أخبار عاجلة

عبدالرحمن منيف لـ”نزوى”: التنوير هاجسي.. وعملي الجديد يرمي الى اكتشاف مجتمع وقراءة صيرورة البشر فيه

  يمثل الروائي عبدالرحمن منيف قنطرة مهمة في سياق الرواية العربية المعاصرة: فهو يوائم في كتاباته بين الرورح المحفوظية وفتوحات الرواية في بعديها الملحمي والواقعي السحري، وصولا الى شكل روائي مبتكر.

وتهجس روايات منيف بالحرية وتتطلع خطاباتها الى واقع عربي خال من أشكال العسف والاستبداد وخنق العدالة ومصادرتها. وبالتالي فهي روايات تؤرخ للديكتاتورية من اجل التحديق في آلياتها ومقاومتها وهزيمتها.

وكان منيف يرنو في ثلاثيته الاخيرة "أرض السواد" الى ان يشاركه في كتابتها الراحل جبرا ابراهيم جبرا شريكه في العمل المشترك المتميز "عالم بلا خرائط" لكنه كما يقول اناب عن جبرا في كتابتها.

ويرى منيف أن "ارض السواد" التي تسلط الضوء على مرحلة من تاريخ العراق، تطرح تساؤلات حول اخفاق مشروع النهضة العربية، لافتا الى ان قضية التنوير تمثل احد أهم هواجسه.

"نزوى" التقت عبد الرحمن منيف. وحاورته في عمله الجديد الذي يعيد الاعتبار للرواية الملحمية.

* تتناول روايتك الجديدة "أرض السواد" مرحلة مضطربة من تاريخ العراق، اين حدود التمييز في هذا العمل بين السرد والتاريخ، الا تخشي ان يطلق على عملك مصطلح رواية تاريخية؟

– التاريخ، اغلب الأحيان، حالة منجزة، والاقتراب منه بمقدار ما يبدو سهلا، فإنه شديد الصعوبة، لأن مهمة الروائي يجب ان تتساوق مع الحقيقة الكامنة في هذا التاريخ، وليس اعادة انتاجه، كما فالرواية أحدى ابرز الصفات فيها، هي هذه الفسحة من الخيال، ومن خلق الشخصيات التي لم يكن لها وجود تاريخي، والتي تعطي ملامح عن التاريخ الحقيقي الذي وقع. من هنا وجدت ان الاستناد، بمقدار ما، الى التاريخ يمكن ان يفسح مجالا، ومستويات متعددة لقراءات يتشارك فيها الكاتب مع قرائه، فيعاد بالتالي قراءة تاريخ الاجتماع، أي قراءة الواقع كما كان، وكما حصل فعلا، دون الاستناد فقط الى تاريخ الحكام، أي عدم اعتماد التاريخ الرسمي كمستند وحيد للحقيقة التي كانت ذات يوم.

وفي الوقت نفسه يمكن من خلال اختيار المقاطع او الفترة الزمانية التي تكون جزءا من جسد

الرواية، القاء الضوء على تلك المرحلة والتعرف عليها.

عندما اخترت مرحلة من تاريخ العراق اردت ان اطل، واجعل القراء يطلون أيضا، وبعين مدققة على منطقة جغرافية، وعلى بشر حقيقيين… اردت التعرف على الوقائع الأساسية.

لم أشأ ان اؤرخ في "أرض السواد" لداوود باشا الا باعتباره مظهرا او رمزا، ومرحلة لفكر، ولمحاولات كانت تتطلع نحو صيغة جديدة للحياة والعلاقات. وبمقدار ما تتناول هذه الرواية مرحلة تاريخية سابقة، الا انها تتناول واقعا راهنا، وقراءة لمجتمع، لعلاقات من نمط يساعدنا على فهم ما يجري الآن.

هناك روايات اعتمدت على التاريخ، واصبحت أسيرة له، بمعنى أنها تعيد انتاج ما هو منتج، وربما أيضا ما هو معروف، لذلك أفضل في مثل هذه الحالة ان يعود الانسان الى التاريخ ذاته، وهو ليس في حاجة الى عكاز، او وسيلة ايضاح من أجل التعرف على هذا التاريخ، وهذا ما جعلني اتجنب القراءة التاريخية المباشرة.

ان اعادة خلق الوقائع لا تكون بمعارضة التاريخ الفعلي، وانما عبر خلق خطوط موازية من أجل فهم هذا التاريخ، من هنا يمكن لقارئ "أرض السواد" ان يجد كما هائلا من أبطال لهم أسماء وملامح وأدوار لم يسجلها التاريخ الرسمي، وقد لا تكون موجودة بالفعل: ولكنها موجودة بدورها

ودلالاتها، وهذا ما يعطي للرواية الاهمية البالغة، بحيث تنأى من جديد عما وقع في فترة زمانية سابقة اتخذت فيها الوقائع مسارا معينا.

وفي النتيجة النهائية يصبح التاريخ نفسه تساؤلا أساسيا ومطلبا ملحا من أجل قراءة جديدة ومختلفة.

* وهل في نيتك ان تكون "أرض السواد" مرافعة ضد ما يجري حاليا في بلاد الرافدين؟

– "أرض السواد" بكلمة موجزة اعادة اكتشاف مجتمع، واعادة قراءة البشر في هذا المجتمع، واحدي القضايا التي تركز عليها الرواية هي ادانة التدخل، وعدم الرغبة في وجود الاجنبي، ومقاومة الاملاء والفرض، وأيضا معرفة ناس القاع، والعواطف التي تحركهم: والاحلام التي تموج في صدورهم، وابراز الرغبة في حياة انسانية بسيطة وشريفة في آن، اما ان تكون هذه الرواية مرتبطة بفترة زمانية محددة، او اعتبارها مرافعة تمليها ظروف طارئة، فان ذلك مصادرة على المطلوب، او اختصار الوقائع بجزيئات تحاول الرواية، اية رواية، تجنبها.

لا شك ان معاناة العراق في المرحلة الحالية تحرك حتى الصخر، وتولد احتجاجا عميقا ضد هذه المعاناة التي بالإضافة الى قسوتها وظلمها، فانها تعطي فكرة عن العصر الاسود الذي نعيش فيه، حيث تتحكم القوى العمياء، وتحاول فرض هيمنتها، وتملي على الآخرين ارادة غاشمة، وتحاول الغاء كل حق انساني في الحرية والسيادة.

تستطيع وسائل التعبير، وخاصة المباشرة منها، ان تتناول مثل هذه الموضوعات، وان توفيها حقها.

هدف الرواية، رغم انه يتضمن شينا من هذا، الا انه لا يكتفي به: ولايقتصر عليه، وهكذا اجد ان "أرض السواد" تحاول اكتشاف الجانب المضيء، والعصب القوي، والوقائع التي تحرك، وايضا تعبر عن ارادة وحلم ه رغبة، وتتناول القضايا التي تسيء للانسان، وتحاول ان تحد من انطلاقته، وان ترغمه على ما لايريد.

"أرض السواد" تأمل في التاريخ والانسان والعلاقات غير المتكافئة ومساهمة في خلق وعي أكثر تقدما لمناهضة كل ما يقف في وجه الانسان او يحد من انطلاقته، فاذا تقاطعت مع مرحلة راهنة، فانها تحاول أن تتطلع الى الماضي والى المستقبل بنظرة جديدة.

* كان من المفترض ان تكتب هذا الرواية بمشاركة الراحل جبرا ابراهيم جبرا، هل هذا صحيح، وهل أغرتك تجربة "عالم بلا خرائط" كيما تكررها في عمل جديد، الى هذا الحد درجة التناغم بينك وبين جبرا؟

– تجربة "عالم بلا خرائط" مرهقة بلا شك، وقد كانت استثناء ويبدو لي ان من الصعوبة تكرارها، هذا اولا، اما الشيء الآخر فان طبيعة العلاقة بيني وبين جبرا كانت من المتانة والفهم المشترك وايضا من التحام التجارب بحيث يمكن نظريا ان يفكر الانسان في تكرارها.

من جانب آخر، ربما أفادتنا الظروف المتشابهة بيني وبين جبرا باعتبارنا وفدنا على العراق في سن متأخرة نسبيا، واستطعنا كما يحصل دائما، ان نرى أشياء قد لا يستطيع القريب منها رؤيتها، الامر الذي يمكن من يراقب ويتابع من اكتشافها، وتحديد اهميتها، خلافا لمن يعيشها كل ساعة وكل يوم، وهذا ربما يشكل نظرة جديدة واضافية في قراءة مجتمع، او مرحلة تاريخية معينة.

يقول "همنجواي" انه كان عندما يريد الكتابة عن امريكا يذهب الى اوروبا لكي يرى المشهد من بعيد كاملا وكليا، ولاننا "جبرا وانا" فكرنا اكثر من مرة ان نكتب عن العراق، فقد كان من الممكن ان تتشابه النظرة، وربما المعالجة، اما المرحوم جبرا وقد غاب، فقد انبت عنه في محاولة تقديم لوحة عن العراق تكون موازية لما يعرفه وعاشه العراقيون. واذا استطاع جبرا ان يقدم شهادة اعتز بها حول "مدن الملح" فاظن انه لن يكون الا راضيا عن محاولة الاجتهاد التي قدمتها عن مجتمع يعرفه جيدا، وقد عاش الجزء الاكبر من حياته فيه، ويعرف التفاصيل والمناخات التي حاولت الاقتراب منها.

* "مدن الملح" جاءت في خمسة أجزاء و "أرض السواد" في ثلاثة، الا ترى ان مواصلتك كتابة رواياتك بآلاف الصفحات يتعارض مع ايقاع القراء الذين يفضلون قراءة الاعمال الروائية ذات الصفحات القليلة او المتوسطة العدد؟

– هناك موضوعات كبيرة ومتشعبة لابد من اعطائها ما تستحق من الاهتمام وحتى التفاصيل، وهذا ما دعا الى ان تكون "مدن الملح" ثم "أرض السواد" بهذه الحجوم، صحيح ان ايقاع العصر في المرحلة التي نعيش فيها اصبح اكثر سرعة، واكثر تطلبا لكن هناك أعمالا على المستويات كافة تقتضي المعالجة الدقيقة والكاملة، نرى ذلك في اعمال جواد علي، علي الوردي، عبدالوهاب المسيري، وحسن حنفي وآخرين كثيرين، ورغم كبر حجم هذه الاعمال الا انها تلقى من الاهتمام الكثير، لانها اعادة قراءة المرحلة بعين مدققة فاحصة، ومحاولة تقديم كتلة من التفاصيل، والتي هي بمثابة اعادة قراءة للمجتمع من كل وجوهها.

الرواية اليوم تعتبر رأس حربة تتناول المشاكل الكبيرة والساخنة، وهذا اقتضى ان تبذل جهود كبيرة وبأشكال متعددة من اجل معرفة الجذور الحقيقية للمشاكل والهموم التي نعاني منها، ولان الرواية نذرت نفسها لهذه المهمة، فقد اصبحت مطالبة ان تنزل الى أعماق المجتمع، وخاصة الى القاع من اجل قراءة جديدة وجادة، لان الكثير مما يكتب ويقال لا يعدو ان يكون محاولات تمويه وتزوير للحقائق.

اعترف بأن التعامل مع الرواية مهمة كبيرة، لكن مع ذلك احس ان الكثيرين يكتشفون في الرواية أشياء أساسية، ويتعرفون بعمق على واقع، رغم قربه، الا ان اجزاء كثيرة منه مجهولة او مغيبة.

والرواية الكبيرة، لانها تستند الى بنية فنية محكمة فانها بمقدار ما تعرف، فانها تمتع وتخلق اسئلة، وتولد انفعالات، الامر الذي يجعل التعامل معها ممكنا وفي أحيان كثيرة مرغوبا.

ولقد لاحظت أن "مدن الملح" رغم حجمها الكبير فلم يكن هناك أي تردد في التعامل معها، واكتشف الكثيرون من خلالها عالما كان مجهولا الى حد كبير، وبالتالي خلق معرفة، الكثيرون في حاجة اليها.

حتى في اوروبا نجد ان الرواية الكبيرة ما تزال تحتل مساحة كبيرة، وتلعب دورا مهما ورغم الادعاء بأن ايقاع العصر قد تغير، فاننا نجد ان مثل هذه الروايات ما تزال تلعب دورا أساسيا.

ورغم وسائل التعبير الجديدة، وخاصة المرئية، فان الكثيرين مايز الون يقبلون على الرواية بغض النظر عن حجمها، ان الحجم عامل ثانوي في التعامل مع الرواية، وكثيرا ما سمعت من يطالب بجزء سادس لـ"مدن الملح" مثلا، او انآخرين يشعرون بنوع من الغبن، لان الرواية انتهت، وعليه، فان الموضوع هو الذي يحدد الحجم، وهو الذي يحدد علاقة القارئ بالعمل الذي يقرأه.

ولان وسائل التعبير متعددة، فما تزال هناك فرصة لان يختار القارئ ما يعتبره أكثر تلبية لمزاجه، وبالتالي تكون هناك حالة من التفاعل والتكامل بين هذه الوسائل.

* اذن، هل يمكن وصف مشروعك الروائي في خماسية "مدن الملح" وثلاثية "أرض السواد" بانه بمثابة اعادة اعتبار للرواية الملحمية؟

– مسألة الملحمية في الرواية تتحدد بطبيعة الرواية اكثر مما تتحدد بحجمها، ولا شك في أن الفكر الملحمي حالة متقدمة وقادرة على الايصال، ويمكن ان تلعب دورا أساسيا خاصة وان في تاريخ منطقتنا من الملاحم الكثير.

اعتبر ان كل نمط من أنماط الرواية يشكل اضافة مهمة للرواية، وعليه فان تحديد الصفات يأتي لاحقا، ويمكن ان يجري التصنيف مستقبلا من قبل النقاد ومؤرخي الفن.

وعندما يكتب الروائي عملا يحاول قدر الامكان ان يبذل اكبر جهد من أجل اعطائه ملامح تميزه عن غيره، وبالتالي يعطيه حدودا تمكن في النتيجة من وضعه في خانة معينة.

* حملت رواياتك منذ البدء ملامح أولى لمشروع تنويري كبير وطموح، هل مرد ذلك الى هجسك الدائم بدور الادب ووظيفته؟

– قضية التنوير كانت وما تزال هاجسا كبيرا بالنسبة للمثقفين، بغض النظر عن وسيلة التعبير التي يعتمدونها من اجل ايصال الافكار والاحلام، وبلورة رأي عام، ومواقف حول قضايا أساسية، ويمكن ان تقود من خلال التراكم الى تركيز الفكر والادب حول قضايا معينة.

وحين اعتمدت الرواية وسيلة للتعبير لم يكن هذا الهاجس غائبا عني، وبالتالي حاولت قدر الامكان التقاط القضايا والهموم الاكثر الحاحا، وباسلوب روائي يعتبر الجانب الفني أساسيا في تقديم صيغة روائية، بمقدار ما تحمل من هموم فانها تحرص بالقدر نفسه ان تقدم صيغة فنية لما يراد التعبير عنه، ولذلك حاولت قدر الامكان ان أقدم رواية مكتملة من الناحية الفنية، تتناول القضايا الاكثر أهمية والحاحا، فكان موضوع السجن السياسي، وموضوع تأثير النفط على المنطقة، ومواضيع مثل العقلانية وقراءة المجتمع قراءة موضوعية ووضع أولويات لما اعتبره أكثر ضرورة.

ان الرواية الجيدة هي لبنة في مسار التنوير والتراكم من اجل خلق وعي اكثر تقدما، وحين يتراكم هذا الوعي ويترافق مع حساسية فنية يمكن ان يساهم في خلق المواطن الاكثر معرفة، والاكثر حساسية في التعامل مع المشاكل المطروحة.

ان قضايا التنوير، وما يسمى النهضة والحداثة مطروحة على الفكر العربي، وعلى المجتمع العربي منذ القرن التاسع عشر، ولقد ساهم المبدعون، على تعدد وسائل التعبير، في تناول القضايا الساخنة، وفي رسم ملامح المشروع التنويري الذي يمكن ان يساهم في اقامة الصلة بين العرب والزمن الذي نعيش فيه.

كانت محاولات الرواد في مصر وبلاد الشام وغيرها ذات اسهام في لفت النظر، وتقوية البصر والبصيرة من أجل الوصول الى روح العصر والالتحام مع القضايا التي يمكن ان تمهد الطريق الى المستقبل.

كانت محاولات محمد عبده، والافغاني وشميل اليازجي وآخرين كثيرين محاولات رائدة، وان كانت فشلت او توقفت في فترات معينة، مما يجعل مهمة الاجيال اللاحقة منصبة على الاتصال بروح الافكار التي طرحها الرواد وايضا تناول القضايا التي جدت بعد غيابهم.

وهكذا نرى ان الصحافة والمسرح والرواية والكتابة الفكرية تهدف الى تحريك هذا المستنقع، والى خلق الاهتمام بالامور الاساسية ومعاودة الاتصال بروح التنوير.
 
موسى برهومة (كاتب من الأردن)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …