أخبار عاجلة

طوق الحمامة فصل من رواية البازنجانة الزرقاء

ما في الدنيا حالة تعدل محبين، اذا عدما الرقباء، وأمنا الوشاة،وسلما من البين، ورغبا عن الهجر،وبعدا عن الملل، وفقدا العذال، وتوافقا في الأخلاق، وتكافيا في المحبة، وأتاح الله لها رزقا دارا، وعيشا قارا، وزمانا هاديا، وكان اجتماعهما على ما يرضي الرب من الحال، وطالت صحبتهما واتصلت الى وقت حلول الحمام الذي لا مرد له ولابد منه، وهذا عطاء لم يحصل عليه أحد، وحاجة لم تقض لكل طالب (ابن حزم، طوق الحمامة، باب الوصل).

سيفتح باب العربة ويقول لك

انزلي!

في الشارع المعتمة

حيث تطل صويحباتك من النوافذ

ويبتسمن

وانت متلبسة بالجريمة

انزلي!

…رأسك بين يديك،ويداك بين ساقيك في الحجرة المعتمة، عارية بجانب الحائط، على الأرض، تتكومين، وتستبدلين النشيج بالصراخ المكتوم وتعضين على خرقة، سيتضح لك بعد انتهاء النوبة أنها كانت قذرة، وبعد أن يذرف جسدك كل مرارته سوف تحثين نفسك على التماسك، هنا مقبرتك وتلك الليلة بالذات هي ليلة مولدك، هو يعرف ذلك، أنت قلت له مثلما قلت منذ سنة بالضبط بلهجة تمثيلية حفظتها من كل الروايات التي قرأتها عن التمرد.. "هل يمكنك أن تشاركني الاحتفال بليلة مولدي؟!"، متأكدة ساعتها أنك تمارسين أخيرا دورا يليق بك، وأنك لست جبانة ولا مكفوفة، ولا موتودة في جذع نخلة، وأنت كائن عاقل، بالغ ومن حقه أن يختار، متحمسة أكثر من اللازم لفكرة أن كل ما لا نطاله نموت بحسرته، مصممة أن تحققي إيجابيتك، فالوقت مناسب لمغامرة كبرى كمغامرتك.. تضعين مقدمات أكثر مما تستحقه لمسة يد مهما بلغت عبقريتها، لكنك وجدت في تفاصيلها نفسك، نفس السراديب التي طالما ضللتك، هي التي قادتك الى تعريج كفه، الخطوط التي تتحسسينها بيدك، موضع بصمته، ملامحه التي لا تجدينها في ملامحه، حقيقته التي تظنين أنه يخبئها تحت تفاصيل من !لشك والعدوان والوشايات، نفس الخرائط التي تاهت بها روحك بين مقبرة واطارات وحكايات لموتى جدد،يخرجونها من الأساطير ليكلموك عن أصلك وفصلك وما يليق بك وما لا يليق، الياسمينة التي علقتها على نافذتك تؤكد عبر ما ترسله من اشارات أن الحياة ليلة واحدة، وعصفوران كانا يطرقان النافذة التي هي نافذتك، التي يدخل منها القمر الى فراشك، أكدا أنه لابد أن تدخلي هذه المتاهة، لابد أن تمدي يدك الى معصمه. حيث يكمن النبض، وأن تضعي سبابتك هنا، لتعليمه كيف يكون الحب حبا.

يده التي سينفضها بعد عام وهو يقول لك إنه ليس من المناسب أن تمسكيها في السينما، ستعتقدين أن لسانه يقول أشياء كثيرة لا ينبغي تصديقها وتواصلين البحث في كفه عن ثلاثة خطوط، باحثة عن حلمك الذي يتوهج بين أصابعه، بدأ منذ عام، وفي نفس الليلة التي توافق وضع خرقة في فم الملكة ناريمان كي تقلقاك جدتك، صغيرة وزرقاء ومتعجلة، كما أنت دوما متعجلة على الحياة ! بعد سبعة شهور فقط تقررين النزول في ليلة معتمة كهذه، عارية، ومسارا للسخرية كما أنت الآن.

