أخبار عاجلة

سعيد العشماوي الجهل والتخلف من اسباب ظهور الجماعات الاسلامية المتطرفة

( اجرى اللقاء: ابراهيم الفرغلي كاتب من مصر مقيم في سلطنة عمان)
محمد سعيد العشماوي أحد الأصوات المستنيرة التي ارتفعت بقوة للدفاع عن الاسلام وتفنيد مزاعم جماعات الاسلام السياسي وفي جرأة يحسد عليها وباستخدام مناهج علمية، في وقت زاد فيه حجم النشاط الارهابي لهذه الجماعات وتصورت أنها بعمليات الاغتيال والقتل قادرة على اسكات أصوات المستنيرين أو ارهابهم ووصفهم بالكفر إلى آخر هذه الاساليب الفاشية التي طلعوا بها على المجتمعات الإسلامية مقررين أن ما يفعلونه هو جهاد باسم الله ولإعلاء شأن الدين.

ومن هنا تأتي أهمية أراء الدكتور سعيد العشماوي في هذا الصدد، إذ أنه متخصص في الشريعة ومتعمق في تاريخ الفلسفة

والفقه الاسلامي، وله مشروع متكامل من عدة نقاط يكفل تحقيق عملية تنوير للعقل العربي والإسلامي، لأجل تحقيق نهضة إنسانية وفكرية لصالح العقل العربي والمجتمعات العربية عموما.

وقد انتهزت "نزوى" فرصة تواجد الدكتور سعيد العشماوي بسلطنة عمان مؤخرا بدعوة من وزارة الاعلام للترحيب به واقامة حوار شامل حول جماعات الاسلام السياسي، والمؤشرات المستقبلية لحركتهم وعوا مل قوتهم ونقاط ضعفهم وامتداداتهم التاريخية الاصولية. وقد رأينا أن يبدأ الدكتور بتقديم ملخص لأساس مشروعه الفكري ومنهجه العلمي.. وقيما يلي نص الحوار:

أعتقد أن الفكر الإسلامي كان دائما في يد علماء الدين، ومر بمراحل نشاط واجتهادات ونتائج عقلية وجرأة متنامية. إلا أن ظهور الفكر التقليدي تدريجيا من خلال السلطة التي تكرس من يبرر وجودها غذى هذا الاتجاه، ومنها أفكار الغزالي وما تبعها من مراحل اغرقت في الظلامية والتقليدية. والذي يتربى على الفكر التقليدي لا يكون قادرا على التجديد.

والنهضة التي انتشرت في مصر خلال الثلاثينات والاربعينات كانت نهضة أدبية في الاساس، أي اعتمدت على القصيدة والمقال والقصة القصيرة والرواية والمسرحية دون وجود صيغ مستقلة لبحث الفكر الإسلامي. وكما قال لي الاستاذ توفيق الحكيم: "نحن جيل من المجتهدين نقلنا الحضارة إلى مصر لكن جيل العباقرة ينشأ منكم ".

وعلى مستواي الشخصي فاعتقد أنني حاولت أن اكون مفكرا انسانيا بشكل عام في البداية قبل أن اتخصص وأتحول إلى الاتجاه الإسلامي، بحيث أصبح مشروعي هو معالجة القضايا التي يطرحها الفكر الديني والإسلامي واعادة طرحها أو صياغتها بما يتناسب وظروف العصر الحديث.

وفي اعتقادي أن الجيل الذي سبقنا لم يفعل ذلك بالشكل الواجب، ربما لعدم تعمقه في العلوم الدينية وخوفه من الصدام مع المؤسسات التي يقال عنها أنها مؤسسات دينية.

واعتقد أن جيلنا قد حاول فك الصيغ المطروحة آنذاك والتي غلف الكثير منها في شكل أدبي للنفاذ الى أخرى تناقش الفكر الاسلامي وتعالج قضاياه.

وقد بدأت وضع بناء فكري خلال كتبي الثلاثة الأولى "رسالة الوجود" و" تاريخ الوجودية في الفكر البشري" وهو بالمناسبة كتاب مضاد للوجودية وناقد لها وتنبأ بسقوطها وليس كما يشاع من أنني كنت أروج لها. ثم كتاب "ضمير العصر".

منذ كتاب «حصاد العقل» بدأت اضع مشروعي لنقد الفكر العربي ممهدا لوضع أسس للفكر الإسلامي المعاصر، حيث بدأت كتاب أصول الشريعة، وبه أساس نظريتي عن الشريعة الإسلامية والفارق بين الدين والشريعة وبين الاخيرة والفقه في اطار تشوش المصطلحات وعدم دقتها السائد في الكتابات الإسلامية.

حدث هذا في إطار جيل كان يعمل كل في مجاله مستفيدا بالمناهج العلمية الحديثة، وقراءة التراث بوعي مع جرأة في الطرح والتناول سمحت بوضع أسس جديدة في تناول التراث الإسلامي لم تتح للأجيال التي سبقتنا.. أقول.. نحن جيل اجتهد وما يزال.. وأنا واحد منهم.

* ما هو تقييمك لحركة الاسلام السياسي من خلال قراءتك لظروفها التاريخية ومن خلال متابعك للاوضاع الواهنة في الواقع السياسي العربي وفي ضوء ظروف امتداد هذه الحركة بشكل خاص في كل من الجزائر ومصر؟

** تقييمي للحركة أنها ذات دائرتين:

الأولى: وهى الخاصة بأعضاء حركة الإسلام السياسي أنفسهم وأعتقد أنها ليست كبيرة وان كانت تتسع تدريجيا لأسباب متعددة.

أما الثانية: فهي تمثل باقي أفراد الشعب في البلاد العربية وهى أوسع من الأولى وأشمل وأفرادها ليسوا منظمين أو نشطين في جماعات الإسلام السياسي. لكنهم متعاطفون. وهذا التعاطف في يقيني يرجع بسبب أساسي إلى سياسة أجهزة الاعلام العربي المتبعة منذ الستينات، والتي اتاحت استغلاله من قبل جماعات الاسلام السياسي بسبب عدم فهم حكومات الدول الإسلامية لرسالة الاعلام، وبسبب تعميم هذه السياسات لدى هيئات ومؤسسات أخرى. فقد تسللوا إلى النشاطات التربوية من خلال المدارس ثم إلى الانشطة الوعظية في المساجد واختراقهم لجهات هامة مثل القضاء.

والمفارقة الاساسية هي أن هذه الجماعات التي لها أهداف سياسية في الاساس ليست لديها أية برامج اطلاقا.. لا سياسية ولا اقتصادية ولا اجتماعية ولا تربوية، وانما هي مجرد شعارات براقة ولها تأثير كبير خاصة لدى الشعوب العربية والإسلامية التي يعتبر الاسلام بها هو الركيزة الاساسية لثقافتها والمنطلق الحقيقي لتفكيرها.

فعندما يقال أن الحاكمية لله، لا يستطيع الفرد العادي أن يناقش هذا التعبير، خاصة مع عدم وجود اهتمام حقيقي بالتربية الدينية في المدارس وان وجدت فهي غير منهجية، بالإضافة إلى عدم وجود استراتيجية اعلامية وتثقيفية حقيقية في التليفزيون.

وقد أثر ذلك بطبيعة الحال على جيل كامل من الشباب العربي الذي استفلق ذهنه على بعض المعلومات التي يحصلها بالجامعة سواء كان طبيبا أو مهندسا أو محاسبا.. الخ، ثم يتزوج وتأخذه عجلة الحياة ويتوقف في تلقي معرفته الدينية من المتاح حوله، خاصة هذه الاجهزة الاعلامية، ويتلقفها بسلبية أي دون أن يحاول إعمال فكره فيها،وقطعا يصدر أو يلقن ذلك إلى أبنائه.. وهذا خطأ وليس هذا هو الاسلام الصحيح، إذ أن الواجب أن يبحث كل فرد بنفسه عن الحقيقة لأن المسؤولية في الاسلام فردية وليست جماعية.

وفي ضوء هذا الوضع فعندما تأتي احدى هذه الجماعات لتطلق شعارا مثل "الحاكمية لله "، ويجد الفرد العادي نفسه مخيرا بين أن يحكم بقانون نابليون أو بالشريعة الإسلامية وهو لا يعرف الفرق بينهما فانه قطعا سيختار الشريعة الإسلامية.

ولذلك فان هذه الجماعات تكفر الحكومات انطلاقا من الآية القرآنية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) صدق الله العظيم، باعتبار انها لا تحكم بما أمر الله. وفي مرحلة لاحقة تكفر المجتمع لأنه لا يثور على الحكومة الكافرة. وهنا يدفعون الى تغيير المنكر باليد انطلاقا من شعارات براقة لا يقدمون تفسيرا لها ويعتبرون ذلك جهادا.

فالواضح ان نزعة الاسلام السياسي هي نزعة سياسية تستخدم الدين لضرب المجتمعات وتقويض الحكومات وهدم فكرة الوطنية والمواطنة لدى الناس، باستغلال بريق الدين من خلال وضعه ضد الوطن، والاسلام ضد المواطنين، وشعارات براقة ضد الحكومات. وهذه مسائل لها تأثير كبير على نفوس المواطنين البسطاء. لذلك فان أفراد هذه الجماعات وان كان عددهم قليلا إلا أنهم يكتسبون التعاطف تدريجيا وتتسع دائرتهم باستمرار. ونظرا لأن أكثر الحكومات العربية لا تناقش المسألة من الناحية الفكرية ولا تحاول حل المذهب العسكري الموجود الأن في الاسلام، فالنشاط في ازدياد.

بل وتوجد بعض البلاد العربية التي تساعد التطرف ما لم يكن ضدها.. وهذه ازدواجية خطيرة من شأنها قطعا أن تعرض هذه الدول لأخطار التطرف.

* وماذا عن التدخل الغربي في المسألة ؟ بمعنى أنه بالنظر إلى النتائج السلبية للامتداد الأصول الان في العالم العربي، تطرح اسئلة كثيرة حول مدى استفادة الغرب من ذلك. فهل هناك مؤشرات لتدخل بعض الدول الغربية ذات المصلحة لمساعدة هذه الجماعات، وما هي رؤيتكم بالأساس في هذا الصدد؟

** بكل أسف ساعدت الدول الغربية تيار الاسلام السياسي. وعلى سبيل المثال تمت مساعدة الاخوان المسلمين منذ نشأتهم في مصر، وهذه مسألة أشير اليها كثيرا في كل الكتب التي أرخت لذلك وأهمها كتاب "الاخوان المسلمون " لريتشارد ميتشيل، وهو كان متعاطفا معهم فقد أثبت أن المخابرات الغربية كانت تساندهم. وقدم أدلة على حصول المرشد الأول للجماعة حسن البنا على تمويل من قبل قناة السويس التي كانت تسيطر عليها آنذاك الحكومة الفرنسية. كما أشار إلى أن أجهزة المخابرات ضغطت على القصر الملكي وحكومات الاقليات في مصر بقصد ضرب الحركة الوطنية، التي كانت تعرقل مصالحهم إذ أنهم كانوا يخشون ضرب قناة السويس من قبل الحركة الوطنية، والدعوة إلى الجلاء، وضرب المصالح البريطانية والاجنبية – وهى الامور التي نفذها الرئيس عبدالناصر لاحقا – فكانت أيسر وسيلة لضرب الوطن هو الدين وهو ما روج له حسن البنا بقوله: الاسلام وطن. فهو هنا ينفي فكرة الوطن.. ثم قال الاسلام دستور لضرب فكرة الدستور،كما رفع شعار الرسول زعيمنا لنفى زعامة الوفد آنذاك.. أي انها كلها شعارات كانت موضوعة لضرب الحركة الوطنية.

وفي مرحلة لاحقة تلقـفت المخابرات الأمريكية فكرة استغلال الدين لضرب الحركات الوطنية في الخارج،واستغلتها لضرب الماركسية في الداخل ثم في ضرب الحركات الوطنية واليسارية في أمريكا الجنوبية، قبل أن تنقل المسألة إلى الشرق الأوسط. والدليل على ذلك أن الرئيس السادات استخدم نفس الطريقة لضرب حركة اليسار وحركة المعارضة الناصرية فوجد تشجيعا من المخابرات الامريكية خاصة وان هذه الجماعات كانت تؤيد الانفان في حربهم ضد الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت.

وخلال الثمانينات بدأت الـ "CIA في امداد افراد الجماعات بحق الاقامة في الولايات المتحدة، كما خصصت أماكن بالجامعات الامريكية لتجمعهم، بالاضافة إلى انها رتبت في نفس الفترة مئة مؤتمر اسلامي.. وبهذه الطريقة عملت على تجميعهم وأوجدت شبكة اتصال كبيرة بينهم وجعلت منهم قوة كبيرة، على اعتقاد منها أنها سوف تستفيد من هذه القوة لضرب الماركسيين في حرب روسيا ضد افغانستان.

وقد تبين لهم بعد ذلك أن معظم أعضاء الجماعات لهم أهوال في بنوك أمريكا والتي أصدر مؤخرا قرار بتجميدها. كذلك اثبتت تقارير نشرت مؤخرا أن اسرائيل هي التي زرعت "حماس" بقصد ضرب منظمة التحرير الفلسطينية واعطتها غزة لكي تدعمها ماليا. فهم أوجدوا جنيا وفقدوا السيطرة عليه بعد ذلك.

فحسب المعلومات المتاحة، ان هذه الجماعات الاسلامية قدمت طلبات خلال مفاوضات مع المخابرات الامريكية عام 1988 لتسليمها الحكم في كافة البلاد العربية، والا فإنها ستشعل كافة آبار البترول.

وبدءا من ذلك العام انقلبت الجماعات الاسلامية ضد الغرب وتفجرت خلافات المصالح، بدأ الارهاب يوجه ضد الغرب باسم الاسلام، واصبحت صورة الاسلام في العالم صورة مزرية إذ أنه أصبح مرادفا للارهاب، والمسلم تعبيرا عن الارهابي.

* نرجع للتاريخ قليلا.. هناك في التاريخ الإسلامي عدة تيارات ومجموعة من الرؤى ومنها مثلا الرؤية العقلانية ممثلة في المعتزلة وغيرهم. وعلى جانب آخر هناك الرؤى المغلقة مثل الغزالي أو غيره. فهل تعتبر الجماعات الاسلامية الموجودة الان في ظل هذا الخطاب الظلامي والدموي امتدادا لأصولية تاريخية معينة من هذا القبيل ؟

** أريد أن أقول أن النشاط الذي وجد بين المعتزلة أو لدى ابن رشد في الاندلس وغيرهم كان يمثل اجتهادات علمية حقيقية، وكانت علوم الفقه منفتحة في التاريخ الإسلامي حتى القرن الرابع الهجري حين ضرب من خلال الأشاعرة، وأبي حامد الغزالي الذي ضرب الفلسفة والفكر باسمها. وشاعت فكرته عن السببية وأدخل العالم الإسلامي في ظلامية لعله لم يقصدها، لكن هذا ما حدث.

طبعا يوجد اصل عنيف في بداية الاسلام.. وهم الخوارج والذين بداوا فعالين نشطين ويفسرون أو يقتطعون آيات القرآن من سياقها ولا يربطونها بأسباب التنزيل، وروجوا لمقولة أن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ". وأصبح هذا هو المنهج الدارج في الإسلام.

وقد تم استغلال هذا المنهج فيما بعد، بقطع آيات القرآن من السياق ومن الظروف التاريخية التي تنزلت فيها وأسباب التنزيل. وأصبح من الممكن استخدام آيات القرآن كشعارات مثل "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ". فهذه الآية نزلت بشأن واقعة خاصة باليهود الذين احتكموا إلى الرسول (ص) في واقعة ارتكاب يهوديين لجريمة الزنا واخفيا عقوبة الزنا الموجودة في التوراة عن الرسول وادعيا ان العقوبة هي التجريس، أي ان يمر شخص بجرس في المدينة ليشيع أن الشخصين قد ارتكبا الزنا.

إلا أن عبدالله بن سلام وهو احد اليهود الذين اسلموا كان موجودا بجوار الرسول (ص) فنبهه إلى عقوبة الزنا وكان الرسول (ص) قد أدرك بفطرته وربما بالوحي ذلك فنزلت الآية:

(وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله.. ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون).

فالآية إذن مرتبطة وفقا لأسباب التنزيل وللظروف التاريخية بواقعة معينة، والحكم هنا لا يعني الحكم السياسي وانما يعني القضاء في الخصومات.

فهناك أصل للجما عات الاسلامية موجود منذ بداية التاريخ الاسلامي لكنه ينحسر ويرتفع بين آن وآخر وخاصة في العصور الظلامية.

وظهور الجماعات الإسلامية في العصر الحالي هو نتيجة لعدة أسباب، وظهوره في مصر بشكل خاص في سنة 1928 بدأ كدعوة إلى مكارم الاخلاق، لكن المنشأ الحقيقي للاخوان المسلمين كانت أهدافه سياسية، وهو ما أعطى الفرصة لتوجيهه من قبل بعض الساسة زعماء الاقليات أو المخابرات الغربية في ذلك الوقت.

والدين ملهم بقيمه وهو بالتالي يلهم السياسة وبالتالي يرفع منها، لأن السياسة بطبيعتها لها مسالك غير إنسانية أو غير أخلاقية. لكن عندما يستغل الدين لخدمة السياسة فاننا نحوله إلى ايديولوجيا.. وهو ما حدث بالفعل في العصر الحديث.

* هناك مقولات تشير الى أنه بجانب الفكر الدموي والمتخلف لهذه الجماعات فان وجود الوضعية التي خلقتها المؤسسات الحاكمة في بعض البلاد العربية ومنها غياب الديمقراطية والحريات وعدم التحديث الفعلي لمؤسسات الاقتصاد أدت إلى خلق جماعات من هذا النوع.. ما هي رؤيتكم في هذا الصدد؟

** بداية لابد من الاشارة الى أن ظهور هذه الجماعات في كل بلد عربي له أسبابه الداخلية الخاصة. وبشكل عام فان هذه الجماعات تريد السيطرة على الثروات في الدول الغنية والبترولية بشكل خاص، وأيسر وسيلة للسيطرة، هي الوصول للسلطة وبالتالي فهم بشكل اساسي يوجهون انتقاداتهم للسلطة ويزعمون ان الحكومات غير عادلة أو يكفرونها.

والواقع ان هذه الحكومات بالفعل لديها كثير من الاخطاء والمسألة في ظني ليست ديمقراطية فقط.. لأن الديمقراطية دون استنارة ستؤدي إلى اساءة استخدامها.. والدليل على ذلك ما حدث في الجزائر.. فلابد أولا من إحداث طفرة في أنظمة التعليم والاهتمام بالتربية الدينية، وأن يتم وضع استراتيجيات اعلامية حديثة لان الاعلام لم يعد مجرد تلهية، والاهتمام بوعاظ المساجد وتأهيلهم لدورهم لأنه دور مهم.

* بمناسبة الجزائر.. يرى بعض المفكرين أن دور الاحزاب السياسية الاسلامية في بعض الدول العربية يحقق بعض التوازن ويمتص غضب الجماهير ويبين في نفس الوقت مدى فعالية القائمين على هذه الاحزاب في قيامهم بدورهم.. فما هي رؤيك في هذا الصدد؟

** مجرد طرح السؤال يوجد اشكالية. لأننا عندما نقول أن هذا حزب اسلامي فان ذلك يعني بالضرورة أن الآخر غير اسلامي. وهذا بطبيعة الحال صوف يدعوهم للقول بانهم حزب الله وأن الاخرين حزب الشيطان.

وفي تقديري ان الحزب السياسي عندما ينشأ على اساس ديني فانه يقدم ايديولوجية سياسية ويفرغ عليها شكل الدين ويصبح كل ما يصدر عن هذا الحزب هو الدين، وبمجرد دخول حزب اسلامي الى الساحة السياسية تنشأ دكتاتورية فاشية باسم الدين فتضرب العمل السياسي نهائيا.

وهذا الكلام ليس نظريا. فقبل عام 1979 لم تكن لدينا أية نماذج ولكن بعد ذلك ظهر نموذج واقعي إثر انشاء الحكومة الاسلامية في ايران والتي مضى على ظهورها حتى الآن خمسة عشر عاما وهى فترة تكفي للحكم عليها.

فالحكومات الثيوقراطية والكهنوتية لا يمكن عزلها بسهولة. وعند اقامة حكومة ايديولوجية لا يمكن ازالتها بسهولة.

لا اقصد بذلك الحكومات الدينية أو العقيدية فقط، وانما حتى الحكومات التي قامت على مبدأ عرقي.. فهتلر جاء إلى حكم المانيا بطريق ديمقراطي ودخل الحكم فحوله إلى حزب نازي، وأعلن الحرب على العالم كله، وكانت النتيجة أنه هدم المانيا نهائيا. فلا الشعب الألماني استطاع إيقافه ولا العالم كله ولم يتوقف إلا بعد أن فقد السيطرة وقتل وعذب الملايين، وظلت آثار الحرب العالمية الثانية ممتدة وحتى توحيد المانيا في السنوات الاخيرة.

وقياسا على ذلك فان وصول أي حزب اسلامي أو جماعة اسلامية، في أي من الاقطاع العربية، الى السلطة سيعطل فرصة تمثيل العناصر الاخرى غير الاسلامية كالمسيحيين في مصر ودول الشام للحكم. لذلك انا أرى ان فكرة انشاء حزب ديني هي فكرة ضد الدين، كما أنها في حالة الاسلام تعزل باقي المسلمين عن الاسلام، وهو ما حدث عام 1937 في مصر عندما اعلنت جماعة الاخوان المسلمين انهم «جماعة الاخوان» أي انهم اخرجوا من الاسلام كل من خرج عن دائرتهم. وهو نوع من التكفير ظهر بقوة في الجماعات الأكثر دموية لاحقا، وهو ما سوف يحدث بصيغة أخرى أكبر وأضخم عند إنشاء حزب اسلامي.

* لننتقل الآن إلى جزئية أخرى لها بعدها التراثي. وهي تتعلق بالفلسفة العربية الاسلامية، وحجم دورها في مواجهة الاصولية. فهل علم الكلام والفقه كانا بديلين في نظركم عن الفلسفة عند الآخرين في الغرب مثلا، أم انها تمهيد نظري لظهور الفلسفة العربية الاسلامية يا وبمعنى آخر هل لدينا كعرب فلسفة أم أننا نستخدم فقط المناهج الغربية لتطبيقها على أوضاعنا المحلية المعاصرة، أم لدينا أيضا موروث فلسفي نزاوجه مع الفلسفة الغربية ؟

** لا.. الفلسفة نشأت في التاريخ الإسلامي بعيدا عن الفقه.. فالفقه وكما هو معروف نشأ في المدينة بعد وفاة الرسول (ص) بسبب ظهور مشكلات جديدة لم تحدث في عصر النبي، فبدأ الناس يتخصصون وبدأ نحل الاحاديث من هنا. إذ أن ابتداع أي شخص آنذاك لفكرة قانونية جديدة كان يعرضه للهجوم، فجاءت فكرة نسب كل قول حسن إلى الرسول (ص) وظهرت مقولات مثل «نكذب لهم ولا نكذب عليهم» أو «إذا أعجبنا الرأى سيرناه حديثا». وبدأ نحل احاديث تشريعية فقهية تنسب إلى النبي على مظنة أنه بذلك قد جعل التشريع من حق صاحب الحق في التشريع.

وهو ما يعني أن الفقه قد قام آنذاك لسد احتياجات العالم الإسلامي ومواجهة المشكلات المستحدثة من ناحية، ثم لكي يبرر السلطة الاموية من جهة اخري. ولذلك أنا أرى أنه تشابه كثيرا مع الفقه الروماني، إما لأنه وصل اليه مستقلا، أو لأنه في دمشق تأثر بالفقه الروماني الذي كان يحكم المنطقة قبل الاسلام مباشرة.

وهناك مشابهات كثيرة أوردتها تي كتابي "روح العدالة " بين الفقهين الإسلامي والروماني.

أما الفلسفة الاسلامية، فعندما نشأت كانت عبارة عن ترجمات للفلسفة الإغريقية، لأنه من المعلوم أن الإغريق هم الذين أنشأوا علم الفلسفة، كما أن مصر القديمة هي التي أوجدت الفكر الديني. فعندما ذهب الاغريق إلى مصر وتعلموا على ايدي الكهنة الذين كانوا يعطونهم الفكرة التي لها وجه واحد.. فكرة أولية دون ان يقدموا لهم اجابات شافية. أخذ الاغريق هذه الافكار الأولية وطرحوها للنقاش والجدل إلى أن نشأت المدارس الفلسفية على أيدي الجدليين الذين كانوا يقدمون اسئلة دون طرح اجابات، ومحاولة التشكيك. فظهر سقراط الذي قدم أسس الفلسفة التي بدأت تحل محل الأفكار الدينية.. مثل وجود الالوهية. الصلة بين الله والإنسان. و تتلمذ عليه افلاطون الذي قدم المحاورات في صورة لم يعرف أحد أن يفرق خلالها بين فكر سقراط وفكر افلاطون. ومن بعدهم ظهر ارسطو الذي وضع اسس علم المنطق ليكونوا جوهر وأساس علم الفلسفة.

وعندما اطلع المسلمون على هذه الحركة، وخاصة «ابن سينا» و«الفارابي» انبهروا لانهم تبينوا أن العقل وصل إلى ما وصل اليه النقل وتبينوا أن العقل بالتالي مقدس.

وهو ما يؤكد رأيي أنه بعد النبي (ص) انتقل الوحى إلى العقول.. فأصبح العقل البشري موحى له بالعلوم والأفكار الإنسانية السامية.

المهم أن الفلسفة الاسلامية نشأت منفصلة عن الفقه، وما حدث أنها بدأت تضرب بعد المعتزلة، إذ أنهم بعدما قدموا كل اجتهاداتهم واطروحاتهم فرغوها في مضامين ليست انسانية أو بالأدق غير منطقية وشبه سوفسطائية، وعندما وصلوا الى الحكم ارتدوا مرة أخرى الى انظمة ضربوا بها العقل. ومنها مثلا انهم فرضوا خلق القرآن بمرسوم اصدره المأمون ويفرض فكرة أنه لا يولى قاض منصبه ولا موظف إلا إذا آمن بذلك. وهنا تكمن خطورة الدولة الثيوقراطية.

ثم خلف المأمون الخليفة المعتصم، فالمتوكل الذي عدل وأخذ بالرأى المضاد إلى ان اتى الاشعري ومن بعده أبو حامد الغزالي وقدما افكارهما التي وقفت ضد تطور العقل وظهرت مقولة «من تمنطق فقد تزندق» وانحسر المنهج العلمي في التفكير الاسلامي بعدهما لفترة طويلة.

وفي العصر الحديث قام محمد علي بنهضة علمية واجتماعية لا أعرف ما اذا كان الفرنسيون هم الذين اشاروا عليه بها، خاصة وأن أغلب مستشاريه آنذاك كانوا فرنسيين، أم أنه قرر اقامة دولة مدنية لمقاومة نفوذ سلطان الخليفة العثماني؟ المهم أنه ارسل البعثات الى فرنسا وبعودة دارسي الفلسفة بدأت تنشأ المذاهب الفلسفية الحديثة.

ولكن في نفس الوقت، لا اعتقد بان ما قدم كان فلسفة حقيقية تناقش ظواهر يعيشها الناس في المجتمع وتدور في أذهانهم. فالفلسفة الان أخذت صورة اكاديمية وانعزلت داخل اطار الجامعات وقاعات البحث.

* من المعروف ان لديكم مشروعا أو رؤية اسلامية تقدم من خلالها حلا لمشاكل الاسلام في ضوء الظروف الواهنة. فهل بإمكاننا ان نتعرف إلى أهم نقاط هذا المشروع أو المحاور الاساسية التي يقوم عليها؟

** رؤيتي أو مشروعي الاسلامي هو طرح يقوم على مجموعة من المحاور هي كالتالي:

أولا: ضبط المصطلحات: فهناك ملاحظة اساسية الآن هي ان المصطلحات في العقل الاسلامي غائمة وغير محددة، وهذا يحدث اضطرابا شديدا. وعلى سبيل المثال اذا قمنا بتعريف الشريعة سنخرج بما لا يقل عن تسعين بالمئة من تعريفات يتم بها تعريف الشريعة فيما هي بالاساس – وبعد الضبط – تختص بتعريف الفقه.

فهذه في ظني هي الوسيلة الجوهرية لعلمية العقل الديني والتي سيكون من أهم نتائجها استبعاد الخرافة والفولكلور الموروث من العقل الديني.

وأنا الآن في مقدمات كل كتبي أقدم فصلا يضم كافة التعريفات التي ترد في ثنايا الكتاب، وآخر أوضح من خلاله منهج أو منهاج الدراسة، وهذه مسائل أصبحت ضرورية واساسية في كل الدراسات الحديثة.

ثانيا: تحديد المناهج:

فنحن لا يوجد لدينا منهج واضح محدد لتفسير آيات القرآن وما تعلمناه في طية الحقوق مثلا: ان "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ".. وهذا خطير..

والدليل على ذلك.. بالآيتين القرآنيتين: ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين). ( وواعدناهم جانب الطور الأيمن وقلنا يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم).

فعند تفسير هاتين الآيتين آخذين بعموم اللفظ، فنحن هنا نؤيد دعوة إسرائيل العنصرية، والمسألة واضحة. وهناك مثال أخر من الآية القرآنية ط يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياه. بعضهم أوليا، بعض لا. هنا ايضا يقود التفسير بعموم اللفظ قطعا إلى اعتبار كل المسيحيين الموجودين في مصر وسوريا ولبنان والاردن نسيجا منفصلا عن المسلمين ولا يمكن موالاتهم، وهذه مسألة خطيرة تعرض هذه الدول العربية لمخاطر الفتنة الطائفية كما هو معلوم.

ثالثا: فصل السياسة عن الدين.. إذ أن العمل السياسي هو بالاساس عمل بشري معرض للخطأ والصواب وبالتالي يمكن نقده وليس عملا دينيا على الاطلاق. فالإسلام هو أسلوب حياة. وستجد أن هذا التعبير يتكرر لدى أصحاب الديانات، وقد سمعته بنفسي من المسيحيين واليهود والهندوس في الهند. فأسلوب حياة يعني ان يدفع للاسهام في كافة انشطة الحياة ومنها السياسة، لكن عملي ليس دينيا بل ولا ينبغي اساسا ان يحصن بالدين، لأنه هنا يتحول إلى أيديولوجيا. وهذه مسائل

بديهية ومنها مثلا أن هناك نصوصا دينية تتعلق بالزواج والطلاق ولكن عندما اتزوج أو اطلق فهذا عمل بشري له ظروفه الخاصة في الحالتين.

رابعا: ان الجهاد يقتضى النظر اليه بمزيد من التفكير لأن العقل والمنطق لا يمكن ان يقبلا التفسير الخاطىء للجهاد باعتباره العمل داخل الوطن وقتل المواطنين وترويعهم واغتيال الحكام وضباط الشرطة والاطفال الابرياء..

فالجهاد في الاسلام يعني العطاء او البذل أو تزكية النفس وترقعة الخلق. وأما الجهاد في ساحة المعركة فلم يكن إلا للدفاع عن النفس. فينبغى وضع ضوابط جديدة للجهاد ومفهومه، خاصة وان البعض يستغل ما حدث في بعض عصور الخلافة الاسلامية من فتوحات اعطت للاسلام صبغة عسكرية، لاسيما وانه على الجانب الاخر انتشر الاسلام في جنوب شرق آسيا دون حروب على الاطلاق وانما بالنقد والمثل والتوعية والارشاد الديني الصحيح.

خامسا: لابد من تحرير المرأة عقليا واجتماعيا لكي تقوم بدورها التربوي في الأسرة على أساس علمي صحيح، ولكي تستطيع ان تقوم بدورها المدني والسياسي في المجتمع كلما أمكن ذلك، لان عدم التحرير لا يهدر نصف طاقة المجتمع عدديا فحسب، وانما يساهم ايضا بشكل كبير في ان ينشأ النشء بصورة مريضة. وأنا لا اعتقد ان الأم الجاهلة المضطهدة الكسيرة التي لا تعرف من أمور الحياة الا شؤون بيتها تصلح لتربية رجل ناضج أو امرأة ناضجة.

وقد لاحظت ذلك في الفارق الكبير بين الشباب الاجانب الذين يحضرون الى مصر للدراسة والمناقشة، او الذين اراهم في اوروبا والشباب العربي الذي يفتقر الى الدراسة ويميل الى الغموض وعدم الوضوح لانه اعتاد على اخفاء مشاعره وتجاربه،في حين أن الاجنبي واضح لأن طرق التربية والمجتمع يسمحان بذلك. بالاضافة إلى اعتياده القراءة ولديه اعلام يهتم بترويج الثقافة والبرامج العلمية والتي ينقل عنها اعلامنا.

ولذلك لا ينبغى ان نكتفي طوال الوقت باتهامهم بالانحلال وغيره، ويكفينا أن نأخذ بأسباب ما لديهم من ايجابيات وطرق تربية سليمة، وما ينتج عن ذلك من وعي، والمشاركة في الحياة السياسية بايجابية. وتحرير المرأة أساس جوهري لكل هذا.

سادسا: التركيز على العقل والعمل.. فالأمة العربية تفرق في الخرافة من ناحية، فيما يتسم قطاع كبير منها بأنه لا يعمل. يفتقد تماما لفهم قيمة العمل، بل وفي مناطق عربية كثيرة يكتفي البعض بان يعيش على كفالة شخص آخر يعمل في بلد ما، أي على عاتق شخص آخر.

وأمة لا تحترم مبدأ وقيمة العمل، لا يمكن أن يرقى شأنها أبدا، في حين أن احترام العمل يرتقي بالحضارات وبشكل مدهش وليس أدل على ذلك من الصين واليابان.
 

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …