أخبار عاجلة

سماء عيسى … تجليات الذاكرة الصوفية

من يتتبع السيرة الذاتية للشاعر سماء عيسى وانتاجه الأدبي ، يجد أن هناك الكثير من الجوانب الدالة والمؤثرة في حياة الشاعر منذ طفولته والتي كان لها أثر كبير في تشكيل شخصيته وصقل خبراته ، منذ ولادته في مدينة مسقط عام 1952م ، وتنقله مع أسرته وهو طفل في عدة بلدان مثل مملكة البحرين ودولة الامارات العربية المتحدة ودولة الكويت التي درس فيها المرحلة الثانوية ومن ثم جمهورية مصر العربية لدراسة المرحلة الجامعية التي تخرج منها  من كلية التجارة عام 1974م . 
ساهمت هذه العوامل في تطوير مداركه ووعيه الثقافي والشعري التي تشكلت في فترة كانت الحركة الثقافية والسياسية أكثر ثراءً في الوطن العربي ، كما أن جوانب قسوة الحياة التي مر بها في وطنه في فترة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ، وأثر عوامل الغربة والرحيل على حياته ، إضافة إلى جوانب الفقد والفجيعة التي كانت قريبة من أسرته ، حيث فقد في سبعينيات القرن الماضي أخته الصغرى اثر حادث سير أليم ، إلى جانب فقده قبل ذلك اثنين من أبناء عمه اثر الحركة السياسية التي أملتها تلك المرحلة الحساسة من تاريخ الوطن . هذه العوامل حفرت في ذاكرته جوانب الفقد والمأساة وروح التشظي والتي كان لها دور فيما بعد في اسلوب كتابته ذات الطابع الصوفي ، هذا إلى جانب تأثره ببعض الشعراء العرب ، مثل بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي ، في فترة كان للكتابات الصوفية أثر واضح عند كثير من الشعراء العرب . لذلك « شكّل التصوُّف رافداً ثريّاً من الروافد التي أخصبت تجربة الحداثة في الشعر العربي المعاصر ، ووجد الشعراء المعاصرون مسلكاً فنياً وفكرياً هامّاً في نصوص المتصوّفة ، انقسموا بشأنه إلى قسمين : قسم تأثر بالمضمون الصوفي فعمل على امتصاصه وإعادة صياغته وفق الخصوصية الابداعية ، وقسم آخر لفتنته الفنية العالية التي تَسِمُ لغة المتصوّفين ، فاكتفى بنهج سلوكه اللغوي مبقياً على المسافة الفاصلة بين مضمونه ومضامينهم ، ذلك أن التوق الصوفي إلى تحقيق الانعتاق من العالم الحسّي من أجل التماهي مع الذات الإلهية استوجب ابتداع لغة قادرة على تنفيذ هذا الانعتاق وتأسيس ذلك التماهي» (1) ، لذلك كانت تلك الكتابات الشعرية المتأثرة بالكتابات الصوفية عند الكثير من الشعراء العرب أثرها الواضح في  البدايات الأولى لكتابة الشعر عند سماء عيسى في سبعينيات  القرن الماضي وهو مازال طالباً في المرحلة الجامعية ، حيث نشر سماء عيسى أولى قصائده في مجلة الثقافة الجديدة اليمنية عام 1974 م بعنوان :  للنساء اللواتي انتظرن طويلاً  .  
وأنت ! 
أنتِ كلَّ اللواتي تقيأن حب الرحيل – مخاف المماتْ 
على نهدكِ البكر جاءَ الجياعُ يلوكون جمر العذابْ 
لعلَّ العذاب لعلَّ البكاء يسفر عن لغة لاتموت!  .
هكذا بدأ الشاعر قصائده المتشظية بالفقد والمأساة والموت وهي لغة صوفية البعد ذلك « إن اللغة الشعرية الحديثة في حدّ ذاتها شبيهة بلغة المتصوِّفة باعتبارها لغة منزاحة معجماً وتركيباً . ومن ناحية أخرى وجد الشعراء العرب في موقف المتصوِّفة من الموت ملاذاً وميداناً للانتصار عليه واختزاله في ماهو مادّي وحسّي لايطول سوى الجسد ، أو بالأحرى أصبح الموت مطلباً تعبر الذات من خلاله إلى خلودها حيث السعادة المطلقة ، ففرحة المتصّوف بالموت تطيح تاريخاً كاملاً من الخوف عند البشر». (2)
 
-1-
