سيناريو فيلم الحياة اللذيذة (تتمة العدد السابق)

٭ إخراج : فيدريكو فلليني

٭ قصة : فيدريكو فلليني – تولبو ببنيلي اينيو فليانو.

٭ سيناريو : فلليني – بينيللي – فليانو وبرونيللو روندي.

٭ مدير التصوير : أوتيلو مارتيللي.

٭ المونتير : كاتدتسو .

٭ موسيقى :نينـو روتا.

ترجمة: محمــود عــلي

 

تـــوزيــع الأدوار

مارشيللو ماستروياني   مارشيللو روبيني

فالتبر سانتيسو          باباراتسو (مصور صحفي)

آنوك ابمبيه             مادلينا

إيفون فورنيه           إيما عشيقة مارشيللو

انيتا اكبرج             «سيلفيا» نجمة من هوليوود

ليكس ماركر            روبرت (خطيب سيلفيا)

آلان كوني              ستاينر

انيبال نينكي            والد مارشيللو

ناديا جراي             ناديا

جاك سيبرناس          الممثل

آلان ديون              فرانكي

فاليربا شانجوتبني       باولا

ماجالي توبل            فاني

 

 

(«إيما» ترقب الطفلين وهما متجهان إلى غرفتهما وملء عينيها الشوق.. ستاينر يتحدث معها عنهما في حب واعتزاز..)

ستاينر : البنت على عكس الولد تماما.. فهي تعشق الكلمات وتركب الجمل.. يسرها جملة جديدة..وهي تكون جملاً بنفسها.. وبعضها أكتبه لها مثل» من تكون أم الشمس»؟

(مسز ريباسي : تضحك)

ستاينر : رائع :.. أليس كذلك ؟ إنها جملة لشاعر..

(مارشيللو يرقب «إيما» وقد بدا عليه الارتباك لطريقتهما في التعبير عن شوقهما للأطفال..)

إيما : أينام في فراشك ؟

ســتاينر : لا.. وأن يكن يحب ذلك.. في بعض الأحيان.. يزحف ويندس بيننا على الفراش.. ويحتضنني بأصابعه.. كم هو جميل أن تنامي هكذا وبجوارك طفل صغير…

(الفتاة الهندية تتناول الجيتار وتبدأ في غناء أغنية أمريكية حزينة.. «إنني حزينة ووحيدة .. وسيتحطم قلبي.. يرددون اللحن وقد أثر على مارشيللو وهو جالس على الأرض بجوار إيريس.. الشاعرة تتحدث إليه…)

ايريس : هل تعرف ستاينر من مدة طويلة ؟

مارشيللو : لا أتذكر.. رأيته ثلاث أو أربع مرات.. «إيما» تجلس بجواره وهي تضع يديها في يده..

إيما: اسمع.. يوماً ما سيصبح لنا بيت كهذا.. أليس كذلك ؟ لقد خلق كل منا للآخر..

(أثناء حديثها يصرف مارشيللو النظر عنها في ضيق…. ينهض دون إجابة ويذهب إلى الشرفة حيث يقف ستاينر وحيدا.. يدخن سيجارة وعينه صوب المدينة.. في مكان ما في قلب روما تبدو أضواء كشافات تنعكس في السماء..)

مارشيللو : أحب أن أحضر إلى هنا باستمرار..

ستاينر : طبعا.. تعالى في أي وقت تشاء.. سأسعد برؤيتك..

مارشيللو : يجب أن أغير الوسط الذي أعيش فيه.. لابد من تغيير أشياء كثيرة.. إن بيتك ملاذ حقيقي.. أطفالك وزوجتك وأصدقاؤك كلهم في منتهى الروعة.. وكتبك أيضا.. إن وقتي ضائع.. هل أنجزت شيئاً. ما ؟ كان عندي طموح ذات يوم.. لكن ربما فقدته.. ونسيت كل شيء.

ستاينر : لا تكن مثلي.. لا تتقوقـع داخل نفسك.. فأنا محترف وسط هواه وهاو وسط محترفين هذا كل ما في الأمر..

(لأنه يتحدث برقة ولكن بجدية وهو يفهم مارشيللو ويود مساعدته وهو يستمع إليه بصدق وإن كان لا يريد أن يصدق آراء ستاينر عن نفسه.. فهو بالنسبة إليه نموذج لما يجب أن يكون عليه..)

ستاينر : كل حياة مهما كان بؤسها تستحق أكثر من مجرد الوجود الخفي في عالم كل شيء فيه منظم ، وحيث كل شيء فيه عملي وله مكانة.. مارشيللو أستطيع أن أكون صديقك فقط ومن الصعب أن أسدي لك النصح.. لكن إن أردت أن أساعدك في تغيير الحياة التى تعيش فيها فسأعرفك إلى أناس.. كناشر مثلاً يتيح لك عملاً طيباً تقضي فيه وقتاً مفيدا.. هذا أفضل من ضياع وقتك في الكتابة لهذه المجلات الحقيرة شبه الفاشية.. فكر في الأمر ثم نتناقش بعد ذلك..

مارشيللو : حسنا..

(يبتسم ستاينر موافقا).. يشير عليه بأن يتبعه إلى غرفة الأطفال.. يغلق الباب ويسير على أطراف أصابعه حتى يصل إلى مهد الطفل النائم.. يرفع الستارة التى تحيط بسريره وكل حركة منه تنم عن حبه العميق لأطفاله.. ينحني على السرير ويقبل أصابع الطفل ويضع يده على رأسه برقة.. ثم ينهض ويتجه إلى سرير ابنته يركع ويضع قبله على جبينها.. الفتاة نائمة وبجوارها دمية يسحبها في هدوء ويضعها بعيداً فوق المكتب ثم يخرج إلى النافـذة بصحبة مارشيللو وينظر شارداً وهو يتحدث بصوت هامس..

ستاينر : أحياناً يثقل علي الليل والهدوء.. إنه هدوء يثير مخاوفي.. «ربما لأني لا أثق به». أعتقد أنه مجرد مشهد يخفي وراءه خطرا.. أحياناً أتدبر أيضاً في العالم الذي سيعشيه أولادي.. يقولون إن عالم المستقبل سيكون عجيبا.. لكن ماذا يعني هذا ؟ إنه عالم في انتظار إشارة من مجنون.. يدبر كل شيء..

(وجهه وقد انعكس على النافذة يحمل تعبير الحزن والألم العميق..)

ستاينر : والآن علينا أن نعيش أكثر روح هذه الجمل التي قرأتها لك الآن.. ألا توافقني ؟ أم الأفضل أن يحب أحدنا الآخر خارج الزمن.. فيما وراء الزمن.. في عزلة.. وأن نحيا في عزلة.. تعالي ننضم إلى أصدقائنا..

مشهد (٣٣) : – فريجينا – مطعم يشرف على البحـر

(يوم جميل على شاطئ البحر الشمس مشرقة طفل يجري حول حفر مهجورة.. صائحاً وهو يلعب مع كلب.. يمر على سيارة مارشيللو الواقفة في الرمل بالقرب من الشاطئ .. مطعم به صالة مفتوحة يقصده الناس أثناء الصيف للغداء على موائده الخشبية.. الجو مريح وبسيط.. في أعلاه شبكة تمنع ضوء الشمس وتلقي ظلالاً لا متماوجة على الأرض.. على إحدى الموائد آلة كاتبة وبعض الورق لا يوجد سوى مارشيللو.. وصندوق الاسطوانات يعزف عالياً أغنية «باتريشيا».. مارشيللو يتحدث بغضب في التليفون وهو يتحدث إلى إيما)…

مارشيللو : لن أقضي حياتي معك على التليفون..أريد العمل في هدوء..

(يلتفت نحو الفتاة.. مس.. لو سمحت أوقفي جهاز الموسيقى؟)

(تتوقف الموسيقى ومارشيللو يصيح في التليفون .. لن أخبرك بمكاني ولا أعلم متى سأعـود.. عليك اللعنة..)

(يعود إلى المائدة وأمامه الآلة الكاتبة.. يحاول الكتابة وهو في حالة غضب.. الجرسونة خلفه.. تروح وتجيء وهي تعد إحدى الموائد للغذاء.. وهي تردد في سرور الاغنية التي كان يعزف..).

مارشيللو : هل يمكن أن تغني بصوتك الظريف في هدوء ؟

(تتوقف.. يتقدم منها طفل يرتدي مايوه وقبعة بحار.. يمسك بشوكة..)

الطفل : باولا.. إنها مكسورة..

باولا : خذ غيرها.. (تمر من أمام مائدة مارشيللو) هل سـتأكل هنا ؟

مارشيللو : كلا.. أيوه.. لا أعرف.. لا أعرف. .

باولا : الطعام جيد هنا؟ (تراقبه بحب استطلاع..) هل من الصعب تعلم الكتابة عليها؟

مارشيللو : هل تريدين أن تكوني كاتبة على الآلة الكاتبة ؟!

(يتوقف عن العمل ولأول مرة يراها على حقيقتها.. فتاة في الثالثة أو الرابعة عشرة ذات براءة من نوع خاص..)

باولا : أحب ذلك..

مارشيللو : أنت حلوة. .

باولا : صحيح.. أنت تبالغ..

مارشيللو : أنت عازفة أنت حلوة..

باولا : أوه.. شكرا..

(في بساطتها سحر.. تنسحب قليلاً ثم تستأنف عملها.. يعود الطفل جهاداً هذه المرة).

الطفل : وهذه مكسورة أيضا..

مارشيللو : لست من روما.. من أين إذن ؟

باولا : من «أومبريا» قرب «بيرجييا».

مارشيللو : وكيف جئت هنا ؟

باولا : كان والدي يعمل في «انزيو» وجئت معه.. سأنتقل بعد الكريسماس.. ربما إلى «استيا «أ و«روما».

مارشيللو (مشيراً إلى الطفل) : ومن هذا ؟ أخـوك ؟

باولا : مساعدي..

مارشيللو (مبتسماً) : كيف يعاملونك هنا ؟

باولا : كويس.. لكني لا أحب المكان.. أريد العودة إلى المنزل.. أشعر بالحنين للعودة إلى بلـدتي..

(مارشيللو يرقبها ومن خلفه الشاطئ نظيفا.. البحر..)

مارشيللو : دعيني أراك في منظر «بروفيل» (جانبي)…

باولا (مضطربة) : لماذا؟

مارشيللو : استديري..

بــاولا : لماذا ؟

مارشيللو : تعالي.. استديري..

(تفعل ذلك وهي تبتسم في رقة ..)

مارشيللو: إنك تذكرينتي بملاك صغير ممن يوجد في كنائس «أومبريا».

(تبتسم أكثر..)

– هل قيل لك هذا من قبل.. ؟

باولا (تضحك مرتبكة) : كــلا….

مارشيللو : لماذا تضحكين إذن ؟

باولا : فقط لأن..

مارشيللو : هل لك صديق ؟

بـاولا : أوه تقصد «بوي فرند».. (تتوفف وهي تنظر إليه في خجل) ألن تكتب؟!!

مارشيللو : لا..

باولا (بشغف) : إذن هل أستطيع أن أدير الجهاز مرة أخرى ؟

مارشيللو : طبعا.. طبعا..

(تقفز في اتجاه الجهاز وتديره ليرتفع بأغنية «باتريشيا».. الطفل وقد عقد ذراعيه..)

الطفل : أقذفي بهذه الورقــة.

(يعودان إلى المطعم معا.. ينهض مارشيللو ويمشي قليلاً وهو يدخن سيجارة متأملاً البحر.. ثم يذهب إلى التليفون..)

مارشيللو : ألو… «إيما» ..

  إيما في غرفة نومها وقد بدت الفرحة على وجهها…

إيمــا : ماذا جري ؟

مشهد (34) : شارع فيافنتـو – مساء

(شارع فيافنتو.. الشارع مزدحم بالناس والأضواء.. رجال ونساء يجلسون على موائد على قارعة الطريق.. نفس الزحام.. ورغم تغير الوجوه إلا أنهم من نفس النوع.. مجموعة المصورين تتسكع على الرصيف استعداداً للهجوم على أية فضيحة.. مارشيللو يقود سيارته ملوحاً لأصدقائه…)

باراديسي : مارشيللو..أبوك هنا ؟

سيروزكو : مارشيللو.. انتظر أبوك هناك..

(يتوقف مارشيللو ويتجمعون حوله)

سيروزكو : هنا رجل يقول إنه والدك..

(ينزل من السيارة وهو يظن أن في الأمر دعابة..)

مارشيللو : والدي ؟

سيروزكو : إنه يأكل هناك.. ينتظرك منذ ساعتين..

مارشيللو (متلفتا) : أين هو ؟

سيروزكو : هناك.. في «النجر و«..

(مارشيللو يسير بين الموائد الخارجية ثم يتوقف وينادي بـرقة..)

مارشيللو : بابا.. بابا..

(رجل قوي البنيان يتناول عشاءه وحيداً وظهره لمارشيللو.. يبدو وحيداً بينهم.. يلتفت وراءه ببطء ثم يشرق وجهه بابتسامة كبيرة..)

الأب : مارشيللو.. أخيرا.. إنني هنا منذ الصباح..

مارشيللو : من الصباح..

(وجه الأب كبير لكنه عطوف وضاحك يفصح عن رغبة في اغتراف مباهج الحياة.. يضع يده على كتف ابنه ويقبله على خده)…

الأب : بحثت عنك في كل مكان.. المنزل والجريدة.. كنت على وشك السفر لكن صديقاً لك أشار عليّ بالانتظار..

مارشيللو : إنه باباراتسو… يجلس بجواره.. إن طبيعة عملي لا تجعلني أهدأ طوال اليوم لا أذهب للمنزل إلا للـنوم.. ما الذي جاء بك إلى روما ؟

(الأب يشعر بالغبطة والأهمية)..

الأب : عليّ أن أذهب للحكومة بخصوص هذا الطلب.. إن كل شيء هنا يضيع..

(ينظر إلى ابنه في مودة).. كيف حالك ؟.. تبدو على ما يرام..

مارشيللو : وأنت أيضا..

(الأب يهز كتفه بتكلف ويصب كأساً آخر..)

الأب : لا بأس..

مارشيللو : وأمي..

الأب : لقد سلمتني رسالة لك.. إنها دائماً قلقة عليك فأنت تعرفها دائماً هكذا.. فالسن له حكمة ها هي الرسالة..

مارشيللو : أمي المسكينة..

(الأب يضع يده على ذراع ابنه مستنكراً)..

الأب : لكن لماذا لم تكتب لنا بالمرة وتزورنا بين الحين والأخر.. أتعرف متى كنت عندنا آخر مرة ؟

مارشيللو : نعم أعرف.. أعرف.. المشكلة أن لدي عملا كثيرا هنا..

(نرى أثناء حديثهما بعض الموائد المحيطة بهما.. على واحدة منها يجلس «بيرون» وصحبه على مائدة أخرى / امرأة ترتدي نظارة شمس كبيرة على هيئة أجنحة فراشة يغطيها الماس .. يبدو على وجهها.. الكآبة.. فتاة تمر وتلمس كتف مارشيللو)…

الفتاة : إيه… مارشيللو..

الأب : أتقصدك ؟

مارشيللو : نعم..

الأب : من هي ؟.. ممثلة ؟

بيرون : ماذا.. إنه يريدها ؟ إنها مجرد كومبارس سمها ممثلة إن شئت.. (يضحك لأن الأمر بدا طريفا)..

مارشيللو : ماذا تشرب ؟ جـن ؟

الأب : جن ؟ ما هذا المشروب ؟ هذه البيره طيبة..

(يلتف حواليه وقد ملأه الحماس..)

الأب : يا إلهي. ما كل هذا الزحام ؟ ! هل يحدث هذا كل ليلة..

الأب (متنهداً) : في مثل هذه الساعة كل شيء يصبح في البلدة مظلماً وكئيبا.. (يشرق وجهه مرة واحدة)… وأنت.. كيف تسير الأمور ؟ أظن لابد أنك تعودت على هذا الآن..

مارشيللو : نعم.. مع الوقت..

الأب : وإيه أخبار عملك.. هل هو مجز ؟

مارشيللو : أنت أدرى بالعمل الصحفي «فهم لا يدفعون إلا لما يستحق من موضوعات.. (يشعر بالفخر ويضيف).. إلى جانب أنني محظوظ لأنني أعرف كل الناس.. الأمر الذي يسهل عملي.. أستطيع الذهاب إلى أي مكان.. والأبواب أمامي مفتوحة.. الوزارة والفاتيكان.. لقد اشتريت سيارة كبيرة..

(عند هذه النقطة يعتدل الأب في جلسته لحديث يبدأه في حذر..)

الأب : على فكرة.. في كل مرة أتصل بك تليفونياً ترد علي امرأة.. من هي ؟

مارشيللو : مــاذا ؟

(يبدو عليه القلق بينما يستمر الأب في حديثه)

الأب : إنني لا أسألك كيف تعيش فقد أصبحت رجلا.. لكن تذكر شيئاً واحداً.. لا ترتكب أي حماقة.. استمتع بحياتك.. نعم فلسنا ملائكة.. أما عن الزواج فهذا شيء مهم وجـاد..

(مارشيللو يضحك ضحكة فيها تكلف..)

مارشيللو : ومن يفكر في الـزواج ؟

الأب : المرأة التي تعبش معك.. لابد أن بينكما علاقة ما (يبدو عليه الارتباك) اسمع.. أنت تعلم سر قلقي..

مارشيللو : كلا… إنها مجرد خادمــة للنظافة ..

(باباراتسوا يتدخل ببرود.. يحيي الأب…)

باباراتسو : مساء الخير.. أخيراً وجدته ؟

الأب : شكراً لك..

مارشيللو : لقد قابلته تواً ؟

باباراتسوا : إننا أصدقاء قدامي ؟

الأب : نعم.. إنه الذي أشار علىّ بالانتظار.. من هو.. مصور ؟

باباراتسو : نعم..

الأب : عمل مشوق.. عمل فني إلى حد ما.. أتعمل مع ابني ؟

باباراتسو : لسـوء الحظ..

(الأب يضحك بينما يسأل باباراتسوا مارشيللو..)

باباراتسوا : أين ذهب الأمير ؟ لقد هرب مني.. سأبحث عنه..

مارشيللو : إلى اللقاء..

الأب (متردداً) : يبدو أن لديكما عملا؟

مارشيللو : كلا يـا أبي..

الأب : أقصد إن كان لديكما موعداً أو شيئا آخر..

مارشيللو : إن عملنا هنا..

الأب :… أوه.. صحيح ؟

مارشيللو : من نريدهم يأتون كلهم إلى هنا.. حيث نحصل على خبر أو صوره..

(مشيراً إلى أعلى الشارع.. جريدتي هناك.. أتراها ؟)

الأب : فهمت.. لكن لماذا تجلس هنا هكذا.. هيه ؟

(لحظة صمت..)

مارشيللو : هل تريد الذهاب للسينما ؟

الأب : كلا.. كلا.. ودائماً اذهب إلى السينما في البلدة.. فلا شيء غيرها هناك..

(يبدو عليه الحسرة.. لا يهم.. فأنا على وشك الرحيل.. سأتركك.. أنت شاب..)

(ينهض ويجلسه مارشيللو..)

مارشيللو : اسمع يا أبي.. ليس لدينا عمل..

الأب : إذن ماذا نفعل.. أقصد كيف تقضي هذه الساعات ؟

مارشيللو : لا يوجد سوى الملاهي..

الأب : على فكرة.. لقد دلني صديق على مكان طيب.. أشبه بالملهى اسمه شن شـو.. شبت شات.

مارشيللو : تقصد الكيت كات.. إنه ملهى قديم..

الأب : نعم : إنه.. الكيت كات..

مارشيللو : أتريد الذهاب إليه ؟

الأب : فقط لمجرد رؤيته طالما أنني لا أحضر إلى هنا إلا نادرا..

مارشيللو (مناديا) : باباراتسو..

الأب : أيوه.. عظيم.. ادع صديقك على حسابي..

مارشيللو (مشيراً للجرسون) : انطونيو..

(الأب يحاول إخراج محفظة) : لا…… لا..

مارشيللو : لا عليك.. تعال..

(إنه يكسب خمسة أضعاف ما يكسبه الأب والمكان غال..)

الأب : لا..لا.. دعني ادفع الحساب..

مارشيللو : انطونيو.. تعال لحظة..

الأب : جرسون ! !

(انطونيو يعطيه فاتورة الحساب..)

مارشيللو : باباراتسو.. تعال.. ستذهب مع أبي..

باباراتسو : إلى أين ؟

مارشيللو : تعـال..

(يسير الاثنان..)

سيروزكو : لكن علينا أن نجد الأمير..

باراديسي  و«دوريا» : نعم.. الأمير.. باباراتسو..

(أثناء ذلك يكون الأب قد دفع الحساب وهو لا يدري جسامة ما دفعه).. الجرسون يشير له على باقي الحساب..)

والأب يلوح بعظمة ويعطي الجرسون بقشيش..

مارشيللو : باباراتسو.. تعال بسرعة.. اطلع.. ينادي (بابا.. تعال هنا !!)

(يسير به إلى السيارة .. يصعد الأب للسيارة بصعوبة ولكن بتأثر مارشيللو يستدير إلى الجانب الأخر ثم يركب..

باباراتسو : إلى أين ؟

مارشيللو : إلى الكيت كات.

باباراتسو : لكن دراجتي هناك.. سأذهب لإحضارها..

(مارشيللو لا يعطيه الفرصة فهو في حاجة إليه هذه الليلة..)

مارشيللو : اركب..

(باباراتسو يقفز من الخلف..)

باباراتسو : باراديسي.. خذ بالك منها..

مارشيللو : أخبرهم في الجريدة.. إنني سأتصل بهم من المنزل..

(باراديسي منادياً على باباراتسو:)

باراديسي : سأراك في المشرحة..

باباراتسو : حسنا.. ألقاك هناك..

سيروزكو : وماذا عن الأمير ؟

(السيارة تشق طريقها بين الزحام مسرعة)

مشهد (٣٥) :  – ملهى الكيت كات

(موسيقى السيرك.. فرقعة سوط تعلن بدء نمرة جديدة.. الجرسون يتقدم مارشيللو ووالده إلى إحدى الموائد…)

الجرسـون : هل تناسبكم هذه المائدة ؟

(الملهى من الدرجة الثانية من النوع الذي لا يرتاده مارشيللو عادة وإن يكن الأب قد بدا عليه الإبهار وهو يتفحص الجدران والثريات المزخرفة)..

الأب : لم يتغير شيء مازال كما هو. أوه.. انظر… انظر..

(مشيراً في بهجة نحو عروض الأسد الكوميدية وهو يخرج.. ينادي على الجرسون).

الأب : اسمع.. تعال.. هل كنت تعمل هنا سنة ٢٢٩١م.

الجرسـون : كلا.. كنت أيامها في (تورين)..

الأب : أه.. يبدو ذلك..

– كنت في روما منذ سنوات..

– أه..

(يومئ لنفسه وقد استغرقه العرض.. المهرج يفرقع بسوطه وتخرج ثلاث فتيات فارهـات يلبسن ملابس قصيرة وأقنعة نمـور..)

مارشيللو : بابا.. تشرب حاجة ؟

الأب : طبعا.. خمر..

مارشيللو : مـاذا تحب.. ويسكي ؟؟

الأب : نعـم..

(الأب وقد أنعشته الموسيقى وحضور الفتيات بملابسهم الخليعة وهن يقلدن حركات النمور والمهرج يطرقع بسوطه)..

مارشيللو : اثنين ويسكي.. ثلاثة..

الجرسـون : أي نوع ؟

باباراتسو : بلاك آند وايت. (يلتفت حواليه مشمئزا) لماذا لا تقوم بتحقيق عن هذا المكان ؟ إنه أشبه بمقبرة..

الأب : يا لها من امرأة جميلة ؟ ما أطول ساقيها ؟

باباراتسو : ماذا تقول ؟

مارشيللو : يقول إن ساقيها طويلتان..

الأب يغمز للأطـول.. امرأة عملاقة طولها حوالي ستة أقدام.. يتحدث إلى باباراتسو

الأب : هل ذهبت مرة إلى باريس..

باباراتسو : كلا

الأب : ذهبت إليها أكثر من مرة.. ذهبت مرة إلى ملهى ليلي يشبه هذا وكان به فتاة تشبه هذه بدأت في خلع ثبابها قطعة قطعة حتى أصبحت عارية.. تفتكر حصل إيه… لقد كان رجلا..

(يضحك من قلبه.. ثم يسأل..) : هل والدك حي ؟

باباراتسو : نعم.

الأب : لا بد أنه مازال شابا.. فأنت مازلت شابا.. ماذا يعمل ؟

باباراتسو : لا شيء.. إنه عاجز لا يفعل شيئاً طوال يومه.. كل ما يفعله أن يقبع بالمنزل مضايقاً أمي وأختى.

(مارشيللو مقطباً وهو يرفسه من أسفل المائدة وباباراتسو يستمر في حديثه..)

باباراتسو : يظل يغني ويصفر ويغضب لأنه يريد نقوداً ليذهب إلى السينما..

مارشيللو : إنه يكذب..

الأب حزيناً : لم لا ؟ ممكن..

(يرقب القتيات في زي النمور.. وخلفهم المهرج.. الموسيقى تعزف أغنية «نعم يا لسيدي.. إنه طفلي».. ست فتيات في ملابس هفهافة وقبعات واسعة يدخلن قفزاً وبأيديهم بالونات كبيرة.. مجموعة من البحارة الأمريكيين على مائدة أخرى يصفقون مهللين.. بينما الفتيات يدرن حول المكان تداعب الأخيرة منهن شعر مارشيللو..)

فانـي : مارشيللو… أهـلاً ؟

مارشيللو (مبتسما) : أهـــلا..

ليلي : إنه أنيق…

فاني : متى تظهر صورتي في المجلة.. أيها القط القبيح.. (تتحدث الإيطالية بلهجة فرنسية..)

مارشيللو : أنت جميلة..

الأب : ما اسمها ؟

مارشيللو : فاني..

الأب : أتعرفها جيداً ؟

باباراتسو : نعم.. يعرفها جيدا.

مارشيللو : إنها فرنسية..

الأب : ساحرة.. هيه.. أهي فرنسية… ؟ !

(فاني مازلت ترقص بجوار المائدة.. تشير إلى الأب وهو يتحدث مع مارشيللو..)

فاني : إنه كذاب.. كيف صادقته ؟

مارشيللو : اسمعي.. إنه أبي..

فاني : صحيح.

مارشيللو : بابا.. إنها لا تصدق..

الأب : نعم… مساء الخـير يا مدموزيل.. (يسرها هذا الإطراء)

فاني : مساء الخير يا سيدي.. (تضم إلى صف زميلاتها)

الأب : مع تحياتي..

يرفع كأسه ثم ينظر إلى ابنه

مارشيللو: لقد وعدتها بصورة.. إنها لطيفة..

الأب : طبعا..

مارشيللو : هل ندعوها ؟

الأب : نعم.. (يفرك يديه).. ما رأيكم في زجاجة شمبانيا ؟

باباراتسو : شمبانيا ؟ كفاية عليها عصير برتقال.!!

مارشيللو : وهو كذلك..

الأب : لا تخف.. إنني على علم بمثل هذه الأشياء فقد تعودت على بيعها لنصف إيطاليا..

باباراتسو : إذن.. اشرب كأسا..

(مارشيللو يشير إلى الفتاة..) فاني… تعالي بعد كده.. اوكي !

فاني : حاضر.. فهمت..

(الفتيات يخرجن وهن يقذفن بالبالونات في الهواء وتبدأ موسيقى ناعمة ويرفع الأب كأسه)..

الأب : في صحتك..

مارشيللو : في صحتك..

الأب : شكراً عظيم.. عظيم..

مارشيللو : حقا.. (فإني تحضر ومعها الشمبانيا.. تتصرف كأنها جرسونة..)

فانـي : هل طلبتم شمبانيا..

الأب : فعـلا..

فانـي : ها هو الجرسون أيضاً.. أي طلبات أخرى ؟

تقــدم نفسها للأب : فاني..

الأب : تشرفنا.

فانـي : لا.. لا.. اجلس..

(تنظر إلى المائدة) إلى مارشيللو أولاً ثم باباراتسو..

– لن أحييك.. ولا أنت أيضا..

(تجلس بجـوار الأب..)

الأب (ضاحـكا) : أعرف.. أعرف..

فــاني : أليس تصرفا محموداً ؟ عد به إلى المنزل..

(تضع يدها على ذراعـه.)

فـاني : أصحيح إنـك والـده ؟

الأب : ألا تصدقين ؟

فانـي : مستحيل.. فأنت شاب.

(يضع يده على قلبه كمغني الأوبرا..)

الأب : أرجـوك يا سيدتي لا تتحدثي عن السن.. لا توقظي الحزن الذي يثقل على قلبي..

(يبدو أنه استلطفها وأنه كان يوماً ما «دون جـوان».. تبدو عليه الحيوية وهو يتحدث معها ..).

الأب : أتدرين لماذا نكبر ؟ الملل.. عن نفسي كنت معتاداً على الترحال في شبابي.. كنت أشبه بأسد وأستطيع أن أثبت ذلك ،… لكن ما أن لزمت البيت حتى أحسست بأن عمري ثمانـون عاما..

(يبدو الحزن على وجهه وكبر السـن وسرعان ما يستعيد نفسه ويتحدث مع باباراتسو الذي انهمك في فتح سدادة الزجاجة)..

الأب : وأنت… ماذا تفعل ؟

(يأخذ منه الزجاجة..)

الأب : لست خبيراً سوى في زجاجات كوكاكولا.. أما الشمباني فهو عملي !!

فانــي : سكوت..

(يظهر مهرج قصير عليه سمات الحزن وهو يعزف في نفير.. يلبس قبعة عالية بالية وسروالا وصديريه بيضاء…)

فانــي : اتفرج .. إنه رائع.. دائماً أبكي عند رؤيته..

(مارشيللو مبتسماً في جدية..)

مارشيللو : فعــلاً .. إنه يجعلني أبكـي…

(المهرج يمشي بطيئاً وهو يعزف أغنية حزينة.. ورغم حزنه هذا عليه أن يؤدي رقصة فيرفع قدمه اليسرى إلى أعلى.. يتوقف أمام تمثال عار ناظراً إليه مبعداً البالونات عن طريقه بطريقة كوميدية.. يعزف نغمة عالية ثم يتوقف نفيره وينظر حوله حائراً ثم يخرج مرة ثانية في بطء وعند نهاية الصالة يتوقف مشيرا إلى البالون «تعال».. فتتبعه إلى خارج المسرح.. يصفق والد مارشيللو بحرارة وهو يصب كأساً يعطيها إلى فاني منتشيا..)

الأب : كأسـك.. يرفع كأسه.. إلى ساقيك الجميلتين اللتين وقعت في غرامهما..

(يتبادلان النخب)

الأب : عظيم.. لابد من أن نشرب أكثر.. لقد شربنا أولا نخب ساقيك.. والآن نشرب نخب..

فانــي : هــس ..

الأب : لن أقول ما يصـدم…

(فاني تنظر إليه في مـودة ثم تتحدث إلى مارشيللو..)

فانــي : هل تعرف أن أباك أكثر جاذبية منك ؟

الأب : كلا..

فانـي : بل أكثر سحراً منك..

(يبدو عليه الألم كما لو كان قد ارتكب خطأ)

الأب :… لا.. دعينا من هذا.. سأريك لعبة.

فانـي : صحيح..

الأب : سنرى إن كان في إمكانك أن تؤديها.. خلي بالك..

(يتناول عملة صغيرة من النقود ويلصقها على جبهته..)

الأب : ضعي هذه العملة الصغيرة على جبهتك. ودعيها تقع دون أن تلمس أنفك.

فاني : إنـها لعبة سهلة.

الأب : حقاً ؟

فانـي : إنها لعبة أطفال.

الأب : حــاولي..

الأب : ها هي العملة.. سأضعها على جبهتك والصقها هكذا..

فانـي (ضاحكـة) : انتظر قليلا..

الأب : حاضر..

فانــي : انتظر..

(تسد أنفها وتنظر بجانب من عينيها دون أن تضع العملة على جبهتها فقد سحبها بخفة في نفس الوقت الذي تظاهر فيه بأنه يثبتها..)

– لا شيء.. (تنفجر ضاحكـة..)

– أنت تسخر بي.. اسمع.. سأقص عليك قصة

(تنهض وتدور حول المائدة وتجلس بجانبه.. تلتقط فراش المائدة وتبدأ في الشرح…)

فـاني : اسمع.. القصة عن سيدة أرسلت زوجها إلى محل لشراء ثلاثة قصمان وستة مناديل.. و ماذا تسمى هذا ؟

باباراتسو (بضيق) : السوتيان..

فـاني (موافقة) : وفي طريقه توقف قليلاً لاحتساء عدة كؤوس من الخمر فنسي كل شيء وعندما عاد قالت له مدرسة…

باباراتسو : مدرسته ؟

فانـي : نعم.. زوجته.. قالت له الزوجة هل أحضرت طلباتي؟ وأجاب الرجل «نعم» وأخرج منديلاً كهذا.. سألته وأين المناديل ؟ أجاب: ها هي… واحد.. اثنين.. ثلاثة..

(تثني فوطة السفرة لتشرح كيف عرض الزوج مناديله الستة مقتنعاً بوجودها وقالت الزوجة.. وأين القمصان ؟ قال : ها هي واحد.. اثنين.. ثلاثة.. وأين السوتيان ؟ أجاب الزوج : لقد أحضرتها هي الأخرى … لحظة.. ها هي.. (تفرد الفوطة.. وتعقدها على شكل سوتيان والأب يضحك)

الأب : لكنك لست في حاجة إليها… أفضل ما عندك..

مارشيللو : بابا..

الأب : إيه.. ظريف.. ظريف..

(فاني تضع الفوطة على جبهتها في شكل أذني حمار..)

فانـي : مسكين أيها الحمار الصغير ..

الأب : ألا توجـد شمبانيا.. المزيد.. جرسـون..

(الأوركسترا ينتهي من لحن أمريكي ويبدأ في عزف لحن أغنية المهرج الحزين..)