قلت إن الحكاية تبدأ دائما بعصفور يطرق النافذة، ينقر مرآتك ويحلق ثم يعاود اللعبة فتبتهجين سائلة أمك التي تجلس الآن وحيدة، ترص في خطاباتها القديمة وتحد لأنك عن التفتاه والأورجانزا المشغولة، وعن هذه الندبة التي تعرفين تماما أنها أثر حصوة ركلها بها هنا في مفرق شعرها، تضمين جسدك في الليل وتبتسمين..

"هل يمكن أن تشاركني الاحتفال بليلة مولدي؟!

دعوة تجرأت وعرفت كيف تخرجينها من فمك، بعدها بررتها بالوحدة والقلق والصداقة، ودسست بين الحكايات التي كنت تخترعينها لتحكيها سؤالا أكثر فصاحة عن ارتباطاته، ومواعيده، وكنت مستعدة لأي اعتذار هذه المرة، فدون أن يؤكد لطفك وأخلاقك، ورقتك، وقبل أن يضيف أنك مثل كل أخوته، كنت ستنسحبين معتذرة لنفسك مرة أخرى عن سوء التوقيت أو سوء الاختيار أو القسمة والنصيب.

لكنه لم يقل أكثر من اللازم ليجعلك معتقدة أنك بسيطة ومتحررة وقادرة على الحب والحياة، يأتيك ابن حزم، يترك لك أول عبارة في دفترك.

"الحب – أعزك آلله – أوله هزل، وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تدرك حقيقتها إلا بالمعاناة ".

تضمين يديك حول جسدك العاري أكثر، ويلامس خدك الأرض الباردة، وتسكبين كل ما ادخرت من معاناة.

تمدين يدك، يدك القلقة التي كانت تمسك بشدة في عنق أبيك خوفا من مفارقته، أصابعك المتوترة التي كانت تستدفي ء بأيدي صويحباتك بالدرج، بردك الذي دسسته في القفاز متعففة عن السلام والكلام والتلامس، أيا كان صفته. تبحثين بين الخطوط عن اسمك المحفور بين التعاريج في كفه، تسألين وتجيبك، تضمك وتضمدك، وتمسح عن قلبك كل هواجسه، وتسقط الحروف

المنطوقة والمكتوبة والمحفورة في الذاكرة، تبتسمين في بلاهة، ولا تحاولين اصطناع أي مبرر لاندفاعك، ثم تستقبلين كل صباح بصوته، أين تخبئين أرقك؟! كيف تغافلينها لتسرقي حقك في الحياة. صوت العصفورة وهي تنقر الزجاج تغازل نعاسك، استيقظي، سيمر الآن صوته، بين النعاس والأرق. تتأملين وجهك، تجلسين على حافة الفراش قلقة، افتحي صدرك قليلا، تأملي عنقك، مدي يدك وتحسسي مفرق صدرك وتثاءبي حتى يرن الهاتف. تركضين كفأرة ثم تتقمصك روح طفلة تتعلم المشي، تثأثئين بكلام غير مفهوم، تنسين كل الذي اعددناه سويا. يسألك. "نائمة؟!»

تثأثئين: «نعم ".. يا غبية قولي له إنك لم تنامي أبدا.

 يكمل: «صوتك جميل "

تضحكين قليلا.. "صوت ضحكتك أجمل »، يقول.

يتسارع نبض قلبك، كنت كبيرة وأنت تنظرين في المرآة وتحت عينيك التجاعيد، وفي مفرق صدرك قطعة ثلج، طفلة أنت الآن غارقة في الصمت، ألطم خدودي وأقول لك إنه يغازلك، يغازلك انطقي!!

تحتضنين الهاتف وتقرفصين على الأرض أمام فراشك وتواصلين حكاياتك الخرافية.

"هل تسمع صياح الديوك؟"

تضحكين "إنها ديوك أمي، تقف تحت النافذة وتفعل ذلك ».

تقطعين بين كل مقطع بضحكة قصيرة ومهذبة "انها لا تضايقني.» "تبيت في عشتها" "إنها تسكن أشجار العبل التي تفصل بين بيتنا وبيت عمي».

"كانت مزعجة في البداية ثم اعتدت عليها» تسكن أشجار العبل عصافير غريبة، إن لها صوتا "حادا».. عصفوران فقط ينقران نافذتي كل صباح ".. منتهى الازعاج "يقاطعك » ربما متحابان، عصفور وو ليفته «تخجلين خجلك معناه أن تتضاءلي ارتباكا، ويتم اختزال سنوات عمرك أكثر وتراوغين مكملة باتجاه آخر، «فوق التليفون يسكن كروان »، "أسقطه عامل التليفون في العام الفائت وهو يغير الأسلاك، لكنه عاد وبنى العش في نفس الموضع " يتنهد، تسمعين حركته في فراشه ربما يدس وجهه بالأغطية مثلك، لو فتحت أمك الباب عليك الآن فستعرف من احمرار وجهك أنك تكلمين حبيبا ما، ستغلق الباب باشفاق لارتباكك، وتزدادين ارتباكا لو تثاءب، ستدركين أنه يتمنى لو يضمك الآن وأن تغلقي الهاتف وأن تختبئي تحت نفس الأغطية التي تختبيء بها أنقاس تثاؤبه، تصمتين قليلا، هذا الصمت وصلكما الوحيد، حين تفاجئين أصابعك تنحدر من تحسس الندبة التي أسفل شفتك، مارة برقبتك الى مفرق صدرك ستضمين ياقة القميص وتغلقين أزراره حول عنقك وتواصلين.. «هل تسمع صوت كلابنا؟!».. "انها ستة..كارلوس، وبيجن، ومائيرة، وزينة، ودقدق وديانا".. "كان بيجن أكبرها، إنه يشبه أحدا أعرفه، عيناه ليستا غريبتين على الاطلاق ".. "كارلوس وزينة لونهما أسود، وزينة لا تلد ذكورا إلا وتموت منها. ربما تأكل أولادها، المرة الفائتة وجدنا رأس أحد أولادها تحمله في فمها وضعته بجوار شجرة وكانت تبكي، كان جسده مأكولا، أمي تقول لا يمكن أن تأكلها، إنها خائبة فقط، وتتركها للعرسة والفئران. "ديانا بيضاء جدا وضعنا لها ببيونا حمراء،هي صغيرة وبدينة، دقدق لونه بني تقريبا يشبه الدببة تدخل أمك حاملة سجادة صلاتها، يقبلك ويقول لك:

"سأحدثك في المساء" تقرفصين في فراشك وتخبئين وجهك بالأغطية منتظرة هذا المساء.

الآن أنت حرة بلا قفاز ولا أغطية ولا وجه أمك الذي يزيدك ارتباكاه تمدين كفك لصويحباتك ليروا في ضوء خطوطه هل يزال على المساء وقت طويل.! تنتظرين طويلا متقلبة على أوراق ابن حزم، طوق الحمامة، أول كتاب قرأته في الحب، رأيت فتى فيه بعمامة يقبل الجواري خلف الوسائد المتراصة في باحات الدور ويكتب في أيام النزهات "الحب أعزك الله أوله هزل وآخره جد، تخطين سهاما باتجاه التمرد والقمع الاجتماعي، التمرد والتمزق الحضاري، ازدواجية المثقف ودوره في فرض القيم المعطلة » خطوط عريضة مرسومة بعناية تليق برسالة دكتوراة، قد تجدين أولجا «في الشرفة تدخن وتكتب أشياء مهمة مثلك في أوراقها، وبين كل فاصلة تتوقف لتدخن سيجارتها وعيناها اللامعتان في عينيك » تقول: "كيف تعتقدين أن يعيش رجل لمدة عام دون أن ينام مع امرأة.. أنتم متحفظون تماما، لكن في الاعلان عن نزواتكم وليس

 معيشتها.» وقبل أن ترمي العقب ستعيد صياغة السؤال لتؤكد لك أنها تصيغ جملا عربية فصيحة، معبرة عن مقاصدها بالضبط "كيف يكتفي رجل ناضج بامرأة تحدثه في الهاتف عن القطط والكلاب في الشوارع؟!ء تقذفين كل الأوراق من على الطاولة، عاجزة عن استكمال استدخال القلم الى متاهات جديدة، ناسية أنك لحم ودم، متحمسة لاتهامه بأنه يخونك وأن هناك كثيرات في فراشه، وأنك لن تكوني واحدة منهن، أنت عاجزة عن ذلك مشبوكة في خيوط الحرير والتنتنة، رغم كل تمريناتك على فك أزرار البلوزة، مادة يديك الى آخرها، متحسسة التعاريج التي تحبينها في كفه، معتقدة أنها خريطة روحه التي لا يعرفها، هي أصدق من عينيا الحادتين اللتين بمواجهتك، أصدق من لسانه الذي يركلك بالأحجار.

والمقعدان متجاوران، والمرأة التي أمامكما في الشاشة يضمها حبيبها، تمدين يديك الى يده. هي فقط التي تعرفك وتطمئنين لها، يدفعها بعيدا "ليس الآن"، يصافح يدك بدفعة ويدخر "لا أريد أن أرى وجهك ثانية " حتى نهاية العرض، وقبل أن تسقط الستارة يفاجئك بها كقبلة على جبينك يوم مولدك احتفالا بمرور عام كامل على أول كلمة محبة تخرج من فمك "يبدو أنني وقعت في محبتك !".

الورد أسفل قدمك، الورد الذي أعددته لتقديمه له بعد ان تطفئا الشمعة، وتخرجين الحرفين اللذين رسمتهما للصائغ وشرحت له كيف يشبكهما ليصبحا حرفا واحدا، تصميما يثبت أنك تفهمين في النحت، قلب كبير على شكل "أحبك "، يضم الحرفين مضمومين كوردة ومتعاشقين كالموت والحياة، تشبكين أصابعك في أصابعه قبل أن تطفئا الشمعة ويقبلك في فمك، ودون أن تخافي أو تخجلي أو تختلقي أشياء لتغضبي منها لتهربي من أنقاسه القريبة، مطأطئة رأسك حجلة من فم مشروط بالخياطات ومسقوف بألواح المعدن أنه الآن جاهز للاتصاق ناسيا جروحا، لكنه لم يقبلك ولم تغضبي، عقدت فمك كما كنت تفعلين وأنت طفلة وسكبت عينيك دموعا لم يرها، وتظاهرت بالعناد، وعدت مهزومة أكثر لتجلسي فوق احباطاتك تكتبين في أوراقك أشياء لا هي قصص ولا أشعار، إنها فقط خدوش وجهك من أثر حادث قديم.

الولد الذي أحب أهدأني عقدا بلون الغيم، وغاب، فظللت أعد حبات غيابه، وأخضب الأيام، مرة بلون القمر، مرة بلون الشمس، ومرة بلون دمي الذي يلفظه رحمي في موعده.

ودار كل شي ء دورته،وحين توسدة صدر غيابه نظر في وجهي وقال:.. إنه ملي ء بالندوب. الولد الذي أحببته كانت عيناه مليئتين بالشجن، وفي جفنه جرح قديم، وحينما يبكي يداري وجهه بكفيه ولا يرى أحد إلا جمود حدقتيه. قابلني اليوم ولم يكن فيهما إلا التجاهل، قال إن كل النساء اللائي يعرفهن يحببن العطور، ويحاكين الملائكة، حاولت تقليدهن في الحقيقة، لكنني بعد أن سكبت كل العطر الذي أهدأه لي، اكتشفت أني لست وردة ولا فراشة ولا ملاكا، ولا حتى طفلة لقيطة تتسول صحبته، أنا نبتة صبار صحراوي يتزود بالمرارة كيلا تلقمه القطعان الهالكة.

الولد الذي أحببته وأريت أمي صورته، وتجرأت وصارحتها في صحوي أني أحبه صار إذا حدثته عن محبتي يركلني بالحجارة، وأمي التي كانت تشمت في خيباتي، صارت تشاركني الوسادة التي تمتص دمعة من عيني ودمعة من عينيها.

الرجال الحمقى صاروا إذا نظروا الى وجهي يقولون "ملاكا" الرجال الحمقى صاروا يتغزلون في عيني، الرجال الحمقي لم يروا فمي المحاك بالخياطات، أنت وحدك الذي بحثت ودققت فلم تجدني ملاكا ولا قطة تموه، فهل أقرضتك أمي عينيها لترى أني «خلفة شياطين " وأنا التي لو فتحت لك المقبرة الآن فلن تجد عيني أبي لتراني بهما، ستجد فقط محجرين خاويين من الألق، لكنك لو نبشت في التراب قليلا ستجد قلبي.

الصديقة التي كانوا يربطونها في ساق الفراش، كان اسمها "نهى" كانت جميلة جدا، تهرب من بيتهم حين ينامون وتأتي الي، وقد تبيع لي أثوابا، لعروستي، وحين نبني البيوت كانت تختار دائما أن تكون العروسة، وكنت أرضى أن أزوقها، وأزغرد في فرحها، ولم أكن العريس ولا أمها ولا أباها فقد كنت أرضى بأن أكون وصيفتها والصديقة التي كانت أمها دائما تكويها في ساقها، لم أعد أذكر اسمها، كانت تبكي وتكشف فخذيها وتريني العلامات وعندما صارت أطول مني قليلا كانت تكلمني من خلف ثقوب بابهم وتقول إن أباها منعها من الخروج، وأن أمها ستذبحها لو كشفت فخذيها ثانية.

أما الصديقة التي ماتت فكان اسمها "مها" كانت وديعة جدا وكنت أحبها، كانت تقرأ لي كفي وتقول إن أول حرف من اسمه "ألف » وتتركني. بعد ذلك أبحث عن كل الأسماء التي تبدأ بنبوءتها ولم أكن أجرؤ أن أقول إن أمي لو ماتت فلن أتزوج غيره، لكنها لم تمت الذي مات هو "أبي " و" مها». أما الصديقة التي كرهتها فكانت تنام معي على نفس الوسادة، وأضع يدي في يدها ونحن في طريقنا للمدرج، وأحجز لها الكتب، وأدون لها المحاضرات، وأحكي لها كم أحبه. وكم أتمنى أن أعيش بجانبه، ولم أبال بنظرات الاستخفاف التي تقتلني بها، لكنني حين رأيت أيديهما تتعانق من تحت سياج الخشب في المدرج لم أبك، وحين استعارت بلوزتي وقابلته بها قال لي بعدها إنها جميلة جدا أجمل صديقاتك، وأنها تعرف كيف تفك أزرار البلوزة التي تبدو عليك مثل سترة المجندين، انني أشبه كل إخوته. بكيت، أما هي فلم تحادثني، فقط استعارت حمالة صدري.

لا أحب لعبة العريس والعروسة، ولا أحب أن أقف في الجون، ثلاث مرات تكسر ذراعي وهم يشوطون فأسقط ويصفقون للكرة، وصرت أخاف من تسلق الأشجار ولا أموت، ولا أحب الحجلة الآن أمي تقول إن ساقي ليست جميلة وأن أصابعي طويلة جدا مثل أصابع جدي، ولا أحب الاستغماية لأني حين أخبيء عيني يقبل الصبية صديقاتي من خلف الابراج، وفي ثنيات البيوت الضيقة ويتركونني اتخبط من جدار لجدار ولا أعرف كيف أصل لشيء، أحب لعبة المساكة، أقول طاحت ويلهثون ورائي فلا يستطيع أحد الامساك بي، فقط أظهر  وأخبو ويحلمون بامساكي في خلواتهم فأخرج لهم لساني وأقول"أنا القمر" وحينما أبكي من الوحدة وأقول للذي في عينيه سري.. "اقترب " يقول "أنت لا تعرفين المحبة ".

قبلني أبي في فمي واعطاني وردة فلم أقبل وردا من كل صبي، ولا من مدرس الفصل ولا من «المعيد" الذي رسم وردا في كتابي وهو يشرح لي في المدرج "هند زيد ضاربها"، كنت أراهم صغارا جدا وليس في وجوههم ألق وجهه، كنت أنظر للقمر وأقول إن خلفه وجه من أحب ولا ينام في حجر غيري، وحين مات صارت أمي تقطف كل زهور الحديقة وتعلقها على صورته، وتنعس على حجري وتقول: اقرئي له قرآنا" وحين استكنت لصدرها قصت أظافري وضفائري وحبستني في الاطار، وحينما احسست بالعجز، تحسست ندوب وجهي وقلت للولد النحيل الذي يحب فتاته السمراء، "أنا أحبك » فقال لي بأسف أنت مخلوق جميل، لكنك خجولة جدا، وان هذا يربكه، وأنه يخاف لو لمس يدي أن أتحول الى قطرة زئبق، ثم انسحب، وظل يصنع من شعور فتاته السمراء ضفائر صغيرة، ويصفها بعناية، ولا ينظر لي، وحين قابلت من في عينيه سري قلت له "لن أفقدك » ففككت شعري واطلت اظافري، ودهنتها بالطلاء، وقلت له اقترب، فقال لي: أنت عبثية ومستهترة.

أمي التي كانت تحكي لي الحواديت عن ابيها الذي يغلق النوافذ، ويغلق المذياع إذا تغنى بالمحبة، كانت تقول لي إذا مت من المخاوف «رفيقة ومهذبة "، واذا خاصمت صديقتي التي كانت تتشدق بلبانة في فمها "أنها أجادت تربيتي»، لكن بعد أن صارت كل الحواديت لا تخيفني وقررت أن أرقص مع الفجر على الأرصفة، نكست أمي رأسها ولعنت اليوم الذي أنجبتني فيه.

أمي التي أعرفها لم أرها وهي ترضعني، ولا شممت رائحة صدرها، كانت فقط تشدني من شعري وتقول "جنية "، أهرب من الباب الذي بلا ثقوب، وأصاحب بنات الشوارع، وتخجل أمام ضيوفها أن تقول إنها ابنتي. أمي التي لم يعرفها "هو" كانت اذا نعست في أحضانه، وتشممت رائحة عرقه، وتركت أحلامي تسرح بين خطوط وجهه تأتي وتحملني بالليل وعقي بي في الغرفة الخاوية، وتنام بجانبه، وفي الصباح تضحك وتقول هذه المخلوقة أنت أفسدتها، ثم تجيء أنت الآن وتطالبني أن أكون أما، أنا التي دعوت آلله الا ينبت رحمي أية مخلوقات. وقررت أن أكون ابنتك فقط وأن أعطيك أصابع نحيلة تعبث في شعرك حتى تنام.

عندما كنت أريد أن أعذبه كنت أسعل وكان صدري ضيقا جدا وعليلا، تقول أمي "ذئب صغير يعوي» وعندما كان يغضبني كنت أجمع ثيابي وأضعها تحت رأسي وأنام على البلاط البارد، وأقول "سأترككم.. لا أحد يحبني.. حتى أنت »، فيحملني بين ذراعيه، وقد يضعني بين صدره وظهر أمي. كبرت قليلا،، قلت لمن أحب: «سأتركك إن لم تحبني. سأتركك » فتركني، وحين ألقيت بنفسي على رصيف قلبك البارد الموحل.. بعد المسافة أكثر، كبرت قليلا مسحت دمعتي وحثثت نفسي على التماسك، لكن السعال كان قد جرح صدري.

حاولت أن أكون كما تشتهي "أنت " أو تريد "هي"، اجتهدت كثيرا أن أصبح المرأة التي تحبها، أو الابنة التي تليق بها، لكنني كما حاولت ارضاءها، أغضبتك، وكلما حاولت مصالحتك جرحتني، أعرف أني بحاجة لعبور بحر مالح كي أجد بعض الحلاوة في الأيام التي تمر، سأعبره، لكني لا أريد أن تكون المرارة فقط هي وديعتكما لقلبي.

 
 
 
ميرال الطحاوي (كاتبة من مصر)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …