أخبار عاجلة

عالم آخــــر

حين دلفت من الباب المتحرك الذي يفتح في كلا الاتجاهين , شعرت أنها تدلف إلى عالم آخر لوهلة ثم تحرك ودار بها الباب فوجدت نفسها في الشارع ثانية حيث الحر الشديد والغبار وحركة الناس التي لا تنقطع, وحيث يمتد على مرمى من بصرها الشارع الطويل المؤدي الى المخيم حيث يقع بيتها, أعادت المحاولة ثانية ودلفت هذه المرة الى الداخل بسرعة حيث دفعت الباب بكتفها ومدت قدمها الى أقصى حد لتمنع ارتداد جسدها للخلف ولكنها تعثرت وسمعت ضحكة خافتة تنطلق من فم مار سرعان ما تلاشت هذه الضحكة وكأن هناك من انتهرها أو أن قوانين العمل في هذا المكان تمنع الضحك! حين أصبحت في الداخل شعرت ببرودة تلف جسدها وتأكدت وهي تجيل ناظرها فيما حولها أنها حقا في عالم لا ينتمي الى عالمها في الخارج ,,,عالم يفصله بين عالمها مجرد باب ,, ربما كان هذا بابا سحريا لأنه يدخلها ويخرجها في لحظة واحدة, تذكرت حكاية قديمة كانت ترويها عجوز في المخيم لها ولاخوتها وهم صغار , كانت تروي عن عالم أرضي سفلي يسكنه الجان والعفاريت وأنهم يسحبون اليه من يختارون من عالم الانس ولكن من يذهب اليه لا يعود اطلاقا, كانت حين تسمع هذا الحديث من العجوز التي يملأ محيط فمها وشما أخضر قديما وتبرز من فمها أسنان فضية وذهبية , كانت تسرح وهي تتخيل نفسها الإنسية المختارة التي ستنزل الى هذا العالم حيث الكنوز والمجوهرات واللآلئ وغيرها مما يسيل لعاب البشر ولكنه لا يعني شيئا لقاطني العالم السفلي, كثيرا أيضا ما تخيلت أن هناك بابا يؤدي الى هذا العالم , وتسرح بخيالها وتحاول البحث عن هذا الباب ولكن الأيام مضت بها متتابعة وكلما فتحت بابا وجدته لا يفضى إلا إلى نفس العالم الذي تعيشه,, الفقر والعازة والحرمان,, حتى حين توفيت تلك العجوز شعرت بالنقمة عليها لأنها كانت تعتقد أنها تعرف طريق الوصول الى العالم السفلي حيث الكنوز ولكنها لم تخبر أحدا بالطريقة ولا بالباب الذي يؤدي اليه ولكن ربما كانت العجوز كانت خائفة من انتقام أهل هذا العالم لو هي أفشت سرهم, ماذا كان يضيرها لو افشت السر وهي تحتضر لأحد أقاربها الفقراء..؟؟ تساءلت بينها وبين نفسها وامتلأت بالحقد على العجوز أكثر ولكن حين مرت بها الأيام اكتشفت أنها قضت عمرها وهي تبحث عن خرافة أو كذبة أو وسيلة تقنع بها نفسها أن هناك غدا أفضل قد تحمله صدفة او يأتي به مزلاج باب , إغراقها في هذا الحلم أو هذا الأمل هو الذي جعلها تحتمل كل ما مر بها في حياتها, فقدها لأمها وهي ما زالت في السادسة من عمرها ثم زواج والدها بجارتهم التي كانت تعتبرها أمها أعز صاحباتها والتي ماتت أمها بين ذراعيها ولسانها يلهج بالوصية والرجاء لكي تعتني بطفلتها الوحيدة, العذاب والقهر الذي نالته على يد زوجة أبيها, صوت ضحكاتها التي كانت تملأ أذنيها وهي تداعب الأب الذي نسي في غمرة انشغاله بشهواته أن له طفلة تحتاج للعطف والحنان , ثم اصرار زوجة الأب على زواجها من شقيقها الذي يكبرها بعشرين عاما وهي لم تبلغ عامها الخامس عشر بعد,, ما زالت تذكر وجه شقيق زوجة ابيها الذي أشرق بحمرة صنعتها بهجة وتصورته كأسد من الذين سمعتهم بالحكايا أيضا والذي يزأر بانتصار ونشوة حين يقع على فريسة ضعيفة لم يبذل الكثير من الجهد في اصطيادها , أشرق وجهه في ذلك اليوم حين أبلغته شقيقته أنها قد بلغت مبلغ النساء , كانت هي تنزوي في ركن بعيد من باحة البيت الضيقة ولكنها رأت نظرته تصل اليها وكأنه سيلتهمها فلملمت نفسها وتكورت والتصقت بالحائط أكثر وتمنت لحظتها أيضا في سذاجة الطفلة لو انشق الحائط خلفها وفتح الباب الى العالم السفلي الذي حلمت به ولكن بابا آخر فتح لها هو باب بيت عريسها الذي تزوجها خلال أيام من تلك النظرة التي أودعها فيها اشراقة وجه الأسد,, وتزوجته وعرفت معنى العذاب أكثر وأن ما كانت تعانيه من زوجة الأب لم يكن الا لعبا ولهوا مقارنة بما أذاقها اياه هذا الزوج… كان يحبسها في البيت ويرفض خروجها ويوصد الباب ويتركها بالداخل وحيدة وتحلم في كل مساء حين يعود أن يفتح الباب وتجد امامها أحد سكان العالم السفلي ولكن ظل زوجها يتراءى لها ويملأ الفراغ حولها فتبكي في حسرة ,وتتخيل بابا من السعادة والمتعة والنشوة يفتح من وراء ظهر زوجها حين يعتليها في ظلمة الليل وينهش جسدها بضراوة أسد, وأصبحت تحاول أن تتناسى هذا الحلم خاصة حين أصبحت أما لحفنة من الأطفال قذفت بهم من رحمها في سنوات متتالية , بعد انجابها طفلها الخامس بدأ زوجها يشكو من مرض ما فلم يقاوم كثيرا حين أخبرته انها ستتوجه إلى وزارة الشؤون الاجتماعية لكي تطلب عونا بعد أن أصبحوا بلا مصدر دخل, ولم يعلق على خروجها لأول مرة من باب البيت إلى الشارع.
مبلغا صغيرا خصصته الوزارة لاعانتهم, وقد كان يتعين عليها أن تتوجه كل أول شهر إلى البنك لتصرف حوالة صغيرة, ولذا دلفت من هذا الباب لأول مرة في حياتها.
كانت لا تزال تحمل مسحات من جمال فهي لم تتم عامها الثلاثين ولكن الفقر والانجاب المتكرر وملابسها الرثة جعلوها تبدو أكبر من عمرها بكثير, رائحة عطر غامض تنبعث من مكان ما , اعتقدت أنه عطر ولكنه في الواقع رائحة مادة تنظيف من ماركة أجنبية, رأت الموظفات الأنيقات خلف المكاتب والحواسيب والصرافات, سرح خيالها بهن وهي تسأل نفسها: هل يستيقظن من النوم كل صباح وعيونهن ملتصقة من بقايا قذاء كما يحدث معها, هل أظفارهن متكسرة وأصابعهن مشققة مثلها؟هل يحتفظن على حافة الشباك بزجاجة دواء واحدة حصلن عليها من العيادة المجانية ويتناوبن استخدامها لأي مرض يشكو منهن أي طفل من أطفالهن لأن لا دواء غيره لديهن؟؟ الكثير من الأسئلة جالت في رأسها ولكن حين رأت لوحة مضيئة تعلن عن جوائز البنك التي يقدمها للمدخرين فيه , سرح خيالها في ناحية أخرى وهي تتخيل نفسها قد فازت بجائزة ضخمة تقودها إلى العالم السفلي الذي طالما حلمت به…أحلامها وخيالاتها تتوقف حين تناديها موظفة أن تنتظم في طابور طويل أمامها, وحين مدت يدها المشققة إلى موظفة أخرى أجادت تخطيط حاجبيها وشفتيها, شعرت أنها تريد أن تخرج من هذا المكان بأقصى سرعة, وبالفعل حين أصبحت الأوراق المالية القليلة في يدها أسرعت للخروج من الباب الذي دلفت منه, ولكنها هذه المرة خرجت منه بسرعة, ولم تتعثر وهي تأخذ طريقها إلى الشارع المؤدي إلى المخيم.

———————

سما حسن

شاهد أيضاً

بريد السماء الافتراضي والاس ستيفنز

كتابة وحوار : أسعد الجبوري * منذ اللحظة التي دخلنا فيها ذلك النفق المحفور تحت …