أخبار عاجلة

طيور العنبر

وضع سليمان كل الصحف والمجلات التي اشتراها أحس من محطة الرمل أمامه فوق المنضدة القديمة، وجلس على المقعد الخشبي القديم، فوق السطح في الصباح يقرأ ويقلب فيها، لقد دفع فيها مبلغا محترما هو حصيلة الضفادع التي باعها للطلاب طوال الأسبوع، أن يصطاد الضفادع في الأماسي من البحيرة ويبيعها لطلاب القسم العلمي بالمدرسة، يقيمون عليها تجاربهم في التشريح. الأهرام، الأخبار، المصور، روز اليوسف، والايجيبشيان جازيت وكلها تقريبا تتحدث بأسلوب واحد عن تطورات الهجوم العسكري على مصر. كل ذلك حتى لا يرى جين بانكروفت ؟ يا الله؟؟ كان يمكن أن ينقطع عن اللقاء معها دون حاجة الى كل هذا العدوان معها دون حاجة الى كل هذا العدوان على البلاد. لقد وقع الاعتداء الاسرائيلي في مساء الاثنين تسعة وعشرين أكتوبر، وكان يجلس معها في كافتيريا (على كيفك) مساء الأحد ثمانية وعشرين أكتوبر.

كانت تنظر الى المارة أمامها في محطة الرمل، كأنها تملأ عينيها من المكان والناس قبل أن ترحل، ترحل ؟ وهل رحلت حقا؟ قالت له الا يحاول الاتصال بها إذا وقعت الحرب، وأنها سوف تجد طريقة للاتصال به، كيف صدقها؟ كان عليه أن يحاول الاتصال. قال لها إنه لا يتوقع حربا، وإن الأمم المتحدة ستجد مخرجا للأزمة فقالت له إنها تعرف بلدها جيدا، وتعرف أن ايدن يريد عملا يدخل به التاريخ، تلميذ لتشرشل، لكنه تلميذ خائب، أخرق، وإن جمال عبد الناصر أيضا يريد أن يدخل التاريخ، بل لعله قد دخله بالفعل بقرار تأميم القناة هذا، قرار تأميم القناة أخطر من قرار الثورة نفسه، جمال عبدالناصر متهور، واذا التقى أخرق ومتهور فماذا تنتظر غير الحرب. قال لها إنه يكره السياسة والسياسيين قالت هي كذلك تكرههم لكن للأسف هم الذين يحركون العالم. انظر كم هو عالم تعيس هذا الذي نعيشه، ولم يكن هو في حاجة الى من يقنعه بتعاسة العالم، لكنه كان يرى أسبابا أكثر عمقا، أسبابا تتعلق بالوجود الانساني بسوء الفهم الذي يكتنف الوجود الانساني ويؤدي الى كل هذه الصراعات. لقد قرأ في الفلسفة الوجودية، أحب على وجه الخصوص البيركامي، وكان مبتسما وسعيدا كمن لا يعنيه شيء فسألته وهي في غاية الدهشة.

– الا تعرف حقا ماذا يمكن أن يحدث لو قامت الحرب بين مصر وبريطانيا؟

– ربما تحتل بريطانيا مصر لكن الشعب المصري سيقاوم بشدة.

– مع بدء الهجوم سيقوم عبدالناصر بطرد كل الانجليز من مصر، وإذا اشتركت أي دولة في الهجوم مع انجلترا سيلاقي رعاياها المصير نفسه. انتبه في تلك اللحظة الى ما يؤدي اليه الكلام، قال:

– تقصدين إنني لن أراك؟

– أجل، لن تستطيع حتى أن ترسل خطابا لي، لأن كل الخطابات التي ستذهب الى انجلترا أو ربما أوروبا كلها،  أو تأتي منها، ستخضع للمراقبة أنت لا تعرف بلدك يا سليمان:

لم يضايقه ذلك، هو لا يعرف الا هذه البقعة الهامشية من الأسكندرية، وجين هي التي اخذته الى الاسكندرية كما يجب أن تكون، لكن ما يضايقه هو إنه لم يفكر فيها من قبل كأجنبية أبدا. دائما كان يردها مصرية، وبعد كل لقاء معها وسط الأجانب كان بعد أن يتركها ويعود لا يفكر فيها إلا كمصرية يعرفها من زمن قديم وتعرفه، رغم اسمها الصعب. بانكروفت، الذي قال لها إنه يصلح ماركة سيارة أو كرافتة فلم تتوقف عن الضحك لأيام عديدة بعد ذلك، مد يده أمسك بيديها وراح يتأملها كمن يتأمل شيئا يوشك على فقده.

– لن نعود معا بالترام هذه الليلة، لا داعي أن توصلني الى البيت، الشارع والناس كلها ضد الأجانب، انظر، حتى الجالسين في "على كيفك " وأكثرهم يونانيون وإيطاليون ينظرون الي.

كان قد تعود بعد كل لقاء آن يركب معها الترام حتى القصر الذي تسكنه مع عائلتها في بولكلي.

– لا أحب أن أودعك سليمان، لكن….

نهضا، لم يتركها إلا عند السيارة الرولز رويس التي تنتظرها أمام اتينيوس في الزقاق المؤدي الى الكورنيش. لم يكن يعرف أنها تحبه أبدا. لم يتصور نفسه أكثر من نزوة انجليزية، قليل من الشعلة في الطعام البارد. لكنه اكتشف ذلك المساء أن الأمر مختلف.

لقد تطورت الأمور بسرعة بعد الهجوم الاسرائيلي على مصر، وبدا واضحا أن اسرائيل تستهدف سيناء كلها، جرت معارك باسلة في الكونتيلا ونخل وأبوعجيلة وكانت القوات الاسرائيية، على طريقة روميل في الحرب العالمية الثانية، تترك المواقع المصرية خلفها وتتقدم مسنودة من البحر بقذائف البارجات الانجليزية والفرنسية. لقد وجهت انجلترا وفرنسا الى اسرائيل ومصر انذارا بوقف القتال والانسحاب عشرة أميال على جانبي خط القتال كان واضحا منه أن تحتل اسرائيل سيناء وهي المعتدية، كما احتوى الانذار ضرورة قبول مصر قوات انجليزية وفرنسية في مدن القناة، بور سعيد والاسماعيلية والسويس، وأن تتلقى الدولتان إجابة خلال اثنتي عشرة ساعة.

لقد صرخ "أرمان دو شايلا" سفير فرنسا السابق في مصر بأن ما نسجته فرنسا في مصر طوال قرن ونصف، بهدوء وعلى مهل، أضاعته ساعة واحدة من يوم 31 أكتوبر. وهو اليوم الذي بدأ فيه العدوان بعد أن رفضت مصر الانذار واعتبرته موجها لصالح اسرائيل.

تقرر سحب الجيش المصري من سيناء على عجل حتى لا يتم تدميره من الغرب بانجلترا وفرنسا ومن الشرق باسرائيل، وتم سد منفذ القناة من ناحية بور سعيد حتى لا يتكرر خطأ عرابي عام 1882 حين خشي من مخضبة الدول الأجنبية فترك القناة مفتوحة للقوات البريطانية، وخطب عبدالناصر طالبا الصمود من الشعب، وان الحياة الذليلة هي العبودية والموت خير من الذل وقررت وزارة الصناعة الاستيلاء على شركات البترول الانجليزية والفرنسية وممتلكاتها وأموالها، شل والانجلو ايجيبشيان وسب، واستقال انتوني ناتنج وزير الدولة البريطاني من الوزارة احتجاجا على الهجوم وعرض داج همر شلد استقالته من سكرتارية الأمم المتحدة احتجاجا أيضا. قال في أسف "لقد ضاعت كل الجهود الضخمة التي بذلناها للوصول الى تسوية " وهاجمت الطائرات البريطانية القاهرة في غارات متتالية فاصابت مبنى الكلية الحربية ومطار الماظة الدولي. وبعض الأماكن في شبرا، ونددت روسيا بالعدوان وكذلك أمريكا، والهند والدول العربية، وفتح باب التطوع في البلاد للقتال، لكن المحلات أعلنت عن الأوكازيون الشتوي الكبير الذي بلغ فيه سعر متر الكستور أربعة عشر قرشا وتقاطر الناس لمشاهدة فيلم كوفاديس " بسينما مترو بالإسكندرية ولم يخشوا الغارات. لقد تحصنوا ضدها من غارات الحرب العالمية الثانية التي لا تزال في الذاكرة، ولا يظن أحد أن غارات هذه المرة ستكون بتلك الكثافة التي كان يأتي بها الألمان والطليان. تلك كانت غارات دول فتية قوية، الآن غارات دول جار عليها الزمان، انتصرت في الحرب الثانية حقا، لكنها فقدت كل نفوذها في المستوات. أما اسرائيل فليست بالدولة التي تصل طائراتها بعد الى أعماق البلاد. لكن أمريكا بدأت في ترحيل رعاياها من مصر، ووصف شبيلوف وزير خارجية الاتحاد السوفييتي الهجوم بأنه عمل من أعمال العصابات، وقبض رجال البوليس في المعادي على يهودي يرسل إشارات ضوئية للطائرات الانجليزية، وقررت محكمة مصر حصر إيراد حفلات أم كلثوم في القضية المرفوعة من الفنان زكريا أحمد ضدها وضد الإذاعة المصرية وفي سيدي بشر أوقف شاب جالس في سيارة جندي بوليس وطلب منه مشاركته في تدخين سيجارة حشيش فقبض عليه الجندي في الحال، وثار جدل حار بين الجالسين على جانب دكان أحمد العنيبسي على يسار السلم المؤدي الى القبو الذي يفضي الى الملاحات، ويزداد النقاش ويحتدم أكثر اذا وقعت غارة نهارية للطائرات طاردتها المدافع المضادة المنصوبة فوق المساكن ومن كل مكان من المدينة حتى تبتعد أو تسقط بعيدا.

– انجلترا لا تريد أن تعترف أنها شاخت.

– الامبراطورية التي كانت لا تغيب عنها الشمس تريد العودة الى مصر.

-الى الشمس

– ها. ها. هيهات.

– المثل الفرنسي يقول شيرسيه لا فام، فتش عن المرأة عند وقوع أي جريمة، وأنا أقول فتش عن انجلترا إذا وقعت أي حرب.

قال ذلك تاجر البهار "فلفل مطحون" كما يسمي نفسه والذي لا يعرف أحد كيف لا يجد لنفسه عملا في أي من دكاكين العطارة بالمدينة ولا من أين جاء أو أين يمضي كل مساء ومحمود القزعة يتابع الحوار متأففا، فهو غير قادر على هضم أن رجلا مثل جمال عبدالناصر يقف ضد الانجليز. تضايقه هذه المسألة ويشعر أن، عبدالناصر، يعطي لنفسه ما هو أكبر من حجمه، وأحيانا يتخيل أنه يريد أن يغيظه هو شخصيا بطوله الفارع وسلوكه الجريء، لكنه لا يستطيع أن يكذب على نفسه، فهو معجب بوطنيته وشجاعته وان لم يصرح بذلك.

وقال واحد.

– كل هذه الحرب من أجل تأميم القناة، ماذا كانت ستفعل انجلترا لو كنا أخذنا منها شيئا في بلادها هي؟

وقف تاجر البهار يقول بجدية شديدة.

– لا تندهشوا من هذه الحرب. لقد حاربة انجلترا، انجلترا وليس دولة أخرى، العالم كله من أجل البهارات.

– نعم: بهارات. يقول بهارات، أي بهارات يا رجل يا مطحون الرأس أنت ؟

– أنتم جهلة، جهله حقيقيون، إن أي تلميذ في المدرسة يعرف أن انجلترا احتلت الهند للحصول على البهار.

بدت عيناه حمراوان وسط وجهه الأسود. وبدا شكله مضحكا في ثيابه الشتوية القديمة، خاصة بنطلونه شديد الضيق عند الحذاء. لكنه كان نظيف الوجه واليدين حريصا على الا يفتح الطريق لأي شعرة بيضاء، فدائما يوالي شعره بالصبغة السوداء التي يقوم بتصنيعها بنفسه. استمر يتكلم وقد أمسك نظارته ذهبية الإطار بين أصابعه.

– لقد وصلت البرتغال أولا الى الهند أيها الجهلة منذ أكثر من أربعمائة سنة، لكن انجلترا ظلت تحلم بطرد البرتغال.

كانوا مندهشين جدا من حديثه بمن فيهم محمود القزعة وسليمان حتى أن أحدا لم ينتبه لمرور النساء من أمامهم.

 – لقد بدأ العصر الحديث كله في اللحظة التي اكتشفت فيها بلاد التوابل. في البدء حاولت اسبانيا والبرتغال. البرتغال هي التي نجحت ووصلت سفنها الى سواحل الهند، اسبانيا تعثرت في أمريكا وانشغلت في اكتشافها وتقتيل الهنود الحمر. أليس كذلك يا أستاذ سليمان ؟

كان سليمان معجبا بحق من ثقافة الرجل العجيبة، فهز رأسه بالموافقة والاعجاب.

– كانت التوابل تصل قديما قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح عن طريق البر عبر ايران والشام والبحر حتى سواحل عدن ومنها الى السويس ثم برا الى الإسكندرية ودمياط ثم البندقية، فينيسيا التي غنى لها عبدالوهاب قصيدة الجندول، وجنوا وغيرها من بلاد الطليان،ماذا أقول لكم أكثر من ذلك يا بهائم. إنها تجارة «الكارم" التي احتلت مكانا كبيرا في التاريخ. هل تعرفون معنى هذه الكلمة، ليس ذلك مهما، المقاربة يعرفونها إذ لا يقدر قيمة البهار أحد مثل المقاربة أهل الأسرار، والعطارة أسرار فيها من نفحات الرحمن الكثير فلا تسخروا من الفلفل مطحونا أو غير مطحون ففيه فوائد جمة، والفلفل، ولا تقاطعوني، إما أسود وهو ما تعرفونه، واما أبيض وهو ما لا تعرفونه. الأسود الذي يجفف دون أن ينزع جلده والأبيض ينزع جلده، والأبيض أقل لذعا وأخف على المعدة لكن نحن شعوب الشرق نحب الأسود الحامي، وغيطان الفلفل تكثر فيها الأفاعي فيحرقونها فيسود الفلفل، ما رأيكم ؟

كانوا ينظرون اليه جميعا بإعجاب ويشعرون أن ما يقوله شيء حقيقي فاستمر يتحدث. هذا ما كان يعتقده الناس زمان لكن ابن بطوطة جاء من المغرب ووصل الى الصين وفي الطريق مر بساحل مليار بالهند ورأى كيف يضعون بذور الفلفل على الحصير تحت الشمس فيسود ويتكرمش، وكذلك فعل، ماركوبولو الايطالي الذي جاء أيضا ليزور الصين. أي نوع من الناس كانوا في زمن لم تكن فيه قطارات ولا طائرات، ثم وصل البرتغاليون الى ساحل مليار كما قلت لكم ونقلوا الفلفل بكميات كبيرة الى أوروبا، لقد وصلت قيمته يوما ما الى أن اليهود اندفعوا يتاجرون فيه وأنتم تعرفون أن اليهود لا يتاجرون في شيء خاسر. لقد صار الفلفل مثل العملة يدفع منه التجار الجمارك كما يدفعون الفضة، وأحيانا كانوا يدفعون الفلفل فقط. أصبحت تجارة الفلفل كبيرة وأصبح كل بيت في العالم فيه فلفل يا فلفل، قال الكلمة الأخيرة بصوت خاص لامرأتين سمينتين تمران أمامهم ثم اتجه الى الجالسين وقال: فهل تسكت انجلترا؟ جاءت وراء البرتغال وحاربة جيوشها على ساحل مليار بالهند وطردتها وأخذت مكانها، بل أخذت الهند كلها فأصبحت درة التاج البريطاني، وكل ذلك من أجل السيطرة على مزارع وأسواق الفلفل فكيف بالله لا تريدونها أن تعلن علينا الحرب لاستعادة قناة السويس التي هي ليست أقل من الفلفل ! ظلوا ينظرون اليه غير مصدقين أن لديه كل هذه القدرة على الحديث، بدا أنهم مستسلمون تماما لقدراته في الوقت الذي كان فيه الأولاد يحيطون بمجنون الغناء الذي صار يظهر كل يوم منذ بدأت الحرب وكانت العادة أن يظهر مرة كل أسبوع أو عشرة أيام. أصاب المجنون ذعر شديد يصيبه كلما أحاطوا به. انكمش وتراجع الى الحائط. بدا جلبابه نظيفا رغم كثرة الرقع التي خلفه. هذا يعني أن أحدا لا يزال يعتني به.

لقد ظهر كالعادة قادما من ناحية كفر عشري متجها الى كرموز. لم يره أحد عائدا في الطريق المعاكس أبدا. يمشي بضعة أمتار ثم يقف يحك ظهره في الحائط بقوة، يظهر الألم واللذة في عينيه وعلى وجهه وهو يفتح فمه ويكن على أسنانه ويبدأ يغني "يا ريتني طير وأنا أطير حواليك " لا يتقدم عن هذه الشطرة أبدا. يعود للمشي من جديد عدة خطوات ثم يقف يحك ظهره ويغني. أسنده مصطفى الى الحائط كما يفعل كل مرة ولم يعطه فرحمة لهرش وحك ظهره فظهر الضيق شديدا على وجهه والألم حتى أن روحه سوف تهرب منه فأطلقه مصطفى في اللحظة المناسبة ليبتسم ويعود يحك ظهره ويغنى بصوت رفيع فاتحا شفتيه ضاغطا علو أسنانه فيخرج الغناء وكأنه أنين عجيب. يا ريتني طير وأنا أطير حواليك. يا ريتني طير وأنا أطير حواليك.

– هل تعرف أن الحرب قامت يا روح أمك ؟

لم يرد. لم يزد عن الابتسام.

– طيب، هل تحب تتطوع في الجيش ؟

يبتسم.

– تعرف يا فريد، أنت الوحيد القادر على هزيمة أولاد القحبة.. ضحكوا. لم يكن اسمه فريد، لكن الأغنية في الأصل يغنيها فريد الأطرش. تركوه يمضي لحال سبيله وعادوا الى جلستهم المعتادة عند سلالم الماكينة الحمراء، وهي حمراء للون الطوب المستخدم في بنائها، وهي ماكينة رفع المياه من المحمودية لا يعرف أحد الى أين. يديرها الخواجة "بطسو" اليوناني الذي يغلقها الساعة الثالثة بعد الظهر ويمضي الى بيته. بدءا من العصر يتجمعون على الدرجات الثلاث التي تؤدي الى بابها وأمامها، بعضهم يجلس على الدرجات نفسها والبعض على الأرض، واذا اشترك سليمان أو غيره من الكبار يحضر كل منهم كرسيا من الخيزران معه من البيت. لقد فاجأ محمود القزعة سليمان بعد حديث تاجر البهار قائلا..

– ألم تجد لي طريقة بعد يا أستاذ سليمان في استرجاع اليوم الذي ضاع ؟

دهش سليمان، ذلك موضوع قديم كان قد نسيه.. في شهر رمضان الماضي سأله محمود القزعة..

– الانسان إذا أفطر في رمضان غير قاصد لذلك يستطيع بعد رمضان أن يعوض أيام الافطار بصوم مثلها. أليس كذلك يا أستاذ سليمان ؟

– أجل يا معلم محمود، الدين يسر.

– طيب ماذا يفعل الانسان إذا صام يوما وأراد أن يعوضه بالافطار؟.

– لا أفهم ماز تقصد بالضبط.

– كيف تفهم الأولى ولا تفهم الثانية ؟

– صدقني أنا غير قادر على فهم قصدك. على أي حال تستطيع أن تفطر أي يوم.

– يا أستاذ كيف أفطر وأنا طبيعي فاطر؟ شف لي طريقة لاسترجاع اليوم الذي صمته آلله يخليك.

ازداد اندهاش سليمان وقال..

– ولماذا ترهق نفسك وترهقني هكذا، ألست مسلما يا رجل ؟

 هنا اندفع محمود القزعة قائلا.

– مسلم وأسمي محمود علي محمود لكني جبان لا ينفع معي دين ولا اسلام وأريد أن يعذبني الله أبشع تعذيب لما ارتكبت من آثام. لقد عمت يوما أريد أن أستعيده ولا أستطيع. لقد هرب مني في قلب الزمن يا سليمان افندي يا متعلم.

وقف سليمان ذلك اليوم في غاية الحيرة، وها هو محمود القزعة يعيد السؤال بعد حديث تاجر البهار فتعود اليه الحيرة القديمة، زائدة هذه المرة بسبب ما يجري في البلاد وبسبب افتقاده لجين بانكروفت أكثر. ترك المكان ومشى ناحية الأولاد عند الماكينة الحمراء وارتفع صوت محمود القزعة خلفه "عليه العوض في التعليم والمتعلمين ".

لكن ذلك لم يكن كل ما جرى منذ بدأت الحرب. لقد عاد الديب من رحلته فوق قطار البضاعة في اليوم الثالث للمعركة. رأى الأولاد جالسين أمام الماكينة الحمراء فأراد الا ينتبهوا اليه ومشى على الرصيف لا ينظر ناحيتهم. راوه فنادوه، كان بينهم سليمان مشغولا بتلميع حذائه. عادة يفعل سليمان ذلك كل يوم، واذا لم ير أحد معه حذاء يلمعه يكون معه كتاب يقرأه قال لهم الديب:

– حكاية اليوم لن تصد قوها أبدا..

الديب يعمل "مسفرا" على قطارات البطاعة الخارجة من ميناء الإسكندرية الى طول وعرض البلاد. والمسفر هو حارس ليلي ونهاري يجلس دائما فوق العربة الأولى أو الأخيرة يمنع السطو على القطارات والمسفر لقب أطلقوه عليه من كثرة الأسفار.

 – كيف تكون غير قابلة للتصديق ؟

– لأنكم لن تصدقوا أن القطار خرج عن القضبان.

– لماذا لا نصدق ؟ القطارات كثيرا ما تخرج عن القضبان.

– أنا لا أقصد ما تعنيه أنت. أنا أقصد أنه خرج عن الكرة الأرضية ذاتها.

نظروا الى بعضهم في وجوم بينما استمر سليمان يلمع حذاءه مبتسما في خبث وعاد الديب الى الكلام.

– كان القطار يمشي فوق الأرض بهدوء حتى بدأت الحرب وطاردتنا طائرات الأعداء فأسرع السائق بالقطار لا يقف أبدا حتى انتهت الأرض من تحته. لا يقاطعني أحد، قال ذلك حين لمح الضحك يكاد ينطلق من بين شفاههم واستمر يتحدث، لقد صار القطار مثل الطائرة وأنا فوقها أنظر الى الناحيتين فلا أرى إلا فضاء يموج فيه الضباب والسحب والبخار وعمق سحيق. قال مصطفى:

– وطبعا قفزت تاركا القطار.

نظر اليه ساخرا ومتململا. قال:

– أقفز الى أين ؟ تريد أن تقتلني، قلت هذا قضاء الله وانتظرت النهاية صابرا حتى لمحت قطارا آخر قادما من الناحية الأخرى.

ضربوا أكفهم ببعضها وانطلقوا ضاحكين، انطلق الولد الأسود "بلك " في الكلام..

– طبعا قفزت الى القطار الآخر الذي عاد بك الى الأرض.

 قال الديب مبتهجا.

– رغم أنك أسود واسمك بلك وأبوك ولا مؤاخذة لا يفهم أي شيء في شغل السكة الحديد إلا أنك ولد شاطر..

عادوا يضحكون لكن مما قاله عن أبي بلك هذه المرة. عاد سليمان مبتسما الى تلميع الحذاء وظل مصطفى يتأمل الديب بدهشة ثم قال:

– طيب، صدقناك أين إذن ذهب قطارك ؟ وكيف لم تسأل عنه المصلحة والسائق هل عاد مثلك أم اختفى؟

– القطار لم يعد، والسائق طبعا، والمصلحة لم تسألني عن أي منهما وهذا هو ما يغيظني في هذا البلد، ليس للانسان أي قيمة حتى لو كان سائق قطار!

وقف مصطفى بعيدا عنهم بخطوات ورفع يديه الى السماء هاتفا.

– يا رب أنت شاهد وشايف، انجلترا وفرنسا واسرائيل من ناحية، والديب من ناحية، عليه العوض في ثورة يوليو:

نهض الديب ثائرا وانصرف عنهم غاضبا. وسد عدة خطوات توقف ينظر اليهم وهتف قائلا:

– لو كان الشعب كله مثلكم غاوي كلام على الفاضي وفاكر نفسه هو وحده الذي يفهم كل شيء فالله يكون في عون ربنا على الشعب !

كان اليوم هو الجمعة وكان مقررا أن يخطب جمال عبدالناصر بعد الصلاة في الجامع الأزهر. تجمع الرجال والشباب والأولاد في دكانة العنيبسي وأمامها يستمعون الى الصلاة المذاعة. صلوا جماعة بسرعة. أمهم تأجر البهار!. كانوا يريدون أن يسموا صوت عبدالناصر، وحتى يأتيهم صوته راحوا يتحدثون فيما جرى، كيف أغارت المدمرة "ابراهيم " على ميناء حيفا أول أمس بالليل وأشعلت الحرائق في أكثر من مكان وكيف أنها في طريق العودة اشتبكت معها ثلاث مدمرات فرنسية فأصابتها وأسرتها، وكيف رفضت المدمرة دمياط الاستسلام للمدمرات البريطانية في خليج العقبة وقاتلت بشرف حتى الغرق وعليها قائدها الصاغ محمد شاكر حسين واليوزباشي مدحت الزيات، لكن المدمرة رشيد نجحت في الافلات من حصار المدمرات الانجليزية في شرم الشيخ وعادت سالمة وقطعت مصر تماما علاقاتها السياسية مع انجلترا وفرنسا. كذلك فعلت سوريا، وتم تعطيل البنوك الانجليزية والفرنسية حتى يتم توقيع الحراسة عليها. وهدد نهرو بالانسحاب من دول الكومنولث، وقام العمال العرب في سوريا بتدمير أنابيب البترول التي تنقل البترول من العراق الى البحر المتوسط الى أوروبا، حدث ذلك في البحرين أيضا، خسارة فادحة تلقتها شركات البترول الانجليزية، وكان واضحا من الكلام أن العالم كله مع مصر، اليونان منعت دخول سفن الأعداء الى مياهها الاقليمية والجمعية العامة ستنعقد بناء على طلب أمريكا ومصر بعد أن أوقفت انجلترا وفرنسا قرار وقف اطلاق النار بمجلس الأمن، وسكتوا جميعا في خشوع وأرهفوا السمع ها هو صوت عبدالناصر يأتي اليهم.

في اللحظة التي تهدج فيها صوته، قائلا سنقاتل الى آخر قطرة من دمائنا، سنقاتل ولن نستسم أبدا، انفجروا بالهتاف الله أكبر، يسقط ايدن، يسقط مولية، يسقط بن جوريون، نموت وتحيا مصر، وأخذوا طريقهم ناحية كربوي كرموز،، رجالا وشبابا وأطفالا، من المساكن وغرباء ومارة بالصدفة وعلى الشاطيء الآخر تجاوب معهم عمال وكمسارية ورش الترام، ولم ينقطع هتافهم طوال الطريق الى الكوبري وكان واضحا أن أبناء المدينة كلهم قد خرجوا في مظاهرات حماسية تطلب الموت فداء للوطن وكان واضحا أيضا أنهم سيلتقون بهم عند الكوبري ولن يعودوا إلا بالليل، الكبار والصغار معا. كانوا مستعدين بالفعل أن يموتوا فداء للوطن لكنهم كانوا بعيدين هنا على هامش الإسكندرية لا يسمعهم أحد ذلك اليوم الذي لن ينسوه أبدا بعد ذلك.
 
ابراهيم عبدالمجيد(روائي من مصر)

شاهد أيضاً

صادق هدايت وإرث النازية الثقيل

قرأت أكثر من مرة رواية «البومة العمياء» للروائي الإيراني صادق هدايت، في المرة الأولى في …