سرديّات بديلة قراءة في النظرية والتطبيق

أنواع السرد في العالم لا حصر لها. وهي تنطوي، قبل كل شيء، على تنوع كبير في الأجناس. وهي ذاتها تتوزع إلى مواد متباينة، كما لو أن كل مادة صالحة، في حد ذاتها، لكي يضمّنها الإنسان سروده. فالسرد يمكن أن تحتمله اللغة (شفوية كانت أو مكتوبة)، والصورة (ثابتة كانت أو متحركة)، والإيماء، مثلما يمكن أن يحتمله خليط منظّم من كل هذه المواد. السرد حاضر في الأسطورة، والحكاية الخرافية، والحكاية على لسان الحيوان، والخرافة، والأقصوصة، والملحمة، والتاريخ، والمأساة، والدراما، والملهاة، والبانتومايم، واللوحة المرسومة، والنقش على الزجاج، والسينما، والخبر الصحفي، والمحادثة. فضلا عن ذلك، فإن السرد- بأشكاله اللانهائية تقريبا- حاضر في الأزمنة والأمكنة والمجتمعات كلها، فهو يبدأ مع تاريخ البشرية ذاته.
-1-
 ولن تجد أي شعب دون سرد، فلكل طبقة من الطبقات أو جماعة من الجماعات البشرية سرودها. وتكون هذه السرود في غالب الأحيان مستساغة بشكل جماعي من قبل أناس ذوى ثقافات مختلفة، أو حتى متعارضة. فالحكاية، كل حكاية – كما كان يقول ليوتار(1) Jean-François Lyotard- بدأت من قبلُ دائما، وستظل كذلك إلى الأبد في الجملة الشهيرة العابرة للثقافات التي اكتسبت طابعا عالميا وأبديا: «كان يا ما كان». وأية حكاية لا تعرف بالتحديد نهايةً ما، فكل راوٍ يندسّ في جلد راوٍ سبقه ويُسلم الحكاية لمستمع لن يعدم أن يصبح راويا للحكاية بدوره. كما لا يعدم أن يتقدم الراوي أو أحد الرواة كبطل للحدث الذي يرويه هو نفسه.
 السرد موجود دائما وأبدا، كما يقول رولان بارت R. Barthes (1915-1980)، لأنه يوجد حيثما وجدت الحياة ذاتها(2). لكنّ الوعي به، حتى في الغرب، لم يتحقق إلا مع تطور ما عُرِف لاحقا باسم «تحليل الخطاب السردي»، وظهور عِلْمَيْن يهتمان به، منذ الستينيات من القرن العشرين، في الدراسات الغربية نفسها، هما: السرديات والسيميائيات.
-2-
أما إذا فهمنا السرد بأكثر معانيه تقليدية – حسب مقولة إدوارد سعيد Edward E. Said (1935-2003)- فهو «صيغة من صيغ التاريخ»(3). ولعل العلاقة بين الكلمتين Story/History في اللغة الإنجليزية والكلمة الواحدة المشتركة في الفرنسية Histoire تجسد مظهرا بالغ الوضوح والدلالة على مدى التأثير والتأثر الحاصل بين السرد والتاريخ. لقد كان التاريخ في الغرب حتى القرن الثامن عشر فرعا من فروع الأدب. وينعكس هذا في الأصل المشترك الذي يتمثل في أن «مصطلح التاريخ ومصطلح السرد القصصي إما أن يكونا شيئا واحدا أو شديدي الشبه في كثير من اللغات الأوروبية»(4). وهنا، يقول ميشيل بوتور Michel Butor (1926-):
«كلنا يعرف أن الكلمة الفرنسية Histoire تدلّ في الوقت نفسه على الكذب والحقيقة وعلى معرفتنا بالعالم المتحرك، وعلى التاريخ العام، وعلى حذرنا، وعلى القصص التي نؤلّفها لنحمل الأطفال على النوم، ولنُنِيم هذا الطفل الكامن في نفوسنا الذي يتأخر دائما في الاستستلام للرقاد..»(5).
فالنقد الأدبي يبدأ بالقصة، أما التاريخ فينتهي إليها. وفي التاريخ يتقدم التحليل على القصة، أما في ممارسة النقد فإنه يتبعها. وهذا يعني أن ما يكون بالنسبة إلى التاريخ نهايةً للنشاط المعرفي يكون بالنسبة إلى النقد بداية العملية العقلية. وإذا حَكَم النقد التاريخي على سرد زمني بسيط، على سبيل المثال، بأنه سرد دقيق فإنه لا يعامل حينئذ بوصفه حكاية بل بوصفه مصدرا لمعطيات يمزجها المؤرخ بمهارة أو يعيد مزجها بمعطيات أخرى في سلسلة أو متوالية جديدة. و«هذه الإعادة لمزج المعطيات في سلسلة جديدة (أو السرد أو الوصف أو أي إطار توضيحي آخر) هي التي تصنع التاريخ»(6). وهنا ينبغي أن نفرّق بين السرد التاريخي والسرد الحكائي. فالحدث الماضوي الذي يحكيه (أو يسرده) التاريخ لا يخضع للمعايشة والملاحظة وإنما هو حدث تنتظم موتيفاته طبقا لمبدأ التذكّر. ومع ذلك، فالتاريخ يدّعي أن ما يقوم به المؤرّخ- في لحظة التأريخ «الآن وهنا»- هو استحضار (كاستحضار الموتى والأشباح) مطابق للحدث المعيش في الماضي، الأمر الذي يَسِم خطابه في هذا المضمار بطابع الجزم والصدق. وعلى هذا، تقوم علاقة المؤرح بالقارئ على أساس استراتيجية الإقناع والتدليل بالحجة. ومن ثم، فالتاريخ هو مادة حكائية قابلة للنقض والمراجعة والبرهان، في حين أن السرد الحكائي الخيالي هو استحضار خيالي لحدث ماضٍ، وخطابه هو محض زعم أو افتراء، والأدب في النهاية ضرب من ضروب الكذب واللعب. فالقارئ منذ البداية يعرف أن ما يقرأه هو مجرد خيال، وبذلك لا تقوم علاقة الأديب بالقارئ على أساس الحجاج والإقناع بل على أساس المواءمة بين عالم النص المتخيّل وعالم القارئ الواقعي.
-3-
 يقول سعيد في واحدة من إشاراته الثاقبة إنه قد يعتقد البعض، مع فوكو Michel Focault (1926-1984) وليوتار، أن السرديات الكبرى للتحرير والتنوير قد انتهت أو انقضت أيامها، لأنها في حالة «عطالة مؤقّتة أو إرجاء»(7)، ولكني «أعتقد أنه يجب علينا أن نتذكر بطريقة أكثر جدية ما يعلّمنا إياه فوكو نفسه، في مثل هذه الحالة وفي حالات أخرى كثيرة، أنه قد يكون الأكثر أهمية في بعض الأحيان أن لا ننشغل كثيرا بما يُقال، ولكن من الذي يتكلم أو من الذي يقول»(8). فالقوميات عموما، والقومية العربية على وجه الخصوص، سرديات لا أكثر(9). فالقصص أو السرديات أو المرويّات هي الوسيلة المثلى التي يمكن النظر إليها باعتبارها استراتيجيات تتكئ عليها الأمم والشعوب والحضارات والثقافات، حتى الديانات والمذاهب والأقليات، إما في التكريس لهيمنتها أو التخلّص من ألاعيب الإمبريالية وحيلها ومراوغاتها:
«فالقصص تكمن في اللباب مما يقوله المكتشفون والروائيون عن الأقاليم الغربية في العالم، كما أن القصص أيضا تغدو الوسيلة التي تستخدمها الشعوب المستعمرة لتأكيد هويتها الخاصة ووجود تاريخها الخاص (…) والأمم هي ذاتها سرديات ومرويات. وإن القوة على ممارسة السرد، أو على منع سرديات أخرى من أن تتكون وتبزغ، لكبيرة الأهمية بالنسبة للثقافة والإمبريالية، وهي تشكل إحدى الروابط الرئيسية بينهما. والأكثر أهمية هو أن السرديات الجليلة الكبرى للتحرّر والتنوير قد جنَّدت الشعوب في العالم المستعمَر وحفزتها على الانتقاض وخلع نير الإمبريالية، وخلال هذه العملية هزّت تلك القصص وأبطالها العديد من الأوروبيين والأمريكيين، أيضا، فقاموا بدورهم بالصراع من أجل سرديات جديدة للمساواة و(الروح) المجتمعية الإنسانية»(10).
 من هنا، تغدو الأمم، مَثَلُها في ذلك كَمَثَل السرود، وقد فقدت أصولها في أساطير الزمن السحيق، إذ إنها تحقق ذواتها فقط بشكل تام في عين العقل(11). وقد تبدو مثل هذه الصورة للأمة- أو للسرد- «صورة رومانتيكية بدرجة غير ممكنة الحدوث، واستعارية فضفاضة، لكنها صورة تنبثق من تقاليد تفكير سياسي ولغة أدبية تولّدها الأمة بوصفها فكرة تاريخية فعّالة في الغرب»(12).
 ودون مثل هذا الفهم للأداء الذي تنهض به اللغة من دور فاعل في نشوء سرود الأمة، فإنه سوف يكون من الصعوبة بمكان أن نفهم لماذا وصف إدوارد سعيد نمط «التعددية التحليلية» بوصفه «شكلا» من أشكال الانتباه النقدي الذي يقارب التأثيرات الثقافية للأمة. وفيما يتصل بمفهوم الأمة، وبوصفها شكلا من أشكال الدرس الثقافي (بالمعنى الجرامشي مثلا)، يمكن القول إن أمة من الأمم هي بمثابة «هيئة من السرد المزدوج (أو المتناقض) الذي يقبض على الثقافة في أكثر مواقفها إنتاجية، وبوصفها قوة من قوى الإحلال والاستبدال، والتمزيق، والانتشار، وإعادة الإنتاج بأقصى قدرة، والخلق، والإرغام، والإرشاد»(13).
 إن النسيان(14) – ويمكن أن نذهب إلى الحد الذي يصفه معه إرنست رينان E. Renan (1823-1892) على أنه خطأ تاريخي – عامل حاسم من العوامل التي تسهم في خلق صورة الأمة، «أعني لماذا يشكل التقدم في الدراسات التاريخية خطرا على مبدأ الجنسية؟»(15).
-4-
 الأمة، إذن، مبدأ روحي، حيث تتكون كل أمة نتيجة تعقيدات عويصة تمرّ بها في مجرى التاريخ. إنها عائلة روحية، وليست مجموعة حدّدها شكل الأرض أو الحدود الجغرافية فحسب. لقد عرفنا الآن ما الأشياء التي تلائم خلق مثل هذا المبدأ الروحي العجيب الذي يجمع تحت لوائه جُمَاعا من المفاهيم كالعرق، واللغة، والاهتمام المادي، والانجذاب الديني، والجغرافيا، والضرورة العسكرية(16). لذلك، يصبح مفهوم «الأمة في الدراسات الحديثة هو نتاج تاريخي شكّله سلسة متوالية من الوقائع والأحداث المتقاربة»(17). ونظرا لارتباط الأمة بالمعاني المطلقة التي غذَّت النعرة القومية بنزعتها الفاشية، فقد اكتسب المفهوم– كما تقول ماري تريز عبدالمسيح(18) – تضمينا ازدرائيا، في فكر ما بعد الحداثة، بوصفه نتاجا لخطاب «القوة». أما في العالم الثالث، فلا يزال مصطلحا «الأمة» و«القومية» يمثلان الخطاب المضاد لخطاب العولمة المتعدية للقوميات. فالحسّ القومي يؤكد تلاحم أبناء الشعب الواحد في زمن اضطرت فيه الدولة إلى الأخذ بالقيم السائدة في الدول الصناعية في مجتمعات تظل منتمية إلى عالم ما قبل الصناعة. فالالتفاف حول مفهوم الأمة يغدو الفاعل التاريخي القادر على تحقيق التحول الاجتماعي.
 ومن زاوية مقابلة، يمكن النظر إلى فكرة «القومية» من حيث هي «مجتمع سياسي متخيَّل»، نظرا لكونه مجتمعا محدَّدَ الأصول والتاريخ وذا سيادة. أما كونه متخيَّلا فأمر يرجع إلى أن «أبناء حتى أصغر القوميات لا يعرفون أغلب أفراد قوميتهم، ولا يقابلونهم، ولا حتى يسمعون بهم، ومع ذلك ففكرة تجمّعهم وتوحّدهم تعيش في ذهن كل واحد منهم»(19). وما قد توصف به قومية دون أخرى قد يكتب له الاستمرارية والانتشار والتراكم التاريخي. ومن ناحية أخرى، تفكّر «القوميات» بأسلوب المصائر التاريخية، بينما تحلم «العنصرية» بتلوّث أبدي ينتقل من أول الزمان، عبر توالٍ لانهائي للزيجات الممقوتة الكريهة خارج إطار التاريخ. هكذا، يقول أندرسون واصفا هذه العنصرية العمياء:
«بفضل فرشاة القارّ سوف يظل الزنوج زنوجا للأبد، وبفضل بذرة إبراهيم يبقى اليهود يهودا أبدا، مهما كانت جوازات سفرهم التي يحملونها، ومهما كانت اللغات التي يتكلمونها أو يقرأونها. وعلى ذلك، فاليهودي الألماني كان دائما أفّاكا لدى النازي»(20).
 لكنّ هناك فروقا واضحة بين ما يمكن أن نسمّيه قصّ الفرد وقصّ القوميات. ففي قصة الفرد الدنيوية توجد بداية ونهاية، على اعتبار أن أي فرد هو شخصية تاريخية متعيّنة بزمان ومكان وأفعال، ومكوّنة من جينات الأب والظروف الاجتماعية خلال مرحلة قصيرة من الزمن، حتى يموت هذا الفرد، وتبقى له بعض السمعة أو بعض الأثر. ويمكن أن نتخيل كيف سيكون الأمر غريبا اليوم أن تنتهي حياة أدولف هتلر، مثلا، بالقول إنه في 30 أبريل عام 1945 قد ذهب الرجل مباشرة إلى الجحيم، دون أدنى إشارة إلى «الهولوكوست» مثلا(21). وعلى العكس من ذلك «ليس للقوميات تاريخ ميلاد محدد، قاطع، وليست ميتاتها- إذا كانت لها ميتات- طبيعية»(22). لذا، يرى بعض الباحثين(23) أن المرويات الكبرى هي إحدى الطرائق المركزية التي تتشكل بها المخيلة الاجتماعية لشعب ما وتتضح معالمها. والمرويات الكبرى «كبرى» لأن ما ترويه هو مخيال العمل الاجتماعي نفسه، ولأنها فوق ذلك محض لعبة لغوية يصل بها عمل التاريخ في المخيلة الجمعية إلى جوهر اللغة.
 المرويات الكبرى مرويات من الدرجة الثانية، لأنها تريد أن تصوغ- سرديا- بعض ممارسات أو مرويات الدرجة الأولى الملموسة، وأن تضفي عليها مشروعية ما. وبما أنها خطابات من الدرجة الثانية، فإنه لا يمكن التثبّت منها تجريبيا وبصفة مباشرة، الأمر الذي جعلها عرضة لشكوك التجريبيين والوضعيين، وكل من يعدّ خاصية «التثبت التجريبي» معيارا لقيمة المعرفة. ولأن المرويات الكبرى، من الناحية التقليدية، كانت تريد أن تصوغ التجربة التاريخية بألفاظ نهائية حاسمة في الفهم الإنساني (كالحق والخلاص والخير والجمال والسعادة والسلام..إلخ)، فقد صارت عرضة لشكوك من يريدون نقد الميتافيزيقا أو تفكيكها أو إسقاطها(24). فإذا لم تكن المرويات الكبرى هي الميتافيزيقا، أو كشفا بطيئا عن معنى خبيء في أصل ما، فقد تكون هناك ميتافيزيقا أخرى يمكن وصفها بأنها ميتافيزيقا التجاوز. و«المرويات الكبرى سلسلة من التجاوزات التي تتعقل الإنسانية ذاتها، استنادا لها، وتمنحها تاريخا يكون هو المحدد المركزي لتلك المعقولية»(25). المرويات الكبرى، إذن، خطابات من الدرجة الثانية تنتقد خطابات الدرجة الأولى، وتصفها وتبدّدها وتمزّقها، وتقوم بالمهام نفسها– من انتقاد ووصف وتبديد وتمزيق- مع الممارسات التي تشكل نسيج الحياة الاجتماعية. إنها تأويلات متجاوزة، كما سبق أن وصفها بيرنشتاين، تكوّن مؤسسة المجتمع، وتكرّر ما وُجِد وما يُوجد، ما كنا أو ما سنكون، لكي نصير ما نحن عليه. لذلك، فإن:
«محاولة منع المرويات الكبرى يعني منعا للتكرار السردي، ومنع التكرار السردي يعني منعنا أن «نعيش» التاريخ ونعاينه «من الداخل»، من غير تكرار قد يحدث لنا ويُملي شروطه على حياتنا. لكنه لن يُمسّ كما هو في ذاته»(26).
-5-
 ينطوي مفهوم السرديات الكبرى Grand Narratives أو السرديات الشارحة، أو الما ورائيات Meta Narratives على دلالة الشمولية، باعتباره مفهوما مرتبطا ارتباطا لصيقا بالوعي الجمعي، وما قد يثمر عن طريقة تفكير بعينها قد تميز هذا المجتمع أو ذاك إزاء الواقع. إن السرديات الكبرى هي خيال الأمة ومخزونها الثقافي وطريقة تداولها للمعرفة الخاصة بها بإزاء مجمل التفاعلات التي يزخر بها العالم اللامتناهي من حولها. إنها التصور الأيديولوجي للجماعة الذي يحدد آفاق الرؤية التاريخية لها ويرسم معالم التوجهات والمسلّمات التي لا يمكن الحياد عنها، وكذلك المواقف التي ترسم طبيعة العلاقة بين الذات والآخر من حيث هي علاقة سوف يرتكز عليها مفهوم «الحاضر» بالضرورة. إنها طريقة وأسلوب الأمة الثقافي في المواجهة أو المقاومة أو النكوص عبر مختلف القطاعات والمواقف، سواء على صعيد ممارسة الهيمنة، أو على صعيد المقاومة والخلاص من الهيمنة. إنها الصورة النمطية Stereotype التي يتم محاولة ترسيخها حول بعض الشعوب والمجتمعات والحضارات والثقافات والأديان أيضا، أقصد إلى ما يشاع أو يروَّج له – عبر وسائط «الميديا» المتنوّعة ذات الدوافع الاستشراقية الواضحة- عن تخلّف الأفريقي، أو تطور الأوروبي، أو إرهابية المسلم، أو تسامح الأبيض،.. إلخ، ومثلها في ذلك مثل البديهيات التي يتم تداولها وتسويقها حول روحانية الشرق ومادية الغرب. إن السرديات الكبرى أو السرديات الجليلة هي التنميط التام لصورة الشعوب الأصلانية ووحشيتها وربط وجودها بلحظة اكتشافها على يد المغامر أو المكتشف الأوروبي، وهي التمويه الذي عمد الاستعمار إلى ممارسته قرونا طويلة من أجل ترسيخ صورة محددة الملامح لواقع متخيّل من صنعه الخاص وحده، بحيث يخدم توجّهاته في الحصول على كل ما يريد من وسائل مادية (كالسلاح، وكنوز العالم الجديد، والطريق إلى التوابل أو الحرير، والتبشير)، بهدف أن تسهم مثل هذه الصورة في تعزيز استراتيجيات السيطرة والهيمنة على الآخر. ويتم ذلك عبر وسائل واستراتيجيات شتّى، منها محاولة السيطرة على توجيه الدلالات الثقافية والمعرفية وربطها بشروط المهيمِن (المستعمِر، الغازي، الفاتح، المحرِّر) من أجل السيطرة على معارف ومقدَّرات الأمم المهيمَن عليها (المستعمَرة، المغزوّة، المفتوحة، المحرَّرة) من خلال ترسيخ العلاقة بين طرفين كبيرين هما: المعرفة – السلطة.
 يقول ليوتار إن ما بعد الحداثة تقوم علي التشكيك في الأفكار والغايات الإنسانية الكبري لمسيرة التاريخ، حيث إنها تشكّ- وتشكّك أيضا- في مقولة أن العلم سوف يقودنا إلي غاية عظمى من سرديات التقدم والتحرر والانعطاف، وأن التاريخ يسير صعودا إلي الأمام بفضل المعرفة، إلي حيث خير البشرية المطلق. فالمجتمع الحداثي يعتمد في إنتاج المعرفة وتحديد مشروعيتها على «الحكاية الكبرى» أو «الميتا-حكاية»، أي على «أيديولوجية سياسية» أو «نظرية فلسفية تأملية» لها شكل الحكاية الأسطورية الوهمية(27). وتعتمد هذه الحكايات الكبرى في نقلها وفرضها، وحتى هجرتها من موضع إلى آخر، على منهج تبريري تقوم به مؤسسات هذا المجتمع أو ذاك. أما المجتمع ما بعد الحداثي التكنولوجي فإنه لا يعتمد على أية حكاية أو ميتا-حكاية تبريرية، حيث تُستمد شرعية المعرفة فيه من المعلومات التي يَسمح بتدفقها التطور التكنولوجي الهائل وبنوك المعلومات وأجهزة الحاسوب، ولا يتحكم في إنتاج مثل هذه المعرفة النقل أو التبرير، كما هو الحال في المجتمع البدائي (القَبَلي) أو المجتمع الحداثي، وإنما يتحكم فيه منهج براجماتي ليس بحاجة إلى أصول اجتماعية أو أهداف كبرى أو ميتا-حكايات لاكتساب بعض الشرعية أو المصداقية.
 إن ما بعد الحداثة هنا هي لحظة الانتفاء الكامل لأي ادّعاء، من جانب أية صيغة سردية، بأنها تكمن خلف أفعال السرد جميعا، ومن ثم تهيمن عليها وتتحكم فيها:
«إنها اللحظة التي تستحوذ فيها القصة الصغيرة على القصة الكبيرة Grand narrative وتطيح بمفهوم «القصة الجامعة الشاملة الحقيقية» لصالح مفهوم القصة التي تمثل واحدة من عدد لانهائي من القصص الممكنة، والتي تناهض دائما تكريس دلالتها بطرق شتّى..»(28).
-6-
 لعله من الجليّ أن نشير إلى أن مصطلح «السرديات»، هنا، لا يعني القصص بمعناها المتخيّل Fiction المسوَّر بحدود الأدب وأجناسه وأنواعه فحسب، وهذا أحد معانيه بالطبع، وإنما يعن- في سياق الحديث عن السرديات من منظور ثقافي رحب- ما تستند إليه فئة من الفئات، أو جماعة من الجماعات الإنسانية، استناداً ضمنياً في بناء مقولاتها الكبرى، سواء استندت في ذلك إلى محكيّ واقعي أو متخيّل أو أسطوري أو رمزي أو سرد حجاجي أو فولكلور أو تاريخ شفاهي أو مدوّن،.. إلخ، فلكل فئة سردية مرجعها الهيكلي النهائي الذي تنهض عليه أقانيم فكرها وأيديولوجياتها وتصوراتها عن الأنا والآخر والهو. لذلك، قد يبدو مصطلح السرد ومشتقاته «السردية» و«السرديات» و«الاختلافات السردية» مصطلحات ملغزة بالنسبة إلى القارئ العربي، وهي تبدو كذلك بالنسبة إلى القارئ الأوروبي أو الأمريكي غير المتخصص – حسبما يقول إدوارد سعيد ومن بعده كمال أبوديب(29)– لأن وراء معناها المباشر، وهو مجرد حكي حكاية، يختفي، أو يتخفّى، مدلولها الخطير الذي لم يلتفت إليه الباحثون إلا مؤخرا:
«السرد في هذا السياق الجديد هو تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزوعات، وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته، بقدر ما يصوغها الماضي بمتجلياته وخفاياه.. كما يصوغها، بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وأنهاج تأويله. ومن هذا الخليط العجيب، تُنسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها وللعالم، تُمنح طبيعة الحقيقة التاريخية، وتمارس فعلها في نفوس الجماعة وتوجيه سلوكهم وتصورهم لأنفسهم وللآخرين، بوصفها حقيقة ثابتة تاريخيا. وتدخل في هذه الحكاية، أو السردية، مكوّنات الدين، واللغة، والعرق، والأساطير، والخبرة الشعبية، وكل ما تهتزّ له جوانب النفس المتخيلة»(30).
ما ينبغي تذكّره دائما– حسبما يقول إدوارد سعيد- هو أن سرديات التحرر والتنوير في أقوى أشكالها كانت في الوقت ذاته سرديات تكامل لا انفصال، وهي قصص مجموعة من البشر الذين تم إقصاؤهم وعزلهم عن المجموعة الرئيسية، أو أُبعدوا عن القطيع المندفع في مجرى التاريخ الرسمي، المعلن، وهم الآن يكافحون، بنبالة، من أجل أن يكون لهم مكان داخلها أو داخله أو بين دفّتي مدوّنته الكبرى. وإذا لم تكن الأفكار القديمة المعتادة للمجموعة الرئيسية على قدر كافٍ من المرونة أو اللاتعصب بحيث تسمح لجماعات جديدة بالانتماء إليها، أو أخرى قديمة بالعودة إلى مسارها الطبيعي، فإن هذه الأفكار ينبغي أن تتغير جذريا، لأن ذلك أفضل بكثير من رفض الجماعات البازغة والقطاعات البشرية الناهضة(31).
 إن مفهوم الحكايات الكبرى يرجّع أصداء المفهوم الهيجلي عن التاريخ الكوني الذي لم يترك كبير شك في أن مدوّنة التاريخ الرسمي تخص بعض الشعوب دون شعوب أخرى. وحسب هيجل، ليس الأمر فحسب أن الأوروبيين هم الذين حملوا مشعل القَدَر التاريخي، بل إن شعوبا مثل الأقوام الأصليين في أمريكا وأفريقيا وآسيا لهي شعوب افتقرت تماما إلى التاريخ. لذا اعتبرها هيجل «شعوبا بلا تاريخ»(32). وحسبما يقول ليوتار، فإن ما بعد الحداثة هي الموقف المتشكّك من الحكايات الكبرى التي هي باختصار حكايات كونية يُفترض أنها مطلقة وقصوى، كانت تستخدم لشرعنة مختلف المشروعات السياسية أو العلمية. أما الحكايات الصغرى فهي حكايات محلية، حكايات المنشقين، والفارّين، والمنفيين، والمهمشين، والمجهضات، والسجناء، والعاهرات، والطلاب، والفلاحين، وأصحاب الظلّ(33). يقول ليوتار في موضع آخر من كتابه:
«ومع التبسيط إلى آخر مدى، فإنني أعرّف «مابعد الحداثي» بأنه التشكّك إزاء الميتا-حكايات. هذ التشكك هو بلا شك نتاج التقدم في العلوم. لكن هذا التقدم بدوره يفترضه سلفا. وأبرز ما يناظر قدم جهاز إضفاء المشروعية الميتا-حكائي هو أزمة الفلسفة الميتافيزيقية ومؤسسة الجامعة التي كانت تعتمد عليها في الماضي. إن الوظيفة الحكائية تفقد عناصرها الوظيفية وبطلها العظيم وهدفها العظيم. إنها تتبعثر في سحب من عناصر لغوية حكائية- عناصر حكائية، لكن أيضا إشارية وتقعيدية ووصفية وما إلى ذلك. وتحمل كل سحابة في داخلها تكافؤات براجماتية قائمة بذاتها خاصة بنوعها، وكل واحد منا يحيا عند تقاطع عدد كبير منها. لكننا لا نقيم بالضرورة تراكيب لغوية مستقرة، وخصائص تلك التي نقيمها ليست قابلة للتوصيل بالضرورة»(34).
-7-
 لا تزال هناك عدة مدونات سردية، تصارع من أجل البقاء والإعلان عن نفسها وسط موجات التغريب أو الغربنة أو العولمة أو الكوكبة، نقصد منها- على سبيل المثال- إلى سردية سريانية ترتبط بالعمق التاريخي لبلاد الرافدين، وسردية كردية تعتقد أنها تشكل بداية النشوء السومري، حيث تتصل دينيا بمدونة إسلامية تأصَّلت مع بداية تاريخية مغرقة في القدم، وهي سردية تجد تمثيلاتها النصية عند روائي وشاعر مثل سليم بركات، وغير ذلك من سرديات تمّ تجاهلها، وسعى التاريخ، والمؤرّخون، سهوا أو عمدا، إلى إسقاطها من مدوناتهم. وفي هذا السياق نفسه، يمكن الحديث عن سردية مصرية جنوبية (نوبية)(35)، تجد تمثيلاتها السردية في روايات وقصص ونصوص بعض الكتّاب المصريين مثل إدريس علي وحجّاج أدّول، وغيرهما من كتّاب النوبة. أضف إلى ذلك سرديات أخرى عدة تتصل بالغجر، والأرمن(36)، والأكراد(37)، والدّوم، والسفارديم(38)،.. إلخ.
 عندما كانت سردية عبد الناصر في أوج صعودها لم يكن من الممكن لأي «زعيم» عربي آخر أن يشكّل تهديدا حقيقيا له أو لها، غير أنه كانت هناك فحسب فئة محدودة استطاعت الخروج من عباءته آنذاك، ولم تستطع العيش في جلبابه، إذا استخدمنا لغة إحسان عبد القدوس، وكان ذلك غالبا لأسباب أيديولوجية. أما الإخوان المسلمون فأخذت علاقتهم بالنظام طابعا صداميا عنيفا دفع أرباب النظام وأياديه الباطشة إلى استعرض قدراتهم القمعية، حتى سقطت السردية الناصرية في لحظة ما من لحظات التاريخ، وهَوَى ما أحاط بها من هالة سحرية، نتيجة أزماتها غير القابلة للحل. أما السردية البديلة التي حاولت أن تحلّ محلّها فقد تمثّلت في صورة ذلك الزعيم المتواضع، أو المألوف للغاية، الذي يبدو- لفرط ألفته – مفتقرا إلى أية كاريزما شخصية في عصر تسيطر فيه غواية الصورة على عقلانية الوعي. ولذلك، يعاد إنتاج صورة هذا البطل العربي المصطنع في مختبرات وسائل الإعلام الجماهيري السلطوية وفي المخيال الخاص بالنخبة.
وعلى العكس من الهالة التي كانت تحيط بكل من عبد الناصر أو الأسد أو السادات أو صدّام، أو غيرهم من الزعماء العرب في حقبتي الستينيات والسبعينيات، تلجأ بعض الكتابات العربية الراهنة إلى الإفراط في المبالغة في نسج سرديات أشباه الزعماء المعاصرين للتعويض عمّا يعتري أغلب هذه النماذج المعاصرة من نقص، بوصفها بدائل تسعى إلى تجاوز أيقونة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، حيث كانت شعارات من قبيل «مصر للمصريين» و«القومية العربية» و«بناء السد العالي» و«بترول العرب للعرب»، وغيرها من شعارات كبرى تتردّد أصداؤها آنذاك، بينما أصبحنا نعيش، في الزمن الموحش، في إطار سرديات «السجون العربية» بامتياز (أبو غريب، تدمر، أبو زعبل،..)، و«الحادي عشر من سبتمبر»، و«الجدار الفاصل»،.. إلخ.
 وفي الآونة الأخيرة، وتحديدا مع بدايات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بعدأ أن اهتزت أقنومة السيدة البيضاء (أمريكا)، وتهاوت معها بالتوازي، أو التضاد، ديكتاتورية صدّام حسين، والنجاح المذهل لتسويق بورتريه أسامة بن لادن الغائب الحاضر على مسرح السياسة الدولية، وسطوع نجم حسن نصر الله، أقول: بعد تواتر كل هذه الأحداث بحثت القوميات العربية عن أنموذجها المخلّص، أو عن بديل لغياب سردياتها الكبرى، فوجده البعض في شخص متخيّل، منتظَر، سيزيفي غالبا، سوف يملأ الأرض عدلا بعد أن مُلِئَتْ جورا، واشتغل البعض الآخر على إحياء السردية الناصرية وترميمها من أرشيف الذاكرة العربية المثقوبة، في الوقت نفسه الذي دأبت أغلب فرق الجماعات الإسلامية على تضخيم سردية المخلّص الديني (المنتظَر) القادم بالبشارة، حاملا فضيلتي الحرية والعدل، الذي قد يوهم به شعار من قبيل «الإسلام هو الحل»، استغلالا لأخطاء السلطة السياسية العربية وإخفاقاتها المتتالية، رغم انطواء الشعار ذاته على استبعاد ونفي باقي الفئات والجماعات والأحزاب، المدني منها والديني على السواء.
-8-
السردية البديل، إذن، كما تقترحها النظرية النقدية آنفا، هي سردية تسعى إلى نقض أقانيم السرديات الكبرى عن التحرير والتنوير والسلام والعدل والحق والخير والجمال،.. إلخ، بالمعنى الذي أرسته فلسفة الحداثة في بادئ الأمر، أو هي تهدف- على الأقل- إلى تفكيك مقولات السرديات الكبرى، وزعزعة مركزيتها والتشكيك في أيديولوجياتها، وذلك عن طريق مجموعة من الاستراتيجيات والحيل والأساليب الفنية أو الجمالية التي تجد تمثيلاتها النصّية الدالّة في قطاع عريض من النصوص المصرية الجديدة (مثل: «غرفة ترى النيل» لعزت القمحاوي، «متاهة مريم» و«وراء الفردوس» لمنصورة عز الدين، «تصريح بالغياب» و«أن ترى الآن» لمنتصر القفاش، «لصوص متقاعدون» لحمدي أبو جليل، «الوفاة الثانية لرجل الساعات» لنورا أمين، «وخزة خفيفة» لغادة الحلواني، «أشباح الحواس» لإبراهيم فرغلي، «المرايا» لمصطفى ذكري،.. وغيرها) التي أخذت في التواتر مع العقد الأخير من القرن العشرين، وازداد هذا التواتر حدّة مع الألفية الجديدة.
 وسوف تقف الدراسة بالتحليل عند بعض هذه النصوص، للتدليل على فرضيتها، في محاولة للقبض على الآليات أو الطرائق التي تعمل بها هذه النصوص من أجل إنتاج سرديات عربية مغايرة (مصرية تحديدا في هذا السياق) يمكن أن تندرج تحت مفهوم «السرديات البديلة».
1- سردية الموت/ سردية المدينة:
1-1: تحتفي نصوص عزّت القمحاوي احتفاء بالغًا بعالم قصصي ينهض- و«يلحّ» في الوقت نفسه- على تصوّر ما لـ«مدينة كبيرة» واقعية متخيّلة في آن، مدينةٍ تمنح داخليها (وأغلبهم ذوو أصول ريفية) ألفةً وغوايةً تجعلهم يلتذّون ويرضون بصَلَف الحياة بين جدرانها وحواريها وأَزِقّتها بديلا عن رحابة وبراءة مواطنهم الريفية القادمين منها، بينما هم في واقع الأمر قد سقطوا في براثن مدينة تحيا بأمثال هؤلاء وتقتات عليهم وعلى أشباههم ممن يقصدون المدن قصد الحجيج. إن صورة المدينة في نصوص القمحاوي، التي تنتمي إلى حقبة التسعينيات بوصفها المرحلة الحاسمة التي أرهصت بكتابة مصرية جديدة، هي صورة لمدينة تجمع بين تمثيلين ثقافيين طرحتهما من قبل كثير من نصوص الستينيات هما «المدينة-المتاهة» (عند خيري شلبي، محمد البساطي،.. وغيرهما) و«المدينة-المرأة» (عند يوسف إدريس، جميل عطية إبراهيم، جمال الغيطاني،.. وغيرهم)(39). أما هنا فمدينة القمحاوي مدينة مراوغة تلفظ الوافدين إليها لا عن طريق طردهم أو إبعادهم أو تهميشهم بل عن طريق ابتلاعهم في أحشائها والتمثيل بهم، في الوقت نفسه الذي لا تفتقر هذه المدينة بحال، مثلها في ذلك مثل قطاع عريض من قطاعات الرواية العربية، إلى أيّ من ملامح المدن المعروفة التي تحوي في رحمها الأشتات والأضداد من الكائنات والبشر والأشياء وتجمع ساحاتها بين المتعدّد والمختلف من المظاهر وتنطوي مبانيها وعماراتها على صخب وكتمان، لَغَط وهمس، بوح وتمنّع، أمل وقنوط، حريّة وسجن، تقوى وفجور، في منظومة سردية تمثيلية عريضة توازي تصاعد المدّ اليومي الأبدي لفعل الحياة/الموت في أعلى وأعنف مجاليه.
2-1: وفي «غرفة ترى النيل»(40)، على وجه الخصوص، لن تعدم صورة المدينة بتمثيليها اللذين ذكرناهما آنفا، بطريقة أو بأخرى، فهي (مدينة اللذّة/مدينة الألم) التي تنسرب مفرداتها هنا وهناك. ينبني هذا العالم الروائي الذي يصوغه الرواة بحكاياتهم على تفجير طاقات «اللذّة» وإذكاء مكامن «البهجة» التي يثيرها مؤلّف ضمني يتبنّى وجهة نظر ترى العالم بعين أنثوية في بعض الأحيان، وتنعكس ملامح هذه الأنثى على سطوح بعض مفرداته وتشبيهاته واستعاراته، بل ويحرص هذا المؤلّف المضمر كل الحرص أيضا على أن يجاور نسيجه القصصي في رهافة بين «المباهج» و»المساخر» فيما يبثّه بَثًّا في نفس قارئه. فـ «عيسى»، مثلا، صحفي تجاوز الستّين وهجم عليه المرض وفتك به وبجسده، وصديقه أو تابعه أو حواريّه «رفعت» الرّوائي المحبط الذي كتب عشرين رواية لم يتغيّر معها أي شيء في العالم، لأننا:
«في بلد كهذا لا تؤمّن عائدات عشرين رواية إقامة يومين في هذا المستشفى الذي جعل عيسى سعيدا» (ص: 26).
إنه عالم فنّي صُنِع من قِبَل مؤلّفه المتخيَّل/الحقيقي (رفعت/عزت) على عين «الـمَسَرّات» في أغلب الأحيان. حتى وإن كانت «الواقعة» أو «الموضوعة- الثيمة» الروائية، فيما نحن بصدده هنا-الآن، التي قد ينبثق منها هذا الشعور بلذّة المحكيّ أو تلك الدّفقات المبهجة لفعل الحكي، واقعةً تراجيديةً ساخرة تنهض على ما (حدث [ويحدث] في بلاد التراب والطين)، أو على تداعيات آثار «الموت البطيئ» لعيسى وبجواره رفعت رفيق دربه في ممرات الذّاكرة والوطن المستَلَب في (غرفة [وحيدة] ترى النّيل). فرفعت وحده دون غيره مَنْ كان يعني له هذا الموت شيئا.
3-1: لن يغدو الموت هاهنا- بوصفه سردية بديلة تنتجها رواية القمحاوي- قَدَراً مقدورا على كل الأحياء والكائنات فحسب، بل يُمسي سرديةً كونيّة كبرى(41) يتم رصد مراسمها الجنائزية وتحليل مشاهدها المؤسية الشّجية في آن وفصولها التراجيدية الكوميدية المتتابعة عبر صور قريبة جدّا ومفصّلة نستقبلها من خلال ذاكرة عدد من الرواة والشخصيات.
 في مركز الرؤية السردية «عيسى» بمحمولات اسمه الدينية والرمزية وبآلامه النبيلة التي تلمّح نبالتها في رهافة بالغة إلى «آلام المسيح»، لكنّ عيسى مسيح أرضي قادم من قرية «العش» التي ولد بها وخرجت منها جنازته دون أن يترك ما يدل على أنه كان موجودا هنا، ورغم ذلك فقد كان محمّلا بأحلام وهواجس لم تنته بموته، وإلى جواره «رفعت» كأنه أحد حوارييّ عيسى المسيح أينما حلّ أو ارتحل، رفعت المريض بالسكر والضغط والذي اعتبر الكتابة بديلا للإنجاب بينما هو لا يملك في واقع الأمر أكثر من راتبه التقاعدي وليس له مَنْ يرثه. وعلى المحيط من دائرةٍ يقيم في مركزها عيسى ورفعت تكون «روز» زوجة عيسى التي لا تكترث إلا بنفسها منذ كانت زميلة لهم في الكلية، إذ تربّت على الدَّلال الأرستقراطي مذ كانت طفلة صغيرة جميلة على يد زوج جدّتها «شكري»، ولم يكن زواجها من عيسى إلا مجرد حيلة بعد أن فشلت في البحث عن مثيل «شكري» الذي عشقت كل شيء فيه، بدءاً من ملمس يده الناعمة التي اعتادت أن تسرح في شعرها وجسدها حتى رائحة جلده المدبوغ برائحة التبغ المنعس. وهناك أيضا «سوسن» الطبيبة المجرية الجميلة التي كانت تأتي عيسى في أحلامه بالغرفة وتتبادل معه رسائل الغرام، و«نبيهة» الممرضة أصل الثدييات كما أسماها عيسى، ورئيس التحرير أو «أبو جهل» كما كان يطلق عليه عيسى ورفعت. باختصار: الجميع تحتويهم- أو تحتوي حكاياتهم- غرفة واحدة ترى النيل في إحدى المستشفيات الخاصة بمدينة القاهرة.
 عندئذ، لن ُيختزل الموت الحاضر في هذه الرواية والمحدود بجغرافيا مكانية ضيّقة- تبدأ وتنتهي عند «غرفة»- في عذابات الإنسان الجسدية أو السيكولوجية أو الأخلاقية أو الاجتماعية فحسب، وما كان له أن يُختزل، بل سوف ينفتح المقام السردي وتتّسع الرؤية بمحمولات إنسانية وعاطفية نبيلة تتجاوز الفعل المؤقّت والزّائل لإنسان يدخل تجربة الموت وآخر يرافقه لحظة بلحظة إلى «الأثَر» السّرمدي والدّيمومي في نفوس محبّيه ورفاقه بعد أن يغادر دنيا الحياة، لتصبح موضوعة الموت أو كتابة الموت كما تصوّرها الرواية تمثيلا رمزيا لوضعية الاعتلال الجمعي الذي يطال الجميع، باستثناء عيسى وحده من بين كل هؤلاء. فعيسى فحسب هو مَنْ لا يزال يحتفظ في داخله حتى وهو على فراش الموت بقدر من النَّبالة السّاخرة أو السخرية النبيلة التي تعينه على مواجهة قسوة العالم وضراوة تحوّلاته:
«أتمنّى الآن أن أصفها [المسخرة] في رواية تكون عونا للضعفاء أمثالي ممن لا يمتلكون القدرة على الفعل، قدرة تحديد ساعة ومكان موتهم طالما لا يملكون دفعه،…لذّة الألم» (ص:7).
 هذا الموت الدّاهم ما فتئ ينفرد بعيسى وأبناء جيله، من حيث هم تمثيل ثقافي للكاتب عزت القمحاوي وأبناء جيله أيضا، وراح يحصدهم حصدا واحدا وراء الآخر: («سلامة» مات فجأة، «جميل» مات بالكبد، «شوقي» أخذته غيبوبة سكر، «رؤوف» لقي عزرائيل في أمريكا في حادث سيارة). «فالدُّفعة صارت مطلوبة» على حدّ قول عيسى. أما عيسى ورفعت فقد كانا آخر من تبقَّى من «جبهة الصمود»، حيث يواجه عيسى بنبالته وسخريته المرّة/اللذيذة وطأة الموت، بطريقة تشبه سخرية إحدى شخصيات نجيب محفوظ الشهيرة صاحبة الكلمة «طظ» القريبة من كلمة عيسى التي تتردّد على لسانه دائما: «مسخرة». هكذا، يتصدّى عيسى للموت، بوصفه الوحش القادم لا محالة لالتهام الإنسان والمكان والزمان كأنّه وحش مدينة «كولون» أوديب سوفوكليس حتى تصل اللعبة «البيكيتّية» في عبثيتها المطّردة إلى منتهى غير محدود أبدا بمجرّد غرفة وحيدة في مستشفى.
يتبع بقية الموضوع على موقع المجلة (الالكتروني)

4-1: يغلّف طعم الموت هذه الرواية من مبدئها إلى منتهاها كأننا بصدد مرثيّة للموت النبيل في زمن مصري وعربي يضرب بجذوره في حقبة الستينيات الناصرية على سبيل التلميح لا التصريح، ثم يقفز هذا الزمن الروائي سريعا فوق ثلاثة عقود تالية متخمة بالاضطراب والفوضى وتأرجح المجتمع المصري بين الدينية والدنيوية. وهنا يصبح الموت سردية بديلة للسردية الناصرية التي سادت في حقبة الستينيات. ومع الإشارات العارضة إلى هذا الزمن المرجعي المتواري خلف هيمنة حدث «الموت» الجَلَل، ثمّة تأكيد على أننا لا نزال نحيا منذ ما يزيد عن أربعين سنة في زمن يفتقر إلى النّبالة أو أيّ من قيم الفروسية والإقدام فتغوص بنا شخصيات الرواية في منحدر آسن تنضح كائناته ونماذجه البشرية بصفات الجبن والخداع والإحجام الذي وصفه قديما أبو تمّام بقوله: «هذا زمان القرود فاخضع/ وكن لهم سامعا مطيعا». إن مرثية الموت التي ينشدها رفعت الشخصية- أو «عزّت» المؤلّف الحقيقي- تعلن عن نفسها منذ الجملة الاستهلالية المقتبسة من كتاب «الخروج إلى النهار»: «انهض إنك لستَ بميّت»، يليها الجملة الأولى على لسان عيسى الشخصية:
«ليس في الإدراك أي نُبْل. وقد عشتُ مدركا لكل شيء دون أن أفعل شيئا. والآن حتى وأنا أعرف أنّي أموت لا أستطيع أن أستلّ سكينا وأغمده في موضع الألم فأخرسه إلى الأبد. هذه مسخرة» (ص: 7).
 هكذا، تتكوّن الرواية من ثلاثة وعشرين مشهدا سرديا يُفتتح كل واحد منها بمقطع سردي متدفّق قياسا إلى خفّة المقطع الحواري الذي يليه، وهو مقطع متفاوت الطول من فاصل إلى آخر ومكتوب بخط مائل ينهض بمهمة السرد فيه واحدة من الشخصيات ذات الصلة الوثيقة بعيسى بؤرة الرواية التي يدور الجميع في فلكها: (عيسى وهو على فراش الموت يستسلم للذة الألم في الغرفة 805 الشبيهة بغرفة أمل دنقل كما صوّرها في ديوانه «أوراق الغرفة 8)، رفعت يصاحب المشهد الجنائزي لمراسم دفن عيسى حتى المقبرة، صوت «أبو جهل» أو رئيس تحرير الجريدة التي كان عيسى يعمل بها، الرّاوي الخارجي أو المؤلّف المضمر يكلّم رفعت ويشكّك عيسى في جدوى الكتابة في زمن البلطجة، رفعت وتفاقم إحساسه بالمرارة بعد رحيل كل أصدقائه ومشاعر الوحشة تلتهمه و«الكتابة ما عادت تجلب السلوى في واقع لم يدرّبوا خيالهم على مجاراته، عيسى في غرفة الموت التي تخصّه وحده وهو يدرك مدى عبثية الوجود، رفعت يتحدّث عن عاداته حين كان في السجن، رفعت وسخريته من الموت وإدراكه المتأخّر نهاية اللعبة بالنسبة لعيسى وله أيضا بالتبعيّة، روز وكيف تربّت على الأَثَرة وراحت تلعب بعقول الرجال وتدغدغ خيالهم الذكوري بجسدها الغضّ قبل أن تمسي امرأة منعزلة ذات ثدي وحيد شاهدٍ على أزمنة ولّت، رفعت ووصفه مشهد غُسل عيسى على سبيل الحلم بينما هو إلى جوار سريره بالمستشفى، روز ومدى توتّر علاقتها بعيسى الذي كان دائم الهروب منها وهما في الفراش فكان يتركها «حتى يجفّ حمض الرغبة مخلفا طعم العطش المالح في رحمها الذي كان ينكمش كالزهرة المستحيّة» كأنه ينتقم منها ومما فعلته به وبأصدقائه، عيسى وقد قرّر أن يكتب رواية يحكي فيها ما سوف يحدث بعد الموت، عاملا المشرحة ثابت وفؤاد وهما ينقلان جثّة عيسى يشبهان مَلَكَي الموت «رقيب» و«عتيد»، حلم عيسى بسوسن في سريره بالمستشفى وحلم رفعت بهما، رسائل سوسن إلى عيسى، رفعت حين كان في إسبانيا، عيسى وسميرا محبوبته القديمة، الراوي الخارجي يتحدّث عن تبوير جزيرة الذهب على النيل وعلاقتها بموضوعة الموت، رفعت يحكي عن الكتابة ويفكّر في البرزخ وحياة ما بعد الموت، عيسى وأمله في مواصلة الحياة وتسجيل التجربة كلها في رواية لم تكتب من قبل، سوسن كأنها تدخل في صراع مع ذاتها وتراهن على بقاء عيسى حيّا من أجلها، صوت الطبيب أحمد الذي يعالج عيسى ويُدلي بشهادته عن زمن المستشفيات الاستثمارية، عيسى وهو يعاني غيبوبة الموت فيرى روحه وهي تصعد إلى السماء وتنفصل تاركةً جسده الأرضي ملقى على السرير تغسله سوسن ورفعت، وفجأة تأتي سميرا (باهتة الحضور والملامح؟!) رغم فتور شخصيتها وتسطيحها قياسا بفاعلية وعمق شخصية سوسن لتصاحب عيسى في حياة أخرى ولو سبيل الحلم أو المجاز).
5-1
ولأن ثيمة الرواية الرئيسية هي «الموت» يحضر «الجسد» بثقله وطاقاته وتداعياته المادية والروحية، فالجسد «خرقة» (ص: 8، 127)، و«أمانة»(ص 64)، و«جسد عيسى شبه الطائر يكتشف ألفة هذه الغرفة المحتقرة» (ص: 8) التي سوف تنطلق منها الروح محلّقةً في الفضاء اللامتناهي بعيدا عن قيود الجسد الأرضي المكبَّل بيوميّات محبطة. وليس أدلّ على حضور الجسد من مشهد تفصيلي يصف مراحل الغُسْل وتنظيف أطراف الميّت عضوا فعضوا (ص: 63 –64)، ومراحل وضعه في ثلاجة المشرحة على يد عاملين يحيل اسماهما «ثابت» و«فؤاد» إلى انفطار القلب مهما كان ثباته وإيمانه إزاء مشهد تجمّد الجسد الإنساني وتحوّل (أو تبخّر) كل هذه الطاقة الخلاّقة مخلفةً محض جثة لا روح فيه (77- 78)، فهذا الجسد المسجّى أمام عيني رفعت لا يمتّ بصلة لذلك الذي كان لعيسى على مدى أربعين عاما(ص: 82). إن الخلاص من ثقل الجسد وتحوّل الروح إلى طائر مرفرف يغرس موضوعة الموت كما تطرحها الرواية في بعض التصورات الصوفية حتى ولو على سبيل الإشارة العابرة التي تأتي على لسان عيسى. فالموت عند المتصوّفة ليس تحوّلا يصيب الكائن الحيّ وينقله من مدار الوجود المطلق إلى مدار العَدَم أو السّديم، بل هو محض انتقال من مرتبة إلى مرتبة، من شكل من أشكال الحياة، مؤقّت، إلى حياة أخرى، سرمدية. الموت عندهم «عَتَبَة» (فالمادة لا تفْنَى ولا تُستحدَث من عَدَم)، على الرغم من أن تصور رفعت للحياة والموت تصور نقيض، دنيوي:
«كلهم يمضون ويتركونك مثقلا بذكرياتِ ما عشتم معا ذات يوم. هو غير مبالٍ. اليوم موجود وغدا غير موجود» (ص: 33).
 هكذا تشتغل رواية عزت القمحاوي «غرفة ترى النّيل» على فكرة «الأثَر» الذي يتركه «الموتى» في نفوس الأحياء تماما كذلك الذي تُخْلفه «الكتابة» حين تعيد تشكيل الواقع من منظور فنّي يتجاوز المتعيّن من الوقائع والأحداث، في الوقت نفسه الذي لا تنفصل الكتابة جذريا عن أرض الواقع كما لا ينفصل الموتى الرَّاحلون عن عالم الأحياء المنتظرين. وليس ثمّة وسيلة لدى الكتّاب حينئذ إلا «اللغة»، واللغة فحسب، من أجل إنتاج سردياتهم البديلة.

2- سردية «القاع»:
1-2
في عالم يخلط بين الفنّانين واللصوص والمجانين، بين الواعين بتسرُّب الزمن من أيديهم، والمخدَّرين بفعل الواقع المعيش، بين المقيمين في مجتمع ينتقل من البداوة إلى الحضارة هو منشأة جمال عبد الناصر بحلوان أو الوافدين إليه من قري ونجوع وصحراوات ممتدة ومترامية، بين كل هؤلاء وأولئك، تأسرنا رواية حمدي أبو جليل «لصوص متقاعدون»(42) في سلاسة لافتة، وكأن راويها يمارس معنا ما سبق أن فعله الواقع بشخصياته المتخيلة (أبو جمال وزوجه وأولاده، جمال وحنان، وسيف وندي، وصلاح وناهد، وعامر وزنوبة، والوافدون عليهم، الأستاذ رمضان، والراوي، والشيخ حسن، وعادل، والدكتورة الممرضة المشهورة كما يسميها الراوي..)، كل ذلك في عالم لم نألفه روائيا لفرط واقعيته ولالتصاقه الشديد بحياة المهمَّشين، أقصد إلى الطبقة الدنيا من العلاقات بين البشر، اللصوص، المحتالين، متعاطي المخدرات وبائعيها، النسوة المومسات والرجال المخنَّثين، العلاقات الاجتماعية المتفسِّخة، والروابط والأرحام المقطَّعة، أناس عاديين تماما وعارين تماما من كل زخرف، مهمَّشين بلا روح ولا طموح ولا طعم ولا غد أو أمل في التغيير، كأنهم يحاكوننا فيما نعيشه الآن، أو نحاكيهم نحن فيما يعيشونه هم في هذا الزمن الحرج(43).
 في عالم بهذه الملامح، تصبح صورة الواقع المتدنّي شديدة الوطء والإلحاح علي ذاكرة مستقبلي هذه الرواية وقرّائها، لأننا جميعا مطالبون بإعادة نسج تصوراتنا عن «الواقع» أو «الواقعي» أو «الواقعية» بتصورات الراوي والشخصيات عن العالم نفسه، واستئصال كل ما من شأنه أن يزين أو يزخرف دلالة كلمة «الواقع» بكل ما تثيره هذه الكلمة في فضاء الرواية من معانٍ ودلالات حول الجنس، والمخدّرات، وعالم اللصوصية، والقتل، والسلب، والتفكك الاجتماعي، وهيمنة قيم المادة. وما علينا في عالم كهذا إلا أن نبدأ بوضع تصوراتنا عن «الواقع» موضع التأمل والمساءلة والشك(44).
2-2
 تمثل عائلة أبي جمال مالك البيت رقم 63 الذي يسكنه الراوي مركز الرواية الذي تدور في فلكه أحداثها، كلهم ذوو صلة بعلاقات جنسية واضحة، وكلهم يدور في فلك «الرغبة» التي قد تحملها الأنثى أو المخدّر، أو رغبة السلب أو القتل. لكنّ أكثرهم غواية بفعل «الرغبة» هو «سيف»، نموذج لممثل متمرّد وعاشق للشهرة، مطرب وحلاق وشاعر، ومؤمن إيمانًا لا يهتز بسلطة «الرغبة الجنسية»، مُخَنَّث عند الحاجة، رغم تناقضه الذي يجمع بين تباهيه بفحولته واهتمامه الشديد بتزجيج حواجبه ووضع المساحيق علي كل تفصيلة من تفصيلات وجهه حين يخرج لاصطياد زبائنه. حتى مَن يفدون إلي بيت أبي جمال ينالهم سهم الرغبة ذاتها: الأستاذ رمضان يعشق زنّوبة زوجة عامر ويتمنّى النوم معها، الشيخ حسن رجل مطرود من بلدته لأنه ضاجع «حماته»، الممرضة المشهورة تحترف البغاء في بيت أبي جمال وبالاتفاق معه، الراوي يري في الجنس متعة فردية سرية، رغم كونه عاشقا قديما لإناث الحمير التي كان يضاجعها، فضلا عن نجاحه أخيرا في الإيقاع بكل من زنوبة وسيف معا،.. إلخ.
 لا تنفصل بحال هذه الرغبة الجنسية التي تشتعل في نفوس الشخصيات عن الرغبة في تعاطي المخدر أو الحشيش أو الأفيون، من حيث هي جميعا علامات علي رغبة دفينة في انفصال الذوات عن عالمها المعيش، لأنها ذوات ترزح تحت ثقل عالم منحلّ، متهتك القيم، غائم المستقبل،. فبيت أبي جمال أشبه بوكر للحشَّاشين وراغبي اللذة والمتعة المؤقتة، يقوده «جمال» الابن الأكبر، من حيث هو ممثل لسلطة هذه الرغبة، بكل ما يستدعيه اسمه من دلالات وعلامات نصية أيضا تتضمنها الرواية (انظر مثلا: ص)، تحيل كلها إلي السردية الناصرية التي كانت ترغب دائما في أن تكون مركزا وحيدا لعالم يدور في فلكها.
 تتصل هذه الرغبة الملحة علي الشخصيات بوجهيها (الجنس والمخدّر) بعالم ذي حبكة بوليسية، يمتلئ باللصوص المحترفين، المراوغين، حتى إن الراوي نفسه:
«دائما ما كان يفكر بأنه يمكن أن يكون لصًا محترفًا» (ص).
وهو نفسه من سينصب الشرك المتقن للتخلص من عامر، ومن أجل الخلاص من الخوف الذي دفعه إلي تحصين شقته ضد اللصوص بالأسلاك المكهربة. فلم يكن سوى الموت البديل الوحيد المطروح أمامه لمواجهة لصوص غير متقاعدين أبدا، بل احترفوا ممارسة السلب والسطو، الموت من حيث هو غاية ووسيلة في آن، وكأنه كان دائما يمارس مع عامر محض لعبة، تماما مثل ممارسته لعبة الكتابة الروائية التي كان يجيدها..
 مثل هذا الخليط من الجنون والأخلاق، الخشونة والجمال، الامتهان والتدنّي السلوكي، اللغو والثرثرة، التفلسف والشاعرية، كلها أشبه بالحياة التي نعيشها- كما كان يقول باختين عن رابليه- في عدم انتظامها في خطة ما، وفي كونها مليئة بالمفاجآت، يساعدها في ذلك حبكة بوليسية مراوغة أحيانا، وازدواج راويها ذي القناعين، يلبس أحدهما حين يحدّثنا عن الآخرين، ويرتدي الآخر حين يسرد ويصف لنا شؤونه وخوفه المميت الذي يسعى إلى بثّه بداخلنا قرب نهاية الرواية عند تخلّصه من عامر، رغبة منه في كسب تعاطفنا معه الذي يناله لا محالة ليتركنا معلقين بخيط سرّي في فراغ تدوي في جنباته صدى جملته الدالة: «البلهاء يمكن أن يفسدوا العالم دون أن نغضب» (ص10).
3-2
 في عالم روائي شبيه بالقاع، تتردد المفارقة والسخرية والتهكم، فالراوي نفسه يمثل مرتكزا لمفارقة، وشعوره تجاه أبي جمال شعور متناقض يجمع بين الكراهية والشفقة، بل والرغبة في التخلص منه أحيانا ضمانا لأمنه وتحرره من أطياف خوف دائم من اتّحادهم عليه، الأمر الذي كان السبب المباشر في مغادرته النجوع التي لفظته بحثا عن موطن آمن يقطع ترحاله واغترابه الدائمين. غير أن هذه المفارقة تطال وجها آخر، يتصل بسرد الراوي عن أبيه الذي كان يعمل خفيرا نظاميا، ويري في نفسه تاجرا جـديرا بالتجارة، وسرد أمه عن أبيه وتلخيصها حياة أبيه في جملتين دالتين:
– «كان دائما يرفع يده من على الكسبانة ويضعها على الخسرانة». (ص22)
– «كان طيبا». (ص23)
سوف تتصاعد هذه المفارقة بين الأصوات والرؤى لتبلغ حدّ التهكم والسخرية، وربما الكوميديا، فسيف حين يدخل مستشفي المجانين يتخيل الراوي وضعه وكأنه المريض الوحيد، وبجواره عدد من المختلّين عقليا يقومون بدور هيئة الأطباء: دكتور، ممرض، وثالث يدوّن الملاحظات:
«- الاسم؟
– سيف.
ويدوّن الاسم بعناية شديدة في دفتر، ويقول:
-»سيف يعني حسام… اسمك إيه؟!» (ص28).
حتى الأستاذ رمضان لم يفلت من سخرية الراوي وتهكّمه اللاذع، فهو شاعر مناسبات، كما يصفه الراوي، يكتب عن جميع المناسبات، عن القضية الفلسطينية، وعن الشعب العراقي، وعن مصرع ديانا، حتى «النعجة دولّلي» (ص43).
4-2
 المفارقة والسخرية والتهكّم، إذن، علامات تدعم ما أسميناه بـ«الواقعية المفرطة»، أو «سردية القاع»، التي قد تصل إلى حدّ المحاكاة الساخرة لما نعيشه من ابتذال وتدنٍّ وتفكّك، على مستويات كافة، نفسية، واقتصادية، واجتماعية. ولعل أول ما يميز راوي هذه الرواية- فضلا عن أنه يميز استراتيجية المفارقة التي تخلقها وتنبني عليها الرواية- هو كونه راويا يحب الكُره، ويحترمه، ولا يتحرّج من إعلان ذلك (ص)، وهو راوٍ يتعامل مع الحكاية بمنطق الحكي الشفاهي، الذي يتوجه به إلى جمهوره، ويتحدث إليه دائما من خلال هذه المواضعة، فيقدم حكايته بلغة تقترب كثيرا من عامية الحياة اليومية دون زخرف. إنه راوٍ يعي قواعد اللعبة السردية جيدا، لكنه، في حقيقة الأمر، راوٍ غير جدير بثقتنا، ومن حقنا أن نشكّ في أمره، لأنه يكذب علينا في غير موضع، والغريب أنه يبوح لنا بكذبه في مواضع أخرى، غير أنه يحمِّل سرده نكهة ساخرة وكوميدية تجعلنا نقع في أسره، نحب حديثه، ونستمتع بحكاياته، وننسى- أو نتناسى- بلاغته الكاذبة. ودليل ذلك أنه راوٍ ينطق الكلمة أو الجملة، ثم يتراجع عنها، فيعيد صياغتها، وهو يحدثنا، ليشركنا في صنع حكايته أو نسج روايته، فيبدو الأمر كله وكأنه محض لعبة بين طرفين يعرفان قواعد اللعبة جيدا(45).
 هكذا، تصوغ رواية حمدي أبو جليل رؤية شديدة الالتصاق بالواقع المصري والعربي المعيش، وهي رؤية تستعين ببعض المقولات(46) التي أفرزت ما أسميناه «سردية القاع» التي تستدعي المهمَّشين واللصوص وأبناء الظل، ومن حيث هي سردية بديلة لسردية المركز التي تستدعي بدورها هي الأخرى المثقفين المستنيرين، أصحاب الأحلام الكبرى والآمال العظيمة.
3- سردية الأب/ تفكيك الأب:
1-3
 من يقرأ رواية نورا أمين «الوفاة الثانية لرجل الساعات»(47)يتذكَّر بعض الجمل التي وردت علي ألسنة شخصياتها السابقة، وبخاصة في مجموعتها القصصية «حالات التعاطف»، حيث كانت تقول الراوية هناك:
»نعم.. أنا المرأة الفتَّاكة التي ساقها إليكم قدركم التعس، حتى تقضَّ مضاجعكم..». (ص 19).
 وثمة جمل أخري كثيرة دالّة تتناثر في فضاء نصوصها السابقة، تؤكِّد كلها وتضرب في الوقت نفسه علي تصدير هذا الإحساس إلى القارئ: التحرّر، المواجهة، التمرد علي سلطة الأب البطريركية، تعرية الذات، كشف الأمراض، الرغبة في التطهر والاستشفاء، الكتابة من أجل التحرّر والتحقّق،..إلخ. وهذا الرأي نفسه قالت به تقريباً ألفت الرّوبي في مقالٍ لها عن كتابة نورا أمين بعنوان «حالات التعاطف وكتابة التحرّر»، وقد أعيد نشر المقال ضمن كتابها الأخير «بلاغة التوصيل وتأسيس النوع»، حيث تقول فيه:
«نورا أمين واحدة من هؤلاء الكاتبات الشابات الواعدات، فهي تكتب وفي داخلها قناعة أنها تصون الحرية التي تمنحها لها الكتابة فلا تلوّثها بالخوف أو الإخفاء، إنها تتحرّر بالكتابة وتتحقق وتحيا بها (…) وأثارت أكثر من سؤال حول الكتابة والمرأة، الكتابة والتحرر، الكتابة والوعي بالذات، الكتابة والترف»(48).
 في مثل هذا السياق، وفي فضاء نصّي مشابه يدعم مركزية التحرّر والتطهّر والاستشفاء والمواجهة، وتقاطع الذاتي والمتخيل، يمكن للباحث قراءة رواية (الوفاة الثانية لرجل الساعات). وأول ما يقف عنده القارئ هو مجازية عنوان الرواية: فهل ثمة وفاة ثانية للمرء بعد وفاته الأولى؟ ومَنْ يا تُري «رجل الساعات»؟ وهل هي الساعات بمعنى الزمن الذي نشعر مع مروره بقرب شيخوختنا ودنوّ الأجل، أم الآلة التي تجعلنا علي معرفةٍ بالزمن والمواقيت؟
 سوف ينسحب هذا العنوان المجازي- والمجاز أحد استراتيجيات كتابة الحداثة وما بعدها، حيث اللعب باللغة والاستعارات والصور والأزمنة واللعب بالوعي أيضاً: وعي الراوي والشخصيات والقارئ- على عناوين الفصول الداخلية الأربعة: «ساعات»، «ودقائق»، «وثواني»، «خارج الزمن»، وكأنه يمكن قراءة هذه العناوين الأربعة المنفصلة قراءة تضفرها في جملة واحدة تكمل جملة العنوان، فيصبح عنوان الرواية «الوفاة الثانية لرجل الساعات» دالاً موازيا لدال آخر لا يقل مركزية عنه في هذا النص هو: «ساعاتٍ وثوانٍ ودقائق خارج الزمن». إنه المجاز أيضاً. فهل ثمة ساعات ودقائق وثوانٍ خارج الزمن؟ هل هناك زمن خارج الزمن الطبيعي؟ وهل هناك وعي خارج الوعي الذي يحمله كل منا بداخله؟ إنه المجاز الذي يستطيع اختزال العالم والشخصيات والأشياء، إنه اكتناز الحياة وتقطيرها من شوائب الموت بكل هواجسه وإلحاحاته، حيث الرغبة الدائمة في التحرّر وهدم المراكز كافة، وتفتيت الأطر والأنساق جميعها.
 تفتتح الرواية بنصّ غير مُعَنْوَن، يوجّه القارئ نحو الأبعاد الواقعية لهذه الرواية، فثمة أبعاد ذاتية كثيرة بدءًا من بعض الأسماء التي تصل الراوية المتخيَّلة بالمؤلِّفة الحقيقية، حيث تلتقي الراوية «نرنر» أو «نورا» في إحدى المكتبات بذلك الحلاّق المجاور لبيتهم، والذي كان يذكّرها باحتفاظه بمناشف أبيها عبّود (أو عبد المتعال أمين، كما سنعرف في نهاية الرواية) وحقيبته البلاستيكية الزرقاء التي لم تكن تفارقه حتى لحظة وفاته بسبب القرحة، وبفعل النيكوتين الذي كان يبتلعه من سجائره الأجنبية، وكأنه يمكن القفز فوق فصول الرواية الأربعة وبلوع النهاية في المشهد قبل الأخير، حيث تقول الراوية:
«الآن تعافيتُ تماماً وأصبحت قادرة علي استخدام اللغة بمهارة، وعلى التقاط كل ما ترسله إلى الحواس والذاكرة. لم أعد أشعر نحو تلك الحياة الماضية سوى بالحياد. ولم تعد صورة أبي تثير في نفسي حباً ولا كراهية (…) لكني حتى هذه اللحظة لا أستطيع أن أدرك ما إذا كان يحبني أم لا، ما إذا كنت قد أحببتُه أم لم أكن على علاقة به من الأساس» (ص: 178).
ثم تقول في المشهد الأخير:
«انطوى الحلم إلى الأبد وانطوت الحياة التي سبقته ولم نتمكن فيها من التعرف كلٌّ على الآخر. بقيت حقيقة وحيدة وبيولوجية، حقيقة لم أفطن إليها رغم بساطتها وكونها من البديهيات حتى فُرضت علي بطريقة جهنمية.(…) طَوَّقتُ صدري بذراعي واعتصرته. ضحكت كمن تعافى للتو من مرض طويل منهِك، وهمست في أذنه: «بحبك». (ص 182)
 هكذا، تصبح الرواية رواية بين قوسين، أو هي رواية إطار، يحيل بدؤها إلي منتهاها، ويحيل عجُزُها إلي الصدر منها، بحيث تتخذ من فعل السرد فعلاً للتطهير والاستشفاء، بعد أن بلغت ذات الراوية «نرنر» والمؤلفة الضمنية أو المضمرة (والحقيقية أيضا «نورا») حقيقة كون الموت فعلاً حتميا من الناحية البيولوجية لا محالة من مراوغته ومواجهته في آن، وهو- رغم ذلك- فعل يعادل فعل الحياة عند الذات/الراوية، فضلاً عن كونه غير قابل للمحو أو الإرجاء أو التأجيل إذا استخدمنا مفردات جاك دريدا. تقول الراوية:
»الآن منحني هو من موته حريتي. منحني باباً أخرج منه إلى الحياة. أريده الآن أن يعرف أنني أريد أن أقول له بطريقة غير قابلة للمحو: إنني أحبه» (ص183).
2-3
 تنبني الرواية علي أربعة فصول يستأثر كل منها بمدخل بعينه يضيء جانباً من جوانب وقائع وفاة الأب عبّود «رجل الساعات». ويمثل الفصل الأول وحده («ساعات») يوماً أو بعض يوم في حياة عبود، ذلك الرجل ذو الطقوس الخاصة، فلكل ساعة في حياته طقسها الذي تنفرد به. ففي «العاشرة دوماً» من مساء كل خميس تلتقي العائلة أو إمبراطورية العين (عماد، عصام، عبود، عفاف، عايدة، عبلة، عزة) في بيت الأخ الأكبر (عماد). لكنَّ السرد يقدم الحكاية من منظور عبود، وعلي لسان الراوية ابنته «نرنر». فـ»مَنْ يرى» في هذا الفصل- إذا استعرنا مصطلحات جيرار چينيت- هو عبّود الشخصية المحورية في فضاء الرواية، و«مَنْ يتكلَّم» هو الراوي أو الراوية. وقبل العاشرة بثلاث ساعات يستعد الأب عبود- إذا ما تمثّلنا وجهة نظر الراوية- لممارسة طقوسه من نظافة وعطور وأناقة وخلفية موسيقية، حيث يذهب في كامل أبّهته. فالسرد يبدأ من «الآن» (حيث الإخوة والأخوات ببيت الأخ الأكبر في العاشرة تماماً من مساء كل خميس) ويغوص في الماضوي العميق والبعيد حيث ماضي الأب والأعمام.
و«في السادسة يحدث أن..»- وهو عنوان المشهد الثاني من الفصل الأول- تكون طقوس عبود الصباحية، ذلك الرجل الذي عايش بكامل وعيه حقبة الانفتاح السبعيني، وعرف أنه لابد من ممارسة اللعبة حسب قوانينها السبعينية، ولكنه كان متردّدًا:
«انطلق الرجل في حلمه الذي لم يكن مدرَّباً عليه البتة لكن نشوة الحرية واتخاذ القرار والتوغل في آليات السوق وخرائط المباني الهندسية لم يشعروه بأي قلق من المستقبل، صار على درجة من الحماس للعمل لم يشعر بها من قبل» (ص25).
ثم يصفه الراوي قائلاً:
«وهكذا أيضاً خرج عبود من المولد الانفتاحي بلا حمّص وتعلم بالتجربة الحِكَم التي تردّدها العائلة، وبدأ يدرّب نفسه على وصد الأبواب والجلوس لأطول فترات ممكنة» (ص 26-27).
أما «الرابعة فهي موعد المعركة» أو طقوس عبود البيتية، وهنا يتعين حضور المروي له، ويتردد ضمير المخاطب، ويصبح السرد لعبة بين الراوية والمروي لهم أو عليهم- أو المروي لهن أو عليهن، بما أننا في فضاء سردي تقود مركبته أنثى: راوية وشخصية ومؤلفة ضمنية أو مضمرة- تبدأ طقوس عبود منذ إطلاقه كلمة «سعيدة» في فضاء بيته الصامت. (لاحظ حضور ضمير المخاطب):
«عبود يصدح في دورة المياه بلحن رومانتيكي قديم بلا كلمات. هدير المياه في صنبور الحوضين الكبير والصغير وفي صندوق مياه المرحاض، ينبغي أن يجعلك تتعقل قبل أن تراهن على ما يفعله الرجل تحديداً بالداخل، غير أنك إذا كنت على قدر كبير من عشق المخاطرة فيمكنك أن تدهش الجميع وتراهن على أنه يغسل يديه ويتبول ويستحم في ذات اللحظة، وعلى أن هذا اللحن يصدر من هذه المواضع جميعاً بتوزيع ثلاثي دقيق يتناسب ودرجة رنين المعدن في كل منها» (ص33).
 لعل سرد الراوية طقوس أبيها عبّود داخل البيت، ورصدها التفصيلي لحركاته وسكناته يمثل نوعاً من أنواع النوستالچيا التي تحيل إلى ماضٍ أثير، فضلاً عن أن استمرار هذه المتابعة بحسّ تسجيلي من الرابعة حتى السادسة، ومع صمت عبود داخل فضاء الرواية، وهيمنة صوت الراوية على السرد، يعكس هيمنة الراوية على العالم، حتى وإن كان العالم متخيلا، وكأنها تستعيض بهذا المتخيل عن عالم قديم بطريركي كان الأب فيه مركزاً له وبؤرة للحديث والمعرفة.
 هكذا، تسعى الراوية بدأب إلى نقض بطريركية الأسرة الملكية التي تربّت على تقاليدها، كما تصبو في الوقت ذاته إلى إشعال رغبتها في إرساء طقس كرنالي لامركزي، بديلاً عن المركز الأبوي، الذكوري، المتسلِّط.
ومع «الثانية عشرة الرسمية» تكتمل الطقوس بذهاب رجل الساعات إلى العمل في كامل أبّهته:
«في تعامد الشمس وقت خروجه متعة لا يدركها غيره، فرجل مثله لا يستطيع أن يطرح نفسه للعيان إلا وقد سُلِّطَتْ جميع الأنوار احتفاء بظهوره، حينئذ فقط يسمح لنفسه بمنحهم بعض السرور، يتبدّى أمامهم فيشعرون كأنه متجه إلى حفل استقبال ملكي» (ص42).
يذهب إلى مكتبه بإحدى شركات القطاع الخاص بعد بلوغه سنّ المعاش، وبعد تبدّل أحواله إبّان الهزّة الاجتماعية التي خلَّفها مدّ الانفتاح السبعيني الجارف.
أما في «العاشرة صباحاً المرغمة» فتكون نهاية رجل الساعات عبود، ونهاية طقوسه الأثيرة، حتى وهو مُشْرِف على الموت نجده مُقْبِلا في الوقت نفسه على الحياة ومزاولة طقوس أخري جديدة.
وفي الوقت الذي يمثّل الفصل الثاني (ودقائق) سرداً لموت الأب، رجل الساعات، من منظور الراوية والابنة نورا أو «نرنر»، وكيف كان وقع موت الأب عليها وعلى سلوكها بعد ذلك، يعدّ الفصل الثالث (وثواني) تجسيداً سردياً ووصفياً محكماً لتغيرات الزمن التي انعكست علي رجل الساعات في حقبة السبعينيات الشرسة والمتمردة، حيث الرغبة في الصعود الطبقي وتجاوز السلم الاجتماعي في حالة أشبه بحركة سباق الفئران Rate Race. وهنا، يصبح التغير الدائم في العربات التي كان يستقلّها الأب في كل حقبة موازياً لتغيرات مجتمعية متلاحقة: من السيارة الرمسيس وردية اللون إلى الأوبل بزرقة السماء والبحر، إلي الفيات 132 البرتقالية، إلى البيجو 504 الأتوماتيك البيضاء، إلى المرسيدس السماوية. تغير وتحول، صعود وهبوط اجتماعي، مدّ وجزر طبقي. إن تأكيد هذه الرواية علي اضطراب حقبة السبعينيات هو تأكيد علي تحولات زمنية تضرب بجذورها في صُلّب المجتمع المصري، حتى في أغاني الكاسيت من «حُلُم» أو عبد الحليم حافظ إلى أغاني الإيقاع اللاهث والضجيج الذي لا تميز فيه صوتاً عن آخر، أو هو تحول من جمالية الهدوء والفواصل والطرب إلي جمالية النشاز والضجيج واللهاث، فكل شيء أصبح قابلا للتغير، البيع والشراء، حتى تجاوزه الزمن دون أن يفقد رجل الساعات ذاكرته حتى عند موته:
»لم يفقد أبي ذاكرته في تلك الليلة. لكنه فقد قدرته على المحاولة» (ص131).
وأخيراً، تُختتم الرواية بفصل «خارج الزمن» وكأنه نصّ المصالحة مع الأب، رجل الساعات بعد رحيله، والبحث عن علامات تشابه بين الابنة وأبيها، إذ تُختتم الرواية بمقاطع تتمثل الحالة الجنائزية، حيث الجمل القصيرة المتتابعة، وفي سطور قصيرة متتابعة أيضا، تسرد وتصف في آنٍ لحظة انفصال الأب، جسداً وروحاً، عن العالم الأرضي المدنَّس:
«رأيتُ الرجل لثوانٍ قليلة وأنا مفتوحة العينين لكني مازلتُ لا أستطيع أن أمنحه اسماً. ربما أشعر بحاجة إلى البكاء. لا أعرف بالضبط. ولا أعرف ما الذي خرج في تلك الشهقة. أشعر أن قلبي قد تزحزح من مكانه بعض الشيء لكنّ صدري كله منقبض. أعتقد أن تلك الصرخة كانت تدوي بكلمة لا. من يكون ذلك الرجل الذي يبدو أنني مرتبطة به ارتباطاً قديماً هكذا. إنني متألمة من أجله. ما اسمه يا ترى؟» (ص.ص139-140).
 هذه البداية التي تتخذ من سرد الموت فعلاً له طقوسه وترانيمه سوف تغوص بنا في فضاء أشبه بحلم، يخضع لمنطق الذاكرة والتداعي اللامتسلسل، بل فقط استسلام لمخزون الذاكرة الذي يحتشد بالوقائع والحكايات. فضلاً عن ذلك، فما قامت به عربات الأب، رجل الساعات، بوصفها تمثيلا لتحولات سردية الانفتاح السبعينية، تقوم به أيضاً ساعات الأب نفسه الذي سُمّي برجل الساعات نسبة إليها، من الساعة السويسرية المذهَّبة إلى الأورينت الفضّية إلى الرولكس ذات اللون الأزرق بلون البحر، إلى غيرها وغيرها، تحولات في السيارات والساعات وحتى الألوان، وكل ساعة منها تقف عند لحظة بعينها وكأنها شاهد عيان علي حقبة بأكملها كانت تمور بتغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية شتي في زمن مرجعي يبدأ من السبعينيات:
«عندما أغلقتُ الباب ورائي أدركتُ أن هذا بيت ممتلئ بالساعات وأن أبي كان بالتأكيد رجلاً دقيقاً ومواظباً على المواعيد، وإذا بحثنا له عن لقب مناسب سوف يكون هو (رجل الساعات) سواء تملكها هو أو تملكه هي، أو فشل الاثنان في إحراز المِلكية الحقيقية» (ص 168).
أما عن سبب كونها الوفاة الثانية، فتقول الراوية:
«يبدو أنني بكيتُ في الطريق إلى البيت أو كنت أبكي منذ فترة ما، لكني عندما دخلت حجرته للمرة الثانية كنت قد استرخيتُ تماماً. شعرت وكأنه قد مات قبل ذلك، وكأن هذه هي الوفاة الثانية له (…). كل ما يحدث حولي كان يبدو مكرَّراً وكل ما أفعله وكأنني انتويته منذ زمن» (ص ص 169-170).
 يمكن القول، إذن، إن رواية نورا أمين «الوفاة الثانية لرجل الساعات» تعلن بوضوح عن مغامرتها وجرأتها في تفكيك سردية الأب، لا من حيث هو حالة فردية في المجتمع المصري أو العربي، بل من حيث هو تمثيل ثقافي لحقبة السبعينيات التي سعت الرواية، والمؤلفة المضمرة من ورائها، والمؤلفة الفعلية قبل الجميع، إلى تفكيك سرديتها ونقض مقولاتها وتعرية هشاشتها، وما انطوت عليه من تناقض بين النظرية والتطبيق، الأمر الذي يبرّر لجوء الرواية إلى سرد التفصيلات اليومية للأب بطريقة تشبه ممارسة الطقوس والشعائر، لا من أجل التأريخ الشخصي أو الفردي له، وهذا افتراض محتمل لكنه يبدو لنا ضعيفا، بل سعيا وراء هاجس البحث عن سردية بديلة لكل ما أنتجه جيل الأب الانفتاحي من قيم ومقولات تجلّت في مظاهر كثيرة انطوت عليها الرواية(49).
4- مساءلة التاريخ/ تفكيك التاريخ:
1-4
 في رواية «متاهة مريم»(50) لمنصورة عزّ الدّين لن ينال القارئ إلا على قدر سعيه، لأنه نصّ قد شُيِّد على التمنّع لا التمتّع، المراوغة لا المباشرة، «الأثر» النيتشوي لا الفعل الأرسطي، الشيطنة لا النبوّة، المتاهة لا الصّراط المستقيم. هو، باختصار، نصّ ينبني على فكرة «اللعنة» المتوارَثة في أسرة التاجي («وإنّ عليك [عليكم] لعنتي إلى يوم الدّين»)، بدءا بالتاجي الأكبر نفسه، مرورا بزوجته الأولى: «صوفيا» (ابنة تاجر القماش الألباني، وأمّ يوسف التي كانت تجري وحدها وراء «حكمة» ما تطاردها وتعرف أنها ستصل إليها) وزوجته الثانية: «زينب» المرأة الساكنة التي لا تغادر موقعها في البيت منذ أن دخلته محمَّلةً بإرث عائلة عظيمة النفوذ فانبهرت بالتاجي وذابت شخصيتها في شخصه وأسلوب حياته، والابن «يوسف» التاجي أو «رجل الغموض»- كما كانت تسمّيه مريم- أو الصيدلي الأنيق، وزوجته «نرجس» (أمّ مريم) التي كانت تعشق ذاتها وتتعامل مع جسدها بتبتّل صوفي وقدسية متناهية، ومحبوبته «كوثر» النصف الآخر ليوسف ونقيض نرجس في تذمّرها وطلباتها التي لا تنتهي، ثم العمّ «صالح» والد نرجس المغرم بالجنازات، والخادمة «نور» خادمة صوفيا وكاتمة أسرار يوسف. وأخيرا أصدقاء مريم: «رضوى» زميلتها في الحجرة التي كانت تسكنها ببيت المغتربات، و«يحيى الجندي» الصحفي الذي أحبّته وتعلّقت به لكنه تركها في نهاية المطاف مع فتاة أخرى، و«إديث» صديقة الطفولة التي جذبت الولد الصغير الذي كان يغازل مريم أيام المراهقة لكنه هرب مع إديث فلم تستطع مريم مواجهة عم ملاك كأنها المسئولة عمّا حدث لابنته. وأخيرا «النمر» الرجل ذو الشراسة البادية والصوت الأجش مورّد الحشيش والأفيون ليوسف ذي الذراع المبتورة، أو هو باختصار صاحب التاريخ الموصوم بالدماء منذ علا مدّ هذه الأسرة التاجية. بل لعله يمكن القول إن تاريخ عائلة التاجي تتفجّر منه أنهار من الدماء منذ أن دهست عجلات عربة التاجي جسد أحد الخدم وكوّنت الدماء ما يشبه بحيرة دموية صغيرة لم تمّح آثارها لسنوات طويلة (ص:19). أما مريم ذاتها سرّة هذا العالم الروائي ومركز هذه الأسرة التاجية غير الناجية أبدا أو «المرأة الورطة»- كما وصفها يحيى ذات مرة- فتنال النصيب الأكبر من لعنة بيت الجدّ المسحور (الجنّة/الجحيم).
تبدأ «متاهة مريم»- وتنتهي أيضا- في مشاهدها التسعة القصيرة مع التاجي الجدّ صاحب السرايا التي تكتسب مع توالي الدفقات السردية صبغة غرائبية واضحة منذ أن أعلن الراوي كلّي المعرفة والوجود عن أن التاجي قد أقام سراياه (مملكته/ جنّته الأرضية)- ذات القباب والواجهات الرخامية والسراديب والدهاليز والقاعات الواسعة والشبابيك ذات الزجاج الملوّن والمحاطة بأسوار قصيرة يعلوها درابزين يحمل شجيرات ياسمين تحيط المكان كله بعبقٍ مدهشٍ كان السبب في موت التاجي- على أرضٍ تحتفظ بـ(ما) عليها من أشياء وجمادات ونباتات وحيوانات وطيور أطول فترة ممكنة وتسعى إلى أن تضفي عليها صفة البقاء والخلود. أما (مَنْ) فوقها من البشر فسرعان ما تصيبهم لعنات «المتاهة» والجنون والفناء كأنه قد كّتِبَ على قوم التاجي جميعا أو قوم ابنه يوسف «التّيه» في أرضه (جنّته وجحيمه) مثلما كان تيه بني إسرائيل قوم موسى. كان التاجي- ظلّ الربّ على الأرض- «لعنة تسير على قدمين» (ص: 33).
هكذا تخلق «متاهة مريم» فضاء إشاريا يحيل إلى منظومة من العلامات ذات الصبغة الدينينة (الإسلامية/ المسيحية)، علامات تبدأ ولا تنتهي بالأسماء (مريم، يوسف، يحيى، كوثر، صوفيا، صالح، زينب، نور، رضوى،…). وليست فكرة اللعنة أو الجنّة/ الجحيم، في هذا السياق، بعيدة بحال عن ما تنهض به «رمزيّة الطائر» (مَلَك في صورة هدهد، بوم لا يكفّ عن النعيق المتواصل متعطّش للدماء، بلابل وعصافير وطيور سرقت الحياة من مُلاّك المكان،…)، من إذكاء لدلالات الغرائبي وتفجير لطاقات ماوراء الطبيعي، حتى وإن كان هذا الغرائبي عنيفا يتّكئ على مرتكزات واقعية عميقة مصدرها أزمة وجودية تعانيها الذوات الروائية وسط عالم يبعث على الجنون.
2-4
 ينهض بمهمة السرد في مروية آل التاجي راوٍ كلّي المعرفة والوجود، لكنه راوٍ يأخذ منحيين متمايزين. يتمثّل أولهما في المقاطع التي تستهل مدوّنة التاجي وتتصدّر كل مشهد من مشاهد المروية التسعة بخط طباعي مميز يحكي عن إرث التاجي من منظور سردي متعالٍ يقوم بوظيفتين جماليتين وثقافيتين في آن: أولاهما توالد السرد من رحم الماضي الكامن في ذاكرة مريم واستعانة الراوي بلغة تعتمد الأفعال المبنية للمجهول (يُحكى أن، يُقال إن،..) كأنه ينسب فعل الحكي إلى آخرين مجهولين، الأمر الذي قد يحيل الرواية إلى ما يشبه مدوّنة تاريخية شفاهية. وثانيتهما: خلق عالم غرائبي مركزه سرايا التاجي بما تنطوي عليه- و بما تثيره في الوقت ذاته- من أحداث عجيبة تخلق عالما من الأشباح والمَرَدَة و«القُرَناء» الذين يتابعون الشخوص أينما حلّوا أو ارتحلوا. وهو أمر يذكّرنا بقصة «أرواح شرّيرة» لهنري جيمس الكاتب الأمريكي المعروف (1843-1916)، وهي قصة يطارد فيها شبحا «كوينت الخادم» و«الآنسة جيزيل الخادمة» الأخوين «فلورا» و«مايلز» اللذين يقضيان إحدى الاجازات مع خادمة البيت السيدة جروز في أحد المنازل النائية، وتدور الأحداث في جو بوليسي مثير (انظر ص: 67).
فـ«القرين» هو النمط الثقافي الاجتماعي الذي تشتغل عليه الرواية وتجعل منه محرّكا ودافعا للأحداث وخالقا أهم قيمها، أقصد مفهوم «الازدواج» الذي يغلّف الشخصيات ويجعل لكل منها وجهين: أصل وصورة، وعي ولاوعي، أنا وقرين. أما ثاني المنحيين اللذين يتخذهما راوي المدوّنة فهو اقترابه الشديد من الشخصيات في مواضع كثيرة لكنه في أغلب الأحوال يتبنّى وجهة نظر مريم التي يتطابق معها زمانا ومكانا وترتبط حركته بها وبـ«قرينتها» دون أن يعرّيها أمامنا تماما مثلما فعل مع باقي أفراد أسرة التاجي الملعونة، على الرغم من كون المتاهة هي متاهة مريم بصفة خاصة قبل أن تغدو متاهة الآخرين. ولعل ما يحدّد «هنا-الآن» في المروية ويفضّ هذا الإشكال بين الغرائبي (أو: الحلمي) والحقيقي (ما يحدث في حاضر الرواية حيث رحلة مريم للبحث عن حقيقة يحيى ورضوى بجوار بيت المغتربات أو شقة عابدين أو حركتها في شوارع المدينة أو وسط البلد) هو تتبّع تلك المقاطع التي يرد فيها ذكر علاقة مريم بيحيى ورضوى في فضاء المدينة التي جاءت إليها من قريتها لتقيم بأحد بيوت المغتربات (ص: 9-18، 65-66، 69-75).
3-4
يمثّل بيت التاجي، بالنسبة إلى مريم تحديدا، صورة البيت القديم (وهي صورة موجودة في مجموعة منصورة عز الدين السابقة «ضوء مهتزّ») أو هو المكان بامتياز الذي تشكَّلت فيه الذاكرة والوعي وتخلّقت فيه، وبه وحوله، الأحلام. وبعيدا عن هذا العالم يكون المنْفَى والاغتراب والقطيعة وفقدان الحميمية وبَتْر كل وشائج القربى. ومن هذه الزاوية ينهض بيت التاجي بما ينهض به مفهوم «الطلل- الأندلس» عند كتّاب المنْفَى مثلا. وربما لن نتمكن من فهم طبيعة هذا الامتياز الذي يمثّل المكان العربي في أصْفَى مجاليه دون التذكير بالطبيعة الفردية للأول والطبيعة الجمعية للثاني. فـ«الطلل» علاقة مربعة يمثل الإنسان ضلعها الأول والمكان نفسه ضلعها الثاني والزمن ضلعها الثالث والذّكرى ضلعها الرابع. أما «الأندلس» ففيها علامات التجربة الأولى ذات الخصوصية الجمعية التي تمثل الذاكرة التاريخية والوجودية لكل حاملي الثقافة ومٌنْتِجيها، حيث لحظة العيش في الأندلس تشبه الإقامة في التاريخ ولحظة الخروج منها تشبه نوعا من العيش في المنْفَى. هكذا كانت مملكة التاجي على أرض الواقع أندلس مريم وجحيمها. فـ(متاهة مريم) تنتمي إلى ذلك النوع من النصوص الذي يؤكد أن «هناك أماكن إقامة عدة في حياتنا تتخلّلها وتحتفظ بكنوز الأيام الخالية». لذلك، يصبح الحلم أو «سردية الحلم» وسيلة أثيرة لدى الذات الراوية والمرويّ عنها (مريم) من أجل فهم أعمق تناقضات هذا العالم والتنبّؤ أيضا- أو الحدس أحيانا- بما سوف يقع على هذه الأرض الملعونة التي تثير الغريب والعجيب والمفارق. فـ»الحالِم حاضر دوما في منامه الخاص» مثلما:
«تسير مريم في شوارع المدينة كالمنوَّمة لا تدري هل هي في عالم حقيقي أم لا؟ كل الأشياء صارت بعيدة عنها، موغلة في تنائيها لدرجة مرعبة. الأشخاص الذين كانوا جزءا من حياتها تحوّلوا إلى مجرد أشباح تزورها من آن لآخر ثم تغادرها فجأة تاركة إياها لدوّامات من الحيرة والجنون دون أدنى شفقة «(ص: 65).
 اللافت للنظر أن يصبح الحلم بنية دالّة من بين البنى التي ينهض عليها وعي مريم وأمها نرجس بالعالم. لكنّ أهم ما تجسّده أحلام مريم ونرجس هو «الانهمام»- بلغة ميشيل فوكو- بهذا الجسد الأنثوي إلى درجة تدنو به من القدسية (ص: 9، 43-45، 71، 82-83، 100) مع الحرص في الوقت ذاته على بقاء-ونقاء- «البتولة أو العذرية». من هنا، من مركزية «الجسد الجميل» بوصفه مادة للاشتهاء وبوصفه «سلطة» في الوقت ذاته، كان ثمة علاقة غريبة تتخلّق بين أفراد هذه العائلة التاجية في محيطها الضيّق (يوسف/نرجس/مريم)، إذ لم تتفوّه مريم مطلقا- مع اعتبار أن الراوي يتبنّى وجهة نظرها على مدار النصّ- بكلمة «أمي» أو»أبي» أو حتى «جدّي» أو «جدّتي»بل كانت تقول: الرجل الذي يُدعى يوسف والمرأة التي تُسمّى نرجس،.. وهكذا، بصيغ تنكيرية تعكس مدى توتّر وتأزّم العلاقة بين أفراد هذه الأسرة المجدبة (التي لم- ولن- تنجب أحدا بعد مريم) المتجّهة لا محالة نحو مزيد من التفكّك الأسري والتفسّخ الاجتماعي والانهيار الطبقي.
4-4
 أدركت نرجس أثناء حملها بمريم أنها مقبلة على تجربة جسدية مرعبة سوف تكون بداية لتحوّلات شتّى، فكانت تقف أمام المرآة تتحسّس بطنها وصدرها في فزع حتى إنها باتت تكره جسدها أكثر من أي وقت مضى، إذ كانت غير راغبة في أن تشهد المزيد من الدلائل والعلامات على خيانة جسدها لها وتهاويه وذبوله وتحوّله إلى ما يشبه «الجيفة البعيدة تماما عن الجسد الحبيب والمخيف الذي ألفته وتعايشت معه» (ص: 47). إنها الرغبة في خلود الجسد قبل خلود الروح ولو على حساب الابنة، الرغبة التي سوف تتحول مع نرجس إلى احتضان جسد يوسف التاجي، الجسد العاري الميّت الذي فارقته الحياة إلى الأبد راغبةً في استعادته ولو عن طريق ممارسة إيروسية قد توحي بمضاجعة الموتى (ص: 22). وأنّى يكون لها هذا؟!
 لذا، لم تحب نرجس مريم كما لم تحب مريم نرجس وجرّدتها حتى من صفة الأمومة فلم تنادها أبدا «أمّي». ليست هاجس «البتولة»– لدى مريم أو نرجس- زهدا سابقا للممارسة الجنسية فحسب:
«إنها اختيار ونمط عيش، وشكل سامٍ من أشكال الحياة يختاره البطل ضمن إطار اهتمامه بذاته. عندما ستفرّق الأحداث بين البطلين وتعرّضهما لأسوأ المخاطر سيكون الخطر الأكثر جسامة هو بالطبع التعرّض لاشتهاء الآخرين وحبّهما الجنسي، وسيكون أكبر دليل على قَدْرهما وحبّهما المتبادل هو المقاومة بأي ثمن وإنقاذ هذه البتولة الأساسية»(51).
ولعل هذا ما قد يفسّر هيمنة «القرين» على شخصيات المتاهة بصفة عامة، وتحديدا سعي ذلك القرين (أو: تلك القرينة) إلى التحكّم في سلوك مريم يوسف التاجي من حيث هي مركز هذا العالم الروائي والسليلة الوحيدة للأسرة التاجية التي أصابتها لعنة بيت التاجي الذي أصبح مأوى للأشباح. إنه من نوع القرين العاشق للآخر، والذي تتمثّل ذروة عشقه في «الحلول» في الجسد المرغوب كأنه يسعى إلى التوحّد مع هذا الجسد ولا يطيق العيش بعيدا عنه:
«هل أساءت [القرينة] تقدير القوة الروحية لمريم وبالتالي لم تقدر على إضعافها كل تلك السنوات أو خلخلة ثقتها بالعالم الذي تتحرك فيه؟ كانت تعرف أفكارها قبل أن ترد إلى ذهنها. كانت هي مريم ومريم هي…» (ص: 105- 106).
 لكنّ أحد نتاجات هذا «القرين» هو تأرجح الذات (مريم) بين الوعي واللاوعي، كأنها ذات منقسمة على نفسها، شيزوفرينية ربما (!)، أو هي ذات تفتقد مفهوم الهوية الشخصية، أي ذات تفتقر إلى مفهوم اضطراد الزمن وتتاليه وسط هذا العالم الغريب الموحش. من هنا كان «الجنون» واحدا من البدائل المطروحة بقوة أمام الشخصيات التي لم تستطع مواجهة قساوة العالم وضراوته التي بلغت حدّ الغرائبية المخيفة، فقررت اللجوء إلى منطق مغاير في الفهم والإدراك هو «الجنون» من حيث هو ابتكار الكلام الجديد (أو اللغة الجديدة) من أجل اختراق اللغة القائمة سلفا وكسر لعبة الدوال والمدلولات التي يقوم عليها فقه اللغة التقليدي والتماسّ مع الدوالّ وحدها بعيدا عن مرجعياتها الاجتماعية المتوارثة. وشخصية صوفيا في هذه الحالة أصدق مثال. لقد كانت مريم تبحث عمّن دفع الجميع إلى دوامة الجنون؟:
– «هل جُنَّت صوفيا فتبعتها كل الأشياء؟ أم أن الجنون هو الأصل وما عداه محض أوهام؟» (ص: 69).
– «عاشت صوفيا في جنونها هذا مدة ليست بالقصيرة تنتظر بزوغ الرجل من العدم…» (ص: 87).
5-4
ترتبط صورة الفردوس، في مخيلة الإنسان العربيّ، بصورة جنّات عدن التي رسمها القرآن الكريم باستفاضة، وهي صورة سردية أثيرة تنهض على مفردات الأشجار والخضرة والأنهار التي تجري من تحت الجنان، ثم تكتمل الصورة بالحور العين والغلمان وكؤوس الشراب التي ينهل أصحابها من أنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من عسل مصفَّى وأنهار من خمر لذَّة للشاربين،.. إلى آخر مفردات هذه الصورة التي تتعامل معها كتب التفاسير وقصص الأنبياء اعتمادا على مبدأ «الخيال المطلق». لكن رواية منصورة عز الدين الأخرى «وراء الفردوس» توازي بين صورة الجنة/الفردوس والبيت الريفي القديم، حيث العائلة التي تمثل تاريخا جمعيا للذات، العائلة التي قامت على كتفي شخصيتين اثنتين فحسب كانا بمثابة آدم وحواء هما: الجدّ والجدّة (عثمان، رحمة)، ومن سلالتهما خرجت باقي الشخصيات: رشيد، جابر، سميح، ثريا، بشرى، سلمى، جميلة، هشام،.. إلخ. لكن فكرة الجنة/الفردوس في عالم هذه الرواية لا تنفصل بحال عن فكرة اللعنة الأبدية التي تطارد العائلة ممثلة في فكرة «القرين» والقتل والدماء والغيرة التي تنطوي عليها الأنفس البشرية منذ قابيل وهابيل. لذلك، تبدأ الرواية بمشهد النهاية حيث تتخذ سلمى رشيد قرارا بحرق محتويات الأسرة الماثلة في ذلك الصندوق الخشبي الذي يحوي إرث الأب والجدّ من أشياء شخصية وأوراق غير مفهومة سواء من حيث اللغة أو الرموز والعلامات. هكذا، تسعى الرواية- من وجهة نظري- إلى تأكيد مقولة شهيرة كان الناقد والمفكر فريدريك جيمسون قد أطلقها منذ سنوات في كتابه «اللاوعي السياسي: السرد بوصفه فعلا اجتماعيا رمزيا» حين قال: «إن التاريخ مقولة سردية»، وهي جملة توازي ما قاله إدوارد سعيد في كتابه «الثقافة والإمبريالية»: «إن الأمم ذاتها سرديات ومرويّات». لذلك، يمكن أن نصف رواية «وراء الفردوس» بأنها سردية بحث عن الذات والهوية عبر تعرّف التاريخ الجمعي لأسرة عثمان وزوجته رحمة، تلك الأسرة التي لا تبتعد كثيرا عن أسرة التاجي في روايتها السابقة «متاهة مريم».
كما سبق أن أشرنا، فإن من يتابع كتابة منصورة عز الدين في كتابيها السابقين «ضوء مهتز»(52) و«متاهة مريم» ويصلهما بروايتها الأخيرة «وراء الفردوس»(53) يدرك أن هذه الرواية لا تزال تحفر حفرا عميقا مدهشا في المجرى السردي نفسه الذي سبق لها أن شيّدت أركانه وضفافه منذ كتابيها الأوّلين، الأمر الذي يدفع القارئ بشكل عام إلى التعامل مع نصوصها السردية الثلاثة باعتبارها نصا واحدا أو متنا كبيرا، ينهض على عدد من الدعامات التي يقع في القلب منها استقطاب ذاكرة القارئ ومخيّلته ودمجها بمهارة في ذاكرة الرواة والشخصيات، وبطريقة تثير بداخل كل قارئ منا – كما لو كان شخصية قصصية من ورق- جماعًا من الذكريات والمشاهد عن العالم الأول والبيت القديم، أو لنقل – باختصار- إنه الحنين إلى الطفولي أو «الجنّة الأولى» أو «الفردوس» الذي يسكن قاع مخيّلاتنا. هكذا، ينفتح فضاء الكتابة عند منصورة عز الدين، في كتبها الثلاثة (ضوء مهتز، ومتاهة مريم، ووراء الفردوس)، على عالم متشابك الرموز والدلالات حول الأحلام، واللاوعي، والبيت القديم/ الفردوس.
 وتشترك رواية «وراء الفردوس» مع نصوص منصورة السابقة في عدد من الثيمات، منها: فكرة القرين (سلمى وجميلة)، وجود شخصيات قبطية بمحمولات ثقافية مصرية، انطواء السرد على تيمة «السر المكنون»، تداخل الواقعي بالغرائبي والحلمي، الاحتفاء بالأسرة التي تنطوي على فكرة «اللعنة». كما تثير الرواية عدد من القضايا الاجتماعية التي ترصد تحولات المجتمع المصري منذ الأربعينيات حتى بداية التسعينينات، وتحديدا من خلال قضية تجريف الأرض الزراعية وبناء مصانع الطوب الأحمر، لتشكّل نصوصها سرديتها الخاصة بها وبأبناء جيلها، حيث تنشغل بالتاريخ الفردي للذات والأب والأم والعائلة والمكان والزمان والقرية والبيت،..إلخ، بديلا عن التاريخ الجمعي الذي يتصل بنشوء السرديات الكبرى للمجتمعات والدول والأقاليم.
6-4
 ثمة مفاهيم كثيرة اشتغلت عليها نصوص منصورة عز الدين، مثلها في ذلك مثل باقي النصوص التي أشارت إليها الدراسة سابقا، كمفهوم «العلامة» و«اللعب» و«الأثر» عند جاك ديريدا مثلا أو بعض الإشارات إلى «موت الإله» أو «العود الأبدي» عند نيتشه أو «الجنون» و«القرين» عند ميشيل فوكو، أو غير ذلك من مداخل ومفاهيم تنطوي عليها نصوص الكاتبة ونصوص جيلها(54). لكنّ ما هو أكثر أهمية- من وجهة نظر الباحث- أن كتابة منصورة غاصت في محليّتها الخاصة، المتصلة بتصورها الخاص جدا لعالم الريف، بعيدا عن محاكاة الآخرين من جيلها أو الأجيال السابقة.
 ولعله من الواضح حرص الكاتبة على إنتاج لغة قصصية مختلفة ومتميزة تشير بوضوح إلى تنامي «تيّار واقعي جديد» في الكتابة القصصية المصرية المعاصرة، أقصد إلى تيار يستعين بالطاقة القصوى للذاكرة الإنسانية، ويمتاح من رحم الغرائبية، وينهض على الاعتداد بقيمة الأحلام في تشكيل المعرفة الإنسانية، فضلا عن كونه تيارا يرتكن إلى نزوعات وجودية لها بعض الملامح عند كتَّاب سابقين على منصورة عز الدين أو مجايلين لها (مثل إبراهيم فرغلي، مصطفى ذكري، منتصر القفّاش، غادة الحلواني، حمدي أبو جليّل،.. وغيرهم). لكنها جميعا نصوص تؤكّد على تصاعد أزمة وجود- وكذلك أزمة هويّة- حقيقية لدى أبناء هذا الجيل من الكتّاب والكاتبات الذين راحوا بدأب يكتبون سردياتهم الخاصة التي هي سردية جديدة، سواء من حيث الشكل أو المضمون. لكن الأمر الأكثر دلالة في هذا السياق هو اعتناء نصوص منصورة عز الدين بمساءلة التاريخ الجمعي وتفكيكه عبر عدد من الوسائل والاستراتيجيات، يقف على قمتها تشييد تاريخ فردي للعائلة، كسردية بديلة للتاريخ الرسمي. وعبر هذه الآلية المزدوجة ما بين التفكيك والتشييد تتعرّف الذات هويتها وتعثر على نغمتها الخاصة في مجتمع يتسم بالتحولات المذهلة في كل شيء: التكنولوجيا والقيم والإنسان.
***
 للسرديات البديلة، إذن، عدد من الوظائف أو المهام أو التجليات التي تجسّدها بعض الكتابات أو النصوص التي تندرج تحت أفق هذه التسمية، بعضها أيديولوجي (رؤيوي) وبعضها فنّي (جمالي). وعلى رأس الوظائف الأيديولوجية تأتي المقاومة، ونبذ الهيمنة، وتعرية أوجه القمع، ومساءلة التاريخ الرسمي الانتقائي، والاعتداد بالثقافات المحلية، والهامشية، والاحتفاء بالأقليّات، والبحث عن بدائل للنزعات القومية والنعرات الوطنية المنفصلة عن قضايا البسطاء والمطحونين من شعوب العالم الثالث، وتقويض المركزية الأوروبية، الراغبة في عولمة العالم وطبعه بمَيْسَم السوق الكبير Hyper Market الذي سوف تطغى فيه وتتعاظم، بالضرورة، «قيم التبادل» التي تنظر للأشياء من منظار ما تساويه من مال، على حساب تضاؤل وتلاشي «قيم الاستعمال» التي تحترم الأشياء لذواتها وجواهرها، إذا استخدمنا مصطلحات جورج لوكاتش ولوسيان جولدمان المنبثقة من رؤية ماركسية للعالم والواقع.
 أما الوظائف أو التجليات الفنية لما نسمّيه «السرديات البديلة» فيأتي على رأسها نقض تراتبية الأنواع أو الأجناس الأدبية (غنائي/ درامي/ ملحمي، شعري/ نثري…)، والانتصار للشفاهي على حساب الكتابي، وضرب مقولة الواقعية في مقتل، ومقاومة مركزية الأب (البطريارك)، في مقابل الكشف عن مكامن الذات الفردية، وتفجير طاقات الحلم، واللاوعي، والجنون،.. إلخ. ولأنها سرديات بديلة، بمعنى أنها تنطوي في العمق منها على نقض السرديات الكبرى ومناوشتها وتنصيصها، ولو على سبيل المعارضة أو النقيضة، فإنها تتكئ أحيانا على بعض الميتافيزيقا، وتحتمي، في أحيان أخرى، بطاقة الأديان وروحانية التصوف، وحتى وجودية الوجوديين وعدمية العدميين. إنها سردية مراوغة، قد تتلوّن كالحرباء، لكن الباحث المدقّق يمكن له أن يلتقط لها بعض الصور من زوايا مختلفة، تسعفه في رسم معالم واضحة لنمط مغاير من السرديات التي يمتلئ بها واقعنا المعاصر، لا عبر النصوص الأدبية أو الفنية فحسب، كم حاولت هذه الدراسة أن تفعل، بل في محتوى الكلام اليومي الشفاهي أيضا، والصور، والإعلانات، والخطابات الرسمية، والشعارات المحلية والقومية وعبر القومية، واللافتات الدعائية، والنّكات التي تطلقها الشعوب على رموزها وحكّامها وعلى أنفسها أيضا، لا على سبيل السخرية (أو الباروديا) فحسب، بل على سبيل التقيّة أيضا.

الهوامش والإحالات:
* ناقد مصري وأكاديمي بجامعة نزوى، سلطنة عمان. وهذه الدراسة فصل من كتاب قيد النشر يحمل العنوان نفسه.
1- كاظم جهاد، من نقد الحداثة إلى ما بعد الحداثة، الكرمل، عدد 52، صيف 1993، ص180.
2- بارت، السرد والحياة، ضمن كتاب «طرائق تحليل السرد الأدبي»، منشورات اتحاد كتاب المغرب، سلسلة ملفات (1/1992)، ط1، الرباط، 1992، ص9.
3- Said, Reflection on Exile and other Essays, Harvard University Press, Cambridge, Massachusetts,2002, p. 43
4- آلن دوجلاس، المؤرخ والنص والناقد الأدبي، فصول، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عدد1، مجلد 4، 1983، ص 96.
5- ميشال بوتور، بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة: فريد أنطونيوس، منشورات عويدات، بيروت، ط3، 1986، ص 95.
6- نفسه، ص 96، 97.
7- يتفق جيمسون مع سعيد وليوتار في كون السرديات الكبرى لم تنتهِ بل توارت وانتقلت إلى حيّز السرية، فيما سمَّاه باسم «اللاوعي السياسي». انظر: تصدير جيمسون لكتاب جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثي، ترجمة: أحمد حسان، دار شرقيات، القاهرة، ط1، 1994، ص12. وانظر أيضا: إدوارد سعيد: تعقيبات على الاستشراق، ترجمة وتحرير: صبحي حديدي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 1996، ص 129.
8- Said, Reflection on Exile, p. 244
9- إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية: كمال أبو ديب، دار الآداب، بيروت، ط1، 1997، ص17.
10- المصدر السابق، ص17، 58.
11- راجع للباحث: سرديات المنفى: الرواية العربية بعد عام 1967، دار أزمنة للنشر، الأردن، ط1، 2006، ص ص: 28-30.
12- Nation and Narration, edited by Homi K. Bhabha, Routledge, London and New York, 1990, p.1
13- Nation and Narration, pp.3-4
14- في تفرقته بين المعرفة الحكائية والمعرفة العليمة، يشير ليوتار إلى أن الحكاية تعمل، بين أشياء أخرى، على الإحالة إلى ماضٍ سحيق، وتمدّ المتلقّين بمعرفة براجماتية تقوم عليها العُرِى الاجتماعية (ما ينبغي أن نقول حتى نُسمع، أن نُسمع حتى نتمكن من الكلام، وأن نفعل حتى نكون جديرين بتشكيل موضوع حكاية). فعبر وظيفتها الإيقاعية، وقذفها مستمعيها في الماضي السحيق، «تُسقط» الحكاية متلقّيها في «النسيان»، وتمنّ عليه به، وذلك بالتضاد مع المعرفة الحديثة المتمثلة قاعدتها الذهبية في «عدم النسيان»..». انظر: كاظم جهاد، من نقد الحداثة إلى ما بعد الحداثة، الكرمل، عدد 52، صيف 1993، ص 171.
15- Ernest Renan, What is the nation, within Nation and Narration, edited by Homi K. Bhabha, Routledge, p.11
16- Ernest Renan, What is the nation, p.18-19
17- Ernest Renan, What is the nation, p. 12-13
18- ماري تريز عبد المسيح، خطاب المابعد: مواجهة أم التقاء؟، قضايا فكرية، الكتاب 19-20، أكتوبر، 1999، ص256.
19- بندكت أندرسون: الجماعات المتخيلة، ترجمة محمد الشرقاوي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1999، ص 14.
20- بندكت أندرسون: الجماعات المتخيلة، 152. يعلّق أندرسون في موضع آخر من كتابه على أنه كثيرا ما اختلط الأمر على منظّري القوميات بصدد كون مصطلح Nationalism في اللغة الإنجليزية يعني «القومية» و»الوطنية» في الوقت ذاته (ص 13).
21- هولوكوست: مصطلح تم استخدامه لوصف الحملات الحكومية المنظمة من قبل حكومة ألمانيا النازية وبعض من حلفائها بغرض الاضطهاد والتصفية العرقية لليهود في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية. وكلمة هولوكوست مشتقة من الكلمة اليونانية التي تعني «الحرق الكامل للقرابين المقدّمة لخالق الكون». وفي القرن التاسع عشر تمّ استعمال الكلمة لوصف الكوارث أو المآسي العظيمة. وأول مرة استعملت فيها كلمة هولوكوست لوصف طريقة معاملة هتلر لليهود كانت في عام 1942. ولكن الكلمة لم تلق انتشاراً واسعا حتى الخمسينيات، ومع السبعينيات أصبحت كلمة هولوكوست تستعمل حصرياً لوصف حملات الإبادة الجماعية التي تعرض لها اليهود بالتحديد على يد السلطات الألمانية أثناء هيمنة الحزب النازي بقيادة أدولف هتلر. أما اليهود أنفسهم فكانوا يستعملون كلمة شواه () في الأربعينيات بدلا من هولوكوست، وهي كلمة مذكورة في التوراة وتعني الكارثة.
 يعتقد البعض أن الهولوكوست كانت من أكثر عمليات الإبادة الجماعية تنظيما وتطورا حيث كانت لدى السلطات النازية معلومات مفصلة عن الأسماء التي تم استهدافها بغرض التصفية. وجميع هذه المعتقلات كانت في بولندا. كان السجناء في هذه المعتقلات يرتدون شارة على شكل مثلث مقلوب بألوان مختلفة لتمييزهم من ناحية العرق وسبب اعتقالهم، وكانت الشارات مصنوعة من القماش ومثبتة على ملابس المعتقلين، ومن أمثلة على هذه الشارات: الشارة السوداء (للمتشردين ومن ترجع أصولهم إلى الهند وباكستان والغجر والنساء الذين تم اعتقالهم لأسباب أخلاقية أو لأسباب الشذوذ الجنسي)، الشارة الخضراء (للمجرمين)، الشارة الوردية (لمن وصفوا بالشاذين جنسيا من الذكور)، الشارة البنفسجية (لجماعة شهود يهوه)، الشارة الحمراء (للسجناء السياسيين والشيوعيين)، شارتان من اللون الأصفر (لليهود)، شارة من اللون الأصفر على شارة من اللون الأسود (للسجناء من العرق الآري أو الجماعات غير المرغوب فيها).
22- بندكت أندرسون: الجماعات المتخيلة، ص 205.
23- ج. م. بيرنشتاين: المرويات الكبرى، ضمن كتاب «الوجود والزمان والسرد: فلسفة بول ريكور»، ترجمة: سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 1999، ص149.
24- ج. م. بيرنشتاين: المرويات الكبرى، ضمن كتاب «الوجود والزمان والسرد…»، ص 131.
25- ج. م. بيرنشتاين: المرويات الكبرى، ضمن كتاب «الوجود والزمان والسرد…»، ص 139.
26- دون إهدة: النص والتأويلية الجديدة، ضمن كتاب «الوجود والزمان والسرد…»، ص154.
27- منى طلبة، قراءة لمفهوم «الحكاية عند ليوتار وريكور كمنظورين متقابلين لما بعد الحداثة، قضايا فكرية، الكتاب 19-20، أكتوبر، 1999، ص424.
28- نك كاي، ما بعد الحداثية والفنون الأدائية، ترجمة: نهاد صليحة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1999، ص24. وعلى الرغم من دقّة ترجمة نهاد صليحة، فإنها تستبدل بمصطلحي السرديات الكبرى والسرديات الصغرى مصطلحا القصة الكبيرة والقصة الصغيرة. والفارق بينهما كبير من حيث تجاوز السرديات- بهذا المعنى الذي طرحه كل من إدوارد سعيد وليوتار وجيمسون وريكور.. وغيرهم- حدود الأنواع الأدبية إلى فضاء المفاهيم الثقافية بتجلياتها المتعددة.
29- إدوارد سعيد: الثقافة والإمبريالية، ص 16-17. وانظر أيضا: كمال أبو ديب، إدوارد سعيد في الثقافة والهيمنة، نزوى، عدد 9، 1997، 9.
30- المصدر نفسه، الصفحة نفسها.
31- إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص 70-71.
32- صبحي حديدي، الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة، ماذا في الـ»ما بعد» من قبل ومن بعد؟، الكرمل، عدد 51، ريبع 1997، ص 56-57.
33- صبحي حديدي، الحديث، الحداثة، ما بعد الحداثة، ص 57-58.
34- جان فرانسوا ليوتار: الوضع ما بعد الحداثي، ص 24.
35- النوبيون، أو النوبة، قبائل كانت تسكن المنطقة الواقعة في شمال السودان وجنوب مصر. يتحدث أهل النوبة اللغة النوبية بالإضافة إلى القليل من اللغة العربية غير الجيدة والإنجليزية بالنسبة إلى الجيل القديم. أما الآن فيتحدث الجيل الحالى العربية بطلاقة جنبا إلى جنب لغات أخرى كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية بحكم اختلاطهم بالسائحين والزوار الأجانب. لقد كان قدماء المصريين يطلقون علي بلاد النوبة بلاد كوش Kush التي تمتدّ من جنوب أسوان حتي الخرطوم حيث يعيش شعب النوبة، وحيث قامت ممالك امتد نفوذها على ضفاف وادي النيل مرورا بمصر والأردن وفلسطين حتى جنوب تركيا شمالا. ويرجع تاريخ النوبة إلى العصر الحجري. ففي منطقة الخرطوم، وجدت آثار حجرية تنتسب إلى جنس أفريقي يختلف عن أي جنس أفريقي موجود حاليا. وفي منطقة الشخيناب شمال الخرطوم وجدت آثار ترجع إلى العصر الحجري الحديث من بينها الفخار والخزف.
36- الأرمن : شعب ينتمي إلى العرق الآري (الهند أوروبي)، ويعود وجودهم في أرض أرمينيا التاريخية أو الهضبة الأرمنية- أرض أرمينيا العظمى والصغرى، الممتدة في الأجزاء الوسطى والشرقية من آسيا الصغرى التي تقع حاليا في تركيا- إلى الألف الثالثة ق.م. ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 ق.م-425 ق.م) عن علاقات أرمينيا أن الأرمن كانوا ينقلون البضائع بالمراكب عبر نهر الفرات إلى بابل، حيث كانوا يبيعونها هناك. يوجد أيضا مجموعة من الأرمن في فلسطين، وهم مندمجون في اللغة والثقافة الفلسطينية وتفصيلات الحياة اليومية الفلسطينية. فهم إثنيا أرمنيون وقوميا فلسطينيون. وعددهم لا يتجاوز بضعة آلاف نسمة.
37- الأكراد: هم شعوب تعيش في بعض دول الشرق الأوسط وهي: إيران (جنوب غرب)، العراق (شمال شرق)، تركيا (الجنوب)، سوريا (أقلية صغيرة). ويطلق القوميون الأكراد مسمَّى جدليا- هو كردستان- على الأراضي التي يقطنونها حاليأ. وحسب ما ذكره محمد أمين زكي (1880- 1948) في كتابه «خلاصة تاريخ الكرد وكردستان»، يتألف الشعب الكردي من طبقتين: الأولى كانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ، ويطلق عليها «شعوب جبال زاكروس»، وهي- كما يراها محمد أمين زكي- الأصل القديم جداً للشعب الكردي. والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو- أوروبية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية، حيث امتزجوا معهم ليشكلوا معاً قوام الأمة الكردية. وقد ازداد هذا الجدل التاريخي، حول الأكراد، حدة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد التغيرات التي طرأت على واقع الأكراد في العراق عقب حرب الخليج الثانية. ومن ناحية علم الأنثروبولوجيا يرى العلماء أن الأكراد بغالبيتهم العظمى ينتمون إلى عنصر الأرمنويد. ويقول المؤرخ العراقي مصطفى جواد في كتابه «أصول التاريخ» إن من أهم الشخصيات الإسلامية الكردية الإمام عبد القادر الجيلاني المولود في قرية الجيل، وصلاح الدين الأيوبي المولود شمال تكريت، والإمام ابن تيمية المولود شمال سورية. يتكلّم الأكراد اللغة الكردية التي تنتمي إلى فرع من أفرع اللغات الإيرانية، وهي تنتمي بدورها إلى مجموعة اللغات الهندو أوروبية. وهناك بعض المصادر التاريخية التي ترجح أن الأكراد كانوا يتكلمون اللغة الحورية القديمة وذلك لتأثر اللغة الكردية بها من حيث التركيب اللغوي. أما الآن فمعظم الأكراد يتكلمون لغات الأقوام والشعوب المجاورة لهم مثل العربية والتركية والفارسية كلغة ثانية، دون التنازل عن لغتهم الأم.
38- «السفرديم»: هم اليهود الشرقيون الذين يختلفون في المذهب عن اليهود الغربيين أو «الأشكيناز»، والذين تعود أصولهم الأولى إلى يهود أيبيريا (إسبانيا والبرتغال) الذين طُردوا منها في القرن الخامس عشر، وتفرقوا قي شمال أفريقيا وآسيا الصغرى والشام، وكثير منهم كانوا من رعايا الدولة العثمانية في المناطق التي تخضع لسيطرتها، وكانت لهم لغة خاصة هي «لادينو»، وكانت لغةً مزيجا من اللاتينية وبعض الكلمات العبرية، ولكنهم تحدثوا لغات البلاد التي استوطنوها، كالعربية والتركية والإيطالية. وتعود كلمة سفارد () إلى إحدى مدن آسيا الصغرى، حيث فسَّرها العهد القديم ضمن بلاد الأندلس وأطلقت عليها من ذلك الحين.
39- راجع الفصول الثاني والثالث والرابع من كتاب حسين حمودة: الرواية والمدينة، نماذج من كتّاب الستينيات في مصر، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، سبتمبر 2000م.
40- عزت القمحاوي: غرفة ترى النيل، دار العين للنشر، القاهرة، 2005.
41- انظر للباحث: «في غرفة وحيدة ترى النيل: الموت كسرديّة كونية كبرى»، أخبار الأدب، العدد 614، 17 أبريل 2005.
42- حمدي أبوجليل: لصوص متقاعدون، دار ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2002.
43- في عالم يقترب من هذا العالم، يشيّد حمدي أبو جليل مبنى روايته التالية «الفاعل»، التي تحكي عن شاب تنتمي جذوره إلى البدو الذين كانوا رحّلا متنقلين واستقروا في أماكن محددة من بالمحافظات المصرية. يشتغل هذا الراوي/ الشخصية في أكثر من وظيفة، على رأسها «فاعل» في المعمار والبناء والهدم. لكنه راوٍ مفعم بالطموح ومشبع بالأمل لكتابة روايته الأولى، ومتأثر بسير الكتّاب العالميين. راوٍ ينطوي على تناقضات كثيرة وأحلام أكبر. انظر: حمدي أبو جليل: الفاعل، دار ميريت للنشر، القاهرة، 2008.
44- انظر للباحث: واقعية القاع: رغبات غير مؤجلة وسرد كاذب في «لصوص متقاعدون» لحمدي أبو جليل، أخبار الأدب، العدد 460، 5 مايو 2002.
45- راجع رواية: لصوص متقاعدون، ص ص: 46، 68، 90.
 46- من بين هذه المقولات، نذكر ما يلي:
– في عالم كعالمنا المعاصر، المختلّ، والمفكّك، يصبح الموت غاية ووسيلة للخلاص.
– الزمن دائري، فحياتنا مجموعة من المشاهد المتكررة.
– بداخل كل منا دائما نقيضان: ذكر وأنثى، رغبة وخوف، إقدام وإحجام.
– لذة الجنس، أو المخدّر، أو لذّة القتل أو السلب، ما هي إلا بدائل للموت، أو بدائل لحياة غائبة.
– نفوسنا دائما ملأى برغبات كامنة في القتل، أو السلب، أو التدنّي، لكنها «رغبات مؤجَّلة»، كأننا جميعا ممثلون مُجيدون أو «لصوص متقاعدون» إلى حين.
47- نورا أمين: الوفاة الثانية لرجل الساعات، الهيئة العامة لقصور الثقافة، سلسلة «أصوات أدبية»، عدد 287، مارس 2000.
48- ألفت الروبي: بلاغة التوصيل وتأسيس النوع، سلسة كتابات نقدية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، عدد 211، يوليو 2001، ص 294.
49- أسّست الرواية سرديتها عبر عدد كبير من المظاهر والتقنيات، نجملها فيما يلي:
– اقتراب الراوي، أو الراوية، من التطابق التام مع صورة المؤلف الضمني أو المضمر implied author، حيث تعلّق الراوية علي بعض الأحداث أو المشاهد أو الشخصيات، وبخاصة ما يتصل بحقبة الانفتاح، وعلاقتها بأبيها وأقاربها، الأمر الذي يدعم امتلاء هذه الرواية بأبعاد ذاتية تصل المتخيل بالواقعي.
– نتيجة لهذا التواصل بين المتخيل والحقيقي، يتردد في فضاء الرواية اللعب بالضمائر السردية ما بين غائب ومتكلِّم (مفرد وجمع)، وحتى ضمير المخاطب له حضور مميز، وكأن الراوية تنشد مروياً له يعترف لها بمصداق روايتها، وكأن ثمة عَقْداً ضمنيا – يكاد يشبه في بعض أوجهه عقد السيرة الذاتية- بينهما يدفع بالرواية إلى منطقة الاعترافات والبوح، دون خجل أو مواربة، وكشف مناطق الذات المعتمة.
– تضعنا الرواية في صلب كتابة نسوية تُعنى بقضايا المرأة من حيث هي ذات مغايرة جوهرياً للرجل، وتسعى إلى التحرّر والتطهر والاستشفاء، ومواجهة آلام الذات ومواطن انكساراتها، ورغبة الذات الساردة في جعل فعل الكتابة فعلاً للخلاص من وطأة القيم السلطوية جميعها.
– امتلاء الرواية بمقاطع كثيرة من أغانٍ وأمثال شعبية، ومقولات تتردد كثيراً في فضاء حياتنا إليومية. واللافت للنظر هو تحوّل الذائقة التي تكمن خلف هذه المقاطع الغنائية تحولاً موازياً لتحولات ارتباط الأب بأشيائه من سيارات وألوان وساعات تحيل كلها إلى كون حقبة السبعينيات حقبة كانت تمور بتقلّبات شتّى وحراك اجتماعي لا يسكُن.
– استعانة الكتابة بمنطق الحلم وسرد الذاكرة، وبخاصة في الفصل الأخير من الرواية الذي يمثل حالة من حالات استبطان الوعي لدي الراوية والابنة «نورا» أو «نرنر».
– الرغبة في كسر هيمنة السلطة الأبوية (البطريركية) وجعل الذات مركزاً للعالم، والرغبة أحياناً في قتل الأب ونفيه أو حتى محاولة تغييره، جنبا إلى جنب الحنين إليه بكل ما كان يمثّله من قيم عصرٍ وَلّى.
– بعض شخصيات الرواية شخصيات مسطّحة، بلا أبعاد نفسية أو اجتماعية ملموسة، الأمر الذي جعلها أشبه بشخصيات غامضة وورقية، على الرغم من اهتمام الرواية برصد سلوكاتها، وتفصيلات حياتها، وينسحب هذا الأمر بدرجة أو بأخرى على الشخصية المحورية: عبّود، رجل الساعات.
– تتحرك جميع الشخصيات في فلك عبّود، وكأنه مركز العالم، على العكس تماماً مما تطرحه الرواية حول هدم المركزية، والتبئير علي الذات.
– تتكرر الفكرة نفسها عن تحولات حقبة السبعينيات بطريقتين، مرة مع سيارات الأب عبود بألوانها وماركاتها المختلفة، ومرة أخري مع ساعاته المختلفة أيضاً، الأمر الذي لم يحبط توقع القارئ: (انظر الفصلين الثالث والرابع). أليس يكن ممكناً القول: «الوفاة الثانية لرجل السيارات؟».
– اللعب بدوال الزمن ومفرداته بطريقة واضحة ومتكررة، ويفهمها القارئ منذ الوهلة الأولى: (انظر فصل «ساعات» وكل مشهد منه ينتهي بجملة تستعين بدوال «الساعة» أو «الزمن» أو مرادفاتهما).
50- منصورة عز الدين: متاهة مريم، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2004.
51- ميشال فوكو: تاريخ الجنسانية- الانهمام بالذات، ترجمة: جورج أبي صالح، مراجعة: مطاع الصفدي، مركز الإنماء القومي، لبنان، 1992، ص 156. ويمكن مراجعة الفكرة ذاتها في مقال ميشيل فوكو: تاريخ الجنسانية: استخدام المتع، ترجمة: جورج أبي صالح، مجلة العرب والفكر العالمي، مركز الإنماء القومي، لبنان، العدد الثاني، ربيع 1988، ص ص: 79-84.
52- منصورة عز الدين: ضوء مهتز، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2001.
53- منصورة عز الدين: وراء الفردوس، درا العين للنشر، القاهرة، 2009.
54- انظر للباحث: «متاهة مريم لمنصورة عزّ الدين بين فوكو ونيتشه: تاريخ اللعنة والجنون»، أخبار الأدب، 16 يناير 2005.
ناقد وأكاديمي من مصر- جامعة نزوى، عُمان

شاهد أيضاً

اللصُّ الورديُّ

وأنتَ مشغولٌ في عالمِك الذي ينمو، مقتطعاً من رقعتنا كلَّ يوم مساحةً جديدةً، يرافقُني طيفُك …