الأب : إنها رقصة «والتز» أظن هذا.. (ينهض ويدعوها للرقص..) سيدتي.. هل تسمحين لي بهذه الرقصة ؟

(لمارشيللو يغمزه)..

الأب : لا شيء ؟ كل شيء على ما يرام..

(يتقدم بها إلى صالة الرقص وهو يقبلها قبلات خاطفة بينما يراقبه مارشيللو في رقة…)

مارشيللو : باباراتسو.. أتعرف.. عندما كنت صغيراً لم يكن أبي يمكث في المنزل.. كان يسافر لأسبوع واحد وأحياناً لعشرين يوما.. نعم.. كان يبدو أيامها أنه لن يعود أبدا.. وكم بكت أمي.. لذا نادرا ما كنت أراه حتى عند عودته لم أكن أعرفه… لا تعرف مدى سروري لرؤيته الليلة إنه ظريف.. أليس كذلك ؟

باباراتسو : جدا.. لابد أن تقضي معه أمسية جميلة..

مارشيللو : نعم.. ولكن..

(الأوركسترا تعزف موسيقى الجاز ويتدافع البحارة مع الفتيات بينما مازال الأب يرقص رقصته حتى يدرك خطأه..)

الأب : يبدو أنها لا تؤدى هكذا ؟

فانـي : لا تهتم.. أفضلها هكذا..

الأب : صحيح؟ إذن هيا نرقص.. عيناك جميلتان ؟

فانـي : أوه.. صحيح ؟ كيف أفسر كلامك ؟

الأب : تعبيراً عن إعجابي بك..

(يشير إلى مارشيللو بوجهه على أن كل شيء على ما يرام…)

فانـي : أخشى أن تكون كابنك..

الأب : كيف ؟ هل أشبهه ؟!

فانـي : حسنا..      

(يضمها إليه قليلا..)

الأب : إنه شيء وراثي في العائلة…

مشهد (٣٦) : – خارج ملهى الكيت كات في الطريق إلى منزل «فانـي»

(الوقت متأخر حوالي الثالثة صباحا.. الشلة تخرج مخمورة من الملهي محدثة ضوضاء. سيارة «مارشيللو» تقف خلف سيارة «فاني» الصغيرة…

فانـي : كلا.. كلا.. سيأتي والدك معنا.. اتبعنا.. احترس.. إنني أقود بسرعة حتى لو كانت سيارتي صغيرة..

(الأب يصعد إلى سيارتها.. مارشيللو يبدو عليه القلق إلى حد ما.)

مارشيللو : بابا..

الأب : نعم.. ماذا تريد ؟

مارشيللو : أتريد حـقاً تناول العشاء في شقتها ؟

الأب : طبعا.

فانـي : نعم.. هذا ما يريده.. تجلس في مقعد القيادة.. إنني مستعدة.. أمستريح في سيارتي الصغيرة..

(مارشيللو يقف بجوار نافذة السيارة حيث يجلس الأب)

مارشيللو : بابا .. اسمع !!

الأب : نعم.. ماذا جرى؟

مارشيللو : هل أنت بخير ؟

الأب : طبعا.. كل شيء على ما يرام.. ألا ترى.. دعني..

مارشيللو يسأل فانـي : أتجيدين القيادة ؟

فانـي : لو عرفت الحب كما أعرف قيادة سيارتي لأصبحت سعيدا.. اذهب..

(مارشيللو يركب سيارته وبجواره «لوسي»  و«باباراتسو «يجلس على حافة مؤخرة السيارة مع «جلوريا» الزنجية وهو يصيح في ، فانـي»)..

باباراتسو : على مهلك..

لوسي : اس. وإلا أيقظت الناس..

باباراتسو (صائحاً) : سكوت.. الناس نائمون..

مارشيللو منادياً على فانـي : على مهلك.

إلى لوسـي : مازال والدي محتفظاً بأناقته.. أليس كذلك ؟

تتحرك السيارة تتقدمهم سيارة «فاني» الفـيات»

منظر لطريق عام.. جلوريا تتثاءب وهو تغني في تكاسل)..

جلوريا : الجو عاصف واختفت الشمس من السماء..

(«لوسي» بجوار «مارشيللو».. صامتة وهو يقود سيارته مشغولاً بوالده وما قد يحدث في شقة فاني !! بعد مضي ساعة.. يدور حول منحنى ويتوقف أمام «جراج» قريباً من شقة «فاني».. صمت..).

باباراتسو : جلوريا.. استيقظي.. لقد وصلنا..

(يقفز من العربة ويساعدها على النزول بينما تنزل «لوسي» وهي تتثاءب وتتمطي..)

لوسي : أوه.. قدمي.. لابد أنك سلكت الطريق الطويل وإلا لما استغرقنا كل هذا الوقت..

(مارشيللو في السيارة وقد بدا عليه الحزن) : ألن تحضر..

مارشيللو : لا.. لن أحضر..

لوسي : لماذا ؟ ماذا ستفعل ؟

مارشيللو : إنني متعب.. «باباراتسو «سأترك سيارتي هنا وعليك بإعادة والدي..

باباراتسو : تعال..

مارشيللو : أخبره أنني ذهبت إلى الجريدة وأن يتصل بي قبل سفره..

لوسي : تعال.. تعال معنا..

مارشيللو (ينزل) : ليست لدى الرغبة.. سأتجول قليلاً حتى لا أنام..

مشهد (٣٧) : – خارج منزل فاني – المنزل وداخل شقتها

(شارع مواجه لشقة «فاني» «باباراتسو» و«جلوريا» يخرجان من الجراج «فاني..» تقف أمام باب المبنى قلقة.. ترى مارشيللو فتجري نحوه..)

فاني : مارشيللو أين كنت ؟ كنت في انتظارك منذ نصف ساعة.. والدك على غير ما يرام..

مارشيللو : مــاذا ؟

فانـي : ليس على مايرام.. يبدو أنه شرب أكثر من اللازم إنني ذاهبة إلى الصيدلية..

مارشيللو (منزعجا) : هل تركته وحيداً ؟

فاني : لقد طلب هذا الدواء.. مكتوب هنا..

(تعطيه روشته)

مارشيللو : بابارا.. باباراتسو.. أسرع إلى الصيدلية..

باباراتسو : ماذا جري ؟

يناوله الروشته : أسرع..

(باباراتسوا يسرع عـبر الشـارع بينما يتقدم مارشيللو «فاني» مسرعاً إلى السلالم..)

مارشيللو : أي دور ؟

فاني : الثالث..

(يصل إلى الثالث ويقفز بعض سلالم..)

مارشيللو : أي باب ؟

فاني : اخفض صوتك.. إنها عمارة محترمة..

(تفتح الباب بمفتاحها ويندفع مارشيللو .. الأب في غرفة النوم يجلس صامتاً بجوار باب يؤدي إلى بلكونة صغيرة.. قميصه مفتوح والجاكته فوق كتفه..)

مارشيللو : بابا.. بابا. !!

(الأب مازال مولياً ظهره دون حركة منطوياً على نفسه ثم يتحدث في هدوء..)

الأب : اضئ النور..

مارشيللو : أين هو ؟ أنتظر.. أنتظر.

(يضيء النور ويغلق الباب ويقترب منه ليقف خلفه..)

مارشيللو : لقد ذهب صديقي إلى الصيدلية وسيأتي حالا..

الأب : مفيش حاجة.. يبدو أنني شربت كثيرا..

مارشيللو : لا داعي للقلق.. سوف يعود سريعـا..

الأب : .. ستمر الأزمة.. ستمر..

(يتحدث في نفس الصوت الهامس بأقل حركة ممكنة.. فمن الواضح أنها أزمة قلبية.. في الناحية الأخرى من الشقة تتحدث «لوسي» مع «فاني..)

لوسي : ماذا حدث ؟؟

فانـي : لا أدري.. فجأة جاءته الأزمة. لقد انتابني الخوف فعلا.. والحمد لله أن مارشيللو حضر..

لوسي : هل أحضر فنجان قهوة..

فانـي : كـلا.. علينا أن ننتظر هنا..

(تجلس «لوسي» على الأرض وتخلع حذاءها.. الأب في مكانه وهو يلقي نظره على المدينة من باب البلكونة..)

الأب : أي منطقة هذه من المدينة ؟ أين نحن الآن ؟

مارشيللو : إنها منطقة تدعي إيطاليا..

الأب : لم أسمع عنها.. هل هي بعيدة ؟ لقد اعتدت النزول في بنسيون عند «بيزافيوم» عندما كنت أحضر إلى روما..

(يبدو في حالة غيبوبة كشخص أحس باقتراب موته يتذكر شبابه وكم تغيرت الدنيا عما كانت عليه بينما جلس «مارشيللو» خلفه على مائدة صغيرة على بعد خطوات منه.. إنه يعلم أنها أزمة قلبية.. ولن يسعفهما الوقت في الحديث معا.. الأب يتكلم..)

الأب : كم الساعة الآن ؟

مارشيللو : الرابعـة..

الأب : لابد أن ألحق بقطار الخامسة والنصف (واقفاً) مازال عندي وقت..

(مارشيللو يتناول معطفه ليلبسه له)..

مارشيللو : بابا.. اسمع.. لماذا لا تحضر معي ؟ لتنام وتستريح قليلا..

(الأب يربط أزرار قميصه)..

الأب : كلا.. كلا.. أفضل السفر لأكون في البيت حوالي العاشرة.. أين ساعتي؟

مارشيللو : بإمكانك التأخير….

الأب : لا.. لا.. إنني أشعر بتحسن الآن..

(ينتظر مارشيللو الذي يحضر الساعة من فوق المكتب ويعطيها له)..

مارشيللو : بابا.. لماذا لا تمكث معي حتى غد ؟ أرجوك انتظر حتى الغد.. إن كنت تريد النزول في فندق عن الإقامة معي.. ففي أي فندق تفضل ؟ ليس لدى عمل غداً !! وسنقضي اليوم معاً نتحدث فلم ير أحدنا الآخر من فترة..

(أثناء توسـل مارشيللو يتجه الأب إلى الفراش ويعيد ترتيبه.. ثم يعود إليه)

الأب : لابد من الرحيل… لابد.

فانــي : مارشيللو.. التاكسي حضر..

مارشيللو : أي تاكسي..

الأب : أنا الذي استدعيته.. أين قبعتي ؟

مارشيللو : نستطيع أن نصرفه.. أرجوك ابق معي..

الأب : لا.. أريد العودة إلى بيتي..

(يضع قبعته على رأسه ثم يقول لفاني وهو يخرج..)

الأب : وداعا….

فانـي : وداعا… أرجو لك حظاً سعيدا..

(عيناها تعبر عن حزن عميق وتلوم الظروف لهذا الموقف..)

الأب : وداعـا.. مارشيللو..

(التاكسي أمام المبنى.. والوقت فجر.. من شرفة فاني نرى الأب والابن بجوار التاكسي..)

الأب : لقد سعدت برؤيتك.. أرجوك أن تكتب لنا. لا.. لا.. تحضر معي أرجوك..

  (يتعانقان ثم يركب الأب التاكسي.. مارشيللو يجري بجوار التاكسي الذي سرعان ما يختفي في أحد الشوارع الجانبية بينما يقف مارشيللو من منتصف الشارع وحيدا…).

مشهـد (٣٨) : شارع فينتو : – مساء

(موكب من السيارات يسير ببطء ملاصقاً للشريط الضيق لشارع «فينتو» الصاخب.. وقد اصطفت على جانبيه الموائد.. والجرسونات في حركة دائمة لتلبية الطلبات.. فجأة تنشب معركة على إحدى الموائد..

رجـل غاضب : سأحطم وجهك.. أتظن أنني سأتركك تغازل زوجتي ؟

(يحاول بعض الأصدقاء تفريقهم..)

واحد : إنه يفعل هذا لـتراه النساء ؟

الرجل الغاضب : ماذا تقول ؟

متفرج : إنني أتفرج.. أليس من حقي ؟

مارشيللو يتدخل : ماذا يجري ؟

بيبرون : لا أدري.. لكنه مشهد جميل..

رجل غاضب : تعال.. تعال أيها القذر..

(يكتفي خصمة بهذا ويتركه وهو يلوح بقبضته… ينظر مارشيللو حواليه يرى صديقة شقراء يسترسل شعرها على كتفها..)

مارشيللو : نيكو..

نيكـو : مارشيللو.. أيها القذر ! !

(تبدو شابة رقيقة ترتدي بلوفر أسود وبنطلونا ضيقا.. يبدو من لهجتها أنها سويدية أو المانية)..

مارشيللو : كيف حالك ؟

نيـكو : على ما يـرام..

مارشيللو : إلى أين ؟

نيـكو : إلى باسانو.. دي سوتري.. إلى قلعة خطيبي..

مارشيللو : خذيني معك.

نيـكو : حسنا.

(ينتظران على الرصيف حتى يهدأ المرور..)

مارشيللو : باباراتسو يبحث عنك يريد تصويرك لغلاف المجلة..

نيــكو : لقد هجرت العمل منذ العام الماضي.. كفاية كده..

(رجل وامرأة في ملابس سهرة في عربة مكشوفة.. ينادي الرجل..)

بروفيريو : نيكولين.. نحـن هنا..

نيـكو : هل لديكما مكان لصديقي ؟

بروفيريو : .. في السيارة الأخرى..

نيـكو : آسفة .. سنراك في القصر..

بروفيريو : وداعا..

(نيكو تشير إلى السيارة الأخرى)..

نيـكو : هل لديكما أماكن لاثنين ؟

أحـد المـارة : أهلاً ماري.. متى وصلت ؟

آخــر : إنها أحدث موديل.. ستجدين راحتك فيها..

(يغادر أصدقاؤهما المكان.. تقفز إلى الطريق أمام سيارة أخرى)

نيـكو : انتظر.. قف انتظر….

(تتجه نحو سائقها وتتحدث مع شاب يبدو عليه النزق والطيش إنه «أوليفيرو» الأخ الأصغر لخطيبها «جيليو»)..

أوليفيرو : واحد من عشاقك القذرين.. تعال.. اركبي..

(تفتح الباب وتنادي على مارشـيللو)

نيكـو :.. تعال .. تعال.. يجلسان في المقعد الخلفي.. (نيكو تجلس على ركبته وقد جلست بجوارها فتاة جميلة سوداء الشعر تجهل اللغة الإيطالية.. أوليفيرا يقود السيارة وبجواره «ماساميلا»وهي امرأة عجوز ارستقراطية تتدلى من فمها سيجارة.. وجهها كله تجاعيد وماكياجها مبالغ فيه.)

أوليفيرو : ستقودين بنفسك حالما نخرج من روما..

ماســاميلا : وإلا سأركب تاكسي.. أتسمعنى..؟

(سيارة بروفيرو تحاذيهم ثم تسرع في الاتجاه الآخر.. وبجواره «ليدى رود»).

بروفييرو : بعدد أن تصل إلى «كابرانيكا» اتجه إلى الطريق الأقصر عبر حدائق الزيتون..

ليدي رود : اتبعونا .. آه… نقود للبنزين..

مشهد (٣٩) : في الطريق إلى «باساتو دي سوتري»

(«ماساميلا» تقود السيارة بسرعة وهي تنظر إلى الطريق وقد تدلت سيجارة بين شفتيها.. بجوارها «أليفيروا» مسترخياً في مقعده متظاهراً.. بالنوم وفوق ركبته كلب..)

ماساميلا : أمازال هناك أناس عند والدك.

أوليفيروا : أرجو أن يكون قد رحلو حتى ننام مبكرا.. على أي حال لن يرحل في مثل هذه الساعة إلا العجائز.. أن حفلاتنا أشبه بجنازات من الدرجة الأولى..

ماساميلا : أعتقد أن أخاك قد ذهب للصيد..

أوليفيرو : ايرين.. خذي هذا الكلب.. إنه قذر..

  (يناوله للفتاة الجالسة بجوار مارشيللو.. في المقعد الخلفي)

نيكو (بالألمانية) : يبدو أنه في حالة نرفزة..

مارشيللو : ما اسم هذه البلدة ؟

نيكو (بالألمانية) : «باساتو دي سوتري».. حيث يوجد الأشباح..

مارشيللو : علام تصرخين ؟ بأي لغة تتحدثين.. من أي بلد أنت ؟

فيكو : من الإٍسكيمو..

(السيارات تشق طريقها عبر طريق متعرج في اتجاه القصر.. سيارة «ليدي رود» في المقدمه.. تتبعها أخرى ثم سيارة مارشيللو وفيكو.. أثناء مرورهم ببئر قديم يطلقون نفير سيارتهم.. يدخلون بوابة القصر حتى يختفون عن الأنظار..)

مشهد (٤٠) : – قلعـة باساتو دي سوتري

(غرفة واسعة عالية الجدران.. بها مدفأة كبيرة.. حولها تماثيل نصفية لأباطرة وشيوخ رومان.. الحفلة صامتة.. على الأرض تجلس سيدة أرستقراطية وولدي الأمير ماسكالتشي. هما دون «جيليو» وشقيقه الأصغر «إيفاندا» ، السيدة تحملق في الفراغ وعينيها تنم عن الملل.. «إيفاندا» و«جيليو» نائمين وقد أمسك الأخير بعقد من اللؤلؤ (يدخل «برفيريو» ضائحا)..)

بروفيرو : مساء الخير جميعا.

إيفاندا (يستيقظ) : أهلا.. مدهش..

(ينهض واقفا.. في حوالي الثامنة عشرة رفيع كالعصا يرتدي فانلة رمادية وبلوفر يتدلى من على كتفه بعكس الحاضرين.. يتجه نحو مائدة عليها زجاجات وأكواب ويلقي بها)..

الأمير مالسكالتشي : ماذا تفعل ؟ ماذا ستفعل بهذه المائدة ؟ كن على حذر.. إنك تدمر كل شيء «ماسانيلا» كيف حالك ؟

(يتقدم محيياً ضيوفه الجــدد)..

ماساميلا : مساء الخير.. نصور قطعنا ٠٥ كم في ٠٤ دقيقة .

بروفيريو : جيليو.. تصور من حضر معي.. !

(ينهض جيليو واقفاً ويستقدم من «فيكو» ويبده عقد اللؤلؤ بينما تضع يدها حول عنقه والسيجارة في فمه ما تزال في فمه ..)

جيليو : يالك من عاهرة.. من دعـاك ؟

(«نيكو» تلقي برأسها إلى الخلف ضاحكة.. يجذبها «جيليو» ويبدأن في الرقص..)

صوت : يا لك من دميم.. ماذا تفعل ؟

(أوليفيريو يقف خلف أريكه يتحدث مع الفتاة صاحبة النظارة)..

أوليفيريو : ألم تحضر صاحبة النظارة مع زوجها.. أليس كذلك ؟

(ملوحـاً) هيلين.. مساء الخـير..

(من بين هؤلاء الأرستقراطيون والفتيات مسؤول رسمي هو «انتبكويرا» الذي يضع على إحدى عينيه «عصبة سوداء» يصف جنازة فلاح بتأثر !!..

انتيكويرا : احتفال مدهش.. كلهم جاءوا من كل مكان… كانت جنازة جميلة.. محزنة ومؤثرة.. أعظم ما فيها الناس الحقيقيون وهم يضعون الورود على قبر رئيسهم المحبوب..

(إيفاندا يقدم نفسـه لمارشيللو)

إيفانـدا : آسف لم تسعدني الظروف للقائك.. إنني الابن الثالث.

مارشيللو : أنـا «روبيني»..

إيفاندا :..والأقل أهمية بطبيعة الحال.

(يبتسم إيفاندا في مودة)

– هل ترغب في لقاء بقية الأسرة..

(يقدمه إلى سيدة عجوز تجلس على أريكة وهي تغط في النوم)

إيفاندا : هذه .. جدتي.

(يصافحها برقة)

مارشيللو : لا تزعجها..

ايفاندا (يهزها ثانية) : .. جدتي.. جدتي.. أقدم لك مستر..

مارشيللو : روبيني.. تشرفنا.

(العجوز تمد يدها ليقبلها مارشيللو وهي تتمتم في تثاقل)

الجـدة : برافو.. برافو..

إيفاندا : إنها تتظاهر بالنوم حتى لا تتحدث مع أحد.. والآن دعني أقدم لك بقية شجرة العائلة..

(يسير مع مارشيللو إلى الجانب الآخر من الغرفة حيث يقف الأمير يتحدث مع أحد ضيوفه)

الأميرة (بالفرنسية)… أعتقد أنك مخطئ..

(إيفاندا يقوم بمهمة التعارف) : أقدم لك السيد «روبيني.. رجل أعمـال..

الأمير : صحيح ؟.. أنا سعيد لرؤيتك..

(يلمس يد مارشيللو ثم يوليه ظهره..)

الأمــير : وكما ترى.. آه..» نينا» أقدم لك صديق لابني..

(يلوح لمارشيللو بإشارات غامضة.. «نينا» تجلس مسترخية على أريكة كما «أليزا ماكسويل».. وقد بدا عليها الضيق..)

نيـنا : يا له من رجل أنيق.

(ترشف كأسها.. يتحدث شاب يقف بجوارها..)

رينزو : هل أنت صحفي (دون اهتمام بسماع الإجابة).

– إنني مخمور وفي حاجة إلى «ممرضة» تقودني إلى الفراش.. جين.. ألا تريدين ذلك..

(يصيح عبر الغرفة على امرأة ضخمة ذات شعر أسود)

– جين.. ألا تريدين أن تكوني ممرضتي هذه الليلة ؟

جين : لا..

(يتمطى شاب بجوار «ليدي رود» على الأريكة مبعداً عنه كلباً)

الشاب : «ليدي رود» ألا تنظفين هذه الكلاب أبداً ؟ إنها قذرة..

ليدي رود : كلام فارغ !! فرائحتها جميلة..

(إيفاندا يواصل عملية التعريف)

إيفاندا : أما هذه فهي «إيرين» سيدة العام.. لقد عرضت عليها الزواج.. ورفضت!!

ابرين : شكرا.. لقد تعرفنا منذ قليل..

(يندفع أوليفيرا نحوها بوحشية ويمسك بيدها)..

مارشيللو : عن إذنكم..

أوليفيرو : لنرقص..

(يأخذها خلف الأريكة.. أثناء مراقصتها يقول لها بوقاحة..)

أوليفيرو : لا أدري إن كان هو الذي يطارحك الغرام أم العكس؟

أيرين : أنـا بالطبع..

أوليفيرو : أتريدين رؤية صورتك في الجرائد إلى هذه الدرجة ؟ اسمعي.. لماذا ألا نمارس عملنا..

ايرين (بيرود) : وما هو عملنا ؟

(ما رشيللو يتحدث الآن مع «جين» الأمريكية التى تنظر إليه نظرة جنسية..)

جــين : صحيح إنك صحفي..

مارشيللو : نعم

جــين : كان زوجي الأول صحفي كل أخباره مبالغ فيها.. ولم أكتشف هذا إلا بعد شهر العسل !!

ليدي رود «ضاحكة : أتعرفين ماذا؟ قال شكسبير.. من الأفضل أن يكون عندك أخبار كاذبة من ألا يكون هناك أخبار بالمرة.. وهو الرأي الذي يعتنقه زوجي أيضا..

(جين تضحك وهي لا ترفع عينها عن مارشيللو.)

مارشيللو : أحياناً الجمهور نفسه هو الذي يطلب هذه الإثارة والمبالغات..

(يتحدث بجدية بينما تصغي إليه..)

مارشيللو : عن نفسي أستطيع أن أكتب عنك بعض الأخبار – لو سمحت بذلك – بدون مبالغـة..

(السيدة الأمريكية تتفحصه في برود..)

جين : أواثق من ذلك ؟

(امرأة تضع فجأة وشاحاً على وجهه)

مارشيللو : إنني أعرف صاحبة هذا العطر.

يتراجع خطوة ويستدير : مادلينا..

مادلينا : كيف عثروا عليك؟ إنني على ما يرام.. وسكرانه.. أتعرف جين؟

مارشيللو : لا..

مادلينا : إنها رسامة أمريكية تعيش في روما كملاذ..

مارشيللو : صحيح ؟

مادلينا : كلهم يطلبون سماع قصصها القذرة.. سوف تجدها مسلية..

(أثناء حديثها تتقدم مارشيللو وهي تعرفه بالضيوف..)

– هذه أسرة مونتا لباني.. فيدريكا المرأة الذئب.. تعشق الشبان.. أما الآخر فهـو جونفالوليري.. يملكون نصف «كالابريا» واجمل بيوت الدعارة في روما وهذه «اليانورا» الصغيرة تملك ٠٨ ألف فدان ومحاولتين للانتحار.. أما «سانسفيرينو» فهو يملك قصراً رائعاً في «توسكاني «.. ثم «جيليو» و«نيكو» عشيقته السويدية.

(الاثنان يتعانقان.. فيكو تضحك بينما جبليو يضربها بسادية وبرود على ظهرها بالعقد)…

مادلينا :.. ستكون أميرة في العام القادم.. لكن لا تقارن بيننا.. أتظن أننا أفضل منهم ؟ على الأقل هم يعرفون كيف يفعلون بعض الأشياء بشياكــة..

مارشيللو : ومن يسكن هذه «الفيلا» ؟

مادلينا : لا أحد… إنها الأكثر جمالاً معماريا.. لكنها خاوية.. مثلي تماما.. أتعرف ذلك ؟

(يغادران الصالة الرئيسية إلى صالة للعرض.. ممر طويل على جانبه لوحـات لنساء جميلات في ملابس من القرن الثامن عشر…)

مارشيللو : ومن هؤلاء الحريم ؟

مادلينا : أجدادي.. وأجداد أجدادي..

مارشيللو : كلهن جميلات عيونهن متشابهة.. ألم تلاحظي ذلك ؟

(مادلينا تغطي النصف الأسفل من وجهها بوشاح لتتأكد من أنها تملك نفس العيون.. تبتسم في خبث وتتراقص حوله وقدماها عاريتين).

مارشيللو : مادلينا.. كنت أفكر فيك.. إنني لا أفهمك..

مادلينا : أنا أيضاً لا أعرف نفسي…. لكن لا يهم..

(تضع الـوشـاح على رأسها ثم تلقي بها في مرح..)

مادلينا : أرجوك لا تتحدث معي بجدية… كيف حال صديقتك ؟

مارشيللو : أتخافين الحديث الجاد..

مادلينا : لأنك لا تعرف الجدية… أم أنك تعرفه ؟

(تأخذ بيده وتسحبه أسفل الممر إلى غرفة كبيرة مهجورة إلا من كرسي موضوع في منتصف الغرفة)..

مارشيللو : إلى أين ؟

مادلينا : إلى غرفة الحديث الجاد..

مارشيللو : أ أ.. ه !!

تقدم له الكرسي : اجلس..

مارشيللو : لماذا ؟

(تغادر المكان في صمت وقد تركت الباب مفتوحاً)

مارشـيللو : لماذا ؟

(لا ترد.. تعود من خلال صالة المعرض إلى قاعة من الرخام تنتهي بنافورة على شكل محارة تحت تمثال رخامي لامرأة عارية.. تنحني على النافورة وتهمس فيها)..

مادلينا : مارشيللو.. اتسمعني ؟ هل سمعتني من قبل بهذا الوضوح ؟؟

مارشيللو : أين أنت ؟ أتسمعينني ؟

مادلينا : نعم.

مارشيللو : من أين تتكلمين ؟

مادلينا : من بعيد.. جدا وإن لم أتكلم.. يعني أنني لم أعد موجودة.

(صوتها يتردد من الغرفة.. ينهض مارشيللو ويتمشى حول الكرسي..)

مارشيللو : مادلينا.. مادلينا..

مادلينا : مازلت في مكاني.. لا تتحرك..

(تضع ظهرها على الحائط بجوار النافورة.. يفصل بين الغرفتين ممر طويل ومع هذا فصوتها مسموع كرنين الجرس.. تقول في صوت ناعم)..

مادلينا : مارشيللو.. هل تتزوجني ؟

(يخطو بعض خطوات.. يتكئ على الكرسي)

مارشيللو : وأنت..

مادلينا : موافقة.. إنني أحبك..

مارشيللو : منذ متى ؟

مادلينا : اسمع.. هل تعرف هذا الصوت ؟

(تحفر بخاتمها داخل تجويف النافورة)

ماشيللو : لا أدري..؟

(تقبل رسغها)

مادلينا : خمن..

مارشيــللو : صوت قبله..

مادلينا : قبله لك.. أتتزوجني ؟ هل تخشى الإجابة على سؤالي ؟

مارشـيللو : لم تسألين ؟ أمخمورة أنت ؟

مادلينا : لحد ما.. أحبك.. أتمنى أن أكون زوجتك المخلصة.. أتمنى أن أكون زوجتك وفي نفس الوقت ألهو كعاهرة..

مارشيللو : شيء غريب.. إنني أشعر الليلة بأني أحبك وفي حاجة إليك..

مادلينا : صحيح.

مارشيللو : نعم.. لا أدري أن كنت تتحدثين بجدية أم تمزحين.. على كلٍ لا يهم.. أحبك.. أتمنى أن أكون جوارك إلى الأبد.

مادلينا : وبعد شهر تكرهني..

مارشيللو : لماذا ؟

مـادلينا : لأن الإنسان لا يستطيع أن يملك كل شيء.. لابد من الاختيار.. وأنا لا أعرف كيف أختار.. (تضحك بمرارة).. كنت عاجزة عن الاختبار باستمرار.. إنني لست سوى عاهرة.. هذه هي حقيقتي.. ولن أكون شيئاً سوى غير هذا.. وهو ما أريده..

(أثناء حديثها يظهر شاب أنيق يقف مستنداً على الباب مستمعا.. إنه «بروفيريو» الذي تراه «مادلينا» دون أن تعترض. من الجانب الآخرياتي صوت «مارشيللو» يتحدث إليها بصدق دون أن يعلم أن أحداً يسمعهما)..

مارشيللو : كلا.. ليس هنا صحيحا.. إنك لرائعة.. شجاعتك.. وإخلاصك.. إنني في حاجة إليك فعلاً ..

(يضع الشاب بإصبعه على فمه ويترك كأسه على الأرض فيحدث صوتاً لا يسمعه مارشيللو)..

مـارشيللو : أن يأسك يمنحني القوة..

(يتجه الشاب نحوها ويأخذها بين ذراعيه دون أن تقاوم)

مارشيللو : ستكونين خير رفيقة يمكن البوح لها بكل شيء.. بكل شيء..

(«ومادلينا» تعانق الشاب بحرارة فلم تعد تسمح صوت مارشيللو الذي نراه في الغرفة الأخرى واقفاً يحاول أن يسمع صوتا.. يتمشى مناديا..)

مارشيللو : مادلينا.. أتسمعينني ؟ أجيبي.. لنضع حداً لهذه اللعبة..

– عودي… أريد أن أتحدث معك أكثر ! !

(يقف على عتبة الباب منادياً في شك : مادلينا… مادلينا)..

مشهد (٤١) : – الحديقة المؤدية إلى الفيللا القديمة

(يفتح مارشيللو الباب ويخطو نحو الشرفة.. موكب غريب يمر أمامه.. الضيوف في ملابس السهرة خلف السيدة الأمريكية «جين» حاملين شمعدانات موقدة في طريقهم إلى الفيللا.. نرى من بينهم «جيليو»  و«فيكو» و«أوليفيروا»… «ايرين».. القاضي.. «ليدي رود» و«إيفاندا».. والأميرة في المؤخرة..)

جين : تعال يا حبي.. سنذهب لمطاردة الأشباح…

مارشيللو : أين مادلينا ؟

جين : تعال..

(القاضي خلفها و«انتيكويرا» ملتفعاً بدثار أسود..)

دوريس : قاديم.. قاديم.. انظر إلى سموه.. إنه يشبه «توركويمادا»..

انتيكويرا : سأقبل كل شيء منك يا عزيزتي.. لأنك ساحرة..

دوريس : هل يمكنني مناداتك بما أحب حقيقة ؟

(أثناء مرور هذا الموكب يبحث مارشيللو عن مادلينا..)

مارشيللو : مادلينا..

انتيكويرا : هذا إلى جانب المقارنة تعجبني لأنني أكن قدراً من الاحترام لـ «توركويمادا»….

الأمير : جيليو.. أرجو أن تحذرهم.. لأن الكوبري منهار..

(الضيوف يعبرون فوق كوبري حجري إلى حدائق القصر الجميلة.. على جانبيها نافورة.. سلالم متعرجة يحيطها أشجار بارتفاع الفيللا.. الضيوف يصعدون السلالم وقد أخذوا بسحر المكان.. ينادي بعضهم الآخر في نشوة وهم يتبادلون النكات والتعليقات البذيئة..)

انتيكويرا :لقد قضيت ليلة في مكان كهذا عام ٢٢٩١م وأنا قادم مع فرقتي إلى روما..

درويس : لقد شاهدنا ذات مرة في قصر أختي شبحا لفتاة صغيرة تحمل شمعدانا..

جيليو : إلا أنها لم تكن بفتاة صغيرة..

دوريس : ماذا تقول ؟

أوليفيرو : ولم يكن شمعدانا..

دوريس : أوه.. تعال..

(لقد وصلوا الآن إلى نهاية السلالم وأصبحوا في حديقة «فلورتبن» أمام الفيللا).

جـين : تعالوا..

(تظهر إيفاندا «مع ايرين» وهي تضع الشمعدان فوق رأسها)..

إيفاندا : أراهن عندما أموت..

إيرين : يا له من صمت ..

إيفاندا : انظري هناك.. ضوء ! !

ايرين : إنها انعكاسات الشموع على النافذة..

إيفاندا : ليس لديك ذرة من خيال.. إلا تذكرين قصة الأحدب ؟!!

جين : جيليو.. ألا يوجـد كهرباء هنا..

(يجري هذا الحديث أثناء أثناء سيرهم في الحديقة حتى يصلوا إلى باب الفيللا..)

إيرين : خلي بالك.. يوجد خفافيش..

جين : خفافيش. إنها موضوعاتي المفضلة..

أوليفيرو : نيكولينا.. خلي بالك وإلا فإن عظمته سيبتزك !!

جين : الباب مغلق.. ولا يوجد مفتاح.

جيليو : لابد أن يكون موجوداً هنا على الأرض.. أريد بعض الضوء..

(يبحب بقدمه بلا مبالاة..)..

جيليو : لا أرى شيئا.. لا شيء هنا..

جين : وبعدين ؟

جيليو : فلنرجع ؟

انتيكويرا : فلنحطم الباب..

نيكـو : ها هو المفتاح..

جيليو : هاتيه..

أوليفيرو : من وجده ؟ لقد عثرت نيكولينا على المفاتيح..

(يقفون في شرفة القصر يبنما يحاول «جيليو» فتح الباب.. الصمت يثيرهم..)

جين : متى حضرت إلى هنا آخر مرة ؟

أوليفيرو : منذ عامين..

(تنظر إلى الواجهة المظلمة)

جين : وفيم استخدامها ؟!

أوليفيرو (ضاحكا) : لقد استخدمتها كبيت للدعارة ولكن والدي رفض..

ايرين : ماذا سيكتب هذا الصحفي عنا ؟.. موضوع عن الارستقراطية المنحلة؟

مارشيللو : اسمعي.. إن عملي يختلف عما تقولين.. إلى جانب أنك لا تثيرين اهتمامي.. أتعلمين من أحضر مادلينا هنا ؟

أوليفيرو : من «مادلينا» هذه ؟

 «جيليو»  (يفتح الباب ويدفعه..)

جين : أخــيراً فتحناه.. هيا ندخل ؟

جيليو : خذوا بالكم من الفئران والثعابين ومصاصي الدماء أيضا.. والآن تشغله عاهرات..

ايرين : شكراً جزيلا..

مشهد (٤٢) :  فيللا باساتو دي سوتري القديمة

(منظر فيللا من طراز عصر النهضة كانت يوماً ما جميلة وقد انهارت الآن. غرفها مظلمة ينتشر فيها نسيج العنكبوت وقد تناثرت فيها بعض قطع من الأثاث أو قماش ملون قديم يفوح منه العفن. طبقة من التراب تغطي كل شيء.. «جين» تحملق في إحدى الغرف المهجورة وقد بدت ملامح وجهها تحت ضوء الشموع..)

جين : وسارت فوق البرج..

– في منتصف الليل..

– ورأسها بين ذراعيها..

انتيكويرا : سأتقدمكم..

(يتجه إلى الدور الثاني.. هو بقلنسوته السوداء وعويناته.. «جين» عيناها الشاردتون ونيكو وجيليو مازالا يحملان عقد اللؤلؤ..)

جين : «جيليو» متى بني هذا المنزل ؟

جيليو : منذ خمسة قرون..

جين : ومن بناه ؟

نيـكو : خمسة قرون من الحب..

جيليو : البابا جوليوس الثاني..

جين : آه.. هل يوجد بابا في عائلتكم..

جيليو (في لهجـة جـادة) : اثنين

انتبكوبرا : كونتيس كريستينا..

ايفندا : «إيرين» أن كنت خائفة امسكي بي..

نيكو : اثنين باباوات يا حبيبي..

(تُقبل خد جيليو .. الضيوف ينتشرون في المكان لاكتشافه..)

انتيكويرا : سأكون دليلكم.. تعالوا.. من هنا.. من هنا..

(إحدى الفتيات تتقدم «جيليو»)..

ليلى : إننا ننظف المكان بملابسنا.. لكنك ستدفع ثمنه.. أليس كذلك ؟

(إيفاندا تلمح» ايرين» بين الظـلام..)

ايفندا : ايرين.. هنا يمكن أن نمارس الحب..

ايرين : غبية..

(مارشيللو يبحث عن فتاة لصحبته.. يرى على السلالم امرأة يبدو أنها وحيدة.. تتمتع بقدر من الجمال.. تبدو في فستانها الأسود وعجرفتها كما لو كانت تعرف المكـان من خمسة قرون..)

مارشيللو : تبدين كرؤى.. كما لو كنت قد خرجت من إحدى هذه اللوحات..

ايفندا : أبدا.. إنها ترتدي مثلهن فقط..

(«جين» تجري من غرفة لأخرى وهي تتمتم ببعض الأشعار والأمير يمشي متثاقلاً خلال الغرف المهجورة متفحصاً المبنى الذي يهدد منزله..)

الأمير : ياله من خراب.. إننا في حاجة إلى ضوء جديد هنا..

(يتقدم ابنه في بطء عبر الممر..)

الأمـير : آه.. جيليو إن قلبي ليشعر بالحسرة وهو يرى كل شيء ينهار.. لكنك لم تعش هنا أبدا.. كنت في روما دائما.. لم تحافظ على المكان أبدا..

جيليو : وماذا أفعـل ؟

الأمير : ومع هذا ستمتلك يوما ما كل هذا..

«نيكو» (تظهر فجاء من أحد الأبواب الجانبية وعلى رأسها خوذة فارس..)

نيكو : إنني من أسلاف أسلافك.

جيليو : اذهبي بعيداً أيتها البلهاء..

(نيكو تقلد أصوات الأشباح).. أوه.. أوه.. أوه..

(في غرفة أخرى من الفيللا «ايفندا» تمسك بيد)) ايرين»..)

إيفـاندا : ايرين.. لو شاهدت عفريتاً فتعالي في حضني..

ايرين : حاضر..

(جين تمر ممسكه بيدها شمعدانها القريب قرب الحائط حيث ترى بقايا قماش قديم جميل)…

جين : إنه من النوع الذي أود الاحتفاظ به في مرسمي..

(فـأر يجري على الأرض ويختفي في أحد الثقوب..)

ايرين : يا إلهي.. فئران كثيرة..

(في غرفة «ليدي رود» والضيوف راكعون في شكل دائرة حول مائدة.. وأيديهم متلامسة.. الفتاة القريبة من «أوليفير و«تضحك»)…

ليدي رود : أوليفيرو.. كفاية.. حاول أن تكون جاداً وإلأ فغادر المكان..

انتيكويرا : أشعر بقوة..

ايرين : ما هذا ؟ هل عمك وسيط روحاني ؟

ايفندا : ألا تعلمين هذا ؟ لقد تركها زوجها. .

كريستينا (إلى أوليفيرو) : كفاية..

ايفندا :… لأنه كان يجد دائماً أشباحاً في مخدعها..

ايرين : نعم.. نعم .. تذكرت..

(مارشيللو يدخل الغرفة حيث يلتقي بالفتاة ذات الرداء الأسود مرة أخرى..)

مارشيللو : لقد التقيت بك في مكان ما.. فوجهك من الصعب نسيانه بسهولة..

دوريس : ممكن.. لأنني أعمل ولابد أنك قابلتني في أحد المكاتب..

مارشيللو : نعم ! أتعملين ؟!

(تبدو عليه الدهشة كما لو قد أصيب بخيبة أمل)

درويس : نعم…

(ايفندا ترقب الاجتماع والذي يعلو عليه ضحكات الفتاة.. حول المائدة لـ «ليدي رود».. انتبكوبرا.. أوليفيرو. فيدريكا..والكونتيسة كريستينا)..

إيفندا (تسأل ليدي ورد) : من الذي سيظهر ؟

(كريستينا تهمس بشيء في أذن أوليفيريو ثم يضحكان)..

انتيكويرا : أوليفييرو.. أيها الأحمق..

أوليفيرو : كريستينا هي التي تضحكني..

كريستينا : كذاب..

ليدي رود : سكوت.. (تستحضر عالم الأرواح) : من أنت ؟ قل من أنت.. مع من تريد الحديث ؟

(كريستينا تضع يدها على المائدة لكن يغلبها الضحك مرة أخرى)

انتيكويرا : كونتيسة.. إنني أشعر بقوة.. اتصال.. اتصال !.. كفي عن الضحك..

كريستينا : إنني لا أضحك..

ليدي ورد : هناك رسالة إلى شخص ما هنا.. أجب !!

(نرى من خلال النافذة أضواء تتحرك بالخارج..)

مارشيللو : ما هذا الضوء المنبعث من الحقول ؟ هذا الضوء الذي يظهر ويختفي في نفس المكان ؟

دوريس : لا تخف.. إنه مولد كهربائي.. ففي الصيف يعمل الفلاحون طول الليل.

(إحدى الفتيات حول المائدة تصرخ. .)

فردريكا : أوه.. أوه..

إيفندا : استدعي الأخت «إدفينج»..

ايرين : من هي الأخت «إدفينج»  هذه ؟

ايفندا : إحدى الراهبات التى تسير في هذه الغرف طوال الصيف ورأسها على طبق..

ايرين : لا..

(عندما تتملك النوبة «فيدريكا» تلقي برأسها للخلف ثم تقع على المائدة وترفع رأسها).

فيدريكا : أمازلت هناك.. لم لا تتركني وحدي؟ أرجوك اذهب عني..

اوليفيرو : أسأليها إن كانت هي التى جاءت المرة السابقة ؟

(فيدريكا تتلوى ألماً وتمزق ثيابها)

فيدريكا : آآه… إنني أشعر برائحة أنفاسك في رئتي.. دمك يجري في شراينني.. نعم.. نعم..

(«إيفندا» تضحك بعصبية) : إنها سكرانة.. سكرانة ..

فيدريكا (تصرخ)..

ليدي رود : الهدوء.. الهدوء..

فيدريكا : حبيبي.. حبيبي..

(تجلس على المائدة مقوسة الظهر)

ليدي رود : أظلموا المكان … اطفئوا النور..

(فيدريكا تطلق صرخة حادة) الموت.. أريد أن أعيش..

انتيكويرا : اطفئوا الأنوار !!

(يطفئ الشمعدان وتلقي إيفندا بشمعدانها حيث يسود الظلام الغرفة)

فيدريكا تسقط على الأرض : أريد أن أعيش.. أريد أن أعيش..

ليدي رود : من أنت ؟ أخبرني من أنت ؟

فيدريكا : أريد الحقيقة..

ليدي رود : من أنت ؟ من أنت ؟ والى من تريد التحدث ؟

فيدريكا : مع «جيليو».

ليدي رود : مع جيليو.. ها هي رسالة لك..

(نيكو بجواره وهي تنظر إلى الفتاة على الارض..)

نيكو : هذه الخنزيرة تحبك..

فيدريكا تتأوه : جيليو.. لا يمكنك أن تتنكر لحبي.

ايرين : كفاية كده.. اضيئوا النور.

(تجري إلى الخارج)

أوليفيرو : ايرين.. لا تكوني حمقاء.. إننا نمـزح.

فيدريكا (تصرخ)

ليدي رود : من أنت أيتها الروح المسكينة ؟ لماذا تبكين ؟

(تمتد يد في الظلام نحو «مارشيللو» وتسحبه إلى الخارج.. شبح مارشيللو مع امرأة يعبران صالة صغيرة وسلالم إلى إحدى الغرف المظلمة)..

مارشيللو : لحظة.. سأضيء النور..

(يشعل ثقاباً يكتشف المكان حيث سرير محطم يعلوه التراب وامرأة.. إنها «جين».. مارشيللو يدفعها إلى الحائط)..

جين : يا لها من صدفة !!

(تطفئ الثقاب ولا ترى سوى رأسها ..)

جــين : لا.. ليس هنا.. لا.. ماذا تفعل ؟ أنت مجنون مجنون.. الحب.. أنت مجنون.

(تلتمع عيناها مارشيللو يمارس معها الحب معها دون أن نراه)..

مشهد (٤٣) : حديقة القصر – الوقت صباحاً

(الوقت متأخر والخيوط الأولى للصباح في السماء ورياح باردة تحمل معها رنين أجراس من بعيد.. تبدو أشباح وهي تسير في خشوع.. رجال في أردية سوداء ونساء في ملابس ناصعة البياض وقد أحنوا رؤوسهم متأملين أشبه بأفراد طائفة دينية وهم في طريقهم إلى صلاة الصباح.. إنهم ضيوف الأمير عائدون من لهو الأمس)..!!

ايرين : هذه أول مرة أرى فيها بزوغ الفجر ؟

(يتقدم شاب في خطوة سريعة يغني لنفسه وهو ينظر إلى السماء)..

جين : مارشيللو : هل تعرف ابني ؟

(تبدو هادئة دون حرج)

مارشيللو (يومئ إليه) : فرصة سعيدة

الابن : أهلا.. صباح الخير..

(يمنحنها ابتسامة ودوده ويبتعد عنهم.. جيليو ووالده عند الجسر الصخري تلحقهما نيكو وهي تلبس خوذة الفارس التى وجدتها في الفيللا.. وهي تضع يدها على كتفه..)

نيكو : هيا نذهب لتناول المكرونة ؟

(على الجانب الآخر من الجسر يمر قسيس مع خادم المذبح وخلفهما خادم وسيده عجوز قصيره تتحدث مع الخادم)..

أم الأمـير :البيضة الواحدة بـ ٥٤ ليرة ! شكراً..سنشتري من مكان آخر.

الأمير : صباح الخـير يا أبي..

(ايفندا واوليفيروا وجيليو..) : صباح الخـير.

الأمير : سنأتي معكم.. هل نمتم جيدا…

أم الأمير : هل تشعر بتحسن بعد هذا كله ؟ ماذا كنتم تفعلون ؟

الأمير : ذهبنا لمشاهدة الفيللا القديمة..

الأم : هل كانت معكم فرنسيسكا الحمقاء ؟ أخبرها أن تحضر القداس.. قد يحّسن حالتها.

(الأمير وأولاده الثلاثة يعبرون الكوبري خلف السيدة العجوزة إلى الكنيسة – الضيوف في الحديقة.. مارشيللو يتجه إلى نيكو)..

مارشيللو : من هي ؟

نيـكو : أم الأمير…

المشهد (٤٤) : طريق خارج روما – مساء

(طريق متفرع من ضواحي المدينة.. الوقت متأخر ولا أثر للمرور فيه برج عال في منتصف الطريق يضيء الشارع.. سيارة مارشيللو على جانب الطريق وبجانبه «إيما» وقد بدا الإنهاك عليه بعد نقاش طويل معها..)

إيما : ماذا فعلت حتى تعاملني هكذا ؟ من أنت حتى تعاملني ككلبه ؟ لو كنت تحبني نصف حبي لك لفهمت.

(يومئ برأسه متعباً)..

مارشيللو : أيوه ..

إيما : لكنك لا تفهم لأنك بلا قلب..

مارشيللو : لا تصرخي..

إيما : إنك لا تعرف كيف تحب إنسانا..

مارسشيللو (بحدة) : أو تعرفين أنت..

إيما : أنت أناني.. وقلبك فاض.. كل همك هو مطاردة النساء..اتسم هذا حباً ؟

(مارشيللو وقد بدا يفقد أعصابه..)

مارشيللو : أعرف هذا.. لقد قلت نفس الكلام طوال أربع ساعات.. (صوته يرتفع).. لم أعد أعرف ماذا تريدين ؟.. أريد العودة للمنزل..

(«إيما» وقد وصل بها الحال إلى مرحلة الضعف والدموع..)

إيـما : ليس صحيحاً أن كل الرجال مثلك.. فمنهم من يسعد عندما يجدون من يحبهم. ويتوقفون عن مطاردة النساء وأنت الوحيد الذي لا تفعل ذلك .. ياللعـار !!

مارشيللو (غاضبا) : أيوه.. أنا إنسان سيئ الحظ.. لأنني التقيت بك.. أتفهمين ؟ لا يمكن الاستمرار معك هكذا.. انزلي..اتركيني في حالي..

(تنزل من السيارة باكية وتجري في الشارع..)

مارشيللو : إلى أين أيتها الغبية ؟ تعالي ؟

(يقود السيارة هو ويسير بمحاذاتها)..

إيما : لا.. دعني وحدي..

مارشيللو : اركبي.. اركبي السيارة..

(يسرع ثم يتوقف أمامها.. تتهرب وتجري صارخة..)

إيمـا : لا ..

(يفتح السيارة ويتوقف أمامها مرة أخرى ..)

مارشيللو : اسمعي.. «إيما» .. اركبي..

(تقف بجوار السيارة متوسلة..)

إيما : ماذا تريد ؟ ماذا تقصد ؟ أنت حشرة تعيسة ستموت وحيداً ككلب..

(تعطيه ظهرها وتمشي خطوات بين الأعشاب وهي تحدث نفسها..)

إيما : ستموت وحيدا. وسترى.. من سيتحملك لو هجرتك؟ ما معنى حياتك ؟

(تعود الآن إلى السيارة) لن تجد من تحبك مثلي ؟

(مارشيللو تبدو عليه التعاسة..)

مارشيللو : لا أستطيع أن أقضي حياتي في حبك..

(إيما) تستمر في الحديث بنغمة جديدة) : دائماً تقول إنني مجنونة وإنني أعيش في دنيا الخيال بعيداً عن الواقع.. والحقيقة إنك الذي ظللت الطريق السليم.. ألا تفهم.. بين يديك أهم ما في الحياة.. امرأة تحبك بصدق.. على استعداد للموت في سبيلك.. كما لو كنت الرجل الوحيد على الأرض ؟ إنك تهدم كل شيء.. ستظل تعيسة دائما.. (تركب السيارة وصوتها أكثر رقة وتضرعاً..) مارشيللو عندما يوجد الحب لا يهم ماعداه.. مم تخف ؟ أخبرني..

مارشيللو : صائحا.. إنني خائف منك.. من أنانيتك.. من مثلك السخيفة.. أن ما تعرضيه على ليست سوى حياة حشرة ؟ لا شيء عندك سوى المطبخ والمخدع.. من يقبل هذا ؟ (كلمات تندفع نحوها فتمزقها..) لا أؤمن بحبك الكريه هذا.. وأرفضه… إنه ليس بحب !! بل كحياة الحيوان!! كيف أشرح لك هذا ؟ لا يمكنني أن أعيش هكذا.. ولا أريد الارتباط بك.. انزلي.. دعيني وحدي..

إيما (تصرخ) : جبان.. إنني أرثي لك !!

مارشيللو : حسناً .. كما تريدين أرثي لي فأنا مشمئز منك.. انزلي..

  (يفتح لهـا الباب)..

إيما : لن أنزل.. سأبقي معك..

(تغلق الباب فيفتحه ثانية..)

مارشيللو : انزلي..

تصفع الباب : كلا.

(دون كلمة ينزل من العربة ويمشي ثم يجذب الباب المجاور لها)

– انزلي…

إيما (خائفة.. لكن في شيء من الثبات) : كـلا..

(مارشيللو يجذبها للخارج..) : ابعدي عني..

تتعلق بمقعدها : لن أنـزل..

مارشيللو (صارخا) : أنا زهقان.. ألا تفهمين ؟

(يهزها بكل قوته ويجذبها خارج العربة.. تضربه فيصفعها بكل قوته.. يجرجرها بعيداً عن السيارة ويلقي بها..)

مارشيللو : اذهبي.. لقد انتهى كل شيء..

تجري بعض خطوات ثم تلتفت نحوه وهي تصرخ : إيها الوغـد.

مارشيللو : اذهبي.. اذهبي..

(.. يقف بجوار السيارة وهو يرتعش غضبا.. «إيما» تعرج بحذائها العالي.. ثم تتوقف مرة أخرى وتصرخ : ..)

إيما : وغـد.. عليك اللعنة..!!

(مارشيللو وقد عاد إلى سيارته.. يرتعش غضبا.. «إيما» تعرج في مشيتها ثم تتوقف وتصرخ فيه : عليك اللعنة. .

(مارشيللو يقود السيارة ويمر بها صائحاً: لا أريد رؤيتك مرة أخرى أيتها العاهرة..)

(السيارة تنطلق في الظلام وإيما في منتصف الطريق وهي تلاحقه بصراخها..)

إيمـا : اذهب إلى غانياتك ! !

(صوت السيارة يختفي رويداً رويداً ويخلو الطريق تماماً إلا منها تمشى ببطء حتى منتصف الطريق.. تقف ثم تعود إلى مكانها)..

(ضوء النهار يغشي المكان وهي تروح وتجئ في نفس المكان وفي يدها باقة من ورد بري التقطته من الطريق وقد بدأ عليها الإعياء.. صوت سيارة.. تنظر في اتجاهه لنجد مارشيللو وهو يقودها في ثورة من الغضب ويتوقف عندها.. يفتح لها الباب فتجري نحوه مبتسمة وتركب.. يديرها ثانية ويستدير منطلقاً بها إلى روما)…

مشهد (٤٥) : شقة مارشيللو – الوقت صباحاً

(في مخدع مارشيللو.. الوقت نهاراً مع أن النور مازال مضيئا.. الفراش غير منظم وقد استغرقا في النوم ويدها معقودة بيده وهي ترتدي بيجامته وعلى وجهها ابتسامة تنم عن الرضا.. وذراعه يحيط بها.. جرس التليفون.. مارشيللو يهز رأسه مخموراً ويزحف فوقها ليلتقط السماعة.. «إيما» تستيقظ قليلاً وتداعب بيدها شعره وهي نعسانه وهو يستمع إلى المكالمة.. يبدو على وجهه التوتر..

مارشيللو : أين.. ؟

مشهد (٤٦) : – في شقة ستاينر

(ثلاث سيارات شرطة وعربة إسعاف أمام مسكن ستاينر.. مارشيللو في الشارع ثم يندفع بين زحام الشرطة والمصورين والمـارة..)

رجل شرطة : إلى أين ؟ ممنوع الدخول ؟

(يبرز بطاقته الصحفية ليسمح له رجل البوليس)

– حسنا.. ادخل..

(سلالم العمارة تأخذ شكلاً حلزونيا.. عند كل طابق اجتمع مخبرون صحفيون ومصورون وجيران مدفوعين بحب الفضول.. عند باب شقة«ستاينر» بتدافع مجموعة من الصحفيين للدخول)  ..

صحفي : دعنا ندخل.. مش معقول.. مارسيل

تيزانو : لقد قتل طفليه برصاصة في الرأس ثم انتحر..

باباراتسو : مارشيللو.. في إمكانك أن تدخل قل لهم إنني معك.. يجري خلفه بينما يحاول مارشيللو أن يشق طريقاً وسط الزحام..) – دعني أدخل معك. سأعطيك كل الصور رغم أن صحيفتك لا تدفع جيدا..)

(مارشيللو يصل عند الباب ويتوقف ثانية..)

مارشيللو : إنني صديق له.. يجب أن أدخل..

رجل البوليس : دقيقة..

(يفتح الباب قليلاً ليدخل ويغلق الباب خلفه.. مجموعة من رجال الشرطة والمخبرين بينهم طبيب يرتدي بالطو أبيض ويدخن سيجار ويتقدم الضابط..)

رجل البوليس : هناك شخص يقول إنه كان صديق «ستاينر».

الضابط : دعه يدخل.

(يفتح الباب.. يحاول الصحفيون الدخول)

ضابط الشرطة : هو فقط (يصيح في المصورين) فيما بعد.. فيما بعد..

شرطي آخر (إلى مارشيللو) : تستطيع الدخول…

(شقة «ستاينر» غاصة بمخبرين.. بعضهم ينقب في كتبه.. وآخرون يقرأون مخطوطاته.. في حين يستمع أحدهم إلى جهاز التسجيل.. مصور من رجال البوليس يلتقط بعض الصور بينما يقرأ اثنان من رجال المباحث الجنائية المسافات بمقياس. «ستاينر» مكوماً فوق كرسي وهو يرتدي قميصا أبيض ورباط عنق أسود أحكم رباطه وعلى خده بقايا دم متجمد وبصدغه الأيمن ثقب صغير مكان الرصاصة التى اخترقت رأسه.. «مارشيللو».. يقف عند عتبة الباب مذهولاً ..)

المحـقق : متر ونصف من عند الباب..

مخبر آخر : متر ونصف.. (يدون في مفكرته..)

المحقق الأول : وأربعة أمتار من الجانب الآخر..

صحفي على التليفون : هل عثرتم عليها ؟

يستمع ثم يرد : كلا كلا. زوجته لا تعلم شيئا.. لم تأت بعد !! ستعود في الواحدة.. يبدو أنه اتصل قبل وفاته بأحد الجيران وطلب منه انتظار زوجته عند محطة الأتوبيس..

محـقق : وخمسة أمتار من عند الحائط..

(رجل أنيق في ملبسه يجلس بجوار محقق يدير جهاز التسجيل وعلى الجانب الآخر منهم جثه «ستاينر»..)

وكيل النيابـة : دعنا نسمعه مرة ثانية.. انتظر لحظة.. استمر.. (يضغط على المفتاح.. جلبة أصوات ثم صوت «ايريس» على الشريط..) أنت البدائي الحقيقي.. ككنيسة من الطراز القوطي.. شامخ لا تستطيع أصواتنا أن تدركك.. ثم رد «ستاينر».. لو أنك عرفتيني حقيقة ستدركين أنني لا أزيد عنكم. «وينتهي الصوت بصوت الورق.. عند بداية إعادة الستجيل يتصفد وجه» مارشيللو» (عرقاً.. يغلق وكيل النيابة الجهاز ويتحدث إلى مارشيللو).

وكيل النيابــة : هل كنت صديقه ؟

مارشيللو : نعم..

وكيل النيابـة : أتعرفه من مدة طويلة ؟ أقصد معرفة وثيقة؟

طبيب : هل قابلته في الايام الأخيرة ؟

وكيل النيابة : هل تستطيع أن تدلنا على شيء ما ؟

مارشيللو : لا.. كنت صديقه.. لكن نادراً ما كنت ألقاه.

(يده تتخلل شعره ويهز رأسه).. لا أعلم شيئاً.. لا أعلم أي شيء..

مخبر : ثلاثة أمتار..

وكيل النيابة : مارشيللو.. هل كان في حياته شيئاً غير عادي.. مشاكل مالية مثلا.. أو ما أشبه ؟

– صحفي (على التليفون)..

– (توجد صورة لستاينر مع أسرته وهو على شاطئ البحر.. والأطفال فوق ركبته…)

مارشيللو : متاعب مادية ؟ كلا.. لا أعتقد..

وكيل النيابة : حسنا… هل بدت منه أيه علامة في نيته على الانتحار ؟

مارشيللو : لا… لا أعلم..

وكيل النيابة : شكرا.. أرجو تكون على استعداد عند طلبك فقد تفيدنا.. «مونديني»… خذ المسدس..

(يأخذ طريقة إلى الخارج.. مارشيللو وقد بدا عليه الحزن يود الخروج من هذه الغرفة بعيداً عن هؤلاء المخبرين.. وعن الجثة.. يتجه ناحية غرفة النوم ويفاجأ بمنظر بمصور من رجال التحقيق وهو يصلح الكاميرا ومساعده يزيح ستار الفراش حيث جثة الطفل فيسرع بالخروج إلى الشرفة وهو يتصبب عرقاً.. الصحفي في غرفة «ستاينر» يملي تليفونياً نهاية الموضـوع..)

المحــرر : قال عنه الجميع بأنه كان إنساناً مرحاً يعبد أسرته.. إلا أنه كان حباً مرضياً.. المسدس جديد عيار«براونتج» عيار ٥٤ وجد بجوار الجثة على كرسي قريب من المدفأة في وضع غريب..

الطبيب : سأراك في المشرحة فيما يعد..

(يأخذ حقيبته..)

وكـيل النيابة : شكرا..

(رجال البوليس يستعدون للرحيل.. ينادي أحدهم على الطبيب.)

الطبيب : هل يمكننا تغطية الجثة ؟

(وكيل النيابة يقترب من غرفة نوم الأطفال.)

وكيل النيابة : هل أخذت صوراً لهما ؟ (يقف على الباب موجهاً الحديث إلى الطبيب.. الساعة الثانية عشر وربع.. سأذهب إلى موقف الأوتوبيس للقاء زوجته في صحبة شخص يعرفها..)

(يستدير مارشيللو..) : سآتي معك..

وكيل النيابة : شكرا.. تعـال..

(وكيل النيابة يستوقف أحد المخبرين)..

وكيل النيابة : بعد أن تنتهي ألحق بي..ولو سألك أحـد دعهم يتصلون بي في مكتبي..

(يشير على مارشيللو ليتبعه حيث يلقي نظرة أخيره على جسد صديقة قبل أن يغادر الغرفة)..

مشهد (٤٧) : – خارج شقة «ستاينر»

(يوم حار.. شـارع خال.. يبدو منزل «ستاينر» من بعيد «مارشيللو» ووكيل النيابة ينتظران على جانب الطريق القريب من محطة الأتوبيس. بالقرب منهم تقف سيارات لمختلف الصحف ودراجات المصورين.. مجموعة من بينهم «باباراتسو» في الانتظار مترقبين وصول مسز «ستاينر»..)

وكيل النيابة : أرجوكم.. الوقت غير مناسب !!

(يتجاهلونه فيوجه الحديث إلى مارشيللو..)

وكيل النيابة : أرجوك قل لهم… هذا كثير..

(مارشيللو مازال مذهولاً من انتحار «ستاينر»).

مارشيللو :.. ربما يكون خائفا..

وكيل النيابـة : أتتحدث عن «ستاينر» ؟ هل كان واقعاً تحت تهديد ؟

مارشيللو : لا ليس كما تقصد.. يبدو أنه كان خائفاً من نفسه فقط.. منا جميعاً..

مصور : متى ستحضر ؟ (لا أحد يرد ينسحب مارشيللو محاولاً أن يهيئ نفسه لهذا اللقاء.. المصورون صامتون يحملقون في الطريق كما لو كانوا يتشممون رائحة فريستهم. يظهر الأوتوبيس ويقف على المحطة وتنزل منه امرأتان تحملان. بضائع والمصورون في حيرة أيهما ؟ مارشيللو صامتا.. الأوتوبيس يتحرك ونرى امرأة تسير في طريقها إلى منزل«ستاينر»…

مارشيللو (يشير عليها) : ها هي ..

(يندفع المصورون متحلقين حولها وهم يلتقطون صورا لها.. تتلفت في ارتباك وما إن ترى مارشيللو حتى تبتسم..)

وكيل النيابة : من فضلك تعالي معنا..

(تستدير نحو المصورين وهي تضحك في ريبة..)

آنـا : ما هذا ؟ لم كل هذا : هل ظننتم أنني ممثلة ؟

وكيل النيابة : كفاية كده.. أرجوكم.. ابتعدوا..

آنا : مارشيللو.. ماذا يجري ؟

(وكيل النيابة يرفع قبعته مقدماً نفسه..)

– صباح الخير.. د «لوسيانت» أتسمحين بالحديث معك على انفراد؟

إيما : على انفراد.؟؟

(يبدو القلق على وجهها..)

إيما : هل حدث شيء ؟

وكيل النيابة : كلا.. أرجـو أن تأتي معنا.. ها هي سيارتي.. تعالى معي لو سمحت.

آنا (تتوقف) : لكن.. لماذا ؟

وكيل النيابة : لقد وقع حادث.

آنــا : مـاذا ؟

(الآن حدث المطلوب.. «بدا الفزع في عينيها والمصورون حولها.. يلتقطون صوراً لها… إنها اللحظة التى كانوا ينتظرونها)..

وكيل النيابة : أرجو أن تهدئي..

إيمـا : أولادي.

(تحاول أن تجري.. يتكاتفون حولها فلا تستطيع الحركة.. وكيل النيابة يأخذ بيدها عنوة..) : تعالي أرجوك.. أفسحوا الطريق !! تفضلي معا.. الأولاد بخير..)..

آنــا : لكن ماذا حدث ؟ مارشيللو.. أخبرني..

وكيل النيابة : سترين الأطفال بعد قليل.. لقد أصيبوا ببعض الجراح. أعدك بهــذا.

دافعاً بيده من حوله في غضب : كفاية !!

آنـا : جرحوا ؟ كيف ؟ أرجوك قل لــي..

(يدير سائق سيارة البوليس محركها بينما يدفع الاثنان «آنا» بداخلها).

وكيل النيابة : أرجوك.. أهدئي.. أهدئي..

(محاولاً دفع باباراتسو بعيداً جالساً بجوار السائق ومارشيللو في المقعد الخلفي بجوار زوجة «ستاينر»….)

المصورين : دكتور.. عاوزين صورة.. صورة واحدة.. أنتظر لحظة..

(الطبيب يغلق الباب بعنف وتندفع السيارة تشق طريقها وبينهم فيخلون لها الطريق في محاولة أخيرة لالتقاط صورة. ومن ورائها سيارات الصحف اليومية.. نسمع صوت آلات التنبيه من بعيد المصورون يعودون إلى دراجاتهم «باباراتسو» يتقدم نحونا فرحاً وكاميرته حول وسطه أشبه بالمسدس في أفلام رعاة البقر.. يتقدم نحونا حتى تملأ الكاميرا الشاشة….)

مشهد (٤٨) : – طريقة إلى الفيللا وخارج الفيللا – لـيل

(طريق ضيق خارج روما.. مجموعة من السيارات تتراوح من خمس إلى ست تتسابق في الليل.. سيارة بيضاء تندفع في الطريق الجانبي حتى تصير في محاذاة أخرى ثم تتقدمها وسط آلات التنيبه.. ثم سيارة أخرى تأتي من بعيد وتشق طريقها إلى المقدمة.. سباق مجنون بين سيارات يقودها مصورون.. محامون.. وراقصون وأثرياء وغانيات في طريقهم إلى «فريجينا» لقضاء ليلة صاخبة بإحدى الفيللات الواقعة على الشاطئ.. من بينهم «مارشيللو». الزمن حوالي الثانية صباحا.. تتوقف السيارة الأولى عند سور عال ومن خلفها تنتظر بقية السيارات على الطريق.. أصوات آلات التنبيه والمحركات تملأ المكان.. ينزل رجل ويقف تحت الضوء محاولاً فتح بوابة خشبية عالية…)

صـــوت : ليز.. ا…… ا…. ا..

(الرجل يقترب من الخمسين.. بدين.. يرتدي ملابس غالية.. يفتش في جيوبه..)

أتريكو : أرجوك.. اصمت..

(تقف فتاة في مؤخرة السيارة)..

ليزا : أمعك المفتاح..

انريكو : إيه.. انتظري.. انتظري..

(«بيرون» يقف في مؤخرة سيارة أخرى.. وعيينه تلتمع بالإثارة.. يلوح بتكلف..)

بيرون : مارشيللو..

(مجموعة من الضيوف تحاول فتح البوابة.. مارشيللو يصيح مخمورا..)

مارشيللو : استخدم السيارة في تحطيم البوابة..

تونيسينا : ابتعدوا..

ليزا : مارشيللو..

(السيارة تشق طريقها وتقف فتاة بداخلها وتحطم البوابة.. لقطة من داخل الفيللا.. أشباح تتحرك في الحديقة.. وجوه تحدق في نافذة كبيرة.. شقراء تضغط بأنفها على الزجاج)..

صوت من الخارج : تعالوا.. إنه مفتوح..

(فتاة أخرى تفتش المكان..)

لوشيا : أوه.. يا لها من ألوان.. مدهشة

أحدهم يجذبها : ماذا تفعلين ؟ كفاية لعب..

مارشيللو : اخلو الطريق.. (يلتقط حجرا).

(ببيرون ينادي على أحدهم)

بيرون : كارلو.. كارلو.. تعال .. أنظر سيكسر «مارشيللو» زجاج النافذة..

مارشيللو : انظروا.. واحـد.. اثنين.. ثلاثة…

(يتراجع إلى الخلف ويلقي بالحجر محطماً الباب الزجاجي)..

مشهد (٤٩) : – داخـل الفــيلا

(الحفلة في قمة الصخب.. بعض الضيوف يرقص وآخرون جلسوا بجوار الجدران وهم يصفقون ويشربون ويثرثرون… الفيللا مبنية على طراز حديث.. الأثاث البسيط والسلالم المعلقة.. «ناديا» المضيفة تحتفل بطلاقها وهي في الخامسة والثلاثين يفصح جسدها عن جمال وتجارب جنسية.. الضيوف مجموعة غريبة.. محامون في متوسط العمر أحدهم أصلع.. راقصة وصديقتها.. فتاة شقراء.. رجل نحيف في ملابس زاعقة يضع على عينيه نظارة شمس.. فنانون في ملابس حوريات البحر.. مطرب تبدو على ملامحه الدقيقة اللامبالاة.. راقص زنجي وفتاة بيضاء.. رجل وفتاته الألمانية وعشيق ناديا.. ثم مارشيللو وببيرون.. مجموعة متناقصة جمعها الليل والجنس والملل في هذا المكان..)

مارشيللو (يصب كأسا) : في صحة «ناديا» التى استعادت حريتها ثانية.. بطلاقها من زوجها.. وتحررها من كل شيء.

ناديــاً : شكرا.. شكراً لكم جميعا.. فتجربتي في الزواج أعادت لي أصدقائي.. لقد عدت بعدها أشبه بعذراء.. أليس كذلك ؟ فعلاً.. إنها لمتعة أن تتحرر من الزواج لن تشعر بها إلا إذا تزوجت.. ألا توافقني على هذا ؟

(عشيقها.. الجديد يكبرها بحوالي عشر سنين وإن بدت على ملامحه الخشونة.. يجلس على كرسي مجدول بينما تتحدث إليه فتاة تنظر من فتحة جانبية)…

روجيرو : سكوت.. لوشيا تعترف..

ناديا : أريـد سماعها..

روجيرو : حسنا.. لكن لدقيقة فقط..

كارلو : «اعزفا مقطوعة أجراس الغابة».

(«كارلو» وصديقه «بينو» في ملابس باليه براقة.. وماكياج مبالغ فيه «ناديا» تنادي على اثنين يتعانقان على السلالم.)

نـاديا : وأنتما.. هل أنهيتم اعترافاتكما؟ كل من يمارس الحب في السر يهينني..

(ينـزلا اثنتان من على السلالم ويبدآن في الرقص) ..

ببيرون (مصفقاً لهما) : ها هما.. كفوا عن السخرية الآن.. أحدهما عشيقة أحد أعضاء مجلس الشيوخ..

(الفتاتان تتشابك ايديهما ويرقصان وقد بدا على بيبرون النشوة..)

بيرون : برافو.. عظيم.

(روجـيرو باشمئزاز..) : من أحضرهما هنا ؟

(المحامي الأصلع يهز رأسه آسفا..)

القاضي : لن يعيش الاثنان حتى «للكريسماس» سيقتلهما شخص قبل أعياد الميلاد..

(المغني يضحك مقاطعاً موجهاً ألحديث إلى مارشيللو)…

ليورا : ألست صحفياً ؟! أم كاتباً على ما أظن ؟

مارشيللو ساخراً : لقد تركت الاثنين وأصبحت الآن مدير دعاية..

(«سيرناس» يضحك وهو نجم سينمائي في الثلاثينات يعرض عليه مرتباً نظير شهرته..)

لــورا : لكي تعيش عليك أن تتقبل ما يقدم لك.. وإن يكن في هذا شيء من الامتهان.. أليس كذلك ؟ (تقرأ من إحدى المجلات السينمائية..) اسمعوا.. إنه يملك ملامح أفريقية لكن أداؤه العصري بضعة مع «بول بنومان» أعظم ممثل في عصرنا.. أنت حشرة يا مارشيللو !!

مارشيللو : (باهتمام) اسمع.. لـماذا لا تعترف بأنك تسعى للكتابة عنك ؟ تريد أن أكتب عنك.. أليس كذلك ؟

لورا : إنك مخطأ.. لأن هذا سيقضي على مهنتي..

(«سيرناس» يصمم على أداء رقصته..)

سيرناس : سأعطيك ثلاثمائة ألف ليرة بدلاً مائتي ألف في الشهر ماذا ستكتب عني إذن ؟

مارشيللو (مخموراً) : إنك مارلون براندو…

سيرناس (مبتسماً) : ولو أعطيتك اربعمائة ألف ؟

مارشيللو : إنك جون باريمور..

سيرناس : ومليون ؟

  مارشيللو يضحك بازدراء ويفرك أصابعه..

مارشيللو : اعطني المليون أولا.. ثم أقل لك..

(الراقصتان تستأنفان الرقصة وقد بدا الملل على الحضور .. «أتريكو» يمد قدمه ليقع «أونيبو» «دومينو» أرضاً متأوهاً بينما يتحول أصدقاؤه إلى «أتريكو»)..

كارلو : أنت لا تفهم شيئاً !! دعاية سخيفة.. لو أذى نفسه.. فستعوله بقية حياته.

اتريكو (يفض الحديث ضاحكاً)..

– لكنه لم يؤذ نفسه.

كارلو : صحيح.. لكنني رأيتك توقعه..

(«دومينو» يزحف نحو السرير في مذلة..) أخبرني لماذا جئت هنا… (يوجه الحديث لـ «ناديا» باكيا) : مدام.. إن ما يحدث شيء فظيع.. فظيع..

كارلو :.. لم تكن رغبتا نحن في الحضور بل رغبتك أنت..

(يساعده «دومينو» للوقف «على قدميه)

كـارلـو : وسنرحل الآن.. وسنرى كيف ستصبح الحفلة عندئذ..

مارشيللو : يالها من صحبة ممله.. نريد شيئاً من الضحك..

لورا : لأول مرة تصيب في كلامك.. لماذا لا ترقص لنا رقصة الاستربتيز ؟ لا… ليس أنت..

(«بوست» لفتاة شقراء مثيرة تبدي موافقتها.. لكنها ساذجة ريفية على درجة كبيرة من الغباء لأنها لا يمكن أن تثيرهم..

بوست : لو أردتم اسطوانة (السوق الفارسي) فسأرقص…

لورا (بضحكة متعبة) : كلا.. أرجوك.. لقد رأيناك جميعاً عارية..

بوست : لكنني أجيدها..

اتريكو : فلترقص «كاترينا».

(تتقدم «كاترينا» شقراء.. تناهز الأربعين..)

لورا : كـلا.. إنها محترفة..

اتريكو : جميل..

كاترينا : حسنا سأذهب..

اتريكو : كلا.. كلا..

لورا : إذا كانت المضيفة تعاني الملل فلماذا لا ترقص هي؟ فلترقص لنا «الاستربتيز».

ناديا : بكل سرور !!

اتريكو : سأتوقف عن التدخين إن كنت جادة…

ناديا : اديروا اسطوانة (باترشيا) حتى أطفئ الأنـوار..

أنريكو : عظيم.. «باترشيا»… «باترشيا»..

(تبدأ الموسيقى في العزف ويقف مارشيللو كمقدم للحفلة)…

مارشيللو : الرقصة الأولى من أجل العزيزة ناديا.. تعميداً لحياتها الجديدة ! !

(تخلع ناديا حذاءها.. وتبدأ في خلع جواربها وقد بدأ الضيق على عشيقها الجديد)..

روجيرو : إيتها الحمقاء.. يبدو أنك شربت كثيرا..

نـاديا : وهل يحتاج الضحك واللهو إلى شراب.. لابد أن تكون قدوة.. !! تتمايل مع الموسيقى ويدها في خصرها في حركات سريعة وقد بدا على وجهها اليأس.. كما لو كانت الرقصة نوعاً من التعويض.. تلقي بجواربها إلى رجل يجلس على السلالم..

روجيرو : شيء سخيف..

ناديا : لــذا أرقص..

بيرون : ناديا.. الفرو…. أوه.. النور..

(تعزف الفرقة في الظلام بينما ترقص وحيدة تحت بقعة من الضوء..)

كارلو : أي فضيحة سنراها بعد هذا..

(المحامي يجلس بجوار مارشيللو وهو يتحدث معه عن السيارات)

المحامـي : إنها صفقة ممتازة.. عربة متينة وسريعة.. سيرناس «وليونتين» و«يبرون«يفترشون الأرض.. «سيرناس» يتابع الرقصة باهتمام..

ليونتين : هل هي التي نمت معها ؟؟

سيرناس : هيه..

ليونتين : نعم أم لا ؟

سيرناس : لا.. لا أظن أنها هي..

(ببيرون يصفق مع الموسيقى وعيناه على «سيرناس»)

ليونتين (بالألمانية) : أتحبه.

بيرون : ماذا تقول ؟ إنني لا أفهم لغته..

سيرناس : إنها تسأل.. هل تحبني ؟

(«ناديا» تتحرك حركة أكثر مما تتطلبها الرقصة تتراجع وهي تفك «السوتيان» تضع عليه قبله وتناوله إلى مارشيللو) . .

المحامي : اعطيني إياه… ناديا.. هذا يخصني..

(يتناوله ويلف به رأسه في شكل أذنين.. ويعاود حديثه عن السيارات)..

المحامـي :.. وأهم من هذا.. مارشيللو.. اسمع.. إنها صفقة طيبة.. سيارة جميلة.. وستحكم عليه بنفسك..

(ناديا تقف على السلالم وتطلب من أحدهم فك حمالات قميصها الداخلي.. و«روجير و«يراقبها في اشمئزاز…)

ناديا : اخلعه..

روجير : الديك أكثر من هذا ؟ ألا ترين أن الكل منصرف عنك ؟

(تهبط بضع درجات في بطء)

ناديا : ماذا حدث ؟ أتشعر بالخجل ؟ إنها مجرد تسلية..

روجيرو : ليس لديك الشجاعة للاستمرار في الرقصة.. إنك ترتعدين خوفاً.. كفــى !!

(تستدير على أطراف أصابعها..)

ناديا : ابدأ.. سترى.. سترى..

(«سيرناس» يفترس «الفراء» على الأرض ويساعدها على الجلوس.. صوت الموسيقى يرتفع.. ناديا تفترش الأرض فوق الفراء» وهي في قمة الإثارة الجنسية.. الفتيات يتظاهرن بعدم الاكتراث في حين يتابع الرجال المنظر في إثارة مبدين علامات الرضا إنها ليست محترفة ومع ذلك فهي مثيرة.. «بيرون» في منتهى الإثارة وقد نسي نفسه تماماً ويقضم أظافره..)

أتريكـو : ناديا.. ألا ترين أنك أخطأت.. لقد خلعت السوتيان أولاً ؟ السوتيان قبل خلع أخر قطعة.. أليس كذلك ؟!!

(ينظر حواليه ليرى صدى رأيه..) أليس هذا صحيحاً؟!

(«سوندرا» تشـير بسرعـة) : إنها تؤديها بسرعة أكثر من اللازم.

سبرتاس : برافو.. برافوا.

سوندرا : في بلادنا تؤدي هذه الرقصة ببطء شديد..

(ناديا تبدأ في خلع قميصها الداخلي) في تردد مع رغبتها في الظهور عارية أمامهم.. «سيرناس» يطلب المزيـد..)

سيرناس : لا.. اخلعي.. ما تحت الفراء..

(«ليونتين» مازال يحاول الوصول إلى «ببيرون»..)

لبونتين (بالإنجليزية) : ألم تجتمع بامرأة أبداً ؟!!

بيبرون (يهز كتفيه) : عفوا.. لم أفهم..

ليونتين : أبدا.. أبدا..

(«ناديا» وقد تخصلت من قميصها الداخلي وبدأت في سحب ما تحته.. يتقدم الرجل ذو النظارة السوداء ويتناوله منها وقد تمددت أرضاً.. والرجال يصفقون…)

القاضي : إنها جادة فعلا

مارشيللو : برافو…

اتريكو : روجيرو.. هل ستسمر فعلاً في هذا العرض ؟ تعال.. يبدو عليك الغضب.. أنت خسارة في امرأة كهذه ؟.. والآن يا عزيزتي «ناديا» اقتربت لحظة الحقيقة..

(الرجال قد تحلقوا حولها وقد رقدت على الأرض وهي تتأوه في شبه غيبوبة.. عيناها نصف مغلقتين.. وشفتاها تنم عن الألم والنشوة الجنسية…. ترتفع يداها ببطء عن صدرها وهي تسحب الفراء من تحتها.. ويتناوله أحدهم حتى تصبح أمامهم عارية تماما..

أتريكو (مصدراً صفيراً منخفضا) : منتهى الجمال.. إيه رأيك ؟

المحامي : مدهش يالها من امرأة !!

(فجأة تضاء الأنوار ويدخل رجل من الباب الرئيسي..)

لورا : يا إلهي.. إنه «ريكاردو»!.. صاحب البيت أهلا..

(«ناديا» تأخذ الفراء وتخرج مسرعة وهي تغطي صدرها.. بينمان يجمع أحدهم ملابسها)..

ريكاردو : يا اولاد الحرام..

سيرناس : ريكاردو… أهلا..

لورا : لا تزعجنا الآن.. فعندما تهجر امرأة مثلها زوجها المليونير فإن هذا أقل ما تفعله احتفالاً بالمناسبة..

ريكاردو : وماذا يعنيني من طلاق مجنونة كهذه ؟ لدى ما يشغلني (يرى مارشيللو) ولا أريد فضائح أو صورا أتفهم ؟

لورا : لقد اتصلنا بك تليفونياً وقلت بعدم إمكانك الحضور.. قبلني.. (يقبلها دون اكتراث).. ثم من الذي كسر النافذة ؟

بوسيت : ريكاردو…

ريكاردو : سأذهب إلى «نيس» صباح غـد…

(الراقصة الشاذة تحاول تقديم صديقها)

دانييل : ريكاردو .. ألا تعرف «سوندرا لي» الراقصة الأمريكية ؟

ريكاردو :.. عليكم جميعاً بمغادرة المكان بعد نصف ساعة وإلا سأطردكم..

(يرحب بالفتاة الأمريكية).. تشرفنا.. لقد رأيتك من قبل..

سيرناس : هل دعـوت هذه الغانية الصينية ؟

ريكاردو : كـلا.. لم أتصل بها.

دانييل : المكرونة.. إنها عفنه.. كرستينا هي التى صنعتها.. (يتناول الطبق ويأكل..)

ريكاردو : تذكروا.. إنني جاد فيما قلت. في ظرف نصف ساعة عليكم جميعاً بمغادرة المكان..

مارشيللو : وما ذنبنا إن كنت ستسافر؟! سنبقى هنا.. وتستطيع أن تذهب إن شئت..

سيرتاس : أنت أيها المثقف .. لم لا تحاول الترفيه عنا ؟ سأزيد راتبك.. لقد قدمت نادياً أحسن ما عندها ولم تضفي الدفء على الحفلة .. فحاول أن تقدم شيئا…

(يستدير «مارشيللو» نحوهم وعلى وجهه امارات الاشمئزاز منهم ومن نفسه)..

مارشيللو : عندي آلاف الأفكار.. أفكار تشدهم هنا أسبوعاً دون أن يتطرق الملل إليكم.. فقط عليكم أن تفعلوا ما آمركم به..

ببيرون : نحن فيما تطلبه..

(يسير مارشيللو عبر الغرفة..)

مارشيللو : حسنا.. علينا أولاً أن ننزع الملاءات وأن نبقى متجاورين.. وكبداية اقترح مغازلة راقصتنا الأمريكية..

ببيرون : فكرة مدهشة..

مارشيللو : أراهن على أنك لم تمارسين الحب.. هل كان لك رجل طوال حياتك ؟

سوندرا (تضحك) : ماذا يقول ؟

ريكارد و«يحذره»: خذ بالك ؟

سوندرا : ماذا يقول..

(«ناديا» تعود وقد ارتدت ملابسها وتذهب إلى «روجيرو» ليربط عقدها وقد بدا عليها التعب)..

مارشيللو :.. هل كان لك رجل يهيم بك.. رجلاً تنامين بجوار جسده الدافئ.. وأنت تنعمين بقبلاته وحنانه..

ناديـا : ماذا يقول ؟

روجيرو : لا شيء.. إنه مخمور.. على فكرة.. أسعيدة بما فعلت ؟ !!

ناديا : كم الساعة ؟

مارشيللو : يجب أن نحسن ضيافتنا لضيفتنا الأجنبية.. بل للسواح والآن هل أختار أحدكم؟ اخترت «تيتو» ليمنحك ملذات الحب الأول..

فجأة يستدير مخمورا : مازلنا في البداية.. تنقصنا الشجاعة.. استمروا.. شيء من الموسيقى.. لا تستطيع أن نستمر هكذا !!..

(يربت على بطن «تيتو») : اخلع قميصك..

تيتو «بنعومة» : لا… أرجوك..

«كارلو» يسأل صديقه : أتظن أنه جميل..

مارشيللو : تعال.. اخلع القميص..

يصيح في «سوندرا» : إيه ؟ لقد اخترت لك أحدهم !

(موجهاً حديثه «لتينو» :  بمجرد إطفائي النور عليك أن تجعل منها امرأة.. في نفس الوقت على الفتاة التوسكانية أن تذهب إلى المحامي الذي يعيش من سنوات على ذكريات ويحتفظ بتأملاته..

المحامي : يالك من مهرج.. أنت الذي تعيش على ذكرياتك..

مارشيللو : .. كل الطرق المعروفة مسموح بها. لا تتركيه إلا بعد أن تستنفذي كل قواك.

كريستينا : ستذهب.. والآن.. شكراً لدعوتكم..

مارشللو: لا.. لا.. لن يرحل أحداً حتى الصباح..!! يلقي بوسادة على «سبرناسي» : أنت أيها اللعين كفنان ورجل.. عندما أطفئ النور تشجع وتقدم.. هذا المساء..

سيرناس : موافق..!

مارشيللو :.. اذهب مع «ماريو» . أما عن «ليزا»  التي تمارس الرسم يمكنها أن تنام مع موديلاتها.

(يطوح بزجاجة ويسكي لتتحطم على جدران الغرفة.. ينهض)..

ريكاردو : لقد أسرفت كثيراً.. سأطردك..

مارشيللو : لا.. لا.. سأرفه عنك.. يجب أن يستمر الحفل.. سنبقى جميعاً هنا.. فربما ينضم إلينا أحد..

لــورا : مدهش.. شيء جديد !!

مارشيللو : اسمعي.. إنك في شوق لممارسة الحب معي الذي لم تعرفيه.. لم تمارسيه مع رجل حقيقي.. وستحصلين عليه بأداء هذه الأغنية…

لــورا : يا إلهي… إنني أرثي لك…

(يلقي بكأسه في وجهها.. تصرخ وتجري باكية..)

لـورا : لا يمكن لأحد في بلدتنا أن يتصرف هكذا…

(سيرناس ينهض ويجذب مارشيللو)

سيرناس : يالك من خنزير.. أنت سكران.. لا يمكن أن أسمح لك بهذا.. اعتذر لها.. اعتذر لهم جميعا..

يشده إلى وسط الغرفة..)

مارشيللو : عندي كلمة.. أريد أن أشكر أصدقائي الذين ساعدوني في مهنتي العظيمة..

سيرناس : أتريد أن تصبح فرداً من أسرتنا ؟

مارشيللو : أريد أن أقول كلمة شكر..

(يتركه «سبرناس» ويدفعه بعيدا.. يقع فوق الفتاة «بوسيت»)

بوسيت (مخمورة) : لماذا ؟ من الذي تريده أن تشكره ؟

مارشيللو : وأنت يا صغيرتي الريفية.. أراهن على أنك من منطقة قريبة لبلدتنا..

باسوت : أي بلدة ؟

(مارشيللو يجذبها بين قدميه ويجلس فوق ظهرها وتمشى على أربع).

مارشيللو : تعالي.. إلى هذه المجموعة من العجزة.. لنذهب إليهم.. إن صحتك جيدة.. هيا.. هيا.. أجئت إلى روما للثراء أيضاً ! !

باسيت : لكن سوء الحظ صادفني..

(يبدأ في البكاء على ملابسها.. يمزق بعضه ليصنع لجاماً يضربها على عجزها وهو يدور بها في الغرفة..)

مارشيللو : ستجدينه.. كما وجده الجميع..

باسيت :…….. لا شيء..

(تنهار وينظر إليها مندهشا..)

مارشيللو : عودي إلى رشدك..

يضربها على وجهها : عودي لرشدك..

(تبدو عاجزة عن النهوض)

مارشيللو : قليلاً من الماء.. إنها ليست على ما يرام..

ريكاردو : أندريا.. أضيئوا النور..

(المكان يضيء رويداً رويداً بينما نسمع الموسيقى الرئيسية (الحياة اللذيذة والتي تستمر طوال المشهد)..

سيرناس : ريكاردو.. هل توقع هذا الشيك ؟

ريكاردو : لن أوقع على شيء..

سيرناس : لكن الفيلم يجري تصويره..

ريكاردو : لقد أنفقت كل شيء..

لورا : هل عثر أحدكم على كيس نقودي ؟

سيرناس : لا.. أقسم على ذلك.. ريكاردو..

ريكاردو : قلت لا..

أتريكو : .. سوف تستردها خلال أسبوعين ؟

(ريكاردو يخرج دفتر الشيكات.. حسنا)

(«باسيت» باسوت مازالت على الأرض مارشيللو يحتضن رأسها..)

سوندرا : ماذا حدث؟ أهي مريضة فعلاً ؟ ! !

باسيت : إنها من الموسيقى…

(يناول أحدهم «مارشيللو» إناء ماء يلقيه عليها..)

سوندرا (مسرورة) : أوه… كلا..

مارشيللو (صائحا) : من الذي يضحك ؟ من الذي يضحك ؟ من الذي أضاء الأنوار؟

(الحفلة وقد بدأت تنفض وبدأ الضيوف يستعدون للرحيل..)

أورتيا : ريكاردو.. خذني في سيارتك ؟

ريكاردو : مستحيل.. فلن أذهب إلى روما..

(ليونتين يسلم مارشيللو زجاجة صغيرة..)

ليونتين : لقد احتفظت بواحدة لكل مخمور.. احرص عليها..

(المحامي بجوار مارشيللو وبوسيت يشرح لتيتو مسألة معقدة..)

المحامــي :…. ولكي أتخلص من مشكلة الجراج اضطردت لبناء حمام سباحة مكانه.. (ينظر إلى بوسيت) هذه الفتاة يبدو عليها المرض.. أخرج بها إلى الهواء.. (ويعود إلى حديثه) كان شيئاً جميلاً أن أكتشف..

مارشيللو : ارفعي رأسك..

بوسيت : أشعر بغثيان ! !

(مارشيللو يمزق إحدى الوسائـد ويبدأ في لصق ريشها على وجهها).

مارشيللو :سنخلق منك شيئاً عظيماً (وهو يواصل لصق الريش على وجهها ورقبتها)..

بوسيت : لا أريد شيئا..

– أراهن على أنك من بلدة «فانو»  .. أراهن على ذلك..

بوسيت : لا.. بل بالقرب منها..

أوريتا : ماذا يفعل بها ؟

سوندرا : إنه يحاول أن يستخرج منها كتاكيت..! !

مارشيللو : كنت أذهب إلى المدرسة في «فانو» (يضربها بالوسادة فيتطاير الريش في الهواء..)

بوست : أتظن أنني أهتم بما تفعل ؟ مارشيللو (يستخرج من الوسادة المزيد من الريش)..

مارشيللو : ألا تريدين ذلك ؟

بوست (في إعياء) : لا أهتم.. لا أهتم..

(يمتطي ظهرها ثانية فتقع على الأرض..)

مارشيللو : تعالي.. لم أنته بعد..

(يجذبها من شعرها تقف وهو يضربها بالوسادة..)

بوسوت : دائماً أوافق.. دائما..

مارشيللو : ارفعي رأسك.. ارفعيها..

(يبدأ في لصق ظهرها بالريش)

بوسوت : أوه.. أوه..

مارشيللو : يا لك من بلهاء..

(مع كل كلمة يضربها بالوسادة فيتطاير منها الريش)..

بوسيت : هل تعرف السيد انجليني ؟

مارشيللو : طبعا..

  (يلطخها بحفنة أخرى من الريش)

بوسيت : ماذا تفعل؟..اكتب في جريدتك أنني أريد أن أرقص «الاستربتيز»..

(«تيتو» وقد خلع قميصه وهو يرقص لـ «بيرون»..)

تيتو : ألا تريد أن ترقص.. ؟

بيبرو : أجل..

تيتو : تعال (يجـذبه)

بيبرون: أووه.. إنها دعـوة رجـولة فعلا ! !

(على السلالم «كارلو» «ودمينو» يزيلان ماكياجهما استعداداً للرحيل)

كارلو : تعالي نذهب إلى الرسام ؟

رومينو : لقد غادر «فرجين» مع زوجته إلى «ريشيون»..

كارلو : لنذهب بطريق «الأوتوستوب».

رومينو : كلا.. أريد أن أكون وحيدا.. إنني أشعر بالحزن فجأة..

كارلو : وأنا أيضا..

دومينو (وهو ينظر في المرآة) : كيف أبدو ؟

كارلـو : كعاهرة..

(«كاترينا» تضع يدها على «ريكارد و«في سخرية)

كاترينا : لقد أسأت التصرف مع» أوديت»..

ريكاردو : أو تعرفينها ؟ لقد تركت لها الشقة..

كاترينا : كنت صديقتها الحميمة يوماً ما..

(«روجيرو» مشيراً نحو «بوسيت».. : من هذه الفتاة المسكينة ؟؟ (ناديا تقبله)..

ريكـاردو : لقد طلع النهار..

المحامي ينظر مذعوراً : الساعة الثانية.. لابد أن بساعتي خللا.. كم الساعة الآن ؟

أتريكو : الخامسة والربع ؟

المحامي : تخيل لابد أن أكون في المحكمة الساعة التاسعة.. هل أركب معك إلى روما ؟

ريكاردو : ليست في طريقي..

بوسيت : يالها من حفلة.. يكفي هذا.. يكفي.. أين حذائي ؟

(الحفل وقد بدأ ينفض والضيوف في طريقهم إلى الخارج فرادي وزرافات.. مارشيللو يقف وسط الغرفة معلنا انتهاءها وهو ويودعهم ببعثرة الريش)..

مارشيللو : كاترينا.. سوندرا.. دانيال.. بول نيومان ! !

(الموسيقى الرئيسية مازالت تعزف والضيوف يرحلون..)

سيرناس : ريكاردو : رحلة موفقة…

ريكاردو : وداعا..

مارشيللو : والآن إلى نادياً الفاتنة.

(«ناديـا» ترقص مع عشيقها الجديد بينما مارشيللو يرمي عليهم الريش مباركا..)

روجيرو : وداعا.. ريكاردو.. سأتصل بك غدا..

ريكاردو : لا.. لا داعي.. سأتصل بك عند عودتي.. إلى اللقاء يا ناديا.. أوه.. لقد نسيت تهنئتك..

ناديا : شكرا.. وداعا..

ريكاردو : حظاً سعيداً لكما..

ناديا : شكرا..

أتريكو : المحامي نهاية عظيمة له.. أسرع باستدعائه…

  (المحامي ينهض في ملابس البحر القصيرة ويخطو إلى الخارج راقصا.. مارشيللو يلقي بقايا الريش في الهواء وهو يتابعهم ثم يخرج خلفهم)..

مشهد (٠٥) : غابة صنوبر وشاطئ – صباحا..

(غابة صغيرة من أشجار الصنوبر تمتد إلى الشاطئ.. وقد انعكست أشعة الشمس على فروعها لترمي ظلالها على الأرض.. الضيوف بجوار سياراتهم الواقفة بين الأشجار يستنشقون نسيم البحر… لورا ترفع صوتها منادية..)

لورا : ماذا هناك ؟

لـيزا : أين ؟

(بعيداً عن الشاطئ صيادون يسحبون شباكهم. الجميع يسرع نحو الشاطئ والفتيات يسرعن خفاقاً كالغزال.. مارشيللو يسير خلفهم متسكعاً وهو منهك..)

دومينو : يا لجمال الطبيعة.. إن الفجر له تأثيره علىّ في الليلة الماضية.. شعـرت بتحسن كبير..

مارشيللو (مناديا) : إلى أين ذاهـبون ؟

دومينو :.. لكنني أشعر الآن بلزوجة..

(يخرجان من الغابة إلى الشاطئ. مارشيللو غير مهتم وبجواره نوع الفتيات في حديث هامس)

دومينو : لقد فقدت الرغبة في الحياة.. سأعتزل كل شيء. ولابد من الحساب.. لكن سيأتي من بعدي الكثير.. ما أن يعتزل اثنان حتى يحل محلهم عشرة سوف يسود الفساد العالم مع نهاية عام ٢٥٩١.. ويا له من عالم عفن..

(على الشاطي يتابع الصيادون الشبكة.. يركع أحدهم رافعاً يده صائحاً)..

الصياد : قفوا مكانكم… مكانكم !! ما الذي جاء بكم إلى هنا؟

(الرجال يسحبون الشبكة في جهد.. نرى في الشبكة سمكة رخوة ضخمة)..

صياد آخر (متحمسا) : لقد أصبحت مليونيراً.. إنها تساوي أكثر من مليون.

لورا : تعالوا بسرعة.. إنه وحش..

ليزا : احضري الكاميرا من الكابينه..

(السمكة مقلوبة على ظهرها والرجال يحاولون الكشف عنها وهم يغنون تبدوا السمكة أشبه بوحش تحملق فينا بعيني الاتهام)…

ليونتين : أوه.. فظيعة..      

لوسيا : يالروعتها.. (تركع وتنظر إليها)

دومينو : انظروا.. فمها مليء بقنديل البحر..

بيرون : ما تزال حية..

صياد : إنها ميتة منذ ثلاثة أيام..

صياد آخر : لقد مزقت الشبكة.. لم يكن في نيتي الذهاب إلى البحر ليلة أمس.

لوسيا : ذكر أم أنثى ؟

مارشيللو : فيم تحدق ؟

(الجميع مبهورون بهذا الوحش الكريه.. يبيرون يجد نفسه بجوار صياد شاب.)…

بيبرون : من الذي أعطاك هذا السوار ؟

الصياد : أمي.. لمـاذا ؟

بيبرون : إنه جميل.. هل تحبها ؟ كل إنسان يجب أن يحب أمه كما تعرف..

ليونتين محدقاً في السمكة : شيء فظيع !!

ليزا (بالألمانية) : يجب الحفاظ عليها.

(كارلو يتفحصها باشمئزاز ثم يتحدث إلى بيبرون».)

كارلو : إنها تشبهك..

بيبرون : أسكت..

كارلو : بطنها تشبه بطنك الصغيرة..

(بيبرون يتفحص السمكة من كل الجوانب..)

ببيرون : من الصعب معرفة مقدمتها عن مؤخرتها..

كارلـو : إنني أتساءل.. من أين جاءت ؟

كارلو : ربما من أستراليا..

ليزا : لماذا استراليا بالذات ؟

كارلـو : من يدري ؟

(لحظة صمت تقطعها أصوات النورس وأمواج الشاطئ.. يتأملونها كما لو كانت تحدق فيهم بعينيها الواسعتين الميتة)..

بييرون : أليس غريباً أننا لا نعرف مقدمتها من مؤخرتها ؟

(«مارشيللو» مازال يحـدق فيها !!.. يتمشى قليلاً ثم يجلس على الرمل متأملاً البحر .. الحزن والإرهاق على وجهه.. أمامه خليج صغير وأطفال يلعبون على الشاطئ يسمع أصواتهم وينظر إليهم.. وقد وقف شخص ما يناديه من الجانب الآخر.. إنها «باولا» الفتاة التى التقي بها في المطعم)..

باولا : يا سيد.. هيه.. يا سيد..

مارشيللو يراها ونداءها دون أن يدرك ما تقول بفعل الرياح..

مارشيللو : أنا ؟ لا أفهم. لا أسمعك..

(«باولا» تراه ينهض ويتقدم نحوها خطوات وقد بدا من خلفه بقية رفاقه وهم يغادرون الشاطئ..)

باولا : أنا وأنت.. في العربة.. ألا تفهمني ؟

(تقف على حافة الخليج وهو تصرخ فتضيع كلماتها بين أصوات البحر..)

(يناديها برقة معبراً عن يأسه من سماع صوتها..)

مارشيللو : لا أفهم.. ولا أستطيع سماعك.. لا أستطيع سماعك..

 («لـيزا» تعود إليه وتتأبط ذراعه..)

لــيزا : هيا..

(من بعيد الضيوف في طريقهم إلى سياراتهم.. ينهض مارشيللو وهو ينظر إلى «باولا» التى تشير إليه وهي تبتسم)..

مارشيللو : إنني قادم..

(يهز كتفيه إليهما ويعود إلى «ليزا».. ثم يتوقف وينظر خلفه ليرى «باولا» في مكانها وهي تبتسم وتلوح له.. ليزا : تحتضن «مارشيللو» ويبتعدان «باولا»).. تتابع مارشيللو وهي تبتسم.. يختفيا بعيداً والفتاة لا تزال تبتسم..)

 

النهايــــــة
 

شاهد أيضاً

فـي الثنيّات اللاّنهَائـيّة للكَلام

في هذا الحوار يبوح الشاعر محمد بنيس للشاعر الفرنسي جاك آنصي بالعلائق التي تربطه بالمكان …