من الملاحظ أن ثيمة الموت وثيمة الحب في شعر سماء عيسى تستأثران بحيز واسع وقد لاتخلو قصائده من هاتين الثيمتين ، حيث شكلتا طابعاً جمالياً وهوية خاصة في شعره ، ذلك أن غربة الشاعر المستمرة في الزمان والمكان والروح المتجذرة في أعماقه المتدثرة بالغربة والفقد والرحيل جعلت من شعره يحمل طابعه الصوفي المشرق وهو في تتبعه في سلوك الُعُبَّاد والعابدات في ذاكرة التصوف السلوكي في عُمان وجوانب أسرارها ونشأتها في مختلف المراحل التي مرت بها حياة الإنسان العُماني وماصاحبها من أحداث سارة وحزينة ، وأثر هذه التجربة السلوكية وارتباطها عند العديد من الشعراء العُمانيين في تلك الفترة والتي جسدت قصائدهم الكثير من جوانب الصمت والفقد والنفي الذاتي والغربة في المكان والزمان في الذاكرة الفردية والجمعية من تاريخ المجتمع العُماني ، هكذا حمل الشاعر «ثيمة الموت والفقد والغياب والفجيعة ، سواءً كان ذلك معادلاً للحياة  كما قد يرى البعض ، أو استمراءً واستغراقاً في تلك الرحلة الغيبوبية الذاهلة ، في تلك اللعنة الأبدية التي لاتزهر إلا كلمات بسيطة كأنها لاشعر بل شوق ، وكأنها لاتحبل بمعنى بل بيُتمٍ مشدودٍ إلى يُتم ، وكأنها لا تتقرّى إلا افتراسات قَدرية تفتح فخاخها في مجهول الكائن وفي سيرته العبثية ، تلك التي يسردها من عَلٍ شاعر يعاف الجدل المقيت والخصومة التالفة ، ويذهب في عزلته على اقل القول وعلى اكثر الصمت … إنه الغريب الذي يقود قافلة بلا أجراس في بهيم الليل ، بينما بضاعتها نشيج الأمهات وأكفان الموتى ، وأعناق مطاياها تسير خفافاً في العتمة المتبطلة وفي الهواء الأزليّ الذي يشبه ورقة خريفية سقطت من شجرة نائمة».(3) 
يشكل المكان ذاكرة للشاعر منذ الطفولة بكل ماتحمله من فرح أو حزن وهي دوائر مترابطه في الشعور الفردي والجمعي ،  وترسم ملامح سماته التي يكون لها أثر بعد ذلك في تكوين صفاته الشخصية ونظرته للعالم الآخر ، ان شخصية سماء عيسى المتقدة بروح شفافة والتي اتسمت بالهدوء والتواضع وروح الإيثار، كونت لديه طابعاً خاصاً في تعامله مع الآخرين ، ذلك ماجعل منه وجهة  للعديد من الكتاب الشباب الذين جاءوا إليه وهم يخطون خطواتهم الأولى الراجفة بأرواحهم نحو عالم غامض وجميل وشائك ، آملين بإضاءة تنير طريقهم نحو مسالك ومفاتيح الكتابة الأدبية . «لقد كان لقاؤنا الأول مبتدأ الكلمة التي لم ننطق بها على الاطلاق والتي ظلت حبيسة روحينا التي كانت تستقرئ إحداها الأخرى بأبجدية  غير مسبوقة تجذرت لاحقاً على هيئة سحرة بأوراق نظرة كالفجر ، سماء عيسى ذلك الكائن الذي ظل يرمق عن بعد الأمكنة التي تدفعنا إلى الصمت ،  الأمكنة تلك التي تشبه في مكونها الأساس قطرات زيت مقدسة أضاءت فناء أرواحنا . إنه ذلك الصوت الذي يأتي مندفعاً كينبوع عذب ليوقظ عذابات نائمة كالوجد». (4)   
إن تجربة  سماء عيسى الشعرية  تتيح لنا فرصة الكشف عن الخطاب الصوفي  المتجذر في الذاكرة العُمانية ، والمتتبع لمجموعاته الشعرية يجد أن البعد الجمالي التصوفي يسكن في معظم أشعاره ، ذلك أن ثيمة الحُب وثيمة الموت هما الدالتان في الكتابات الصوفية وإن غربة الشاعر سماء عيسى المستمرة بين الذات الداخلية والذات الخارجية تأخذ بعداً دلالياً يعبِّر عن غربة المكان في الذات حيث العبور الدائم والمتبادل بين المكان والجسد والمكان والزمان ومصائر الحاضر والمستقبل ، إنه الرحيل نحو المجهول الكوني وإلى سماء الروح المجهولة في أعماق الذات . 
وتبرز في كتابات سماء عيسى الشعرية الرؤيا البعيدة والعبارات المكثفة العميقة في دلالاتها ، إن جمال التصوف الذي يسكن أشعار سماء عيسى والذي يتجلى في معظم كتاباته ونمط شخصيته وفي بحثه عن رائحة الأجداد وحنين الآباء المتصوفين في رحلتهم نحو المجهول البعيد الذي يومض كاشراقة فجر غامض ، إنه ذلك الإحساس بالرحيل والفقد والتشظي وعذابات الحياة التي تسكن الإنسان منذ رحلته الكونية نحو هذا الوجود الغامض . 
( ولكن غضبك دائماً يأتي 
 بعد جفاف طويل 
وبعد غياب 
 اذ هو ذا نبيٌ 
 أتت به الغيوم 
 وسكبته الأمطار … وكان ماتبقى هو الحُب 
 بعد أن غمرتْنا السماءُ 
 بمياهِ ندمٍ بعيدٍ ) . ( 5) 
« هذا هو الشاعر سماء عيسى ، الذي خرجت من معطفه تجارب الحداثيين العُمانيين في تلمسها الضوء الأول ، متدفقة على هامش نصه أسئلة الحداثة ، والوجود والبحث عن الذات في عالم ميتافيزيقي ، حقيقي حميم وقريب ، وغريب في آن ، معتمداً على بناء عوالمه الشعرية وفق دفق دمه ونبض قلبه ورؤيته الخاصة» . (6) 
 
-2-
الموت والفراق والفقد والحب ، ثيمات لازمة في شعر سماء عيسى ، تلك ما خزنته وحفرته ذاكرته البعيدة ، الفردية والجمعية وهو يخطو خطواته نحو عالم الكتابة الشعرية ، ارتبطت تلك الثيمات بالمكان والزمان وما شكَّلته تلك الأمكنة من خصوصية لها أبعادها تمتد منذ الطفولة ، جسدت رؤياه الخاصة نحو علاقته بالإنسان والمكان وغيرها من الكائنات التي ارتبطت بذاكرته وحددت مسار حياته وحسه الجمالي ، ذلك ما جسدته كتاباته الشعرية ، « الموت في شعره ليس حالة تشاؤم كما يراها الكثيرون ، الموت له أبعاده الجمالية في الطهارة ، اعادة تشكيل آخر للذات والنفس كواجهة أخرى للحياة في برزخ تدخل فيه الروح مراحل من الكينونة في التجلي بين عاشق ومعشوق ،الانصهار  التمازج التماهي الحلول في النظرة الصوفية ، وهو في النهاية الطريق عالم مجهول الهوية والمصير». (7)  
 ان اهتمام الشاعر بتتبع رائحة الآباء والأجداد وهو يحاول الابتعاد عن ذاكرة مليئة بالفقد والغياب والرحيل ، يحاول فتح أبواب أخرى من خلال الكتابة الشعرية ، لعل ذلك يمسح عنه عتمة كانت تتسع في أعماقه البعيدة وجاثمة على روحه آخذة به نحو شفير الهاوية .
ذلك ما سعى إليه الشاعر وهو يصعد إلى عالم مجهول ، لعله يجد فيه منفاه الذي يشعره بالسكون والصمت الجميل، ان التراث الصوفي العُماني الذي سعى إليه الشاعر وهو يستشرق فيه آفاقه الرحبة ، يحاول بذلك أن يعي جذرها الغامض واكتشاف أسرارها ، لذلك كان لابد أن يقف الشاعر على مرجعية يخطو بها لعل قلبه يهتدي إليها .   
« فقصيدة سماء عيسى عن العلامة العُماني (الحباسي) تمثل قراءة غائرة في حياة رجل دين شاعر في لحظة موته ،  فهو يبدو في القصيدة مثل :  قنديل وحيد مهجور بعتمة ، لايبصر من العالم إلا ظلامه . وفيها توقف عند لحظات الانخطاف الروحي والاستبصارات الداخلية والذكريات والعذابات التي يواجهها إنسان يحلم عند موته برجل غريب يأتي من أطراف البحر ليقوده نحو أرض الموتى الخضراء أكثر من الحياة ، تاركاُ وراءه كتبه وأوراقه التي هي له كما الرقوء على جرح الدهر ، والقمر  المفقود بليل الركبان ، وكذلك نخلة وطفلة ستبكيان على تربته المبللة بماء من حنين الصِّباء وبألم خطّته على الأرض سلالات الغياب البعيد». (8) 
إن روح التصوف في البحث عن المعنى عن المطلق عن بياض الغياب ، هذه الروح التي يحملها سماء عيسى المتوحدة مع ألم الجسد واهتزاز الوجد في ألقه البعيد واشاراته المتجلية في أشعاره التي تومض وهجاً صوفياً مغسولاً بالحنين والجمال .
وفي رحلته التي يتتبع فيها حوية العلامة المتصوف الشيخ علي الحبّاسي الحجري ، يقول سماء : 
( كل من رأوك أحبوك ثم تركوك للموت 
وهو يرشف من روحك قطرات الحب 
الذي يسيل من عينيك وشفتيك 
لتلتقطه كائنات الليل وهي  تغيب 
في رمال البحر الحدريّ بعيدا بعيدا 
في صحراء المنفى … ) .(9) 
يستمر سماء عيسى في الكشف عن روح التصوف السلوكي  العُماني ، في البحث عن تجربة غائرة في أعماق تاريخ مليء بالفجيعة والمأساة ، تلك الروح التي حملها الإنسان في صراعه مع البقاء في هذا الوجود الغامض ، يحمل الشاعر رعشته الشعرية في سبيل الوصول إلى اسرار هذا الغموض  ، نرى ذلك في مناجات الشاعر إلى أمهات الواصل وهو يقول : 
(أيتها الأم 
 سليلة أمهات الليل والندم والهجعة الأولى 
أيقظينا ، أيقظي فينا رغبة أن نموت 
بين ذراعيك ونبكي … 
يوما ما
 كنت أجمل أمهاتنا 
حين كنا 
نرضع منك 
الحب والموت ) . (10)  
 
-3-
تعددت الأمكنة التي حفر الشاعر فيها ذاكرته المليئة بالأحداث ، شكلت له عوالمه المتعددة والمتجذرة في أعماقه منذ طفولته المحملة بالغياب والرحيل والغربة ، ذلك ما جعل هذه الأمكنة المتعددة المناخات والثقافات تشكل أرضاً خصبة في تأسيس وتكوين ثقافة الشاعر وروحه المتقدة ، ذلك مانراه من تعدد في عوالم ثقافته وتعدد في ذواته ، فهو إلى جانب كتابته الشعرية التي كانت ركيزته في فتح آفاق أخرى من الكتابة ، حيث كتب النص المفتوح والنص المسرحي إضافة إلى كتابة السيناريو السينمائي القصير الذي اشتغل عليه عدد من المخرجين السينمائيين العُمانيين في الأفلام القصيرة حيث حصلت بعض هذه الكتابات السينمائية على جوائز في بعض المهرجانات . 
« كلما رأيت سماء عيسى تبدى لي طائراً فينيقياً يمخر سماء العولمة ، اخترق عوالم المعقول واللامعقول ليحلق في سماواتنا المنكمشة على بعضها ، بما يجعلنا غير قادرين بسهولة على التميز بين هذه العوالم ، وليضم تحت أجنحته المهيبة ذوات العدد المتزايد ، مثنى وثلاث ورباع  ، ماحفره بمخالبه الصلبة والناعمة في أرض الحقائق والأساطير على حد سواء ، ولينقل إرث مالك بن فهم ووقائع الأزد وأساطيرهم إلى دنيا اليوم» (11) . 
يتجلى في  أشعار سماء عيسى جمال الصمت الدال كندى الفجر في سكونه وألقه كاشراقة الله في غيابه ، وهو النائح المتشظي ، والحب الذي انطفأت جذوته في القلوب ، باحثاً عن نبع الحب كي تخضر في قلبه الأشجار وتصدح في اذنه البلابل فيقترب من وجه التصوف لعله يجد طفولة أحزانه ، حيث نداء الطفولة الذي يحمله إلى أرواح أمهاته العابدات ، حيث القمر كطفل بعيد ترحل به السحب إلى ينابيع الحب الذي تركه في أغصان شجرة جرداء كطير حزين في صحراء بعيدة .
يقترب سماء عيسى من مناحته حيث أبواب عابدات الفرفارة ، فيقول : 
(أيتها الآلهة التي رحمتني من الجمال مرةً وحرمتني من الجمال مرةً 
  عودي إليّ كطفولة البيلسان عندما تقبلني في المنام وتبكي 
   لكِ ندامايَ ومَنْ طواهم الموت غيلةً 
 وهم الصاعدون إليك في الجبالِ 
 المكسوة أحداقهم بفجائع الورد ) . (12) 
استمر الشاعر في سعيه إلى كشف عالمه الصوفي المجهول ، حاملاً وردته في قلبه وسكونه الصوفي المتجذر في أعماقه ، فالشعر لديه وسيلة للهروب من العدم والتعبير عن مكنون الروح ، تلك الروح الهاربة في تمردها والتي حملها المتصوفة والشعراء والفنانون وهم في رحيلهم الدائم نحو المجهول ، يبحث الشاعر عن تجربة جديدة تروي ظمأه ، هو قادم من عالم مليء بالصخب والتصدع ، من أزمنة قميئة ثكلتها الفجائع وذرفتها دموع النساء ، يسعى الشاعر إلى معانقة الرياح وانعتاق الروح وهي تتجلى في ألق حروفها من منابع السلوك الصوفي الذي طالما شغف بها وسعى إلى الإقتراب منها ليجد ضالته التي حملها لعله يدرك لغتها ووهجها الصوفي .  
« في رحلة جميلة مع سماء عيسى ، خرجنا معاً إلى منابع التصوف والسلوك العُماني إلى المكان الذي عاش فيه الشيخ جاعد ، وكتب فيه بائيته الشهيرة التي عنونها باسم  «حياة المهج»، وتعد هذه القصيدة من عيون شعر السلوك العُماني . في تلك الرحلة تعرفت على الشيخ جاعد بن خميس الخروصي ، اذ في اللحظة التي وقفتُ فيها أمام ضريحه شعرتُ وكأني اقتربت كثيراً منه ، وكأني أخاطبه ، أو أصبحتُ أحد مريديه وتلامذته ، بل وكأني أصختُ السمع إلى صوته ، وهو يرتل أوراده في محراب عزلته ، أو يصلي في سجادة معتكفه». (13) 
 يأخذنا سماء عيسى إلى جمال الغيوم الروحية في ألقها وخصبها وهي ترحل بسحبها السوداء الماطرة بعذوبة نبع الحياة ، تعبر بعذابات الطفولة إلى المعنى إلى العدم إلى شاطئ آخر وجبل آخر حيث يشرق على الأرض فجر كوجه الطفولة وبهجة الحب والألم . 
إن سماء عيسى في رحيله الدائم وهو يتدثر بوهج الحب والألم والفقد ، يحمل قلقه الدائم ينظر من فوق ربوته العالية كطفل يبحث عن غياب أمه ، لكن نداء الطفولة البعيد يمسح عنه عتمة الغياب ويعود به إلى شمس الفرح حيث راقصات النيروز يكشفن عن جمال الحب ويعودنَّ به إلى وميض وإشراقة المنازل الأولى .
( هاهي الغيوم تحملُ إلى الأطفال الفرح بالمكانِ 
  والزهوَ بالزمن 
  هاهي الغُيوم تحملُ المعنى إلى العدمِ ، وتحملُ 
 الرياحَ إلى ضياعها الأزلي   
  ليتحدَ البحرُ بالمطرِ ، ويقفُ الغريبُ أمام الأفق 
  والشراع أمام 
المجهولِ والغيابْ ) (14) 
 
-4-
حملت طفولة الشاعر روحاً متشظية بالفقد والغربة والأمهات الثكالى ، ذلك ما جسد روحه الضائعة التي حملها قلبه الضعيف وهو يستقبل أفول العشق الذي غطته غيوم الألم ، تلك الغيوم التي أطفأت قناديل المحبة . الموت طريق مجهول الهوية وهو يحمل خطيئة الحياة في كوكب مليء بالغموض والأسرار، حيث لاتجد كائناته إلا حتفها المحتوم ، ذلك مايتضح في ألم الروح والجسد وهو يحمل بذرة فنائه ، أن سمة الرحيل التي يحملها الإنسان ماهي إلا احساس بالألم والمرارة بغروب قاس كشجرة جف سماؤها وسقطت ثمارها ، هذا الإحساس بالخوف والموت رسم طفولة الشاعر وهو يجسد مناجاته لمحبيه . 
  ( وكنت على حافة الموت وقد أضاء نورك وجهي ، كان بندول ساعة قديم يعلن اقتراب الفجر ، وكانت كل ضربة منه تشير في ما هو شبيه بالفراق الأبدي ، ولأنني كنت بطيئاً أسير نحو موتي لمحت في عينيك دمعة أسى ، وكان النور أمام عيني ينطفئ رويداً ، وكان ثمة سحب زرقاء تعبر أمام عيني ، وكأن من دفعني باتجاهها حتى ترحل بي إلى المجهول ، ثم سمعتك تنادي السحب امطريه حباً دافئاً امطري عليه ودقاً نقياً )(15) 
ربما أن تلك الحياة التي مر بها الشاعر وهو يعانق احزانها وحملته رياح طفولته كان لها الخيط الذي سار عليه وهو يخطو خطواته الأولى في رسم ملامح كتابته للشعر وفي خلق لغة أحلامه وهو يجلس فوق ربوة منفاه الجميل ، ينظر إلى عالم يتجه نحو حتفه الأخير ، « إن أهمية تجربة سماء عيسى ليست في الكلمات التي تشكِّل معمار بنائه الشعري ، بل في معماره الكلِّي ، في مناخاته ، في القسوة التي انسحب إليها ، أو بالأحرى في تلك القسوة الشفيفة التي أغوته وسحبته بقوَّتها ، فوقع في طقسها ومفاتنها وفي حبائل جمالها المرعب» (16) . 
 
-5-
( جاءت أقدام تهرول بعيداً ، داست علينا ونحن نيام ، أقدام تهرول حاملة رماحاً مسمومة إلى الداخل ، كلما اتجهت إلى داخل الوطن اتجهت السموم إلى أعماقنا ، لكن أعماقنا خاوية إلا من البرسيم ، فمن يحمل اليك المشعل ، أيها النهر الدموي ، أيتها الجثة ، أيتها الحياة ). (17)  
الفجيعة التي رسمها الشاعر كانت كامنة في أعماق منفاه الداخلي ، في ذلك الليل الذي حمله وهو في رحيله وغربته ، في روحه الخجولة الهادئة ‘ في عشقه لأنين الأمهات ودموع الثكالى ، في ذلك الصمت الدفين الغائر في ألم الأرض ، سار سماء عيسى  وهو يحمل مشعله الصوفي باحثاً عن آلام أخرى ، ربما كانت أكثر غموضاً وبعداً عن الأنظار،  كالكائنات عندما يداهمها الموت تنسحب بعيداً وهي تستقبل حتفها في هدوء وسكينة . ذلك ما سعى إليه الشاعر وهو ينظر إلى مدافن الموتى الصامته وأصوات الكائنات الغريبة ، لعل ذلك يوصله إلى غايته ، وربما شجرة تمد له أغصانها الجافة لتشاركه أنينها وأسرارها ، وربما أوراقها التي ذرفت دموعها حتى سقطت وغطت آلامها وأسرارها الدفينة . 
« من هناك يأتي سماء عيسى  منذراً بفجيعة ما . معه نمشي في خراب طاغ يسود الكون والعناصر . انه قادم من حروب خاسرة ذاهب إلى منفى الأعماق والدواخل . وكأن سماء عيسى قد جاء قبل كل هذه الفجيعة التي يتمرغ فيها الآن ، يكتب الشعر منذ سنوات دون ان يعبأ بما لا يحدث أو بمن لايكترث بما يحدث ، يكتب حيناً ويكبت أكثر الأحيان ، في عُمان ، ظل في الجزء الخفي الهادئ من المشهد ، عادة العُمانيين الذين يمارسون جديتهم في الضوءالرزين ، سماء عيسى ظل في الظل الذي تكون درجة الحرارة فيه اكبر من القلب» ( 18 ) 
ربما أن الفجيعة التي رسمها الشاعر في مخيلته وتجذرت في ذاكرته قادمة من أجراس الحُب الذي غطته دموع الحياة وهي تمسح كل ما هو جميل في هذه الكون وهو يشعر أن الغربة والهجر طريقه نحو هذا الفراق الأبدي وهو يهرب من ذلك الجمال الغامض المجهول ، ذلك ماحمله جفاف حياته الذي لم يبق منها سوى  الموت ، حمل الشاعر جرحه ونزيفه الداخلي وهو يتتبع رحلته وأنينه وهو يطارد عشقه المفقود وكائنات طفولته وهو يبحث عن وهج ليوقدها التي لن يجدها إلا تحت شجيرات الهجير الجافة وأنين الشواهد الدالة فوق القبور . 
ذلك مايؤكده الشاعر الكبير قاسم حداد وهويقول «سماء عيسى قادم من الفجيعة بامتياز ، ومبشر بها في آن واحد ومن يعرف الشاعر وجيله وتجربته ، يدرك أن الأمر لاينطوي على مبالغة ما . ففي العمق ، تجسد كتابة الشباب العُماني الجديدة الخلاصة الصافية لقطاع كبير من تجربة شباب هذه المنطقة ، متميزة بطاقة الرؤية الفجائعية ، ولعل طبيعة الهدوء الظاهر في تأمل أشياء العالم ستجعل الصورة الشعرية أكثر نفاذاً لمعطيات هذه التجربة .  ستصاب بالخيبة أيها القارىء النبيل اذا حاولت ان تبحث عن شعار الأمل لتصد به هجوم الفجيعة الماثلة ، لايعبأ الشاعر بذلك ، وربما لم يكن هذا من شأنه ، فالأمل ليس في أن تهبنا اياه القصيدة ، الأمل في درجة اليأس الذي تدفعنا اليه «  (19) 
 
                                         ( 6 ) 
( البريةُ 
توقض الشبقَ 
تفرس الهذيانْ 
حيثُ النساء 
قوارب هجيرٍ 
باتجاه الموتْ 
الرمادُ 
ذاكرةُ جنونٍ 
       لا يتشيأُ
تستقيظُ حوريةٌ 
   إذْ 
  نبيٌ
يداهمه الموتْ ) (20 ) 
الموت يستيقظ كشبق يختطف ضحاياه ويترك دم موتاه عندما يحل الظلام ، لكنه مازال ينتظر ضحية أخرى وهو يقبع خلف أبواب الهجير وهو يداهم أمنيات الثكالى وينشر دمها على الجدران وجذوع الأشجار ومواء القطط الحزينة ، ترحل أرواحنا تاركة ظلالها الحزينة على وجنات أمهاتنا حيث لاتبقى غير طرق مهجورة وهي تردد بكاءً صامتاً مليئاً بالألم والفراق والرحيل الأبدي وهي في عودتها إلى صحراء العدم والرمال المجهولة حيث لاشيء غير الشهب وهي في طريقها إلى حلولها الأخير حيث الموت يقبض على نيازك الأرض والسماء . 
« الشعر يخرج من عالم غامض اشبه بتابوت والشاعر صوت طفولة مخيلتها تحتفي بالموت . إن الصلة الميثولوجية القديمة قدمت مغامرة العقل والروح في الانسان ، ( وقد وصلت هنا بين خيطي الموت والحياة ، ورأت في الأول وجها للثاني ) تبلغ لدى سماء عيسى درجة أعلى ، ويتحول الموت لا إلى معادل للحياة فحسب ، بل إلى مظهر من مظاهره ، يتكرر في صور ومناخات والتقاطات تكاد تصير نفسها النص كله « (21)  
 
-7- 
إن سماء عيسى وهو ينقلنا بحسه الجمالي كمياه نبع صاف يزرع كائناته على نجمة راحلة في مسارها المجهول حيث أرواح الطفولة الهائمة بوهجها وهي تراقب أرواح الموتى تجف دموعها في سكون الليل حيث صمت الصلوات وعابري الطرقات الليلية ، لم يبق غير الأبواب المغلقة والشبابيك الموصدة ، ذلك مايجسده سماء عيسى في أشعاره كقبور خاوية من أجسادها تحمل أنين خوائها والرياح تطرق أبواب الحزانى لعلها ترحل معها في منافي أدويتها الجافة وهي تردد أناشيدها الراحلة عن الأرض . 
« إن حس الفجيعة أو الخراب عند سماء عيسى ليس محض نزوة شعرية طارئة ، وربما بهذا الملمح نستطيع ان نقترح تميزاً يسم تجربة هذا الشاعر . هذا الشاعر الذي طاب له أن يتقنع بالسماء ، كمن يريد أن يقول لنا انه يرى الينا  .. الى واقعنا من هناك .. من الاعالي ، دون أن يزعم ذلك أو يدعيه «  (22) 
(عبرت منافي / روحية شتى 
كي أصلَ إليك / في النهاية 
أيها الألم … 
الألم / ألم ماقبل الموت 
وهو ينتظرني / عند عتبة 
الباب المهجور ) . ( 23 )
تتعدد عوالم سماء عيسى بتعدد ذواته ، وهو الراحل بجسمه وروحه إلى المجهول الذي لاتحده وجهة محددة ، إنه السير نحو عالم المطلق ، فهو ذاهب في رحيل لاعودة فيه ، وكما قال « النفري « ( ليس أمامكم باب فتقصدوه ، وليس وراءكم باب فتلتفتوا إليه ) عليكم أن لاتبحثوا فيما حولكم ، عليكم أن تتجاوزوا ماأنتم فيه ، أن تعبروا منافي الروح  القصية وأبوابها . 
لاشيء ينبئنا غير الألم الساكن على أبواب القبور وهو  يشرق كموجة هادئة على أرض هجرتها الأقدام ، إلا من أعشاب يابسة وهي تزهر في كآبة حول قبورنا ، وكأفول نجمة بعيدة . 
إنه ذلك الغياب الجاثم كجبل تعبره الرياح وهي في هيامها السرمدي بأرواحنا ، خوفاً من شبح الموت المجهول والعدم المنسي . هكذا جلس سماء عيسى وهو ينظر من فوق جبله البعيد ، ينظر إلى الحياة كدمية صغيرة تتقاذفها أمواج البحر وتترصدها وحوش الألم والندم وهي ترقب لحظة سقوطنا في بحر سرمدها الغامض . 
لاشيء أجمل غير الصمت ، حيث الطبيعة وهي تحمل قلوب العشاق وتغتسل بدموعهم وتعود أكثر نظارة وهدوءا ، كصوفي يعتق روحه في رحيل أبدي ، حيث الأرض مصباً للعواطف والدموع ، إنه ذلك التمازج السوريالي الصوفي في تجربة سماء عيسى الذي يرقب الجمال النائم حتى يرحل الليل ويبزغ الفجر كشروق الحُب من عذوبة الصمت الدافئ في قلوبنا  . 
يأتي سماء عيسى من تلك الغربة الداخلية التي يحملها ، وهي غربة ذاتية أبعد عن كونها غربة  مكانية ، تأخذ أبعادها من ذلك الحب الذي ينزف من الروح وجسد عليل حملته فجيعة المنافي الروحية وصحراء الألم والعدم ، وبكاء الراحلين وهم يجتازون جبال عشقهم . ربما أن جدلية العلاقة المتأزمة بين الحياة والموت لها دلالات واضحة في أشعاره ، تلك العلاقة الشائكة والمتجذرة في رحلة حياة الشاعر .  والمتتبع في مجمل كتاباته نجد أن هذه الغربة تجمع بين هموم الذات الفردية وهموم الذات الجماعية والدالة على الصراع بين الموت والحياة ، بين الحب والحرية ، ربما أن حالة النفي الداخلية في ذات الشاعر تعبر عن حس مأساوي بعيد يحمله كصوفي راحل في هذا الكون . 
الخلاصة : 
إن سماء عيسى وهو يأخذنا في كتاباته ونصوصه المختلفة بعيداً عن الاتساق الزمني فارضاً حداثة رؤيوية ، متدثراً بعباءة التصوف اللازمنية ، حيث الحضور الدائم وهو يكشف عن الروح الهائمة في رحيلها السرمدي ، وهي تفيض بألق الوجود الكوني ، حاملاً ماء شعره وزاده المفعم بالاشراق والتجدد والتجاوز . 
إنه الهيام في زهرة التيه الأبدية وهي تتناسل من بين أغصان موتاها بذرة العدم وسيرورة الرحيل والعبور نحو المجهول ، حيث البرزخ يقف حائلاً دون الوصول أو التلاقي ، حيث العدم وشبح الليل . إنه الموت وهو يجر قتلاه إلى غرفه المغلقة ، تاركاً الريح وهي تعزف على التلال المكومة على قبورنا ، والغربان تنعق على خرائب الحياة وأطلالها ، وسيبقى هديل الحمام غامضاً كغموض الحُب الذي يأخذنا إلى قارب مجهول يضيء طريقه خيطاً من النور الروحي . 
يحمل سماء عيسى مشعله ، باحثاً عن القٍ غامض ٍ وهو يمشي في صحراء العدم في هدوء صامت وبهجة عابرة ، يرحل عن المكان لكنه يترك قلبه كي يعود إليه ، كالعاشق الذي يحمل ألمه وهجره ، راحلاً إلى منفاه البعيد ، كمن يحمل روحاً غامضة وعابرة في هدوء صامت . 
إنه الألم الذي لاينتهي ، الحزن الذي ينتظر الموت شبحاً في الليل ليرحل به إلى عالم مجهول بعيد ، حيث كل شيء يمضي ، الجمال يذوي ويجف كفراشة ميتة تحت شمس مشرقة في حديقة مهجورة . 
نستنتج في هذه الخلاصة التي تَتَبعنا فيها أعمال سماء عيسى الشعرية والتي ركزت على تجليات الذاكرة الصوفية  من خلال رصد وتحليل الأبعاد الصوفية لأشعاره في اطار تتبع الشاعر لذاكرة التصوف السلوكي عند العُمانيين من خلال  بحثه عن رائحة الأجداد وحنين الآباء المتصوفين نحو المجهول،  ويتضح  كذلك أن ثيمة الحُب وثيمة الموت تلازمان أشعار سماء عيسى  وتكاد لا تخلو معظم أشعاره من هاتين الثيمتين ، وشكّلتا طابعاً خاصاً في كتاباته والتي قد لاتبعد كثيراً عن رؤيته لطبيعة الحياة ، حيث الموت والحب يشكلان سيرورة الحياة بكل معانيها وأبعادها ، حيث السعادة والفرح تنبثقان من الألم والمأساة، وربما الثيمتان تتصارعان في ذات الشاعر مشكّلتان فرادة في نمط شخصيته وكتابة شعره وهذا ما يبدو أكثر وضوحاُ في الكتابات الصوفية حيث الحُب والموت ثيمتان أساسيتان في كتاباتهم ، وربما تكشف عن مخزون عميق وبعيد في ذاكرة  طفولة الشاعر  التي اكتسبت تجارب وخبرات تجذرت في أعماق الشاعر وليست بعيدة عن مجمل الذاكرة الدينية والسياسية التي اتسم بها الشعب العُماني عبر مراحل تاريخة الحضاري والطبيعة الجبلية التي تدثرت بها الأرض العُمانية والتي اكسبت شعبها  طابعاً خاصاً لروح الكشف وحب الترحال وخلوة التعبد ، رسمت صورة بعيدة في ذاكرة الشاعر وأيقظت مخيلته الخلاقة التي أضاءت جوانب عديدة من هذا المخزون في الذاكرة والتي شكّلت عوالمه المتعددة الإنسانية والوجودية المرتبطة بجوانب الذات الداخلية والذات الخارجية الموجودة في هذا الكون . 
شكّلت تجليات التصوف وجمالياته إيقاعاً خاصاً وموسيقى داخلية نابعة من جماليات الصورة الشعرية التي رسمها سماء عيسى في أبياته والمنبثقة من عوالمه الداخلية والخارجية والتي أبحر من خلال ظاهرها إلى باطنها مشكِّلة رؤيا أكثر بعداً ومعنى أضاءت ألق ذائقة المتلقين لشعره . 
استطاع سماء عيسى ابراز الدلالات الجمالية للكتابات الصوفية من خلال  الربط بين ثيمة الحب وثيمة الموت التي اتسمت بها الذاكرة الصوفية في نسيج شعري واحد ، فلم يعد الموت هو فناء أو نهاية عبثية وإنما هو بداية طريق تبعث الأمل وجذوة الحب حيث  الطريق إلى المجهول وهو المطلق البعيد والغيب الجميل الذي يسعى الإنسان إلى الوصول إليه .
هذه الدلالات اكسبت شعر سماء عيسى رؤية خاصة تتسم بالإشراق والتصوف والأصالة الشعرية ضاربة بجذرها البعيد في تجربة التصوف السلوكي في عُمان والنظرة بشمولية ترتقي للحالة الوجودية والكونية أعطت سماء عيسى لونه وصوته الخاص في الكتابة الشعرية ودلالة تكاملية للعمل الفني .  
الهوامش :
(1) المُساوي (عبد السلام ) ، جماليّات الموت في شعر محمود درويش ، دار الساقي ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 2009 ص 97  .
(2) المرجع السابق ص 98 .
(3) العامري (صالح) ، بورتريهات « 18» ، سماء عيسى .. السهر في قلب الوردة ، ملحق شرفات ، جريدة عُمان  ص 7 .  
(4)  البلوشي (عبدالله) ، سماء عيسى ، ملف جريد الزمن .
 (5) عيسى (سماء) ، غيوم ، آفاق للنشر والتوزيع، القاهرة ، 2006 ، ص 36 ، 37  .
(6)  الوهيبي (بدرية ) ، سماء عيسى شاعر بحجم سماء مرصعة بالشعر والجمال ، ملف جريدة الزمن   .
(7)  الكلباني ( عادل ) ، سماء عيسى … الإنسان ، جريدة الزمن ، الاثنين ، 7 يونيو   2010   م .
(8)  خضير ( ضياء ) ، وردة الشعر وخنجر الأجداد ، مؤسسة الانتشار العربي ، بيروت، 2012 م ، ص 148 ، 149 . 
(9) عيسى ( سماء ) ، دم العاشق ( درب التبانة ) دار الفرقد 2011 ، ص 118  .
(10)  دم العاشق ( درب التبانة ) ص 138 ،139 ، مرجع سابق 
(11( العدوي (خميس بن راشد) ، سماء عيسى ، طائر الفينيق في سماء العولمة ، ملف جريدة الزمن .
(12)  عيسى ( سماء ) ، مناحة على أرواح عابدات الفرفارة ، 1990 م ، ص 42 .   
(13)   الحضرمي (محمد) ، كرائحة الأرض بعد المطر ، ملف جريدة الزمن  .
(14)  عيسى ( سماء ) ، غيوم ، آفاق للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2006 م ،  ص25 .   
(15) عيسى (سماء ) ، ولقد نظرتك هالة من نور ، دار الفرقد ، دمشق ، 2007 ، ص 32  
 (16)  العامري ( صالح) ، بورتريهات  18 ، سماء عيسى .. السهر في قلب الوردة ، ملحق شرفات ، جريدة عُمان  ص  7  .
 (17) عيسى (سماء) ، نذير بفجيعة ماء ، شركة مراد للطباعة بنيويورك ، 1987 م ، ص 
        27
(18)  حداد (قاسم) ، وقت للكتابة « سماء عيسى « ، الاتحاد الثقافي ، جريدة الاتحاد ، 10 ديسمبر 1991 م ، ص 3  .
(19) حداد ( قاسم ) ، وقت للكتابة ، مرجع سابق ص 3 .
(20) عيسى ( سماء ) ماء لجسد الخرافة ، 1985 م ، ص 10 .
(21)  الجراح (نوري) ، أصوات شعرية عُمانية مهاجرة ومقيمة : سماء عيسى ، ثقافة وفنون ، جريدة الحياة ، ص 16  .
(22) حداد (قاسم)  ، وقت للكتابة ، مرجع سابق ، ص 3  .  
(23) عيسى (سماء) ، الجبل البعيد ، مؤسسة الإنتشار العربي ، بيروت ، 2013  ص 57  ، 58 . 
 
 
 
 
 
 

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …