عبد الفتاح كيليطو: الأدب يحررنا من أفكارنا السيئة

المقامات تحتاج الى قراءة معّمقة لندرك غناها الكبير
*  كيف صرت كاتبا، ولماذا؟
_  لدي بعض التحفظات على أن أعتبر نفسي كاتبا، فعلى أبعد تقدير، ولأردد كلمة «بارت»، أعتبر نفسي من الكتبة écri* ant، فكلمة كاتب فيها الكثير من الادعاء كما يبدو لي. فإنتاجي الأدبي ضئيل جدا، وما قمت به هو عمل كاتب مقالات essayiste، ومع هذا، فحلم الكتابة لم يفارقني بتاتا منذ أن تعلمت القراءة. إن القارئ –على الأقل- مدفوع بطريقة واعية إلى تقليد، وسرقة ومحاكاة ما يقرأ. وفي يوم من الأيام تبزغ الكتابة باعتبارها ضرورة. لقد عبر عن ذلك فيكتور هيغو في سن الرابعة عشرة، بطريقة جيدة: «سأكون شاتو بريان أولا أكون شيئا». فبعض الميولات تتولد من خلال قراءة سير بعض الكتاب، فيما يخصني هناك سبب آخر دفعني نحو الكتابة، إذ عندما كنت تلميذا، كنت ضعيفا جدا في المواد العلمية، لكني بالمقابل كنت متفوقا جدا في كتابة الإنشاء بالفرنسية والعربية. لم يكن لدي من خيار سوى الكتابة، حول موضوع ما، صفحتين أو ثلاث صفحات، هذا الأمر لازمني واستمر لدي، فنصوصي نادرا ما تتجاوز هذا العدد.
*  هل تكتب لأنك تعشق اللغة، أو من أجل الرغبة في الحكي أو بسبب ضرورة داخلية، تدفعك للحديث عن شيء لم تكن تعرفه؟.
_  إنه رهان. لا نقوم به، بالضرورة، مع الآخرين. لكن مع الذات، ونحاول أن نتحداه. هناك أيضا الاعتقاد في فضيلة العمل، وفي نتيجة الجهد، فالنص في البداية، يكون لا شيئا، أمشاجا، سديما مخجلا، شيئا فشيئا، ويوما بعد يوم يأخذ شكلا وفي الأخير نقول لا بأس، لا بأس.
*  هل هناك لحظة معينة تكون لديك فيها الرغبة لكي تجعل الناس يقرأون ما تكتبه؟
_  نصوصي قرأها من قبل أساتذتي، وقد أعجبوا بنصوص إنشائي. كان من الممكن أن أشرع في ممارسة الأدب منذ وقت مبكر. لكن خارج المدرسة لا نأمل في أي تشجيع، لا أحد يطلب منك أن تكتب، بل إنهم بالأحرى يبحثون عن ليك عن الكتابة. هناك انزعاج يظهر في أعين الذين تطلب منهم أن يُبدو رأيهم حول نصوصك. إضافة إلى ذلك فدراسة الأدب كانت بالنسبة إلى جمهور عريض بمثابة نشاط كسول، مشوش، يليق فقط بالحالمين الذين لا موهبة لديهم في المواد الجدية، هذه النظرة لم تتغير حتى اليوم.
*  كان هناك خرق تام؟
_  خرق كلمة قوية جدا. لنقل بدلا عنها منفى اختياريا في الأدب، فأنت وسط الناس، لكن عقلك مشغول بأشخاص آخرين: أشخاص يغمرون قراءاتك: القبطان عشاب، فريدة، راسكولنكوف، سيروس، سميسيت، بيركوط، مادام دوماغيرل، بارتليبي، فريديريكو مورو، كلام، برادامو، مادام سغيريس، الببغاء لافردور.
*  هل تتذكر نصا كتبته سيصبح نصك الأول باعتبارك كاتبا؟
_  في سن الرابعة عشرة، بعثت إلى الراديو نصا بالعربية، باسم مستعار، هو عبارة عن حكاية، فأذيع في برنامج أدبي، كتبت نصا آخر، باسمي الحقيقي لكن هذه المرة لم يأخذوه.
*  هل يمكنك أن تنشر الآن هذا النص الأول؟
_  لا. لم يعد له وجود، أتلفته كما أتلفت كل ما كنت كتبته في هذه المرحلة. وفي مرحلة لاحقة: قصائد، ونصوص سردية.
*  لماذا أتلفتها؟
_  في قرارة نفسي، كان لدي اعتقاد (لا يهم إن كان مؤسسا أولا) في الإلهام. وفي الوقت نفسه كانت هناك لحظات طويلة من الريبة. وكان السؤال المؤرق، ما الجدوى؟ كانت قراءاتي غير منظمة. وكنت أقع في حب كاتب، أو عمل أدبي بعد ذلك لا أعود أرغب في أن أسمع أحدا يتحدث عنه، طرح الكتب هو فعل حرية إذا أردنا.
أنجزت شهادة دكتوراه السلك الثالث حول فرانسوا مورياك. لكن بعيد المناقشة تخلصت من كل كتبه، المرور إلى شيء آخر، كنت أتخلص من قراءاتي كما كنت أتخلص من النصوص الذي سبق لي أن كتبتها. وأنا أقرأ بروست طرحت علي نفسي سؤالا. كيف يمكن أن نكتب، أن نجرأ على الكتابة بعد قراءة «البحث عن الزمن الضائع»، حتى أدركت أننا إذا توقفنا عن الكتابة، سنتوقف عن القراءة. فالقراءة والكتابة عمليتان مرتبطتان بشكل وثيق.
حينما نقرأ، نشكل شيئا فشيئا روايتنا الخاصة، نتوقع مثلا نهاية ليست بالضرورة تلك التي توقعها المؤلف. كم من مرة نتوقف لإعطاء تتمة للقصة التي نقرأ !.
س» أعود إلى ما أكدتم في البداية: أنا كاتب ناشئ، ولست كاتبا، سيكون إذن كتاب يستحقون هذا الاسم، وليس الأسماء الأخرى؟
_  لنتحدث بسرعة، فالكتبة يجعلون الشكل في المرتبة الثانية، في حين أن الشكل هو الهم الأول بالنسبة إلى الكتاب. لنتذكر قولة بول فاليري «الشكل ثمنه غال».
*  ألا يمكننا القول أيضا، إنه من أجل الكتابة، ينبغي أن ننسى ما قرأناه. أن نقوم بقطيعة مع قراءاتنا. كما هو الحال بعد قراءة بروست، فمن أجل الكتابة يجب أن نتخلص منه.
_  يمكننا أن نقلد، أو يكون لدينا وهم تقليد بروست. غالبا، فَقراء «البحث عن الزمن الضائع» يحلمون بكتابة مذكراتهم، والكاتب الوحيد الذي لم يستطع أحد أن يعيد إنتاجه هو كافكا. فعالمه خاص جدا، لا يقبل التقليد. ولقد غامر بذلك موريس بلاشو لكنه لم يكن مقنعا.
*  لنعد إلى السؤال الأول. ما هي علاقتك الشخصية بالأدب؟
_  لا أذكر يوما يمر علي من دون أن أفتح كتابا، حينما كنت شابا كنت دائما غاضبا من أن لا أرى حولي شخصا يقرأ. كنت أقيس، بسذاجة، كل ما كانوا يفقدونه بسبب عدم اهتمامهم بالأدب، بالنسبة إلى البعض منهم، كان ذلك بسبب تعودهم على النص المقدس، فالكتاب بالنسبة إليهم كان هو القرآن. الكتاب المدرسي كان يقرأ تحت سلطة المعلم والأستاذ، إنه أيضا نوع من التقديس. خارج هذا الإطار، يحسون بأنفسهم ضائعين، وليست لديهم أية رغبة في القراءة مع ذلك، يا لها من سعادة، حينما كنت طفلا، وأدركت للمرة الأولى أننا قادرون على قراءة كتاب لوحدنا! هذا الأمر بصم الكتاب الأول الذي نجحت في قراءته.
س» بالنسبة إليك، الأدب أمر حيوي، ما تقصد بذلك؟
_  الكاتب، هو نظرة غير مسبوقة حول العالم، وفي كل مرة تختلف النظرة، إنها هبة وعطاء حينما تكتشف كاتبا كبيرا: K_ ndira, Perec, Bekett, Celine إننا نتلقى صدمة، هذا الأمر حدث لي، وأنا أقرأ «مائة عام من العزلة» فمنذ الصفحة الأولى، يشتغل السحر وينقلب العالم، فالأدب يحررنا أيضا من أفكارنا السيئة، أحيانا نعتقد أننا لوحدنا نمتلك أفكارا، لكن الكتب تتحدث عنها وتصير أفكارا مشتركة.
*  هل تكتشف نفسك آخراً وأنت تكتب، كما تنظر بطريقة مغايرة إلى العالم؟
_  كنت دائما متأثرا بعنوان لبودلير: «قلبي عاريا»، من الممكن أن هذه هي الكتابة.
*  في روايتك «خصام الصور» تستدعي الحكايات المرسومة؟ ما الدور الذي لعبته في تكوينك؟
_  تعلمت الفرنسية بفضل الحكايات المرسومة Bandes dessinées، كنت أشتري منها عددا وفيرا من بائع الكتب المستعملة في المدينة القديمة بسنتيمات قليلة وها هو عالم عجيب ينفتح أمامنا.
*  هل تذكر الكتاب الأول الذي قرأته؟
_  «ألف ليلة وليلة»، لكني أعتقد أن هذا استيهام، من أجل إعادة بناء الماضي، وقرأت «حرب النار» أو آخر الموهيكون. اكتشفت مبكرا المنفلوطي، اكتشفته في المدرسة، بعد ذلك قرأت كل أعماله، ترجم دون أي يعرف ولو كلمة واحدة من لغة موليير، كتب من الفرنسية إلى العربية. بول وفرجيني، سيرانودو وبرجراك، فتاة الكاميليا. كان أحدهم يحكي له هذه الأعمال، وكان هو ينسج و يتصرف، لكن يا له من أسلوب، يا له من إشراق استطرادي؟ ويا له من تأثير قوي على قراء جيلي. يعود له الفضل في أن تنشأ لدي الرغبة في الكتابة بالعربية. 
*  للأدب الشفهي أهمية كبرى في الأدب المغربي، هل لعب دورا في تكوينك؟
_  بالطبع نعم، الحكايات، حلقات الراديو، كالأزلية مثلا: لقد كانت شوارع الرباط تخلو من الناس في اللحظة التي كانت تذاع فيها هذه الحكايات المسلسلة، داخل الأسر، كان سرد الحكايات من اختصاص النساء، لا أعرف مدى تأثير الأدب الشفهي على تكويني. لم يكن يُعبأ به في ذلك الزمن أو كان يُتعامل معه بنوع من الازدراء. فالأمور قد تغيرت منذ مدة. فما تعلمناه خارج المدرسة هو موضوع جميل يجب التفكير فيه.
*  أرجع إلى الحكايات المرسومة وشغفك بها، هل أثرت في طريقة كتابتك؟
_  بلا شك، ذكرت في «خصام الصور» Miki le ronger وهو مراهق كان بصحبة مرافقيه الأستاذ Saigné و Do_ ble Rh_ m كلاهما مدمنا خمر. لم يكن Miki يشرب سوى الحليب. حين كان قد دخل الحانة، طلب الحليب، فبدأ رعاة البقر يسخرون منه، وكان يجب أن يصارع من أجل أن يدافع عن حقه في شرب الحليب، وليس الويسكي مثلهم. هذا المقطع أثر في مدى الحياة، الحق في الاختلاف، بالطبع كنت قد تماهيت مع شارب الحليب.
*  هل هناك كتاب أثروا فيك منذ الطفولة أكثر من كتاب آخرين؟ وتركوا لديك صورا قوية من أجل تغذية كتابك؟
_  نعم، رواية «موبي ديك» وفيما بعد دوستوفسكي، الكثير من المراهقين الذين قرأوه يصبحون يتصرفون مثل شخصياته، يصبحون صموتين يتظاهرون بالغطرسة يبتعدون عن محيطهم، يبحثون عن التميز وهم يتلفظون بأفكار جسورة. ما يثير هو أنه نتماهى مع أغلب شخصيات المؤلف الروسية وليس فقط مع البطل حينما يكون وحيدا، الذي ليس هو حالة «الإخوة كرامازوف».
*  لدي سؤال محدد، لديك تكوين مزدوج في الأدب العربي والأدب الغربي، كيف ائتلف فيك هذان الأدبان، هل يتصارعان؟ هل يهيمن أحدهما على الآخر؟
_  منذ طفولتي، أقرأ باللغتين معا، نسائل الكاتب عن لغة الكتابة، ولا نسائله أبدا عن لغة القراءة، ومع ذلك فهو سؤال ينبغي طرحه على كل كاتب مغربي. بالنسبة إلي، لا أهتم بالترجمة، وإذا لم يكن من ذلك بد، أفضل الترجمة من الفرنسية نحو العربية وليس العكس. هذا الأمر له دلالة. (صحيح أنني عرفت القراءة والكتابة بالعربية قبل أن أتعلم تهجي الفرنسية)، هل هناك صراع بين اللغتين؟ لقد تحدثت عن ذلك في كتابي «لسان آدم»، وفي «لن تتكلم لغتي». ومن الممكن أن هذا هو موضوع كل ما أكتب. فكتاب مثل «حصان نيتشه» كان ينبغي أن يصدر في البداية باللغة العربية. لقد احتفظت بمسودته في هذه اللغة. وهي مغايرة للنص في صيغته النهائية. لماذا وليت وجهي شطر الفرنسية، للتخلص من حبسته. لم أكن لأتمكن من إنهاء «حصان نيتشه لو لم أكن وليت وجهي نحو الفرنسية.
*  هل لديك انطباع أن تعبر عن بعض الأشياء في لغة خاصة جدا، أم لا تميز في ذلك؟
_  سأقول بأن الأمر لا تميز فيه، لقد تم التأكيد عبثا بأننا نكون أكثر حرية في اللغة الفرنسية، إنها أسطورة، على الأقل فيما يخصني.
*  مع ذلك هناك نصوص مهمة تحددت وتحققت كتابتها بالعربية وأخرى بالفرنسية، هل من الممكن أن تقول هنا تحت أي دافع كتبتها في هذه اللغة وليس في لغة أخرى؟
_  لا ينبغي أن نغفل ظاهرة «الطلب»، الجامعية أو الودية. لم أكن لأكتب «المؤلف ومضاعفه» لولا أن طودوروف شجعني في أحد الأيام أن أجمع مقالاتي (إذ سبق أن نشرت بعضا منها في مجلة St_ dia Islamika وفي أماكن أخرى) وأجعلها في كتاب يكون منسجما. فبدون طودوروف لم يكن لهذا الكتاب أي يرى النور.
*  في هذه الحالة يتعلق الأمر بلقاء.؟
_  لقاء. مع محاور أفضله.
*  هل هناك محاورون آخرون دفعوك إلى الكتابة، وإلى تطوير بعض الأفكار واقتحام بعض الميادين الاخرى.
_  بعض الأفكار اللطيفة لمحمد اركون، اندري ميكيل، لويست * alensi و R_ th Gros richard. 
*  أعود مرة أخرى إلى سؤالي، أليس هناك شيء ما في لحظة ما يدفعك إلى الكتابة بالفرنسية أو العربية؟
_  بلى يجب أن تكون هناك أسباب عميقة. لكن ما يمكن قوله هو أن راحتي Confort إذا جاز استعمال هذه الكلمة، تكون في الاختيار. حين أكتب بالفرنسية، وأحسني في مأزق، أعيد كل شيء بالعربية. وأقوم بهذه العملية معكوسة. إنها مضيعة كبيرة للوقت، لكن من يدري، قد لا تكون مضيعة. ففي «خصام الصور»، نشر الفصل المعنون «ابنة أخ دونكيشوط» بالعربية، ولم تكن بعد فكرة كتاب «خصام الصور» موجودة في تلك اللحظة. ويمكن أن أضرب عدة أمثلة، وأذكر المسودات التي لم تكتمل.
 *  لغتك باعتبارك كاتبا، هي في النهاية، هذه الازدواجية اللغوية، والتي هي ما يميزك هي هذا المرور من لغة إلى أخرى.
_  أعتقد أنه في المغرب، كل كاتب يكتب أو يفكر تقريبا في لغتين. لا أعرف نصوصا «خالصة».
*  مع ذلك هناك كتاب لا يستطيعون الكتابة سوى في لغة واحدة، فهم حينما تعلموا اللغة الدارجة في طفولتهم، لم يطعموها بما فيه الكفاية وبطريقة مسترسلة من الأدب العربي. أعرف علماء نفس وعلماء اجتماع، وأيضا كتابا لا يجرؤون على الكتابة في اللغتين. 
_  بكل بساطة لأنهم لا يقرأون اللغة الأخرى، العربية، هذا هو الجواب ولا نبحث عنه في شيء آخر.
*  تبدو لي تجربتك فريدة.
_  هناك آخرون. عبد الله العروي.
*  لكنه، ألم يكتب بعض النصوص، النظرية، بالفرنسية والنصوص الأخرى، الأكثر أدبية بالعربية؟ إذن ليس بالضبط كما قلته بطريقة متميزة؟ إنه يقرر: فالأدب سأكتبه بالعربية، وكل ما هو علمي، وسوسيولوجي سأكتبه بالفرنسية. فهو قد كتب الجانب الذاتي فيه بالعربية، وهذه ليست حالتك.
_  صحيح، إنه يكتب عمله الأدبي بالعربية، وبالنسبة إلى الباقي لا يكترث أكتبه بالعربية أم بالفرنسية. ولنلاحظ أنه يترجم بنفسه إلى الفرنسية محاولاته المكتوبة بالعربية، فمن يستطيع في المغرب أن يترجم من العربية إلى الفرنسية؟ إنهم نادرون أولئك الذين يمكنهم أن يقوموا بذلك.
*  بعيدا عن هاتين اللغتين، أنت تعرف الألمانية، ولديك نافذة على الأدب الألماني. هل لعب هذا الأدب دورا في حساسيتك الأدبية؟
_  هذا العنصر، لا يمكنني أن أزيحه من تكويني، لكنني لا أتمكن من أقول بالتحديد ما الذي أفادني الأدب الألماني. قرأت باللغة الألمانية، كتابا كثيرين، من بينهم نيتشه.
*  هل نجد فيما كتبت ذكريات، أو إيحاءات من الأدب الألماني؟
_  في فاوست لجوته، هناك سؤال اللحظة الحاضرة. يرفض فاوست أن يقول للحظة الحاضرة: توقفي، إنك رائعة جدا. لقد استلهمت من ذلك في بعض نصوصي. توقفي. إنك رائعة جدا: هذا سيكون عنوانا جميلا.
هناك بعض اللمسات تعود للظهور هناك أو هنا، مثل عنوان: حصان نيتشه. من بين شخصيات هذه الحكاية، هناك شخص رياضي يقرأ، شخصية كفكاوية شيء ما. وقد استفدت كثيرا وأنا أقرأ لبعض الألمان الذين يتقنون العربية.
فمن خلال الألمانية ارتبط بثقافتي الأصلية- من أجل القيام بدراسات حول القرآن والعلوم الإسلامية الأصلية معرفة الألمانية ضرورية. إنه تقليد قديم يعود إلى القرن 19. مؤخرا صدرت أعمال جوزيف فان ايس حول علم الكلام عند المسلمين. وأعمال وولف هارت هاينرين، حول الشعرية العربية. كنت سأمر جانبا عن أشياء أساسية لو لم أكن أعرف الألمانية.
*  هل قرأت كافكا بالألمانية؟
_  نعم. إنه سهل القراءة، لقد قرأته في الثانوية من قبل قرأت أيضا بالألمانية أعمال كل من Kleist، Heine، Fallada. لكنه في الفرنسية قرأت Robert M_ sil، Thomas Mame، G_ nter Grass.
*  ما هي بعض الانفتاحات الأخرى حول الأدب العالمي؟
_  يبقى الأدب الآسيوي بالنسبة إلي سرا وشيئا غامضا، وإنه بلا شك نقص كبير. أما لقاءات المصادفة. فقد كان دوس باسوس ملهما، وكذلك جويس، إننا نتغير ولا نعود ذواتنا بعد قراءة كاتب كبير. لاحقا، كان اللقاء الحاسم مع «بورخيس»، لقد كنت بورخيسيا قبل أن أقرأ بورخيس. (لقد تساءل أحد النقاد ألم يكن الأدب العربي القديم بورخيسيا. وليس من قبيل الصدفة أن يقع اختيار الكاتب الأرجنتيني على ألف ليلة وليلة). «فالمؤلف ومضاعفه» هو مع ذلك كتاب بورخيسي، ولقد كان الكتاب منجزا ومنتهيا حينما قرأت لأول مرة «خيالات». هناك حوار حميم، أنا معجب بالتواضع المزيف لبورخيس، (ليس هناك من غطرسة ولا تشامخ مثل الخضوع الذي سيظهر)، تحقيقاته اللعبية، الخطاب المنقول الذي يفضل. استشهاداته التي هي تقريبا صحيحة، الانطباع الذي يعطي، وهو يدافع عن نفسه، على أنه قرأ كل شيء، سمات عديدة تميزه تقربه من الجاحظ الذي استشهد به.
*  لنعد قليلا إلى الأدب العربي، لقد أنجزت أطروحة الدكتوراه حول المقامات، التي هي جنس أدبي عرف لحظات مجده في العصر الكلاسيكي، والتي لعبت دورا كبيرا في المغرب في العصر الوسيط. وهي غير معروفة كثيرا. هذا يظهر لنا اليوم بعيد المنال. هل يمكننا استخلاص رؤية للأدب العربي؟
_  المقامات، بسبب اللغة، والصيغ القديمة، والسنن الأدبي، والتوظيف البلاغي الكثيف، يمكنها أن تبدو صعبة المنال، لكنها ليست أكثر من عولس لجميس جويس. إنها جنس سردي ابتدعه الهمداني في القرن العاشر الميلادي، ووصلت القمة قرنا بعد ذلك على يد الحريري، هذا الأخير عارضه الكثيرون، بالعربية والعبرية، والسريانية، والفارسية، كانوا يستهلكون المقامات كما نستهلك الروايات اليوم. وقد تحولت إلى ضحية في القرن العشرين، بسبب اكتشاف الأدب الأوروبي. فاليوم، نكتب «ضد» هذا الجنس. مجموعة من السنن ثم تبنيها، وشيئا فشيئا أصبح الأدب العربي «غريبا» عن نفسه، لقد أصبح أوروبيا بطريقة واسعة. لقد أصبح ذلك ظاهرة عالمية، فأعظم انتصار حققته أوربا هو أنها نجحت في فرض أدبها على بقاع العالم.
*  بعكس هذا، ما الذي يميز الأدب العربي، حيث المقامات تشكل نوعا من المزيج المركز؟
_  حينما يكون لدينا الصبر على قراءة المقامات، فإننا ندرك غناها الكبير. بعيدا عن الأطروحة التي خصصت لها، قضيت وقتا طويلا في تحليل إحدى مقامات الحريري، وهي المقامة الخامسة. كانت النتيجة كتيبا صغيرا بعنوان «الغائب». الذي لم أكن راضيا عنه كثيرا. ليس المطلوب أن نتحدث عن ما الذي يميز الأدب العربي، ولكن، لنتحدث عما يفقده أو يضعفه حينما يترجم. في إحدى الترجمات الفرنسية للمقامات نجد أن النفاذ إليها سهل نسبيا، فلا نجد فيها لا الصيغ المهجورة، ولا الإيقاع أو التضمينات المميزة لها، ولا الألاعيب اللفظية من هنا يتولد لدينا انطباع بالسطحية والابتذال، بخلاف ألف ليلة وليلة التي خرجت على العموم سليمة من النقل المريع في لغات أخرى.
فالمقامات لازالت تنتظر شخصا مثل Galland، الذي سيجعل من ترجمتها حدثا.
*  هل الاشتغال الطويل على المقامات أثر فيما كتبت؟
_  لقد اخترت دراستها بسبب صعوبتها. فالمقامات هي تحد بالنسبة إلى الباحث والمترجم. ويبدو أن جماعة O_ lipo اهتمت بالمقامات فأثناء ندوة حول Perec عام 2000 بجامعة محمد الخامس بالرباط كانت مداخلتي تحت عنوان «بيرك والحريري» هل كان بيرك يعرف الحريري؟ على أية حال فهو يذكره في روايته «الحياة إرشادات» La * ie mode d’emploi وفي أماكن أخرى. فضلا عن ذلك، بعض الباحثين اجتهدوا في دراسة علاقات احتمالية بين المقامات والرواية الشطارية الاسبانية في القرن 15م. فالأبطال في كلا الجنسين لهم العديد من النقاط المشتركة. التهميش، سلطة الرعاع، القناع، الضحك الصريح، دموع التماسيح، التقلبات البشرية، تقلبات الأحوال.
*  المقامات التي كتبها الكتاب الكلاسيكيون الكبار غير قابلة للمحاكاة كما تقول ذلك، لكن المقامات التي كتبها الكتاب المغاربة تبدو باهتة. كيف تأثرت بالمقامات؟ وتحت أية صيغة؟
_  اللحظات الطويلة التي قضيتها بصحبة النصوص العربية القديمة غذتني في العمق، مثلها مثل النصوص اليونانية أو اللاتينية، هناك بلا شك صدى المقامات في كتاباتي الخيالية، فموضوع بعض منها هو الأدب والأشكال الأدبية. نصوص قصيرة في كلتا الحالتين، مستقلة ولكنها تعقد صلات مع المجموع حيث هي مندمجة. عودة البطل
*  أخيرا، ما الذي يميز الأدب العربي الكلاسيكي، ولماذا، في اللحظة التي التقى فيها بالأدب الأوربي، لم يصمد؟
_  تغير التعليم، فإقامات الطلبة، والديبلوماسيين ورجال الأدب في باريس ولندن، كانت قد تعددت. فتعلم الفرنسية والإنجليزية كان قد أصبح ضرورة، وكي، نتوج كل هذا، كان هناك تأثير تمارسه النصوص الأدبية الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية. شيئا فشيئا كنست الأنساق الأدبية الكلاسيكية. (التي كانت أثناء ذلك فقدت طاقتها على الإبداع) مثلها مثل أنساق اللباس، وفن الطبخ، والعمارة، كل هذا كان على خلفية الإغراء والتمرد.
*  هذا تقريبا ما قاله ابن خلدون. فالمغلوب مولع بتقليد الغالب. لكن بعيدا عن هذه العلاقة غالب/مغلوب، ألا يوجد في الأدب العربي القديم شيء يمكنه أن يتعايش مع الأدب المغربي؟
_  لا يقلد المغلوب دائما الغالب. فالرومان رغم انتصارهم، قلدوا اليونان. ما الذي يصمد في النصوص الأدبية القديمة؟ إنها نصوص غير قابلة للترجمة (إلى حد بعيد). لا تريد أن تكون مترجمة. إنها كانت مقصورة على صفوة تتحدث اللغة العربية. إنها تعطي الانطباع أنها مغلقة تأويليا، فقد سبق في الماضي، انتقادها بأنها غير قابلة للترجمة، إنه نقطة ضعفها (إن لم تكن نقطة مجدها) فمن بين غير العرب القلائل الذين اهتموا بالشعر العربي القديم، هناك اندري ميكيل.
*  نجد هذه الثنائية بين ثقافة الصفوة والثقافة الشعبية حينما نقابل بين ألف ليلة وليلة والأدب الكلاسيكي، لقد اشتغلت كثيرا حول ألف ليلة وليلة خصوصا في كتابك «العين والإبرة»، فما الذي يمكنك قوله حول ألف ليلة وليلة الذي يشكل اليوم جزءا من الأدب العالمي؛
_  بالطبع إنه ذو أهمية عالمية. أعتقد أيضا أنه يمكننا الذهاب بعيدا ونقول إن الأدب الأوروبي تلقى رجة، في بداية القرن 18، حينما ترجم Galland للمرة الأولى الليالي، وجعل أوروبا تكتشفها، فمن هو الكاتب الأوربي الذي لم يرجع إلى حكايات شهرزاد؟ إنه يبقى الكتاب الوحيد العربي المعروف في العالم كله. وإلا فأي كاتب يمكننا أن نذكره؟ المتنبي شاعر عظيم، لكنه غير معروف خارج الفضاء الذي يتحدث العربية.
ما يثير الانتباه هو أن الأدباء العرب، الذين ازدروا في السابق، ألف ليلة وليلة، انتهى بهم الأمر اليوم، بمباركة الأوروبيين، إلى تبني كتابهم «الخاص بهم». 
*  هل يمكن أن نجد في كتابكم صدى لألف ليلة وليلة؟
_  في كتاباتي الخيالية، أرجع إليها غالبا. فشخصية في روايتي «خصام الصور» المرأة R. هي بشكل من الأشكال شهرزاد جديدة. وفي رواية «حصان نيتشه» هناك إشارة إلى القرد الخطاط. في موضع آخر، موضوعة الكتاب القاتل، اشتغلت عليها في قصة «المكتبة»، وممكن أيضا في موضع آخر.
*  نتحدث اليوم عن تجديد الخرافة؟ ما الذي تعتقده؟
_  لا أعرف هذا التوجه الجديد.
*  في إحدى مقالاتك تؤكد أنه لا يمكننا الحديث عن أدب مغربي، هل تعتقد بطريقة جدية في هذا الأمر، أم أن الأمر مجرد مزحة؟
_  إنها مزحة، لكن لها أساس. لكي نتحدث عن أدب ما، يجب أن نطرح، على الأقل بطريقة نظرية، بداية ما لهذا الأدب، أين نضع بداية الأدب المغربي؟ لقد وضحت في موضع آخر، أن سنة 1954 تبدو لي تاريخا دالا لأنه يلائم تأسيس نظام الحالة المدنية. إنه قرب هذا التاريخ نشرت «صندوق الأعاجيب» للصفريوي، و«الماضي البسيط» للشرايبي، و«في الطفولة لعبد المجيد بن جلون. بطريقة ما، هذه المحكيات يمكنها أن تعتبر بمثابة عقود ازدياد، أدب أوطوبيغرافي بطريقة كبيرة، تركيز حول الطفولة، وهي سمة تميزها عن السيرة الذاتية العربية القديمة حيث الطفل لا وجود له البتة. يمكننا أن نذكر أيضا، في النسق نفسه للأفكار «الذاكرة الموشومة» للخطيبي، و«لعبة النسيان» لبرادة.
*  نعود إلى السؤال السابق. أنه في لحظة ما، لم يعد الأدب العربي قادرا على أن يكتب كما كان يكتب. وأخيرا، تضع عقد ازدياد الأدب المغربي المعاصر في اقتراض نموذج غربي، فلماذا اقترض الأدب المغربي السيرة الذاتية أو التخييل الذاتي؟
_  نعرف، أن الأدب المغربي هو زمنيا «متأخر بالنسبة إلى الأدب المصري والسوري اللبناني، فعقد ازدياد هذا الأدب يوجد حوالي نهاية القرن 19، فلكي تكون لدينا رواية يجب أن نتوفر على شروط ذاتية وجماعية. فلا أعرف هل وصلنا إلى عصر الرواية. 
*  نعرف أن الرواية مرتبطة جدا بميلاد البورجوازية؛ فيما يخص حالة المغرب؛ أن لا تصل الرواية إلى لحظة الانطلاق أليس الأمر مرتبطا بسؤال التطور الاجتماعي؟
_  لقد ذكرنا هذا الأمر: فالأدب المغربي حديث العهد (أفهم أنه معاصر)، في حين أن المصريين تلقوا الثقافة الأوربية منذ حملة نابليون على مصر.
*  هل تجعل عملك ضمن هذه المرحلة الشبابية للأدب المغربي؟ أو أنك عبر الأدب تحس أنك منفي عن بلدك، وأنك تعيش وتكتب في منفى داخلي؟
_  بالضرورة، أكتب في إطار هذه المرحلة الشبابية، ولم أعتبر نفسي أبدا منفيا في اللغتين معا. لكني أفكر في هذا الأمر الآن، أليست القراءة شكل من أشكال المنفى؟
*  ألا تفكر في كتابة رواية عن الطريقة الأوربية للكلمة؟
_  لماذا أقوم بذلك؟ دائما يطرحون علي هذا السؤال؟ إنها طريقة لإضعاف ما أنتجته سابقا، سيصبح فقط مسودة. لقد حان الوقت للمرور إلى أشياء جدية –لكن يجب أن أرضى عما كتبته إلى حدود الآن. صفحات، فقرات، شذرات. من الذي يعرف ما يخبئه المستقبل للأدب؟ نفضل الرواية، لكن هل ستستمر في شغر المكانة الأولى مع تطور الكتاب الالكتروني؟
*  أية علاقة تراها بين الكتابة والتطور الاجتماعي؟ ألا يوجد لدينا –موضوعيا- عجز في كتابة الرواية؟
_  روايات لأي جمهور؟ فالقارئ في نهاية المطاف هو الذي يحدد الأدب. فلنتذكر أن النساء خصوصا، باعتبارهن الشريحة الكبيرة لاستهلاك الروايات، هن تاريخيا اللائي أعلين من شأن الرواية بدءا من القرن 17. فما الذي حصل في المغرب؟ سمعتهم يقولون إن البرجوازية، التي يجب أن نلتقي فيها عادة بجمهور قراء واسع، هي بورجوازية عامية. لكن لماذا نهتم بهذه الفئة الاجتماعية؟ فعلى الكتاب أن يخلقوا قراءهم. لقد قام بذلك محمد شكري، بمعنى ما، مع الخبز الحافي: جانب من الانتهاك أوحى بفضول كبير.
*  باستثناء حالة شكري، هذا يعني أن الأدب المغربي لن يكون انتهاكيا؟
_  جاء شكري في أوانه. حينما كانت هناك الرقابة، وقد تلقى الخبز الحافي نتائج، سيئة وجيدة. كما حصل في السابق مع «الماضي البسيط» لادريس الشرايبي، بطريقة أخرى ولأسباب أخرى.
*  هل يمكن أن نجعل في المستوى نفسه نجاح الخبز الحافي والنجاح الذي عرفته الكتابات حول تازمامارت؟
_  في اللحظة الراهنة، هناك جنس أدبي يسمى «تازمامارت» والذي يجلب العديد من القراء. لكن النجاح لا نتحكم فيه (لا يكون تحت الطلب) للأسف. أحيانا، يمكن أن ينتج تأثيرات شاذة. فالخبز الحافي تميز على حساب كتب شكري الأخرى، وشكري كان يشتكي من ذلك.
*  يمكننا أن نعود مرة أخرى حول سؤال اللغة. ما هو نوع المشكل الذي اعترضك وأنت تبحث عن إبداع لغتك الخاصة، بالعربية والفرنسية مثل باقي الكتاب؟ إضافة إلى هذا السؤال، ما العوائق التي اعترضتك باعتبارك كاتبا وكان عليك أن تتجاوزها؟
_  أحيانا، لا تكون لدي الرغبة في الكتابة، كسل ما يعتريني، هذا الأمر يمكنه أن يدوم طويلا، سنة، أشهرًا، مثلا. وكي لا أركن إلى وهن العزم، أستمر في إعلان التحدي، لكن العائق الكبير هو بناء الجملة، ونظام الكلمات وعلامات الترقيم، يمكن أن يمر علي يوم رديء بسبب فاصلة.
*  يمكن أن تكون هناك عوائق لا شعورية، يكفي فقط أن لا يكون هناك قراء فهذا الأمر يؤثر بقوة على الكاتب. فإذا لم يكن هناك صدى لعمله، فإنه لا يكون لديه الوعي نفسه بما يعمل.
_  حينما لا يكون هناك قراء، أو يكون هناك القليل منهم، فهذا الأمر يبدو أحيانا ميزة، إذ لا نكون تحت ضغط نشر كتاب كل سنة أو سنتين، نشتغل وفق إيقاعنا.
*  هل فعلا ترضى بالقليل من القراء؟ أليست لديك الرغبة في أن يقرأك الكثير من الناس؟
_  لا أعدم قراءً. فالبعض يقرأني بالعربية، والبعض الآخر بالفرنسية، والبعض في طبعات بالإنجليزية والإيطالية والإسبانية. والأصداء التي تصلني مشجعة. وأنا متأثر جدا بالكتب والمقالات والأعمال الجامعية التي أنجزت حول أعمالي.
*  أعود مرة أخرى حول مسألة اللغة، فوراء ازدواجية اللغة العميقة كيف تظهر لك التجربة مع اللغة؟ هل هناك من روابط، وانتقالات بين اللغتين في كتابتك؟
_  حكاياتي منشورة في الغالب بالفرنسية، هذا أمر واقع، وفي مستوى آخر، كل ما كتبته بالفرنسية يترجم إلى العربية، وأحيانا تحت إشرافي. وبالمقابل ما كتبته بالعربية لم ينقل إلى الفرنسية باستثناء كتاب «لن تتكلم لغتي»، فقد ترجم حديثا إلى الفرنسية.
*  هل ترجم كتابك «الغائب»؟
_  لا. لنعد إلى كتابي «لن تتكلم لغتي» شاء القدر أن تصدر ترجمته باللغة الإنجليزية في الوقت نفسه الذي ترجم فيه إلى الفرنسية. إنها المرة الوحيدة التي انتقل فيها كتاب لي بالعربية إلى لغة أخرى.
*  هل لديك انطباع حول الموضوعات المتواترة في كتابتك؟
_  هناك موضوعة المضاعف ومشابهاته، الشمس، القمر، الظل، الانعكاس، الشبح، وهناك موضوعات أخرى: الكتاب، المكتبة، المخطوط المفقود، الهذيان العصابي، سوء التفاهم المعمم.
*  ما الأقوى في عملك، هل هو الحضور الذاتي والمعيش الشخصي أم التجربة الثقافية والأدبية؟
_  أعتقد أن الكتابة تفصلنا بعض الشيء عن ذواتنا بتحريرها لاحتمالات وممكنات الوجود، أما المعيش الشخصي فيتمتع بفقر يرثى له، (الأمر شبيه بالأحلام حينما نتجرأ على سردها) إذا لم يسند بعمق أدبي.
من هنا، في نصوصي، أشتغل على الذكرى، وعلى لعبة التلميحات التي لا يخطئها القارئ المجرب. ففي كتاب «حصان نيتشه» يدعى الكتبي Alice، في إشارة إلى «أليس في بلاد العجائب». أيضا هناك مُدَرسة تسمى الآنسة La_ rencin فبالنسبة إلى القارئ «المثالي» ستتذكره بالرسامة Mari La_ rencin عشيقة وملهمة الشاعر غيوم ابولينير، لا يجب أن ننسى أبدا ان الحكاية ليست مكونة فقط من الكلمات ولكن أيضا من حكايات.
*  سؤال سوسيولوجي أخير، كيف ترى الحياة الثقافية والأدبية في المغرب الراهن؟
_  هذا اليوم بالذات، قرأت في مكان ما أن السياسة مسألة جدية، لا تتسامح مع الفكاهة أو السخرية. عكس الأدب. ففي المغرب هناك العديد من النقاشات في الجرائد والتلفزة. لكن فيما يخص الأدب والعلوم الإنسانية… سأضرب مثلا، في السبعينيات والثمانينيات، استقدمنا النقاد الكبار إلى كلية الآداب بالرباط كي نتحدث عن أعمالهم: رولان بارت، جيرار رجينيت، طودوروف، كريماص، كان المدرج غاصا عن آخره. اليوم يمكنك أن تأتي بكلود ليفي ستراوس، ستجد نفسك أمام جمهور ضئيل متضايق من الإنصات إليه.
على العموم، فالفضول المعرفي يبدو أنه أصبح ضعيفا جدا. فمع من تتحدث الكتب، والمجلات والإصدارات؟ يقال إن الثقافة، انزلقت من مكانها. ولم تعد لها قيمة، نلاحظ أن هناك حركية في بعض الأماكن، مثل العهد الفرنسي، والمكتبة الوطنية، وفيلا الفنون، أفضية تشد انتباه جمهور الصفوة.
*  منذ عشر سنوات ظهر عدد من الكتاب المغاربة، نساء ورجال، بعضهم ظهر في الخارج، هل تابعت هذه الحركة؟
_  قليلا، لم أتابعها كثيرا حتى أتمكن من الحديث عنها.
*  هل هناك بعض الكتاب المغاربة الذين تحس أنك قريب منهم؟
_  أحس بالقرب من عبد السلام بن عبد العالي، الذي ترجم له مؤخرا عمل مهم تحت عنوان «فن الترجمة» على الفرنسية والإسبانية. أقرأ بانتباه كتابات عبد الله العروي.
*  سؤال أخير، ما رأيك في مبادرة إخراج مجلة أدبية مغربية بالفرنسية؟ هل لها ارتباط ببعض الرهانات المهمة؟ هل لديها إمكانات كي تتطور؟
_  بالفعل تنقصنا مجلة أدبية، ولا يسعنا إلا أن نثمن مبادرتكم. أعتقد أن هذه المجلة الجديدة ستشجع على الكتابة، وتخلق قراء وتحدث حركة أدبية. سأتشرف شخصيا أن أكون فيها «رفيق الطريق».
لقد تعلمت الكثير بفضل المجلات مثل Poétiq_ e في مجال النقد الادبي. لقد نسينا بعض الشيء الأثر الكبير الذي خلفته هذه المجلة في السبعينيات والثمانينيات أتمنى أن تكون «المجلة الأدبية المغربية» Magasine littéraire d_  Maroc صدمة، بطريقتها طبعا.        

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …