهِّلٍ
يَجْتاحُ الحُلْمَ.
بَابٌ، شَقٌّ
مَفتوحٌ في الدَّهْشَةِ.
رِسالةٌ بِاتِّجَاهِ بِلادِ الغَال
تسْألِينَني أنتِ أيَّتُها السَّيِّدَةُ العذبَةُ
مَاذا أرَى فِي هذِهِ الأيَّامِ عَلى هَذَا الجَانِبِ مِنَ البَحْر.
تَسْكنُني شوارعُ هَذِهِ البِلادِ
هِيَ بالنسبةِ لكِ مَجْهُولَةٌ،
هَذِهِ الشَّوَارِعُ حَيْثُ التَّنَزُّهُ
سَفَرٌ طَوِيلٌ عَبْرَ الحُزْنِ،
وحَيْثُ المُضِيُّ لِتَنْظِيفِ الضَّوءِ
امْتِلاءٌ للعُيُونِ بِالضّمَادَاتِ والهَمْهَمَاتِ.
تسْألِينَنِي
مَا الَّذِي أرَاهُ هَذِهِ الأيَّامَ عَلَى هَذَا الجَانِبِ مِنَ البَحْرِ.
دَبُّوسٌ فِي الجَسَدِ،
ضَوْءُ مُسْتَشْفَى الأمْرَاضِ العَقْلِيَّةِ
يَصِلُ هَادِئاً لِيَجْعَلَ
الجُرْحَ الأعْمَقَ فَاتِراً،
الجُرْحَ المُتَوَلِّدَ عَنْ حَشْدِ أيَّامٍ عَدِيمَةِ اللَّوْنِ.
وَالشَّمْسُ؟
الشَّمْسُ عَقَارٌ قَدِيمٌ امْتَصَّهُ ذَلِكَ الجُرْحُ،
فَأنْتِ تَعْلَمِينَ أيَّتُهَا السَّيِّدَةُ العَذْبَةُ،
أنَّ هَذِهِ البِلادَ فَوْضَى مِنْ شَوَارِعَ وَجِرَاحٍ.
أُطْلِعُكِ عَلَى ذَلِكَ:
هُنَا تُوجَدُ نَخلاتٌ صَدَّاحَةٌ
لكِنْ ثمَّةَ أيْضاً رِجَالٌ مُعَذَّبُونَ.
هُنَا سَمَاوَاتٌ عَارِيَةٌ مُطْلَقاً.
وَنِسَاءٌ مُقوسَاتٌ عَلَى دَوَّاسَةِ آلَةِ سِينْجِرَ
كَانَ بِإمْكَانِهِنَّ أنْ يَصِلْنَ بدَعَساتِهِنَّ المَجْنونَةِ
حتَّى جَابَا وَبُورْدُو،
حَتَّى النِّيبَال وَقَرْيَتكِ الصَّغِيرَة فِي بِلادِ الغَالِ،
حَيْثُ لَرُبَّما كَانَ عَزِيزُكِ دِيلان طُومَاس
يَشْرَبُ الظِّلالَ.
نِسَاءُ هَذِهِ البِلادِ قَادِرَاتٌ
عَلَى رَتْقِ زرٍّ لِلرِّيحِ
وَإلْبَاسِهِ زَيَّ عَازِفِ الأرْغُنِ.
هُنَا يَنْمُو الغَضَبُ وَالسَّحْلَبِيَّاتُ عَلَى حَدٍّ سَوَاء،
أنْتِ لا تَشْتَبِهِينَ فِيمَا تَكُونُهُ بِلادٌ
مِثْلَ حَيَوَانٍ قَدِيمٍ مَحْفُوظٍ
فِي الأشْكَالِ الأكْثَرِ تَنَوُّعاً مِنَ الكُحُولِ
أنْتِ لا تَشْتَبِهِينَ فِيمَا يَكُونُهُ العَيْشُ
بَيْنَ أقْمَارِ الأمْسِ وَالمَوْتَى والفَضَلاتِ.
رِسَالةٌ فِي صُنْدُوقِ بَرِيدِ الرِّيح
دُونَ أنْ أعْرِفَ إلَى مَنْ أوجِّهُهَا،
أبْعَثُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ
الَّتِي وُضِعَتْ في صُنْدُوقِ بَرِيدِ الرِّيحِ.
رِجَالٌ مُعْتِمُونَ
يَطُوفُونَ أمَامَ بَابِي
بِمَعَاطِفَ مُتضخِّمَةٍ
بِزَاوِيَةِ مُسَدَّسِ لُوجِرَ،
وَفِي اللَّيْلِ، بَيْنَمَا كُنْتُ أقْرَأُ
شُعَرَائِيَ القُدَامَى المُضَائينَ بِالأقْمَارِ،
كَسَرَتْ فَصِيلَةٌ
مِنَ الظِّلالِ نَافِذَتِي.
هُمْ ليْسُوا عَفَارِيتَ.
ليْسُوا أشْبَاحَ سُكَّانِ
هَذَا الرُّكْنِ السَّكْرَانِ مِنَ العَالَمِ،
وَمَعَ ذَلِكَ،
فَقَدْ رَأيْنَا أنْفُسَنَا نُعْطِي الأسْمَاءَ الخَاصَّةَ
لِفَرَاغٍ:
ثَمَّةَ حَشْدٌ مِنَ الرِّجَالِ المُخْتَفِينَ
وَشَائِعٌ أنْ نَسْمَعَ
فِي الشَّوَارِعِ وفِي الحَانَاتِ
أُنَاساً يَتَحَدَّثُونَ
عَنْ هَجْرِ البِلادِ
مِثْلَ سَفِينَةٍ تَغْرَقُ.
دُونَ أنْ أعْرِفَ إلَى مَنْ أوجِّهُهَا،
أبْعَثُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ فِي صُنْدُوقِ بَرِيدِ الرِّيحِ،
مِنْ مَكَانٍ
حَيْثُ شخصٌ مَا يَنْفِي الحُلْمَ،
والضَّحْكةُ مُدَانَةٌ
بِسبَبِ خِيَانَتِهَا المَرَايَا.
لسْتُ أدْرِي مَنِ الذِي أطالِبُهُ
بِفَتْحَ نَافذَتِهُ
حَتَّى تَلِجَ هَذِهِ الرِّسَالَةُ
الَّتِي وُضِعَتْ فِي صُنْدُوقِ بَرِيدِ الرِّيحِ.
لائحةٌ سوداءُ
أضَعُ اللائحَةَ السَّوْداءَ لِرَيْبَاتِي وَسَطَ بِلادٍ أُبِيدَ جَمْعٌ عَارِمٌ مِنْ سُكَّانِها
ولسْتُ أدْري هَلِ الرَّسَائِلُ الَّتِي لا تَصِلُ تُفتضُّ مِثْلَمَا الحُلمُ أو النِّسَاءُ…
(فِي الفَجْرِ يَتَجَمَّدُ المَطَرُ مِنَ البَرْدِ ورُبَّما تُصْمِتُ العَاصِفَةُ طلقاتٍ بعيدةً…)
لسْتُ أدْري، بالتَّحْدِيدِ إنْ كَانَ فِي بِلادِي رَجُلٌ يُبْحَثُ عَنْهُ
فِي المَدِينَةِ بِالمِصْبَاحِ الخَفِيِّ لأحَدِ لصُوصِ الأحْلامِ…
(… شَخْصٌ مَا عَلَى حَافَةِ هُوَّةٍ رُبَّمَا يَشْرَعُ فِي رَسْمِ بُورْتْرِيه نَاطِقٍ لِمَلاكٍ…)
ولمَّا يَأتِي اللَّيْلُ أوْ ألِجُ الحُلمَ مِثْلَ قِطَارٍ يُخْرِجُنِي مِنْ بِلادٍ مُعْتِمَةٍ، أفكِّرُ
إنْ كَانَ ثمَّةَ حَارِسٌ خفيٌّ سَيُقرِّرُ أنْ يُطَبِّقَ عَلَيَّ أحْكَامَ قَانُونِ الهُرُوبِ مِنَ الأحْلام…
طبيعةٌ ميِّتَة
أمْشِي فِي الشَّارِعِ بِحَقِيبَتِي الصَّغِيرَة
مِنْ جِلْدِ الظِّبَاءِ
وَبِحَافِظَةِ نُقُودِي مِنْ جِلْدِ العِجْلِ.
ألْبَسُ حِذَاءً مِنْ جِلْدِ الثَّوْرِ
وأرْتَدِي صَدْرِيَّةً حَمْرَاءَ طُلِيَتْ بِصِبْغِ الأنَاتو
كُلُّ ثِيَابِي غَسَلَهَا نَهْرٌ سِرِّيٌّ
وقِطَعُ صَابُونٍ مِنَ الوَرْدِ،
فِي أوْرَاقِي يَهْمِسُ غَابٌ قَدِيمٌ
أحْيَاناً أحِسُّ
أنَّ ثُعْبَانَ الحِزَامِ يَتَمَطَّى،
ثمَّةَ آثَارُ اليَخْضُورِ فِي أسْنانِي.
أكْتُبُ بِأقْلامٍ فَحْمِيَّةٍ مِنْ شَجَرِ الصَّفْصَافِ
أتَسَاءَلُ: أيُّ قطْعَةٍ مِنَ المَنظَرِ الطَّبِيعِيِّ أنَا.
حُلْمٌ
تسْطَعُ الشَّمْسُ بَيْنَ أوْرَاقِ السُّرْخُس
حَيْثُ يَنَامُ الأطْفَالُ
وَيَعْبُرُ مَلاكٌ أحْمَرُ مُتَثائِباً.
وَبَعِيداً تمْتَلِئُ البَاحَاتُ المُجَاوِرَةُ
بِأُنَاسٍ يُرَتِّقُونَ الهَوَاءَ
بِإبْرَةِ حَدِيثِهِمُ الهَامِسِ.
شَخْصٌ مَا يَزْرَعُ مَواكِبَ نُجُومٍ،
وَبَيْنَ ألْعَابٍ مُقدَّسَةٍ
وَدَيَامِيسَ بَيْضَاءَ
أنْتِ وَأنَا: شَرْنَقَتانِ مِنَ الرِّيحِ.
السَّاحِرُ
كانَ يُداعِبُ المِعْزَفَ فِي قُضْبَانِ زنْزانَتِهِ
أو يَحْتَسي كأساً دُونَ ماء.
حِصَّةَ عَطَشٍ لا تَرْتَوِي أبَداً.
كانَ يُداعِبُ المِعْزَفَ فِي قُضْبَانِ زنْزانَتِهِ،
ويَحلُمُ أنَّ القُضْبَانَ الغليظَةَ تَرْتَعِشُ
وأنَّ أغْنِيَةً شعبيَّةَ تَتَرَدَّدُ ألْحَانُها
مَعَ قَمَرٍ بيْنَ النَّخِيل.
السَّجَّانُونَ كانُوا يَقُولونَ إنَّ الجُنُونَ كانَ يَطُوفُ
لكنْ لا أحَدَ كانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يُؤَكِّدَ
أنَّهُ لمْ يَكُنْ هُوَ الذي يُوقِظُ البَاحَاتِ
بِرَكْضٍ جامِحٍ لِخُيُولٍ وَأشْبَاح.
مكاشفةُ الصَّمْتِ
خَلْفَ الارْتِعَاشَاتِ والسِّنِينِ الَّتِي تَهْربُ مِثلَ السَّلاقِي، كَانَتْ كَاتِدْرَائِيَةُ مَانَاغْوَا تَصِيرُ آهِلَةً بِالأطْيَارِ. فِي أطْلالِها يُحِسُّ المَرْءُ حُضُورَ الفَرَاغِ، هَمَسَاتٌ بَعِيدَةٌ، حُذُوفُ آخِرِ الكَلامِ لِلْغَائِبِينَ. لكنَّ الجَداجِدَ، آهٍ الجداجد ترفعُ صلاةً فظَّةً.
رَائِحَةُ العُشْبِ تَجُوبُ المَرَاكِبَ ومِنْبَرَ الرِّيحِ، مَمْلَكَةُ النِّسْيانِ والبَلَلِ، والنَّبَاتَاتُ أنْجَزَتْ أْشغَالَهَا فِي الغَزْوِ، رَفَعَتِ الحِبَالَ وَتَسَلَّقَتِ الأعْمِدَةَ بَاحِثَةً عَنْ إلَهٍ مُتَخَفٍّ، عَبْرَ المَذْبَحِ المَرْمِيِّ سَاحِبَةً مِنَ الحَجَرِ هُجْنَتَهُ، مَانِحَةً لِصَمْتِها خَفَقاناً، عَيْدَشُونٌ ضَخْمٌ -شَجَرَةُ خَرُّوبٍ، يَصْرُخُ الأطْفالُ- يُفَسِّحُ حَجَرَ يَشْبِهِ المُتَمَهِّلِ، بَهَاءَهُ المُقَدَّسَ، والأجْرَاسُ السَّاقِطَةُ تُحَوِّلُ الصَّمْتَ إلى صَلاةٍ.
اعترافُ بَطلٍ مُضادٍّ
لمْ أبْلُغْ قطُّ أيَّ مَكَانٍ.
حِينَ كَانَ الرَّحَّالةُ الكِبَارُ يَنْزَلِقُونَ
فِي صَمْتٍ عَمِيقٍ
وَيَرَوْنَ الأرْضَ مِثلَ قَرْيَةٍ تَائِهَةٍ
كُنْتُ أرَى فِي عَتْمَةِ الدَّوَالِيبِ
أقمَاراً صَغيرَةً مِنَ الكَافُورِ.
كَانَ العَدِيدُ مِنْ نَافِذِي الصَّبْرِ يَسْقُطُونَ فِي المَعْرَكَةِ
لمَّا كُنْتُ أهَانُ فِي المَكَاتِبِ المُعْتِمَةِ.
كانَ مُخْتَرِعُو آلَةِ الأحْلامِ
يَتَنَاوَلُونَ العَشَاءَ مَعَ نِسَاءٍ أكْثَرَ فِتْنَة مِنْ ذواتِهِنَّ.
حِصَّةٌ مِنَ اليُتْمِ كَانَتْ قَدْ قُدِّمَتْ لِي طَعَاماً
تحْتَ سُقُوفٍ يَتَسَاقطُ مِنْهَا فُتَاتٌ مِنَ الجِصِّ عَلَى مِفْرَشِ السُّفرَةِ.
لمْ أتَجَاوَزْ قَطُّ النَّاصِيَةَ المُجَاوِرَةَ.
لمْ أكُنِ المُلاكِمَ الَّذِي يَبْتَسِمُ لِلظُّلَيْلِ
لمَّا عَلَى المَذْبَحِ المُرَبَّعِ
يَبْدُو أنَّ الأجْرَاسَ الأخِيرَةَ كانتْ تدْعُو لِلصَّلاةِ.
لمْ أمْتلِكِ الشَّجَاعَةَ لأُسَدِّدَ طلْقَةً ضِدَّ الطَّاغِيَةِ،
لمْ أمْتَطِ حِصَانَ الحَرْبِ الجَامِحَ دُونَمَا سرجٍ
لمْ أقطَعْ حُقولَ ألغَامٍ لأنْقِذَ قَرْيَةً.
اِنْشغَلْتُ بِلَوْكِ خُبزٍ بِلا خَمِيرَةٍ لِكُلِّ الهَزَائِمِ،
في بَعْضِ اللَّيَالِي أتسَاءَلُ أيْنَ تُرَاهُمْ يَسِيرُونَ
أولَئِكَ الَّذِينَ غَيَّرُوا جِلْدَهُمْ أوْ بِلادَهُمْ
بَيْنَمَا أسْتمِعُ لأغْنيَةٍ تَتَحَدَّثُ عَنْ زِيَارَةِ النَّأيِ.
صَلاةٌ مُضادَّةٌ
(نداءٌ لِلشُّعَراءِ)
حَتَّى وإنْ وَهَبْتَنِي اللِّسَان
وكِيَاسَةَ المَلِكِ سُليْمَان
حَتَّى وإنْ أمْلَيْتَ عَلَيَّ غِنَاءً سَاحِراً
يَرْوِي شِفَاهَ أحَدَ المُؤَابيِّينَ
حَتَّى وإنْ تلقيْتَ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ هِبَةً،
ولا حَتَّى مِنْ أجْلِ حِصَانٍ أسْوَدَ
يَبْتَلُّ في المَطَرِ
ويَقْرَعُ حَوَافِرَهُ تَحْتَ سَمَاءٍ مِنْ شُجَيْرَاتِ الزَّيْتُونِ،
لا لأجْلِ كَرَامَةِ الرِّيحِ
أوْ سَيِّدٍ عَظِيمٍ فِي مَزَارِعِ الكُرُومِ بِبَالَ.
ولا حَتَّى مُقابِلَ تِجَارَةٍ رَائِجَةٍ
لِبَرَامِيلَ مِنَ الخُمُورِ أو غَابَاتِ الشَّذَا
سَأتَوَصَّلُ يَا سَيِّدِي إلى اسْتِيعَابِ
أنَّهُ بِلُغَةِ جُونْ دَان،
اللُّغَةِ نَفْسِهَا لِنَجْلِك وِلْيَام بْلِيك،
مَا زَالَتْ تَصْدُرُ الأوَامِرُ باقْتِرَافِ المَذَابِحِ.
رَجُلُ المِسْلاطِ
(قدَّاسٌ للسِّينما)
فِي الأحْيَاءِ
لمْ تَكُنِ السِّينِمَا قطُّ خَرْسَاءُ. فِي حَلْقَةِ الثَّرْثَارِينَ
كَانَ رَجُلُ المِسْلاطِ
يَحْكِي أفْلامَ تشَابْلِن،
وَيَمْنَحُ حَرَكَاتِهِ صَوْتاً.
كانَ يُؤَكِّدُ أنَّ الجُنُودَ لمْ يَنْتَصِرُوا قَطُّ
عَلَى خِرُونِيمُو
وأنَّهُ بَعْدَ فَتْرَةِ العَرْضِ الصَّبَاحِيِّ
كانَ هُنُودُ الأبَاتْشِي يَنْهَضُونَ جَرْحَى،
وينْفُضُونَ الغُبَارَ،
ثُمَّ يَرْكَبُونَ خُيُولَهُمْ، خُيُولَ الرِّيحِ
وَيَمْضُونَ رَاكِضِينَ عَبْرَ السَّهْلِ
فِي الفَتْرَةِ المَسَائِيةِ
وليْسَ الأمْرُ كَذلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلبِيضِ
الَّذِينَ كانُوا يَسْقُطُونَ مُصَابِينَ بِالسِّهَامِ إلَى الأبَد
حِينَمَا كانَ يَرْغَبُ أنْ يَضَعَ
يَدَهُ المُنْتَقِمَةَ عَلَى سِينَارْيُو الفِيلْمِ،
رَجُلُ المِسْلاطِ
كانَ يَحْلِفُ الأيْمَانَ أنَّهُ بَعْدَ إسْدَالِ السِّتَارِ
كانَ بِيلِي دُكَيْد يَسْتَمِرُّ دَاخِلاً خَارِجاً
بِصَالُونَاتِ تِكْسَاس
إلَى أنْ يَصِيرَ شَيْخاً طَيِّبَ القَلْبِ
ويَمُوتَ الحُكَّامُ صَرْعَى
فِي نَهْرِ الخَيْبَةِ.
على الشَّاشَةِ الصَّغيرَةِ لِلْوِسَادَةِ
كَانَتْ أَفَا غَارْدنِرْ تَدْخُلُ بَحْرَ أحْلامِهَا،
أجْمَلَ امْرَأةٍ تَسْكُنُ جِلْدَهَا.
رَجُلُ المِسْلاطِ
كانَتْ لهُ فِي جَيْبِهِ يَدَا أُورْلاكَ،
اِحْتَفَظَ فِي غُرْفَةِ المُهْمَلاتِ
بِالسَّيَّارَةِ الَّتِي تَدَحْرَجَتْ بِشَكْلٍ مُرَوِّعٍ عَبْرَ دُرُجَاتِ
رُوسْيَا المَأسَاوِيةِ. كانَ الطِّفْلُ يُؤكِّدُ
أنَّهُ لمَّا كَانَ سَائراً فِي تِلْكَ السَّيَّارَةِ أصْبَحَ رَجُلاً
وأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَهْرَبَ مِنْ دَاءِ الأسْقَرْبُوطِيِّ، وَمِنَ الطَّاعُونِ ومِنِ سْتَالِينَ.
اليَوْمَ ذَهَبْنَا إلى جَنَازَتِهِ.
دَفَنَّا سِينِمَا الحَيِّ
وأطْفَأنَا المِسْلاطَ إلَى الأبَدِ.

أمراضُ الرُّوحِ

يَمْنَحُنِي قَمَراً
أنْ أرَاكِ تَعْبُرِينَ نَاصِيَةً
لمَّا تَشْتَعِلُ مَنَارَةُ الجَزِيرَةِ
وَتَنْطَفِئُ مَرَاكِبُ التَّهْرِيبِ.

يَمْنَحُنِي نَهْراً
أنْ أرَى المَوْتَى فِي القِطَارَاتِ الجَامِحَةِ
الَّتِي تُسَافِرُ نَحْوَ بَحْرِ الأنْتِيلِ.

يَمْنَحُنِي غَيْمَةً
أنْ أرَى كَيْفَ يَتَسَلَّقُ الهَوَاءُ
الكَاتِدْرَائِيَاتِ المُصْمَتَةَ.

يَمْنَحُنِي قَارِباً
حِينَ تَعْبُرِينَ مُسَرْنَمَةً
كَمَا لوْ كُنْتِ تَدْفَعِينَ الرِّيحَ

يَمْنَحُنِي كِتَاباً
القِطَارُ الَّذِي يَبْدُو المِحْبَسَ المُنْزَلِقَ لِلَّيْلِ
الآلَةَ الجَبَّارَةَ
الَّتِي تَقْطَعُ وَهْدَتَيْنِ مِنْ ظَلامٍ.

تَمْنَحُنِي نُسُوراً
اللَّيَالِي القُوطِيَّةُ
الَّتِي تَتَكَاثَرُ فِيهَا الشُّمُوعُ وَالمُسُوحُ.

يَمْنَحُنِي مَرْفَأً
حِينَ يَتَقَيَّلُ النَّهْرُ فِي الظَّهِيرَةِ
بَيْنَ غَابَاتٍ مِنَ الفُلْفُلِ
أو تَحْتَ أذْرُعِ شَجَرَةِ سَنْطٍ.

يَمْنَحُنِي جَنُوباً
سَمَاعُ صَمْتِكِ
الَّذِي يُدَوْزِنُ المُوسِيقَى
بِمُلاحَقَتِهِ المُتَكَتِّمَةِ.

يَمْنَحُنِي إبْرَةً
الظِّلُّ المُنْحَنِي
الَّذِي يَحْيَا مَخِيطاً إلَى بَهَائِكِ.

يَمْنَحُنِي حَانَةً
حِينَ أسْمَعُ فِي الفَجْرِ
مِثْقَبَ الأمْطَارِ.

يَمْنَحُنِي ثَلْجاً
نَحِيبُ طِفْلَةٍ
تَكْسِرُ صَمْتَ الجِوَارِ.

يَمْنَحُنِي مَزْرَعَةَ بُنٍّ
اِسْمُ بِلادِي
مُتَلَفَّظاً بِهِ فِي المَنْفَى.

يَمْنَحُنِي يَوْمَ اِثْنَيْن
التَّفْكِيرُ فِي مَوْسِمِ طَحْنِ
قَصَبِ السُّكَّرِ أوِ الذُّرَةِ.

تَمْنَحُنِي مَلاكاً
الرِّيحُ الَّتِي تَمْلأُ الأوْرَاقَ اليَابِسَةَ
وَبَاحَاتِ الفَجْرِ.

تَمْنَحُنِي النَّارْدِينَ
أنْفَاسُكِ الَّتِي تُزْهِرُ
فِي ظُلَيْلِ الغُرْفَةِ.

يَمْنَحُنِي لَيْلاً
الحِبْرُ السَّائِلُ سَهْواً
عَلَى مِفْرَشِ المَسَاءِ.

يَمْنَحُنِي نَمِراً
الانْقِضَاءُ البَطِيءُ وَالثَّابِتُ
لِلأيَّامِ.

يَمْنَحُنِي غُويَا
زَحْفُ طِفْلٍ
فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا العَالَمِ.

يَمْنَحُنِي إفْرِيقيَا
المِجْذَافُ المَهْجُورُ
المَكْسُوُّ بِالحَرَاشِفِ.

تَمْنَحُنِي بَحْراً
الرَّاقِصَةُ الَّتِي تُطْلِقُ عَلَى الرَّكْحِ
تَمَوُّجَاتِ خَطَوَاتِهَا.

تَمْنَحُنِي خَنْدَقاً
الأغْنِياتُ الشَّعْبِيَّةُ
الَّتِي يُدَنْدِنُهَا بَائِعُ المَحَارِ الصَّدَفِيِّ.

يَمْنَحُنِي حَدِيداً، وَيَمْنَحُنِي بَاوْند،
المِصْعَدُ الفَارِغُ
الَّذِي يَفْتَحُ نَفَقَهُ فِي اللَّيْلِ.

يَمْنَحُنِي رِيحاً
سَمَاعُ كَلِمَةِ نَأْيٍ
مِنْ شَفَتَيْكِ.

تَمْنَحُنِي أمَازُوناً
وَمُتَسَلِّقَاتٍ وَخَرِيرَ مِيَاهٍ
كَلِمَةُ بَلَلٍ.

يَمْنَحُنِي قِطَاراً، وَيَمْنَحُنِي الدَّلْتَا
مُغَنُّو البلُوز
وجُمَاعُ أغَانِيهِمْ مِنْ ظِلالٍ.

مُذَكِّرَاتُ مُثِيرِ الأحْلامِ

الشِّعْرُ حُلْمٌ مُثَارٌ،
مُهْرٌ مُتَخَفٍّ فِي غَابَةٍ مِنْ ضَبَابٍ،
الطِّفْلُ الَّذِي يَجْلِدُ المَاءَ بِثُعْبَانٍ مَيِّتٍ،
سُطُوحُ المَاءِ حَيْثُ يُسَافِرُ السَّلَمُونُ أثْنَاءَ فَتْرَةِ التَّسْرِئَةِ،
مَرْكَبٌ مُحَمَّلٌ بِالكَلِمَاتِ
مَنْهُوبٌ مِنْ رُهْبَانٍ وَكَتَبَةِ عُقُودٍ ووثائق،
فَتَاةٌ تُوقِّعُ لَحْناً عَلَى مِعْزَفِ المَطَرِ،
قَبْوُ صَوْتِكَ مَدْهُوناً بِالكُرْفُسِ أوْ بِالقِرْفَةِ.
الشِّعْرُ حُلْمٌ مُثَارٌ،
جَلَبَةُ خَطَوَاتٍ فِي كَاتِدْرَائِيَاتِ اللَّيْلِ،
امْرَأَةٌ مِنَ الفَيَافِي تَفْتَتِحُ رَقْصَتَهَا
لِتُرْهِبَ بَنَاتِ آوَى،
وَزَّة تُلاحِقُهَا حَبَّاتُ البَرَدِ.
الشِّعْرُ حُلْمٌ مُثَارٌ،
شَبَحٌ يَعْبُرُ الحُدُودَ كَمَا بِيدْرُو فِي بَيْتِهِ،
قِطٌّ، فَوْضَوِيُّ السُّطُوحِ ذَاكَ
وَالَّذِي يَجْعَلُ نِرْفَانَتَهُ العَمِيقَةَ تَنَامُ عَلَى المُتَّكَئِ،
اللَّيْلَةُ الأُولَى لِلرَّجُلِ الَّذِي أُطْلِقَ سَرَاحُهُ بُعَيْدَ السِّجْنِ،
رَجُلٌ يَرْفُضُ أنْ يَسِيرَ فِي جَنَازَتِهِ الخاصَّةِ.
الشِّعْرُ حُلْمٌ مُثارٌ،
شَخْصٌ مَا يَعُودُ إلَى أقَالِيمِ الصَّمْتِ.

جيلٌ
(حفر بالطريقة السوداء)

(إلى إيفان داريو وليوبولدو)

مِنْ شِدَّةِ هَزِّ الأَعْلامِ صَارَتْ أسْمَالاً.
كُنَّا كَثِيرِينَ، مِثْلَ إينِيَاسَ، نَمْضِي بِأبِينَا مَحْمُولاً عَلَى كَوَاهِلِنَا
فِي صِرَاعٍ مَعَ ظِلِّهِ وَمُحَيَّاهُ.
الشَّبَحُ الَّذِي كَانَ يَجْتَازُ العَالَمَ
جَلَسَ إلَى مَائِدَتِنَا وَاقْتَسَمَ مَعَنَا
خُبْزاً عَجَنَّاهُ بِخَمِيرَةِ الحُلْمِ.
كُنَّا نَتَذَكَّرُ لْوِيز مِيشِيل،
طَرِيقَتَهَا فِي الإشَارَةِ إلَى أنَّ الخَشَبَ ذَاتَهُ
يَصْلُحُ لِصِنَاعَةِ البَرَامِيلِ مِثْلَمَا لِإنْشَاءِ مِنَصَّاتِ الإعْدَامِ.
وَفِي كُلِّ حِينٍ كُنَّا نَلْتَقِي أخْبَارَ بَاطْمُوس:
مَشَاهِدُ خَرِبَةٌ وَرِجَالٌ يُرَحَّلُونَ
بَعِيداً عَنْ أقَاصِي المُدُنِ.
مَضَتْ طَاوِلاتُ المَقْهَى تَحْتَشِدُ بِالفَرَاغَاتِ،
وَبِالصَّدَأ طَقْمُ أدَوَاتِ المَائِدَةِ لِلغَائِبِ.
كَانَ رَائِدُ مَجْلِسِ القِمَارِ الحَالِكُ يُوَزِّعُ أوْرَاقَ اللِّعِبِ السَّوْدَاءَ
وَعَرَفْنَا أنَّ المَوْتَ مِثْلَ عَدَّاءِ المَسَافَاتِ الطَّوِيلَةِ،
كَانَ يَتمَرَّنُ فِي المَلاعِبِ اللَّيْلِيَّةِ الفَارِغَةِ.
وَدَوْماً كَانَ ثَمَّةَ نِسَاءٌ يَغْسِلْنَ المَاءَ،
وَهُنَّ يَجُدْنَ عَلَيْنَا كَيْ نَأكُلَ رَغِيفَ الفَرَحِ.
كُنَّا نَحْتَقِرُ الخَطَوَاتِ الجَامِدَةَ لِلتَّمَاثِيلِ المَنْحُوتَةِ،
خُيُولٌ مِنَ البرُونْزِ وَشُعَرَاءٌ مِنَ المَرْمَرِ،
فِينُوسَاتٌ مَبْتُورَاتُ الأذْرُعِ وَهُنَّ يَجْهَلْنَ التَّمَدُّدَ أوِ العِنَاقَ.
مُسَامَرَةُ ظلالٍ كَانَتْ تَشْرَبُ نَبِيذَ المَنْفَى.
فِيهَا كَانَ مَوجُوداً مَنْ أغْلَقَ البَابَ،
وَمَنْ كَانَ نَبَأً سَيِّئاً فِي نَشْرَةِ أخْبَارِ المَسَاءِ
وَمَنْ لمْ يُقْسِمِ اليَمِينَ قَطُّ بِأنْ يَكُونَ عَرِيسَ المَوْتِ.
وَكَانَ حَظُّنَا نَحْنُ أنْ نَتَعَلَّمَ السِّبَاحَةَ أثْنَاءَ حَادِثِ الغَرَقِ.

هِجَائِيَةٌ لِلسُّلْطَةِ

بِتَاجٍ مِنْ ثَلْجٍ يَعْبُرُ المُلُوكُ
تَحْتَ الشَّمْسِ.

الحُبُّ أعْمَى

المُحِبُّونَ عُمْيَانٌ الوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنِ الآخَرِ، يَقُودُونَ بَعْضَهُمْ فِي شَوَارِعِ العَالَمِ مُسْتَنِدِينَ إلَى عُكَّازَاتِهِمْ مِنْ هَوَاءٍ، ليْسَتْ لَهُمْ عُيُونٌ لِيَنْظُرُوا إلَى مَشَاهِدَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ مَشَاهِدِ ليَالِيهِمْ. عُمْيَانٌ الوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنِ الآخَرِ، يَقْرَؤُونَ جِلْدَهُمْ بِالأنَامِلِ الخَفِيفَةِ لأَصَابِعِهِمْ، يَنْظُرُونَ إلَى بَعْضِهِمْ مِنْ خِلالِ الرَّغْبَةِ، هُمْ أدِلَّةُ الأعْمَى نَحْوَ ذَوَاتِهِمْ، الخَرَائِطُ الَّتِي تَرْسُمُ لَهُمْ طَرِيقَهُمْ غَذَتْ مُتَآكِلَةً بِسَبَبِ الزِّيَارَاتِ الدَّائِمَةِ لِلَمَسَاتِهِمْ، المُحِبُّونَ مِرْآةُ يَدِ الوَاحِدِ مِنْهُمْ لِلآخَرِ، يَحْفَظُونَ بَيْنَ أصَابِعِهِمْ حِكَايَاتٍ وَأسْرَاراً، وَلِذَلِكَ حِينَمَا يَسْتَعْمِلُونَ قُفَّازَاتٍ فِي الشِّتَاءِ عَادَةً مَا يَفْقِدُونَ الذَّاكِرَةَ. حُلْمُ عُبُورِ المِرْآةِ لا يَكْشِفُ العُشَّاقَ لأنَّهُمْ فِي ذَاكِرَتِهِمُ اللَّمْسِيَّةَ يُصَالِحُونَ الدَّاخِلَ وَالخَارِجَ كَمَا لَوْ كَانُوا يَسْكُنُونَ أجْوَاءً أخْرَى، وأمْكِنَةً أخْرَى. وَفِي خِضَمِّ الكَوَارِثِ وَالنَّكَبَاتِ تَمَّتْ رُؤْيَةُ أزْوَاجٍ مِنَ المُحِبِّينَ يَبْدُو أنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ كَيْفَ تَهْوِي أبْرَاجُ الكَنَائِسِ وَلا حَتَّى جُدْرَانُ بُيُوتِهِمُ الخَاصَّةِ. لمَّا كُنْتُ أعْمَى، يَا كَسَانْدْرَا، قَطَعْتُ تَضَارِيسَ شَكْلِكِ وَحِلْمَتَا نَهْدَيْكِ مِثْلَ قِبَابٍ سَمْرَاءَ عَلَّمَتَانِي مَبَادِئ بْرَايْ لِجَسَدِكِ، لمْ أعْثُرْ عَلَى قِرَاءَةٍ أكْثْرَ تَوَهُّجاً مِنْ جِلْدِكِ.

مَكْتبَةُ عَجُوزٍ

إلى غييرمو مارتينيث غونثاليث
في تريلثي، بابل كتبه.

هَذِهِ الرُّطُوبَةُ المُدَمِّرَةُ تَأتِي مِنَ الغَابِ.
بِالدُّمُوعِ الَّتِي تُذْرَفُ فِي بَيْتِ مُصَمِّمَةِ الأزْيَاءِ
كَانَتْ تَقْرَأُ بِعُيُونِ دَبِسِ السُّكَّرِ صَفَحَاتٍ مُمْطِرَةً مِنْ رِوَايَةٍ فِكْتُورِيَّةٍ.
الطَّبْعَةُ التَّالِفَةُ ذَاتُهَا
عَبَرَتِ البُيُوتَ المُسْهَدَةَ لِلْقَرْيَةِ مِنْ يَدٍ إلَى يَدٍ
حَتَّى تَحَوَلَتْ إلَى مِنْدِيلِ بُكَاءٍ،
مَكَانُ لِقَاءَاتِ الفَتَيَاتِ مُصَادَفَةً وَصَيَادِلَةٍ صَارِمِينَ.
هَذِهِ المَكْتَبَةُ لَيْستْ مُسْتَوْدَعَ جُثَتٍ،
هَذَا قَبْوُ كُتُبٍ لِرِجَالٍ مَفْقُودِينَ
بَيْنَ ألْوَاحٍ مُلْتَبِسَةٍ وَمَقَارِئَ مِنْ خَشَبِ الأرْزِ.
هَذِهِ الكُتُبُ عُثِرَ عَلَيْهَا فِي إعَادَةِ بَيْعٍ لِلتَّكَهُّنَاتِ
كَانَ قَدْ دَاعَبَهَا مِنْ قَبْلُ زُمْرَةُ قُرَّاءٍ أكْثَرُ تَلاشِياً مِنْ حِبْرِهَا ذَاتِهِ.
يَعْلَمُ ذَلِكَ الكُتُبِيُّ الَّذِي يَنْفُضُ الغُبَارَ عَنْ صَفَحَاتِهَا،
وتُعِيدُهُ الآثَارُ الَّتِي عَاشَتْ مِنْ بَعْدِ مَالِكِيهَا.
مُجَلَّدُ مِيلْفِيلَ الَّذِي تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ اليُودِ
مِثْلَمَا فِي جَمِيعِ مَوَانِئِ العَالَمِ،
عَثَرَ عَلَيْهِ مُقْتَنِصُ كُتُبٍ فِي سُوقِ الحِيتَانِ بِفَالْبَارَايِسُو.
البَحَّارُ الفَظُّ سَيَنَامُ قَيْلُولَتَهُ
حَتَّى تَفْتَحَ البَيْتَ الطَّافِيَ لِكِتَابِهِ
وَتَرَاهُ يَعْرَجُ بَيْنَ المَرَاكِبِ الشِّرَاعِيَّةِ وَالدُّرُوعِ
قَائِدَ سَفِينَةٍ رَثَّةٍ مِثْلَ كُوخٍ بَحْرِيٍّ.
تَعْبُرُ أبْوَابَ الكِتَابِ
والرُّبَّانُ الشَّرِسُ المُبْحِرُ فِي مَخَاوِفِهِ
البَاحِثُ عَنِ الحُوتِ الأبْيَضِ فِي غَشْيَةِ الضَّبَابِ،
سَوْفَ يَأتِي مُتَسَرْبِلا بِالغَمَامِ وَالأسَى.
قَارِئٌ شَبَحٌ يُسَطِّرُ عَلَى المَشْهَدِ الطَّبِيعِيِّ.

مَعَارِكُ مِنْ وَرَقٍ

أيْسَرُ أنْ تُزِيلَ ألْغَامَ اللُّغَةِ،
أنْ تُلَوِّحَ بِالقَلَمِ سِلاحاً مِثْلَ عَصاً لِجَسِ نَبْضِهِ
وألَّا تَتَطَايَرَ القَصِيدَةُ شَظَايَا،
عَلَى أنْ تَرَى مَقْطُوعِي الأوْصَالِ فِي العَالَمِ،
مَوْكِبَ المُشَوَّهِينَ
مِنْ قِبَلِ تُجَّارِ الحَرْبِ.
أيُّ نَوْعٍ مِنَ المُحَارِبِينَ أنَا
الَّذِي أتَجَنَّبُ ألْغَامَ المَرَاحِيضِ فَقَطْ،
الخَنَادِقَ المُمَوِّهَةَ لِلْحَقَائِقِ الكُبْرَى،
جِرَاحَاتِ أحَدِ القَنَّاصَةِ ظَرْفِ مَكَانٍ أوْ زَمَانٍ،
القُنْبُلَةَ اليَدَوِيَّةَ لِخَطَإ مَطْبَعِيٍّ!
أيْسَرُ أنْ تَحْتَمِيَ فِي المَكْتَبِ
كَمَا لوْ فِي خَيْمَةٍ مُرِيحَةٍ،
وَأنْ تُرَاقِبَ مِنْ بَعِيدٍ مُعَسْكَرَ العَدُوِّ مِنَ الشُّعَرَاءِ السَّيِّئِينَ
وَأنْ تُزِيلَ ألْغَامَ ضَجَرِ السَّاعَاتِ اللَّيْلِيَّةِ.
أيُّ نَوْعٍ مِنَ الشُّعَرَاءِ أنَا،
حَارِسُ لُغَةٍ بَائِسٌ،
سَاعِي بَرِيدٍ بَطِيءٌ لا يَصِلُ أبَداً،
جُنْدِيٌ مُتَخَفٍّ فِي حِصَانٍ خَشَبِيٍّ يَبْقَى نَائِماً،
أيُّ نَوْعٍ مِنَ الإنْسَانِ أنَا
ذَاكَ الَّذِي يَتَأثَّرُ لِرُؤْيَةِ صُوَرِ مُشَوَّهِي الحَرْبِ
بَيْنَمَا يَعُودُ إلَى طَاوِلَةِ العَمَلِ
فِي صَمْتٍ مُنْكَسِرٍ
وَرَايَةٍ مِنْ وَرَقٍ كَالكَفَنِ!

إلى الشَّيْطانِ المِسْكِين

إلى لوث أوخينيا سييرا

إلَى الرَّجُلِ الرَّاسِي فِي زَاوِيَةِ النِّسْيَانِ، إلَى الرَّجُلِ الَّذِي بَصَقَهُ فُتُوَّاتُ الحَيِّ القُدَامَى،
إلَى المُتَقَاعِدِ عَنْ ذَاتِهِ، وَإلَى الوَلَدِ المُهَانِ الَّذِي يَتَخَفَّى خَلْفَ نَظْرَتِهِ السَّائِلَةِ،
إلَى مَنْ يُزْعِجُ الجَسُورِينَ فِي حَفْلٍ، وإلَى الَذِينَ لَمْ تَكُنْ لَدَيْهِمْ مِهْنَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُتَمْتِمُوا صُورَةَ مَلامِحِ وَجْهِ أمَّهَاتِهِمُ المُسْتَعَادَةُ،
إلَى أولَئِكَ الَّذِينَ يَبْدُونَ دَوْماً أنَّهُمْ فِي أيِّ مَكَانٍ آخَرَ، وَإلَى الَّذِي يَهْرَبُ مِنَ النَّظَرَاتِ حِينَمَا يُبْحَثُ عَنْهُ فِي الحَدِيقَةِ مَوْضُوعَ حَدِيثٍ لِلسُّخْرِيَّةِ،
إلَى المُتَاخِمِ لِفِخَاخِ الصَّمْتِ فِي جَوْلَةِ الحُكَمَاءِ اللَّيْلِيَّةِ، وَإلَى الَّذِينَ يُتَأتِئُونَ مِثْلَ شَمْعَةٍ مُشْتَعِلَةٍ،
إلَى الَّذِي يَكُونُ عَلَى وَشْكِ أنْ يَفْتَحَ بَابَ الطَّوَارِئِ الَّتِي تَقُودُ إلَى مَمَرٍّ لِوُلُوجِ العَالَمِ الآخَرِ،
إلَى النَّعْجَةِ السَّوْدَاءِ لِلأسْرَةِ إذْ تَنْقُرُ أدْوِيَةً وَأقْرَاصاً فِي مُحَاوَلَةٍ لِتَرْهِيبِ حَشْدِ مَخَاوِفِهَا،
إلَى رَئِيسِ كَهَنَةِ دِينِ الهَزَائِمِ، وَإلَى المُحْتَقَرِينَ مِنْ قِبَلِ مَرَايَاهُمْ، وَإلَى الَّذِي يُفَضِّلُ أنْ يَكُونَ الهَارِبَ مِنْ جَسَدِهِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ سَجَّانَهُ الخَاصَّ،
إلَى الَّذِينَ يَجْهَلُونَ مَا يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ عَلَيْهِ الإجَابَةُ حِينَ يُسْألُونَ «مَنْ يَمْضِي هُنَاكَ؟» وَإلَى الَذِي «يَضْرِبُونَهُ بِشَكْلٍ مُبَرِّحٍ بِعَصاً وَيَجْلِدُونَهُ بِشِدَّةٍ أيْضاً بِالحِبَالِ»،
إلَى الَّذِي سَيُغَيِّرُ العِجْلَ الذَّهَبِيَّ بِحَدِيثٍ مَعَ المَنْبُوذِينَ وَأصْحَابِ الدَّكَاكِينِ، وإلَى المُتَهَوِرِ وَالمُنْذَهِلِ وَالخَبِيثِ الَّذِي يَسْألُ أيْنَ تَبْقَى الحَيَاةُ،
إلَى المُرْتَابِ الَّذِي يَعْرَجُ ظِلُّهُ أكْثَرَ مِنْ جَسَدِهِ، وَإلَى الَّذِينَ تَمَّ رَكْلُهُمْ أكْثَرَ مِنْ كُرَةٍ فِي مَدْرَسَةٍ، وَإلَى المُشْتَبَهِ بِهِ فِي كُلِّ نُقَطِ الجَمَارِكِ بِسَبَبِ مِخْلاتِهِ المَلِيئَةِ بِالفَرَاغِ،
إلَى الَّذِي لا يَتَمَكَّنُ أنْ يَكُونَ فَارِسَ ذَاتِهِ، وإلَى الَّذِينَ يُؤَدُّونَ دَوْرَ أطْفَالٍ سِرِّيِّينَ وَيَلْعَبُونَ فَقَطْ حِينَ لا يُرْغَمُونَ عَلَى التَّسَوُّلِ،
إلَى الهَرْطُوقِيِّ المَرْسُومِ فِي صُورَةِ لا أحَد، وإلَى المُسْتَهْجَنِينَ بِصَيْحَاتِ الحُشُودِ فِي بَلَدِ آلِهَةٍ بَاطِلَةٍ،
إلَى الَّذِينَ تَتَنَافَرُ أصْوَاتُهُمْ فِي الجَوْقَةِ، وَإلَى الَّذِي يَرْتَدُّ صَوْتُهُ مِثْلَ صَحْنِ صُنُوجٍ صَغِيرٍ فِي طَقْمِ طُبُولٍ وَقَعَ فِي صَمْتِ سَهرةٍ عَلَى مَيِّتٍ،
إلَى المُتَهَوِّرِ الَّذِي لا يَنْتَظِرُ أنْ يُنِيمَ عَازِفُ النَّايِ لِبِينَارِيسَ أفْعَى الكُوبْرَا لِكَيْ يَنْظُرَ فِي عَيْنَيْهَا،
إلَى الرَّجُلِ البِلَّوْرِيِّ الَّذِي يَعْبُرُ وَسَطَ شِجَارٍ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ مِنْ نَحَّاتِي الأحْجَارِ،
إلَى العُصَاةِ الَّذِينَ كَانُوا يَرْغَبُونَ فِي الإقَامَةِ بِزَاوِيَةٍ مِنْ مَتْحَفِ النِّسْيَانِ، وإلَى الَّذِي لا أحَدَ يَنْتَظِرُهُ أثْنَاءَ العَوْدَةِ مِنَ الحَرْبِ،
إلَى الَّذِينَ يَتِمُّ إخْلاؤُهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ وبَعْدَئِذٍ يَطْرُدُونَهُمْ مِنْ أجْسَادِهِمْ إلَى الأبَد، إلَى الفَزَّاعَةِ الَّتِي يَسْخَرُ مِنْهَا الغُرَابُ،
إلَى النَّاطِقِ بِاسْمِ ذَاتِهِ الَّذِي يَكْرَهُهُ أبْنَاءُ الرَّعِيَّةِ مِنْ كُلِّ الأقَالِيمِ، وَالَّذِي يَتِمُّ اقْتِيَادُهُ إِلَى مُفَوَّضِيَّةِ الشُّرْطَةِ وَهُوَ يَصْرُخُ أنَّ الحَضَارَةَ «عَاهِرَةٌ عَجُوزٌ دَرْدَاءُ»،
إلَى الَّذِي قَامَرَ بِقَلْبِهِ فَرَبِحَهُ مِنْهُ العُنْفُ الَّذِي يُحَاوِلُ تَنْوِيمَهُ «فِي العَرَبَةِ الَّتِي تَقُودُهُ مِنَ السِّجْنِ إلَى حَبْلِ المِشْنَقَةِ»،
إلَى الَّذِي لا يَعْرِفُ سِوَى لُغَةِ الصَّمْتِ، وَإلَى الَّذِي يُقَادُ إلَى المَحْكَمَةِ لِرَفْضِهِ ارْتِدَاءَ الزَّيِّ الرَّسْمِيِّ لِلْمَوْتَى،
إلَى المُلاحَقِ الَّذِي يَتَطَلَّعُ إلَى التَّخَفِّي فِي قَصِيدَةِ غَجَرِيٍّ وَإلَى الغَجَرِيِّ الَّذِي يَتَطَلَّعُ إلَى التَّخَفِّي وَرَاءَ ظِلِّ كَمَانٍ،
إلَى المُقْتَادِ نَحْوَ سَاحَةِ الاسْتِهْزَاءِ، وإلَى المُحَاصَرِ بِشِرْذِمَةِ السَّالْيِيرِيِّينَ الَّذِينَ يَنْبَحُونَ ضِدَّ ظِلِّهِ،
إلَى المُفتَرَى عَلَيْهِ مِنْ سَدَنَةِ الحَسَدِ الَّذِينَ يَلْعَنُونَهُ بِلِسَانِ المَوْتَى،
إلَى الَّذِينَ لا يُمَدِّدُونَ قُبَّعَاتِهِمْ الْتِمَاساً لِفُتَاتِ المُعْجِزَاتِ، وَإلَى الَّذِينَ يُوجَدُونَ فِي عِنَايَةِ خَالِقِي الأوْغَادِ فِي الصُّحُفِ اليَوْمِيَّةِ وَفِي شَبَكَاتِ البُولِيسِ،
إلَى المُعْتَرِضِ الَّذِي يُطْلِقُ سَاقَيْهِ لِلرِّيحِ حِينَمَا يُدْعَى إلَى رَصِّ الصُّفُوفِ فِي فَصِيلَةِ تَنْفِيذِ الإعْدَامِ،
إلَى الَّذِي يَكْشِفُ البُؤْسَ الَّذِي تُخْفِيهِ الأنَاشِيدُ وَإلَى الرِّجَالِ المُتَحَرَّشِ بِهِمْ وَالَّذِينَ يَشُكُّونَ فِي كَوْنِ كُلِّ نَوَافِذِ العَالَمِ عَلَى وَشْكِ أنْ تَقْفِزَ فِي الفَرَاغِ،
إلَى المُرْتَحِلِينَ وَأسْوَارِهِمُ الْهَوَائِيَّةِ، إلَى المُلاكِمِ الَّذِي يَسْقُطُ عَلَى أرْضِيَةِ الحَلَبَةِ مُنْتَفِضاً بِلَكْمَةِ كُلَّابٍ بِاليُمْنَى،
إلَى مَجَانِينِ القَرْيَةِ الَّذِينَ يَعْبُرُونَ مُلْتَحِفِينَ أرْدِيَةً مِنْ أسْمَالٍ مِثْلَ مُلُوكٍ بُؤَسَاء،
إلَى المُوسِيقِيِّ المَلْفُوفِ فِي مِعْطَفٍ رَثٍّ وَالَّذِي يَدُلُّهُ المُقَاوِلُونَ عَلَى بَابِ الخِدْمَةِ لِلْمَرْقَصِ المُتَمَهِّلِ،
إلَى الَّذِي يَرْفُضُ الاسْتِمَاعَ إلَى أغْنِيَةِ بَاعَةِ الدُّخَّانِ، وَإلَى القِطِّ الَّذِي صَبَّ عَلَيْهِ الجزَّارُ مَاءً سَاخِناً، وإلَى الحِصَانِ الَّذِي تَنْخَسُهُ مَهَامِيزُ الخَوْفِ،
إلَى سَيِّءِ الحَظِّ الَّذِي يُمَارِسُ تَسْدِيدَ الطَّلْقَةِ نَحْوَ الهَدَفِ وَدَوْماً يُصِيبُ مَرْكَزَ الخَطَأ، وَإلَى الطِّفْلِ المُنْعَزِلِ الَّذِي يَتَجَسَّسُ عَلَى الحَيَاةِ مِنْ خِلالِ ثُقُوبِ المَزَالِيجِ،
إلَى مُعَكِّرِ صَفْوَ الأفْرَاحِ وَإلَى الَّذِي يَأتِي مُتَأخِّراً لِسَهْرَةِ المَيِّتِ، سَهْرَتِهِ الشَّخْصِيَّة، وإلَى الشُّعَرَاءِ المَحْبُوسِينَ فِي أقْفَاصٍ مِنْ قِبَلِ كُلِّ الطُّغَاةِ،
أهْدِي إلَيْهِمْ هَذِهِ الجَوْلَةَ مِنَ الكَلِمَاتِ دُونَ أمْجَادٍ: بَعْضُهَا عَلَى جِلْدِي يَتَعَايَشُ بِلا أمَلٍ.

المُعَامَلاتُ القَدِيمَةُ

لمْ أكُنْ أبَداً أعْرِفُ مَنِ الَّذِي أتَّهِمُهُ عَلَى سُوءِ التَّحَكُّمِ فِي جَسَدِي، فُضُولِيٌّ لا يَصْلُحُ مُرْشِداً فِي المُدُنِ، لأنَّهُ وَهُوَ يَرْغَبُ أنْ يَأخُذَنَا فِي نُزْهَةٍ عَبْرَ الحَدَائِقِ يَسْحَبُنَا دَوْماً نَحْوَ الحَانَاتِ. فِي الحَقِيقَةِ لمْ أكُنْ أعْرِفُ مَنِ الَّذِي كَانَ يَسْحَبُ مَنْ، لكِنَّ مَشْهَدَهُ المُتَكَرِّرَ كَانَ يُصِيبُنِي بِالسَّأمِ: نَفْسُ الوَجْهِ الصَّبَاحِيِّ فِي المِرْآةِ، وَنَفْسُ البَسْمَةِ المَائِلَةِ المَزْهُوَّةِ. كُنْتُ أفْتَرِضُ أنَّ فِي أعْمَاقِ جِلْدِي، دَاخِلَ قَوْقَعَتِي غَيْرِ الثَّابِتَةِ، كَانَتْ تَنْمُو بِلَادٌ بِسُهُولٍ شَاسِعَةٍ وأرَاضٍ مُنْخَفِضَةٍ، وَلَكِنِّي لمْ أكُنْ أعْرِفُ عَلَى وَجْهِ اليَقِينِ مَا إذَا كَانَ سَاكِنُهَا الوَحِيدُ حَاكِماً لَهَا أوْ مَحْكُوماً، مَلِكاً أوْ تَابِعاً، مِنَ الحَاشِيَةِ أوْ قَاتِلَ المَلِكِ. لمْ أكُنْ أبَداً أعْرِفُ مَنْ أتَّهِمُ عَلَى سُوءِ التَّحَكُّمِ فِي جَسَدِي. أحْيَاناً، وَمِثْلَ دْيُوجِينَ، كُنْتُ أحَاوِلُ أنْ ألْتَقِيهِ بِمِصْبَاحٍ مبعوج بِطَرِيقَةٍ مَشْدُودَةٍ إلَى الدَّاخِلِ. حَشْدٌ كَانَ يَعِيشُ مَكْبُوساً فِي صَمْتِي، كَانَ يَدْعُو كُلَ حِينٍ إلَى تَمَرُّدٍ لِمُطَالَبَةِ جِلْدِي بِتَغْيِيرِ القِيَادَةِ.
آهٍ، يَا لَهُ مِنْ عِنَادٍ، عِنَادُ جَسَدِي، غَيْرُ مُجْدٍ البَتَّةَ أنْ أحَاوِلَ تَرْكَهُ مَحْبُوساً بِالمِفْتَاحِ فِي البَيْتِ المُحَصَّنِ الَّذِي بَنَيْتُهُ وَسَطَ العَدَمِ. بَعْدَ سِتِّينَ رُوزْنَامَة، بِسَبَبِ التَّعَبِ أوْ بِسَبَبِ العَادَةِ، أسْتَسْلِمُ، وَأضَعُ أسْلِحَتِي فِي المَعْرَكَةِ الدَّامِيَةِ لِعِظَامِهِمْ. نُوَقِّعُ عَلَى اتِّفَاقٍ قَبِلْتُهُ مِثْلَمَا أقْبَلُ رَفِيقاً قَدِيماً فِي اللَّعِبِ، مِثْلَ الظِّلِّ الَّذِي لا يُمْكِنُنَا تَجَنُّبُهُ، وَمِثْلَ ذَلِكَ الجَارِ الوَاهِنِ الَّذِي لا يَمَلُّ مِنْ سَرْدِ الحِكَايَاتِ المُضْجِرَةِ لِحَيَاتِهِ. وَحَسَناً كَانَ، لقَدْ حَانَ وَقْتُكَ، أيُّهَا الجَسَدُ القَدِيمُ المُثَابِرُ، رَفِيقُ المُغَامَرَاتِ وَاللَّيَالِي المُسْهَدَةِ. أنَا أغْفِرُ لكَ العَثَرَاتِ وَسَقَطَاتِ الدُّمَى المُدْهِشَةِ، أعْذُرُ لَكَ حُضُورَكَ المُزْعِجَ وأنْتَ تَلْتَمِسُ مِنِّي فِي غَيْرِ أوَانِهِ أنْ آخُذَكَ فِي نُزْهَةٍ، وأنَّ لدَيْكَ رَغْبَةٌ في الرَّقْصِ، وأنْ أضَعَ عَلَى جَسَدِكَ مِعْطَفاً يَحْمِيكَ مِنَ البَرْدِ. والشَّكْوَى الأبَدِيَّةُ مِنْ أنَّ الظِّلَّ الَّذِي تُلْقِيهِ يَفْتَقِرُ إلَى ظِلِّ كَاسَانْدْرَا.

الحَالَةُ الغَرِيبَةُ لِلْجَسَدِ

جَسَدِي، مِثْلَمَا فِي رِوَايَةٍ سَوْدَاءَ، يُلاحِقُنِي. أيْنَمَا أذْهَبُ يَذْهَبُ مَعِي. يَقِيسُ خَطَوَاتِهِ عَلَى خَطَوَاتِي، يُزَوِّجُ ظِلَّهُ إلَى ظِلِّي. وَلِكَيْ يُفَاجِئَنِي يَعُودُ إلَى كُتُبِ السِّرِّ القَدِيمَةِ. يَتَجَسَّسُ مُتَوَارِياً مُخْتَبِئاً فِي يَاقَةِ مِعْطَفِهِ، يَتَّبِعُ العَادَاتِ البُولِيسِيَّةَ القَدِيمَةَ، بَدْءاً بِالتَّخَفِّي خَلْفَ جَرِيدَةٍ وإلَى أنْ يَنْصِبَ لِي شَرَكاً بِحَسْنَاءَ مَمْشُوقَةِ القِوَامِ ذَاتِ شَعْرٍ أحْمَرَ. فِي لَيْلَةٍ مَا أجِدُهُ بَغْتَةً عِنْدَ انْعِطَافِ النَّاصِيَةِ، أجِدُهُ جِدَّ مُتَعَجْرِفٍ لِكَيْ أحَيِّيهِ مِثْلَ أحَدِ مَعَارِفِي القُدَمَاءِ. يَجِبُ عليَّ أنْ أتَقَبَّلَ أنْ يَتْبَعَنِي فِي كُلِّ الجِهَاتِ.

يُقرَعُ الجَرَسُ

الإلَهُ جَعَلَنِي عَلَى حَافَةِ الخُرُوجِ بِالضَّرْبَةِ القَاضِيَةِ، يَضْرِبُنِي مِثْلَ شَرِيكِ قِتَالٍ سَيِّئٍ فِي الحَيِّ. مُنْذُ الجَوْلَةِ الأُولَى قَالَ لِي الإلَهُ بِوَدَاعَةٍ: «إلَى هُنَاكَ سَأوَجِّهُ ضَرْبَتِي القَاضِيَةَ، حَاوِلْ إنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَتَجَنَّبَ بَرَكَاتِي»، فِي الحَقِيقَةِ كَانَ يَخْبِطُنِي مِثْلَ مَسِيحٍ يَرْفَعُ ذِرَاعَيْهِ النَّحِيلَتَيْنِ إلَى السَّمَاءِ، مِثْلَ الصَّفْعَةِ الَّتِى أعْطَاهَا شَاوُلُ فِي طَرِيقِهِ إلَى دِمَشْق. لوْ كَانَ لَدَيَّ مِنْشَفَةٌ لألْقَيْتُهَا فَوْقَ أرْضِيَّةِ الحَلَبَةِ أوْ عَلَى الأقَلِّ أمْسَحُ العَرَقَ وَالدَّمَ، لَكِنِّي فَقَدْتُهَا لَمَّا رَفَعْتُهَا رَايَةً فِي حَادِثِ الغَرَقِ الأخِيرِ. الإلَهُ يَسْتَفِيدُ مِنْ طَيْشِي وَلا يَتَوَقَّفُ عَنْ جَلْدِي. الشَّيْطَان جَعَلَنِي عَلَى حَافَةِ الخُرُوجِ بِالضَّرْبَةِ القَاضِيَةِ، يَضْرِبُنِي بِدَلْوٍ عَلَى رَأسِي عِنْدَمَا يُقرَعُ الجَرَسُ، يَدُقُّ كَبِدِي ألْفَ مَرَّةٍ وَمَرَّةٍ، يَدْعَسُ ظِلِّي الَّذِي يَبْقَى ثَابِتاً وَلا يُسَايِرُ التَّمَايُلَ الثَّقِيلَ لِجَسَدِي، يُحَاصِرُنِي وَيَهُزُّنِي مِثْلَ دُمْيَةٍ مِنَ الخِرَقِ، يَرْقُصُ بِخِفَّةٍ مِثْلَ دَرْوِيشٍ وَيُطْلِقُ وَابِلاً مِنَ اللَّكَمَاتِ فِي أضْلَاِعي. وَجُمْهُورٌ يَلْبَسُ بِدْلاتِ الفَرَاكِ يُصَفِّقُ لَهُ بِحَمَاسٍ، يُلْقِي لَهُ بِقُبُلاتٍ مِنَ الكِبْرِيتِ وَشِفَاهِ امْرَأةٍ. الشَّيْطَانُ لا يَكُفُّ عَنْ أنْ يَقُولَ لِي: «اِسْتَعِدَّ فِي وَضْعِ احْتِرَاسٍ، أيُّهَا النَّذْلُ، وَهُنَاكَ تَنْطَلِقُ إلَيْهِ لَكْمَةُ الجَحِيمِ المُسْتَقِيمَةُ الَّتِي أسْحَقُ بِهَا صَبَاحَاتِ الإلَهِ». فِي غُرْفَةِ تَغْيِيرِ المَلابِسِ، وَقَدْ تَحَوَّلَتْ إلَى مِزَقٍ، أظُنُّ أنَّنِي يَجِبُ أنْ أعُودَ إلَى البَيْتِ وَأنْ أُلْغِيَ دِرَاسَاتِي العُلْيَا فِي اللَّاهُوتِ.

طوافاتُ النَّهْبِ في بيت السَّيِّد رامبو

I فنونُ الصَّمْتِ

أحْيَاناً أعْتقدُ أنِّي أراهُ
بَيْنَ القَبَائِلِ الكُبْرَى المُرْتَحِلَةِ
عَبْرَ المَشَاهِدِ المُتَحَرِّكَةِ لِلجُوعِ.

هُوَ عَائِدٌ مِنْ فُنُونِ الصَّمْتِ.

يَمْضِي جَنْبَ المَوْكِبِ الَّذِي يَهْرَبُ مِنْ بُيُوتِهِ
مِثْلَ مَشْهَدٍ
سَجَنَهُ المَوْتَى فِي قَفَصٍ.

II النَّارُ كانتْ بيتَهُ.
لِبِنَاءِ بَيْتٍ ثمَّةَ مَنْ يَبْدَأُ بِالدِّعَامَاتِ
لَكِنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، أيُّهَا السَّادَةُ
كَانَ مِنْ طِينَةٍ فَاقِدَةٍ لِلصَّبْرِ وَوَقْتُهُ مِنْ ذَهَبٍ خَالِصٍ بَهِيٍّ،
كَانَ يَبْدَأُ بِنَاءَ بَيْتِهِ مِنَ الدُّخَّانِ المُتَصَاعِدِ مِنَ المِدْخَنَةِ،
وَلِأجْلِ ذَلِكَ كَانَ يُلْقِي دِعَامَاتِ الخَشَبِ،
الأبْوَابَ الدَّائِرِيَّةَ وَالنَّوَافِذَ ذَات السِّحْرِ القَدِيمِ
فِي دَائِرَةِ النَّارِ.
وَحِينَمَا كَانَ يَرَى حَرِيقاً مِنْ تِلالٍ بَعِيدَةٍ، كَانَ يَفْتَرِضُ أنَّهُ بَيْتٌ،
مَلْجَأٌ شَاسِعٌ فِي عِزِّ الازْهِرَارِ.
فَقَدْ كَانَتِ النَّارُ بَيْتَهُ.

III القلمُ الليليُّ

لا أحَدَ كَانَ يَتَخَيَّلُ أنَّ فِي سُتْرَةِ ذَلِكَ المَلاكِ الضِّلِّيلِ
قَلَمٌ مِنْهُ تَتَدَفَّقُ
أبْهَى الإشْرَاقَاتِ.
وَلِكَيْ يُوقِفَ الهَوَاءُ نَزِيفَ الجِلْدِ المُتَشَقِّقِ
كَانَ حُلْمُهُ يَضَعُ عَلَى الأُسْكُفَاتِ
رُؤُوسَ مِيدُوزَا.
مِنْ قَلَمِهِ المُعْتِمِ كَانَتْ تَنْبَثِقُ كُلُّ الطُّقُوسِ
القَدِيمَةِ وَالخَفِيَّةِ،
أغْصَانٌ هَشَّةٌ لِشَجَرَةٍ قَدْ تَيبَّسَتْ.
لا أحَدَ كَانَ أعْرَفَ بِأولَئِكَ الرِّجَالِ
القَادِرِينَ عَلَى إحْيَاءِ نُعُومَةِ القَصَائِدِ القَدِيمَةِ
وَبِتِلْكَ الأخْرَى، القَتِيلَةِ قَبْلَ بَدْءِ الجُرْحِ.
مُلازِماً لِقَلَمِهِ كَانَ يَبْدَأُ الحَمْلَةَ السَّاخِرَةَ:
تَبّاً لِلرِّجَالِ المُثَبَّتِينَ فِي مَقَاعِدِهِمْ
وَفِي الصَّالاتِ المُتَعَفِّنَةِ بِالمَجْدِ.
لا أحَدَ يَتَخَيَّلُ
أنَّ فِي ذَلِكَ القَلَمِ المَنْهُوشِ تَحْتَ بُرْجِ الجَوْزَاءِ
سَوْفَ تُقِيمُ مَحَطَّةُ الأشِدَّاءِ.

IV القرية

بَعِيداً عَنْ أمِّهِ النَّاعِقَةِ وَهِيَ تَجْعَلُ القُمَاشَ القُطْنِيَّ يَنْتَفِضُ،
أفْسَحَتِ القَرْيَةُ الطَّرِيقَ لِمُدُنٍ
سَمَاوَاتُهَا بَعْدُ مَا زَالَتْ مُمَزَّقَةً بِصَهِيلِ حِصَانٍ.
بَعِيداً كَانَتِ القَرْيَةُ القَدِيمَةُ حَيْثُ تمَّتْ
« إدَانَتُهُ مِنْ قِبَلِ قَوْسِ قُزَحٍ».
المَكْتَبَةَ المُغْبَرَّةَ هُنَالِكَ حَيْثُ أسْلَمَ ذَاتَهُ
لِنَشْوَةِ القِرَاءَةِ.
القَرْيَةُ مُنْعَطَفُ الاخْتِنَاقِ،
مَشْرَبِيَّةٌ يَرَى مِنْ خِلالِهَا عُبُورَ الوَدَاعَةِ.
وَحْدَهَا أخْتُهُ إيزَابِيل تُمَوِّجُ المَسَافَةَ
مِثْلَ جَرَسٍ يُقْرَعُ.

V ظِلُّ رامبو

ليْسَ فِي أيِّ كِتَابٍ مُوجَزٍ لِلتَّكَهُّنَاتِ،
تِلكَ الكُتُبُ الَّتِي تَسْتَحْضِرُهَا العَجَائِزُ وَكُلَّ شَيْءِ تُفَسِّرُهُ،
يُعْرَفُ مَنْ مَشَى أكْثَرَ:
رَامْبُو أوْ ظِلُّهُ الوَفِيُّ، العَاشِقُ،
ولا مَنْ مِنْهُمَا كَانَ يُحِسُّ دَرْبَهُ مُضَبَّباً أكْثَرَ.
مَنْ هُوَ رَامْبُو، مَنْ هَذَا النَّيْزكُ؟
لمْ يَصْرُخْ أبَداً صَمْتاً آخَرَ أعْمَقَ
عَبْرَ الخلْوَاتِ، خلْوَاتِ الدَّاخِلِ.
مَنْ هُوَ رَامْبُو،
مَحَطَّةٌ مَجْهُولَةٌ؟
القَوْسُ والسَّهْمُ، الهَدَفُ والطَّلْقَةُ،
التَّحْلِيقُ بِالرِّيشِ إذْ كَانَ يُنَاجِي الصَّبَاحَ.
كانَ لهَا كلُّهَا الإيقاعَ ذاتَهُ لِلصَّمْتِ.
لأجْلِ المُرْتَحِلِ عَنْ ذَاتِهِ
كانَتْ أقْبِيَتُهُ تَفِيضُ
بِزُهُورِ الصَّمْتِ.
آهٍ يَا ظلَّ رَامْبُو، أيُّها الأيْمُ الأبَدِيُّ
«البَسِيطُ جِدّاً مِثْلَ جُمْلَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ».

VI أُسَرٌ قديمَةٌ

مثلما مضى أكلُ اللحم البشريِّ، سيمضي الرأسمال.
ها هنا قلبُ مصَّاص الدِّماء، حيثُ يجبُ أن نخبط.
لويز ميشيل
مُتمرِّداً فِي الكُومُونَةِ
كانَ يُشيرُ بأصْبُعِهِ الذي بَعدُ مازالَ الحِبرُ فيهِ طَرِيّاً
إلَى سَادَةِ البَذْخِ.
المُتَظَاهِرونَ بالوَظَائفِ السَّامِيَةِ
كانوا يَصْنَعونَ بالخشبِ ذاتِهِ
بَرَامِيلَ النَّبِيذِ ومِنَصَّاتِ إعْدَامٍ دَقِيقَةً.
عِصَاباتٌ مَسْحُورَةٌ بِرُقَى
مَصَّاصِ لِلدِّماءِ، تَسْتَوْطِنُ هَوَاءَ اللَّيْلِ.
في أعْمَاقِ المَاءِ
مِنَصَّاتُ إعْدَامٍ جَدِيدَةٌ تَتَلألأُ
في أجْرَانِ التَّعْمِيدِ.
بالسِّجْنِ الصِّنَاعيِّ كان المَحْكُومُونَ
يَصْنَعُونَ شَبَكةَ قُضْبَانِهِم.
سَيِّدي رَامْبُو:
كيْفَ أغْرِسُ وَتِداً في قلْبِ
مَصَّاصِ الدِّمَاءِ؟

VII النُّقاعة

أخت رامبو،
مثل طائرٍ أبيضَ أعماهُ الثَّلجُ،
تتنقَّلُ بين حشدٍ منَ المسهدين، حاملةً
فنجاناً ساخناً منْ نقاعةِ الخشخاشِ.
تينيسي وليامز

أيُّ شَرَابٍ كَرِيهِ الطَّعْمِ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يشْفِيَ
سُعَارَها، سُعَارَ الاسْتِحَالاتِ!
قَدِيماً كَانَتْ قدْ أعْلَنَتِ
التَّدْمِيرَاتِ الأشَدِّ لُزُوماً،
بُلْدَانٌ تَلْتَهِبُ.
والآنَ تَحْتَ أثَرِ عَطَشٍ قَدِيمٍ
كَانَتْ سَتَشْتَهِي نُقاعَةَ المَرْضَى.
مُسْتَنْفَدَةٌ كلُّ السُّمُومِ،
مُستنفَدَةٌ حِصَّةُ الأبَدِيَّةِ،
وأختُهُ، طائرٌ مَكْسُوٌّ بِالثَّلجِ
تبْحَثُ عَنْهُ فِي اللَّيْلِ
بِقَنَادِيلَ مُطْفَأةٍ.

VIII بخيلٌ مِثلَ البحر

بَخِيلٌ مِثْلَ البَحْرِ
وَرَغْمَ ذَلِكَ كَانَ يُخْرِجُ
مِنْ وِسَادَتِهِ
كُونْشِيرْتُو السِّحْرِ،
تَبَدُّدَ الألْغَازِ.
آهٍ! رَقْصَةُ العَائِدِ إلَى الخَطَايَا،
رَقْصَةُ السَّاحِرِ
وَهُوَ يَبِيعُ التَّعاويذَ
بَيْنَمَا يَحْتَسِي أشْرِبَةً مُسْكِرَةً
بِلا مُكُوسٍ فِي مَصْنَعِ الشَّيْطَانِ.
قَدْ كَانَتْ سَاعَةَ الاشْتِعَالِ
فِي البِلَّوْرَاتِ.

IX رسالةٌ بلا عودةٍ

أطُوفُ بِبَيْتِهَا نهَّاباً،
بِالرَّافِدَةِ الأسَاسِ لِنَارِهَا.
مِثْلَ صَائِدِي اللُّؤْلُؤ
الَّذِينَ يَعْثُرُونَ فِي قَعْرِ البَحْرِ
عَلَى قِطَعٍ مِنَ المَعَادِنِ الَّتِي تَأْتِي مِنْ عَالَمٍ آخَرَ،
أبْحَثُ فِي بَحْرِهَا عَنْ نَبْتِ الدَّهْشَةِ.
قَدْ جَاوَزْتُ الحِصَارَ
وَدَرَكِيِي اللُّغَةِ،
قَدْ مَضَيْتُ بِتَذْكِرَةِ الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ
فِي القِطَارِ الَّذِي تَقُودُونَهُ،
وَقَّادُ الهُوَّةِ.
أعِيشُ لَيْلَةً آهِلَةً بِالطَّلَقَاتِ
فِي بِلادٍ طُرُقاتُهَا يُصِيبُهَا العَيَاءُ
وَفِي مُنْتَصَفِ المَسِيرِ
تَجْلِسُ تَحْتَ شَجَرَةٍ هَامِسَةٍ
أوْ تَنَامُ عَلَى سَطْحِ الوَهْدَةِ.
وإنْ كَانَتْ سَتَسْخَرُ مِنْ مُحَاوَلَتِي،
ألمَسُ الرِّيحَ، البَابَ المُرْتَجَّ لِبَيْتِهَا الكَبِيرِ.

كلماتٌ في الضَّباب

أنَا جَالِسٌ وَسَطَ الضَّبَابِ.
عَلَى كُرْسِيٍّ بِلا شَكْلٍ وَلا لَوْنٍ،
فِي القَاعَةِ المُتَلاشِيَةِ لِفُنْدُقٍ صَغِيرٍ
لِلْبَايِي كُوكُورَا.
فِي الحَقِيقَةِ، أنَا جَالِسٌ عَلَى قِطْعَةِ أثَاثٍ مِنْ ضَبَابٍ.
تَحْتَ سَقْفٍ مِنْ ضَبَابٍ وَفِي عَالَمٍ أعْمَى
يَمْحُو سِيرَةَ الضِّفَافِ.
أتَحَدَّثُ إلَى فَتَاةٍ لا أرَاهَا ولا أعْرِفُهَا،
شُؤُونٌ مُبْتَذَلَةٌ، أخْبَارٌ جَدِيدَةٌ عَنِ احْتِبَاسِ الطَّقْسِ
فِي جِبَالِ كِينْدِيُّو.
أعْرِفُ أنَّهَا خِلاسِيَةٌ مِنْ لَهْجَتِهَا وَشَابَّةٌ مِنْ ضَحْكَتِهَا.
مُنْتَصِبَةٌ وَمُتَرَفِّعَةٌ عَلَى ذَاتِهَا،
فَصَوْتُهَا يَهْوِي إلَيَّ مِنْ أعْلَى، مِثْلَ ثَمَرَةٍ نَاضِجَةٍ.
أسْمَعُ انْحِدَارَ الحِصَانِ عَبْرَ طَرِيقٍ مِنَ الحَصْبَاءِ،
وَوَقْعَ حَوَافِرِهِ عَلَى الحَصَى.
لا أرَى هُلْبَهُ وَلا طُقُومَهُ ولا الفَارِسَ
الَّذِي يُيَسِّرُ عُبُورَهُ البَطِيءَ والآمِنَ.
تَسِيرُ الفَتَاةُ بِاتِّجَاهِ إقَامَتِي.
أسْمَعُ صَوْتَهَا قَادِماً
عَبْرَ المَمَرِّ الخَشَبِيِّ،
صَوْتُهَا الَّذِي يَفْتَحُ فِي الضَّبَابِ ضِيَاءً صَغِيراً.
هِيَ تَسْتَقْطِرُ مِثْلَ سَاحِرَةٍ خَلْفَ السِّتَارِ الرَّصَاصِيِّ
فِنْجَانَ قَهْوَةٍ يَخْتَلِطُ بُخَارُهُ بِالهَوَاءِ.
وَلَمَّا تُسَلِّمُنِي الفِنْجَانَ الكَبِيرَ أسْتَرِقُ النَّظَرَ إلَى مِشْيَتِهَا،
بَافْلُوفِيَّةٌ فَظَّةٌ وَخَفِيفَةٌ وَهِيَ تَمْشِي مَا بَيْنَ الضَّبَابِ.
أتَذَوَّقُ القَهْوَةَ وَصَوْتَهَا فِي الآنِ نَفْسِهِ،
مَلْفُوفاً فِي عَمىً عَذْبٍ وَعَابِرٍ.
في مقهى العالم

فِي الصُّبْحِ،
لَمَّا تَطُوفُ المَدِينَةَ شَمْسُ الصَّحْرَاءِ،
تَغْسِلُ أجِيرَاتُ
المَقْهَى فَضَلاتِ الحَدِيثِ
وَالبُقعَ الَّتِي تُخَلِّفُهَا فِي الشُّقَّةِ
الأصْوَاتُ اللَّيْلِيَّةُ.
شَخْصٌ مَا قَدْ تَكُونُ سَقَطَتْ مِنْهُ فِي الحَمَّامِ
كَلِمَةُ حُبٍّ،
قَدْ لا يَتَحَمَّلُ رَائِحَةَ الأزْهَارِ الذَّابِلَةِ
الَّتِي تَجْتَاحُ جُدْرَانَهُ.
فَلْتَغْسِلْنَ، فَلْتَغْسِلْنَ الكَلِمَاتِ المُرْتَوِيَةَ فِي المِفْرَشِ
أوِ المُتَنَاثِرَةَ مِثْلَ سِيجَارَاتٍ مُطْفَأةٍ
فِي الزَّوَايَا. هِيَ فَقَطْ شَرَارَاتُ أصْوَاتٍ،
رَمَادُ الأفْعَالِ، فَوَاكِهُ مُجَفَّفةٌ.
تُفْزِعُ الأجِيرَاتُ الذُّبَابَ بِصَحِيفَةٍ:
الكَلِمَاتُ لَيْسَتْ جِنِّيَّاتٍ تَتَسَاقَطُ مِنْ شِفَاهِ الحَكَوَاتِيِّ،
ولا جُثَثاً هَارِبَةً نَحْوَ الفَرَاغِ،
لَكِنَّ الذُّبَابَاتِ يَفْرِكْنَ قَوَائِمَهُنَّ
أمَامَ فَضَلاتِهِنَّ الكَئِيبَةِ.
لَرُبَّمَا جَنْبَ قَدَحٍ بِبَقَايَا الجُعَةِ
كَلِمَةَ بِلادٍ تَسْتَعِيدُ ذِكْرَاهَا
إذْ ثَمَّةَ شَيْءٌ مِنْ خُيُوطِ العَنْكَبُوتِ وَمِنْ خَرَائِبِ الزَّمَنِ،
مِنْ تَهْجِينِ حُلْمٍ وحُزْنٍ
حَوْلَ المَائِدَةِ.
مَا تَزَالُ الكَرَاسِي مَرْفُوعَةً عَلَى أعْقَابِهَا
مِثْلَ آثَارِ عَجَلاتٍ أوْ أهْرَامٍ أو أبْرَاجٍ
لِبَابِلَ صَامِتَةٍ
بَيْنَمَا تَسْتَعِدُّ الأجِيرَاتُ لِكَنْسِ خَرِيفِ الأصْوَاتِ.
كَلِمَاتٌ نُهِشَتْ بِشَغَفٍ
أوْ ألْقِيَتْ عَلَى قَفَاهَا،
كَلِمَاتٌ تَتلعْثَمُ عَلَى شِفَاهِ الجَرِيحِ
أوْ دُهِنَتْ بِمِيلَانْخُولْيَا لَزِجَةٍ،
فَرَاشَاتٌ أُسْقِطَتْ أثْنَاءَ تَحْلِيقِهَا.
الأجِيرَاتُ يَجْهَلْنَ أنَّهُنَّ يَغْسِلْنَ وَيَكْنِسْنَ الكَلِمَاتِ،
إذْ طَوَّفَ بَعْضُهَا العَالَمَ، مَرَافِئَ وَحَظَائِرَ طَائِرَاتٍ،
لِكَيْ تَأْتِيَ وَتَمُوتَ تَحْتَ الطَّاوِلَةِ.
كَلِمَةُ حُرِّيَّةٍ الَّتِي رَفْرَفَتْ رَايَتُها مِنْ خِرَقٍ
تَتَلاشَى بَيْنَ فَضَلَاتِ اللَّيْلِ
وَلَيْسَ يَسِيراً رَتْقُها بِإبَرِ المَطَرِ.
لا كِلَابَ وَلا قِطَطَ تَتَشَمَّمُ الأنْقَاضَ
حَيْثُ تَتَكَوَّمُ مُرَادِفَاتُ الإنْسَانِ.
حَتَّى كَلِمَةُ خَوْفٍ
قَدْ غَيَّرَتْ جِلْدَهَا وَلَمْ تَعُدْ تَرْتَعِشُ.
آهٍ أيَّتُهَا الأجِيرَاتُ النَّشِيطَاتُ اللائِي يَضَعْنَ نِظَاماً لِلأشْيَاءِ
وإنْ لَمْ يُسَمِّيهِنَّ أَحَدٌ بِأسْمَائِهِنَّ، أنَا أرَاهُنَّ
يُلَمْلِمْنَ شَظَايَا كَلِمَةِ مَرْمَرٍ،
مَا بَيْنَ نَرْسِيسِيِّينَ عُمْيَانٍ
يَتَظَاهَرُونَ بِعَدَمِ رُؤْيَةِ ذَوَاتِهِمْ فِي مِيَاهِ المُسْتَنْقَعِ.
وَكَلِمَةُ مَوْتٍ لا تَرْغَبُ فِي التَّلَاشِي،
تُقَاوٍمُ المَوْتَ فِي مَقْهَى اللَّيْلِ.
الأجِيرَاتُ المُهَذَّباتُ يُلَمْلِمْنَ
مَا بَيْنَ أوْرَاقٍ مُجَعَّدةٍ وَظِلَالٍ وخُصلَاتِ شَعْرٍ وأشْبَاحٍ
مَقَاطِعَ اليَوْمِ، سُلْطَانَهُ المُرْتَابَ.
فَلْتَغْسِلْنَ، فَلْتَغْسِلْنَ السُّهُولَ وَالضَّوَاحِي وَالسَّرادِيبَ
وَالأنْهَارَ الجَلِيدِيَّةَ وَالحَدَائِقَ وَالبَاحَاتِ والحَلَقَاتِ
صَدَى الصَّمْتِ الَّذِي يَجْتَازُ اللَّيْلَ.
القصيدةُ

يَخْطُبُ وُدَّهَا الكَتَبَةُ والسُّكَارَى
وَتُنْشِدُهَا النِّسَاءُ البَيْضَاوَاتُ
اللَّوَاتِي يُعَدِّدْنَ المَقَاطِعَ
فِي أطْوَاقِهِنَّ الهَشَّةِ مِنْ بَرَدٍ،
يُحَنِّطُونَها مِثْلَ جُثَّةٍ
فِي أكَادِيمِيَّةِ اللُّغَةِ،
وَيَحْفَظُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ الأغْبِيَاءُ
الَّذِينَ يَسْتَعْرِضُونَهَا مِثْلَ كَلْبِ تَرَفٍ
فَوْقَ خَشَبَاتِ العَرْضِ
وَفِي صَالُونَاتِ الصَّيْفِ الكُبْرَى،
يُمَزِّقُهَا شُوَيْعِرُونَ حَاسِدُونَ
أوْ يُغَيِّرُونَ أحْوَالَهَا،
وَتَحْفَظُهَا فِي خِزَانَاتِهِنَّ الأرَامِلُ
اللَّوَاتِي يُرَوِّحْنَ عَلَى أنْفُسِهِنَّ بِرِيشِ مَلاكٍ،
وَيَحْمِلُهَا اللُّوطِيُّونَ
كَمَا لوْ كَانَتْ بَنَفْسَجَةً فِي العُرْوَةِ
وَيَبْعَثُهَا الخَوَارِنَةُ وَالسَّدَنَةُ
إلَى اليَمْبُوسِ
عَبْرَ البَرِيدِ المَضْمُونِ لِلرَّبِّ.
وَالقَصِيدَةُ الحَقِيقِيَّةُ
تَبْقَى عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْكِبِ الجَنَائِزِيِّ.

اعْتِرَافُ مُتوحِّدٍ

مُنْذُ أعْوَامٍ، أعْوَامٍ طَيِّبَةٍ أعِيشُ مَعَ لا أحَد.
دُونَ أنْ أنْتَبِهَ وَدُونَ أنْ أبْذُلَ جُهْداً
تَعَوَّدْتُ عَادَاتِ لا أحَد.
وَعَلَى وَشْكِ إثَارَةِ انْتِبَاهِي
يَحْدُثُ دَوْماً أنَّهُ يَنْدَمُ، لَرُبَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ
حَتَّى لا يَدْخُلَ مُقْتَحِماً صَمْتِي عُنْوَةً.
مِنْ لُغَاتِ بَابِلَ
يَخْتَارُ لا أحَدُ لَهْجَةً حَذِرَةً.
وَلا حِينَمَا أتَعَثَّرُ وَأصُبُّ اللَّعَنَاتِ
يَكْشِفُ عَنْ مُفَاجَأَةٍ أوِ انْزِعَاجٍ.
أنْ أُشْعِلَ مِصْبَاحَ السَّهَرِ
أوْ أتَرَنَّمَ بِلَحْنِ أغْنِيَةٍ قَدِيمَةٍ فِي الصَّبَاحِ
لَيْسَ دَاعِياً لِمُضَايَقَاتٍ لِلاأحَد.
هُوَ لا يَطْرَحُ عَلَيَّ أسْئِلَةً لَمَّا أعُودُ مِنْ سَفَرٍ،
مِنْ مَدِينَةٍ شَوَارِعُهَا لَيْسَ لَهَا قَطُّ مَنَافِذُ
أوْ مِنْ رِحْلَةٍ بَحْرِيَّةٍ عَبْرَ أقَالِيمِ القُرَّامِ.
أنْ تَحْمِلَ زُهُوراً لِلاأحَد هُوَ أنْ تَمْنَحَ الخَرِيفَ أوْرَاقاً،
فَقَدْ صَنَعَ مِنَ الصَّمْتِ بُسْتَانَهُ.


ترجمة وتقديم: خالد الريسوني *

شاهد أيضاً

ارتحالَات النَصّ من بارمينيدس إلى افلاطون ومنه إلى هيدغر

مصطفى الكيلاني* 1 – بَدْءًا: إمْكَان مُغَالَبَة دُوغما القِرَاءَة وَالفَهْم بِالمُقَارَبَة التَنَاصِّيَّة القَوْل بِواحديّة النصّ …