سوسن العريقي فـي ديوانها الشعري «أكثر من اللازم»

يشكل موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة واحداً من أهم الموضوعات التي تكرس معظم الأديبات اليمنيات إنتاجهن الأدبي، شعراً وسرداً، لمعالجته والخوض فيه وفقاً لرؤيتهن باعتبارهن طرفاً في المعادلة الحياتية التي طرفها الآخر الرجل.
وحضور هذا الموضوع في الإنتاج الإبداعي للأديبات اليمنيات أمر له مايبرره، ذلك لأن النظرة المهيمنة على مجتمعنا تجاه المرأة مازالت قاصرة، فالنظرة العامة نحو المرأة أو حول علاقتها بالرجل تقوم في الأغلب على قاعدة أن المرأة تابع للرجل أو عنصر مكمل لبعض من جوانب حياته، وهذا الأمر لا يقتصر على عامة الناس، وإنما يتعداهم إلى الخاصة أيضاً، إلى شريحة المتعلمين وحتى من بعض من نصفهم بالمثقفين.
ومن نافل القول أن نشير إلى الظروف الاجتماعية الموضوعية كسبب لوجود تلك النظرة إلى المرأة في مجتمعنا واستمرارها حتى اليوم، ولكننا لسنا بصدد القراءة الاجتماعية للعلاقة بين طرفي المعادلة الحياتية «الرجل – المرأة»، لذا سنحصر تركيزنا على تجليات إشكالية العلاقة بين المرأة والرجل من خلال قراءة ذلك عبر منظور شعري إبداعي تجلى بوضوح في مجموعة «أكثر من اللازم» للشاعرة الشابة سوسن العريقي.
صدرت مجموعة«أكثر من اللازم» أواخر عام 2007م، وكانت المجموعة قد فازت بجائزة الاستحقاق الأدبية من دار نعمان للثقافة في لبنان، في نفس العام وهي تقع في«90» صفحة من القطع المتوسط، وضمت بين دفتيها«23» نصاً موزعاً على أربعة عناوين رئيسية هي:
– بدون جدران- تسعة نصوص..
– يد واحدة- سبعة نصوص..
– ليلان- ثلاثة نصوص..
– تقشير- أربعة نصوص..
وتجدر الإشارة إلى أن الشاعرة سوسن العريقي من الأصوات الشعرية الشابة – من جيل التسعينات من القرن الماضي- والتي استطاعت أن تشق طريقها باقتدار على دروب الإبداع الشعري، وأن تلفت الأنظار نحو نتاجها الإبداعي..
ومن خلال تتبع إنتاجها الشعري منذ التسعينات وحتى اليوم، سواء المنشور كقصائد مفردة أو ضمن مجموعتيها الشعريتين؛ «مربع الألم» -2004م، والمجموعة التي بين أيدينا«أكثر من اللازم»، يستطيع المتتبع أن يلاحظ أنها تسير في خط صاعد من قصيدة إلى أخرى، ومن مجموعة إلى أخرى أيضاً، الأمر الذي يعكس تطور تجربتها الشعرية، وأيضاً يعكس عنايتها بملكتها الشعرية وصقلها.
وفي هذه القراءة النقدية لمجموعة «أكثر من اللازم» سنقف على موضوع العلاقة بالآخر- الرجل- ورؤية الشاعرة لها، وكيفية معالجتها لإشكالية العلاقة بين الطرفين، فمما لاشك فيه أن الشاعرة العريقي قد واجهت وتواجه مثل تلك النظرة القاصرة نحوها كامرأة، في إطار علاقتها بالآخر، أي كانت طبيعة العلاقة التي تربطها بذلك «الآخر»، وهذا ماعبرت عنه نصوص المجموعة والتي يشكل هذا الموضوع هاجساً رئيسياً في معظمها..
إن مايميز شاعر عن آخر، بل مبدع عن آخر، هو رؤيته للموضوع الذي يجسده في عمله الإبداعي، وكلما كانت تلك«الرؤية» التي ينطلق منها المبدع مختلفة عما هي عليه عند غيره، كلما حسب ذلك لصالحه وشكل علامة فارقة في مشواره الفني والإبداعي.
وتناول موضوع العلاقة بالآخر عند الشاعرة العريقي يشكل علامة فارقة عندها ويميزها عن غيرها من الأديبات اللاتي طرقن هذا الموضوع شعراً أو نثراً، فهي تنطلق في تناولها للموضوع- العلاقة بالآخر- من قاعدة الوعي والإدراك لطبيعة الإشكالية بين الطرفين، لذا نجدها تتجه نحو توصيف جوهر الإشكالية في العلاقة بينهما، ففي قصيدة«مقاس عربي» تقول الشاعرة:
ادخل في كينونة الحلم الممتد / براكين ضوئية /في دهاليزك /لكني أتعثر /بأزمنتك الظامئة /إلى إعادة صياغتي /على مقاسك /أتعثر بقامة رجولتك /التي تجلدك /قبل أن تجلدني..
إن إشكالية العلاقة مع الآخر-الرجل، كما تشخصها سوسن العريقي في المقطع السابق تكمن في أمرين؛ الأول: ان الآخر«الرجل» لايتعامل مع المرأة بهويتها وكينونتها المستقلة بذاتها، وإنما يرغب في إعادة تشكيلها وفقاً لمعاييره هو ونظرته إليها.. والأمر الثاني: ان مفهوم أو معيار«الرجولة» عند الآخر، يشكل عبئاً عليه هو ذاته قبل أن يكون عبئاً على«المرأة».
إن الآخر«الرجل» في هذه القصيدة ليس شخصاً محدداً له علاقة مابشخص الشاعرة، ولكنه الرجل بصفة عامة، أي رجل كان في مجتمعنا العربي، فعنوان القصيدة الذي اختارته الشاعرة بعناية فائقة «مقياس عربي»، قد جاء ليحصر الأزمة أو الإشكالية بين الطرفين المعادلة الحياتية «الرجل- المرأة» في إطار جغرافي محدد هوالبلاد العربية..
ولايقتصر الأمر على محاولة الآخر«الرجل» إعادة تشكيل شخص المرأة على مزاجه، بل أن هناك تمظهرات أخرى تكون عناصر أو جزئيات لإشكالية العلاقة بين الطرفين مصدرها الآخر «الرجل»، ومنها محاولة امتلاك الماضي، التجاهل، والشك.. تلك الجزئيات عبرت عنها الشاعرة في عدة قصائد ضمتها المجموعة، ففي القصيدة الأولى في المجموعة «عين سحرية» تناولت الشاعرة تلك الجزئيات الثلاث حيث تقول:
حين تشتعل في خيالك/ لهفة التفاصيل/وتصر على امتلاك مافات /يأبى ضعفي أن يبوح بانكساره /تتراكم في عينيك /قسوة التجاهل /تمعن في ايقاظ ذاكرتي /التي أعلنت تمردها.. /أتخلى عن انحداري /في تقمصي دور /لايليق بصدقي /أظل واقفة.. /حتى لاتبتلعني الكراسي /المأهولة بالشك.. /فأجد أن لامفر من الهرب / بعد ماتأكد لي / أنك ستزرع في باب حياتي / مايشبه العين السحرية..!
في هذه القصيدة كثفت الشاعرة إحساسها بالإشكالية في علاقتها مع الآخر«الرجل»، وجمعت أكبر قدر من عناصر أو مفردات الإشكالية في تلك العلاقة«امتلاك مافات/التجاهل/الشك..» مستثنية مسألة رغبة الآخر في إعادة صياغتها على مقاسه وهو ماخصصت له قصيدة «مقاس عربي» التي سبقت الإشارة إليها.
والأمر لايقتصر على القصيدتين التي استشهدنا بنماذج منهما، ولكن هاجس إشكالية العلاقة مع «الآخر» نجده في أكثر من نص في المجموعة، فهو يكاد أن يشكل القاسم المشترك لعدد غير قليل من قصائد أو نصوص المجموعة.
وفي مواجهة نظرة«الآخر» تجاه الشاعرة-المرأة- بكل عناصرها ومفرداتها سابقة الذكر، نجد أن الشاعرة لاتخضع لتلك النظرة أو تستسلم لمشيئة الآخر، ورغبته في إعادة صياغتها، وإنما تعبر عن رفضها لتلك النظرة القاصرة وتمردها على رغبات الآخر التي تنتقص من هويتها وكينونتها، ففي قصيدة«عين سحرية» تعبر عن رفضها لمحاولة الآخر امتلاك الماضي بقولها: «يأبى ضعفي أن يبوح بانكساره» وتؤكد ذلك الرفض بعبارة «ذاكرتي../ التي أعلنت تمردها..»..
ويتجلى التمرد بوضوح في السطور التالية:
أتخلى عن انحداري / في تقمصي دور / لايليق بصدقي /أظل واقفة.. /حتى لاتبتلعني الكراسي /المأهولة بالشك..
إن ألفاظ مثل«يأبى/تمردها/لايليق بصدقي/أظل واقفة/ حتى لاتبتلعني..» جميعها جسدت موقف الشاعرة من نظرة وسلوك الآخر تجاهها، وفي قصيدة«مقاس عربي» أيضاً تعبر الشاعرة عن رفضها لمحاولة«الآخر» إعادة صياغتها على مقاسه مع الاختلاف في الأسلوب التي تعبر من خلاله عن رفضها فنجدها بعد أن شخصت جوهر الإشكالية في العلاقة مع الآخر«في المقطع الأول الذي استشهدنا به» تقول:
لذلك.. / ألوذ بالمسافات القريبة /من بوابة النسيان /اتكوم ضوءاً يطهرني /من مياهك الآسنة /أستعيد أنفاسي /ألملم ماتبقى من حواسي /استفيض نداءً متوسلاً /لمحكمة القلب الطينية /أن تنفي دمي /من سطوة خلاياك
الشاعرة هنا تعبر عن رفضها لمحاولة إعادة صياغتها باللجوء إلى النسيان حيناً«ألوذ بالمسافات القريبة/ من بوابة النسيان» وحيناً آخر بالتطهر من تأثير الفكرة التي يحملها الآخر تجاهها «اتكوم ضوءاً يطهرني من مياهك الآسنة»، ومرة ثالثة بالتوسل إلى القلب – العاطفة – لتحريرها من سطوته «استفيض نداءً متوسلاً / لمحكمة القلب الطينية.. إلخ».
ان تمرد الشاعرة ورفضها لنظرة الآخر تجاهها بقدر ماهي رد فعل طبيعي تجاه سلوك وتفكير الآخر نحوها، إلا انه رد فعل واع وعقلاني، لذا لم نجد الشاعرة بمقابل تلك النظرة تسعى إلى فك الارتباط بالآخر أو التخلص من العلاقة الانسانية التي تربطها به، بل نجدها تختم قصيدة «مقاس عربي» بالتأكيد على استمرارية العلاقة بين الطرفين وبقائها :-
( اتهجاك… / أدخل مرة أخرى /في كينونة الحلم الممتد /براكين ضوئية في دهاليزك../لكني هذه المرة /لا اتعثر /إلا بظلي الاعمى /الذي يسبقني إليك.. !!
ان ادراك الشاعرة لصيرورة العلاقة بين طرفي المعادلة الحياتية «الرجل – المرأة» ساعدها على بلورة رؤيتها للعلاقة مع الآخر، فكما انها لم تسع إلى فك الارتباط به، أيضاً نجدها لاتسعى إلى إعادة صياغته وفق رؤيتها أو حسب رغبتها، ولو حتى من منطلق رد الفعل على رغبته للقيام بذلك معها، وانما تنشد مفهوماً آخر لعلاقتها معه، علاقة تقوم على أساس من التكامل والتماهي المؤطر بالعاطفة – الحب – وتجسد رؤيتها تلك في أكثر من قصيدة، ففي قصيدة «اكتشاف» بعد أن تقر الشاعرة باستحالة القطيعة مع الآخر أو الابتعاد الكلي عنه.
( أرحل عنك.. /تمزقني النداءات /في فضاءات الحيرة .. )
بعد اقرارها بذلك تتجه نحو تأكيد صيرورة العلاقة بين الطرفين واستمراريتها وفقاً لرؤية لاتقوم على قاعدة التابع والمتبوع، فتقول :
«اعانق فيك / زحمة التساؤل /أسبح في سطور /تماهت أوردتها في عمق حنيني /أستعيد ذاتي بك /التصق بركامي فيك /فتتقاطر /حناناً.. /ظلاً /وضوءاً… !!
الشاعرة في هذا المقطع تنظر إلى «الآخر» باعتباره عنصر تكامل مع وجودها وكينونتها، فهي تستعيد ذاتها من خلال علاقتها به، علاقة تقوم على التماهي معه «اسبح في سطور/ تماهت أوردتها في عمق حنيني»، وهو ماينتج عنه أن يتحول الآخر في لحظة التماهي معها إلى دفقات من حنان وظل وضوء «التصق بركامي فيك/ فتتقاطر/ حناناً/ ظلاً/ وضوءاً ».
ان التوحد بالآخر والتكامل معه على دروب الحياة هو ماتنشده الشاعرة وتعمل على تأكيده في أكثر من قصيدة، ففي قصيدة «اكتشاف» سابقة الذكر تقول :
«أرحل إليك.. / بريقاً يتناثر / في مساحات التوحد»
فتؤكد سعيها إلى أن تكون العلاقة مع الآخر «توحد»، اندغام يبنى على التكافؤ والتكامل، لذا فإن الفاظاً مثل «ارحل اليك/ اعانق فيك /اتغلغل فيك.. » وغيرها من الالفاظ المشابهة قد عكست توقع الشاعرة إلى شكل العلاقة التي تتمناها مع الآخر، فالآخر نصف ذاتها التي تسعى إليها لتصل إلى الاكتمال، وهذا ماتقوله الشاعرة في أكثر من قصيدة وبالذات آخر قصائد المجموعة والتي حملت عنوان «هطول».. ففي هذه القصيدة نجدها تلح على تأكيد ذلك المعنى أو تلك الفكرة كقولها :
( دائماً معك../ تغرقني آهات التمني /أترقب هطولك الملائكي / في جوانحي /كي اتوهج /كي احيا العمر في لحظة
أو كقولها: «الاقمار تنأى عن مدن الغياب وأنا أحمل عينيك قمراً لأستعيد حضوري »
وخلاصة القول: ان الشاعرة سوسن العريقي استطاعت في موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة، ونظرة المجتمع إلى «المرأة » وإلى علاقتها بالرجل، ان تقدم رؤية مغايرة عماهو سائد ومألوف، وان تقدم أيضاً بديلاً منشوداً لما ينبغي ان تكون عليه العلاقة بين الطرفين.. تلك الرؤية المغايرة موضوعياً قد آزرتها رؤية فنية أيضاً، إذ أن الشاعرة جسدت مشاعرها ورؤاها سواء في هذا الموضوع أم في غيره من موضوعات القصائد الأخرى عبر أسلوب فني يعتمد كثيراً على الصور الشعرية بمختلف اشكالها الجزئية والكلية، وبرؤية حديثة في رسم الصور والعناصر المكونة لها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى قراءة خاصة به كون الشاعرة تعول على الصورة أكثر من الموسيقى الشعرية والتي لم تخل المجموعة منها وان كانت السمة الغالبة على النصوص هي قصيدة النثر.
لقد تميزت الشاعرة في تناولها لموضوع العلاقة مع الآخر باستيعابها للاشكاليات القائمة في الوعي الجمعي تجاه قضية المرأة وقضية العلاقة بين طرفي المعادلة الحياتية، وبالتالي فإنها عندما طرقت الموضوع إنما انطلقت من التجربة والوعي معاً، لذا وجدنا تناولها للموضوع يتسم بالعقلانية، كما وجدناها تسعى إلى تقديم البديل لماينبغي ان تكون عليه العلاقة بين الطرفين، ولم تنزلق في شرك ردود الأفعال العنيفة تجاه «الآخر» أو الانفعالات العاطفية التي تخدم «الانا» على حساب «الآخر»، إنما اعتمدت الرؤية والهدوء في قول ماتريد واثبات هويتها وكينونتها وحقها في الحياة مع الآخر نداً لند، وحسبها ذلك توفيقاً في هذا الاتجاه. 
 
عمر محمد عمر
شاعر وناقد من اليمن

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …