أخبار عاجلة

عتاب المَرأة المَحْبوبة على إخْلافها الوعد

1
بَعْد العَوْدة مِن مَكْتَب دائرة الضَمان الاجْتماعي مُحْبطاً، وَشَتْمي الموظّفة التي رَأَيْتها عبر النافذة الصَغيرة تَتَلمَّسُ فرجها. لَم أرد ازْعاجها وأَنا أتمتمُ وأَدْفَعُ لَها الفَواتير التي يَنْبغي تَسْديدها قَبل نَهاية الشَهر. كُنْتُ في المَطْبَخ أَبْحَثُ عَن صحْنٍ وَضَعْتُ فيه ليلَة البارحة، لَيْمونة شُبه جافَّة. أَن أَفرُّ الآن مِن رَغْبة الشَراب وَحيْداً ولا طَعام عنْدي وأَذْهَب الى الاعْتذار مِن الذين سَيَزْحَفون عليّ لتَحْصيل ديونهم. مُهمّة صَعْبَة تخالف ما اعْتدْتُ عَليْه. أَكْثَرُ مِن شخْصٍ اسْتدنْتُ مِنه وأَنْبأته أَن تَسْديد الحساب، سيتمّ بَعْد المَوت. نفوري مِن المرور بصَيْدَلية أَو مَحلّ جَزَّار أَو كُشك لبَيْع الحُمّص المَسْلوق، لا يَعْني على الإطْلاق انَّني لا أَرْغَبُ في أخذ المؤن بالمَجَّان. ملامسة حجارة الانْتحار وامْتلاك الثَرْوة، لا تَحْتاج إلى العنف ويُمْكن للمَرء أَن يُعوِّضُ عَن خَسارته بالتَبْذير الطَويل لكلِّ ما وَرَثه.
2
حَكَت لي وَهْيَ تَنْزَعُ ثيابها بغُرْفَة النَوم عَن، “الغلال المَبْذولَة بوفْرة” في أَرض الحُبِّ.
الإمْكانيات كَبيرة وأَن يكون المرء ثَملاً وَغير مَعني بِما سيرثه، فسيكون تألّقه وهو لا يعاني مسألة الرَدم، أَكْثَر مِن ولَع بِما لا يذْعن للمَوت.
ناوَلْتها كأس فودكا وَذَهَبت تَسْتَريح تَحْت الشمْعة الساهرة للرَغْبة المتماثلة. أَظنُّ أَن الأنْهار التي عَبَرتْها مَعها، كانت مَليئة بدفء الأمومة. اكَتَمَلَت الآن كُلّ الشروط ولا يُمْكننا الافْتراق عَن بَعْضنا البَعْض. يَتَعرَّضُ المُحبّ لضَرْبَة الصاعقة إِذا لَم يَتَعاقب عَليْه زَمَن الاستجابة لاحْصاء الأَيَّام في رَسائل الحُبّ. بَعْض الأشْخاص الذين تَوافَرت لَهُم الشروط، بَحَثوا عَن شَيء يَسْتوْجب رَغْبتهم في عناق المَحْبوب. لَم يَحْصل أَيّ مِنْهم على ضَمان.
تَغطَّوا ببطَّانيات أَحْزانهم المَطْوية وَفاتهم السَهر مَعَ المُضَحَّين برأس مالهم مِن أَجل امْتلاك زمردة جَمال المَحْبوب.
3
بَعْد الجنس تَشْعر مثْلي بتَفاهة ما قمْنا به وَتَعْتبره نتاج حمق.
لتَسْليتها وَهْيَ تَطْوي فخْذَيْها، أَخْبَرْتها انَّني أُخطِّطُ مُنْذ زَمَن لرحْلة مَعها إلى القاهرة. أَهل مِصْر يَمْنَحون المَرضى الغُرباء الدَواء بالمجَّان، وَيوجِّهون الدعوة اليهم للغَداء تَحْت أَضْواء الحقول. على طَريْقَتها التي أَعْرفها، أَحْضَرت شِباك الصيد وَلَوَت عنْقها وقالَت:”لا تَضْجَر مِن عَدَم اكْتراثي بكلِّ شَيئ، لكنَّني أحبّك وقَرَفْتُ مِن التَعرِّق الدائم مَعك”. تَباوَسْنا وَراحَت تُنضِّدُ فراش السَرير وبَعْد التَعرَّي، غَرقْتُ في بُحيْرَة الشقاء وأَنا أَسْتَردُّ عافيَتي وأَتَلقَّى هبوب النَسيم الإلهي مِن ضوء ثدييها.
4
برجوعنا مِن المُسْتَشْفى ونتائج الفحْص الطبّي تَقول انَّنا لا ركام وَلا تَحطّمات لَديْنا، تَوَغَّلْنا صَوب غابَة الشَراب وَكانَت اللذَّة مُذْعنة لَنا ولَها قوَّة حَمْلنا بطائرة هليكوبْتر إلى أرض أُخْرى. الاشْمئْزاز مِن مشاركة الحشود فقْدان الرَغْبَة، اتَّضَح لَنا انَّهُ اشارة خَيِّرة لاصطحاب الزَمَن مَعنا أَيْنَما ذَهَبْنا. عالمنا الراهن مريض وَتَنْقر رئته النسور، وَنَحْنُ لا نَرْغَبُ في العثور على ذَخائر أَثْناء اجْتيازنا خطوط المشاة في الشَوارع. أَن نَتَلقَّى مَعْلومات خاطئة عَن الإصابة بالمَرض، كناية مَذْمومَة للعَيْش الذي نحاولُ الإبْقاء على رومنتيكيته.
5
مهاجران نَحْيا في اللاأمان. هيَ تَخْشى المَوت بالجَلْطَة الدَماغية، وأَنا أعاني مِن مرض السكَّري والكولسترول العالي والإفْراط في الشَراب. للتَخلّص مِن القَرف في الظَهيْرَة الضَحْلة ذَهَبْنا نَشْرَبُ بحانة في المَدينة. البَعض مِمَّن تَعَرَّفْنا اليْهم بَعد السُكر، كانوا في مأمَن مِن ضَرْبَة الصاعقة. بَدَت لَنا لياقتهم الاجتماعية متنافرة مَع ما أَبْدوه مِن أَفْعال. أَحدهم يُصوِّرنا بكاميرة تلفونه مِن دون أخذ الاذن مِنّا، والآخر يَسْتَند على الحائط وَيَعْرض عَلَيْنا شراء ثياب تَلَقَّاها مِن جدَّته قَبل أَن تَموت. الغَبي لا يَفْهم انَّنا يَجب أن نُجرِّبُها أَوَّلاً. انْتَقَلْنا الى حانة أُخْرى وجاء غَيْرهم مِن البَطْرانين يقْطعون الأَشْجار أَثناء حَديثنا. قالَت:”نصيف، سأنْفَجر مِن أصْواتهم الجهورية. ماذا تُسمّي هؤلاء؟” أجبْتها:”رجال دائرة الضَريبة في جَهَنَّم”. عدْنا إلى البَيْت لا نَمْتلك المال لشراء الطَعام، فاقْتَرَحَت عليَ بَعد أَن اشْتَدّ أَلم ورْكها، أَن أَبيع ملابسها القديمة وبيجاماتي والقمْصان واللابْتوب الذي لا أسْتخْدمه.
6
جَلَسْنا نَشْرَبُ وَنَسْتَمع الى الأَغاني الفارسية،
والمَرأة التي دَعَوْتها إلى البار. زَميلة دراسة اللغة السويدية. كانَت مُتَزوِّجَة في شيراز وَتَمّ
إعْدام زَوْجها لتَورّطه بَجريْمَة قَتل 3 مِن أطْفال الشارع. كُنْتُ ألتَقيْها في بَعْض المَرَّات حين أَتَبضَّعُ مِن محال البقالة الايرانية، وَكانَت تَشْكو الحَنين إلى وَطنها. أَنا مثْلها أَيَضاً أَشْكو الحَنين وأَحْلَمُ في العَوْدَة الى العراق. يمتلئ العالم الآن بمعسْكرات اعْتقال فَظيعة، والمآتم في كُلِّ مَكان.
:”لا تَكْتَرثي لأحْداث للماضي واعْتمدي على الله”.
قُلْتُ لَها وَهْيَ تَعْلَمُ انَّني لَم أكُن بخَيْر طوال كلّ مُدَّة إقامتي في بَلَد الهجْرة. عَزَلْتُ نَفْسي وانْتَهى بي الأَمر الى نَمط حَياة غير قابلة للعَيْش. أَنْهَضُ مِن النَوم بَعْد أَن نَجَوْتُ مِن صراع مَع أسَد أو نِمْر، وأَشْعر بالخسْران لِما فَقَدْته أَثْناء لَحْظَة الكابوس المَريْرَة. 20 سَنَة أَشتَري الطَعام والتَوابل مِن المحال العراقية والإيرانية، وَمَع أَن زَوْجَتي مولودة في بولونيا وعاشَت ودرست في السويد، لكنَّني لَم أَتَعلَّمُ مِنْها كَيْفية طَبخ نوع مُعيّن مِن الحساء، أَو طَريقة مُثْلى في قَلي السَّمك النَهْري. مالك البار وَهْو لاجئ ايراني، ذَهَب يَمْضي الإجازة الصَيْفية في بلده وتُديرُ العَمل الآن زَوْجَته. رعاية الأَولاد والعَمل وادارة شؤون البَيْت، أعْباء ثَقيْلَة وَفَقَّت فيها وَكفَّت عَن لَعن الغُرْبَة. بَعْد الغروب وَدَّعْتُ زَميلَتي وَعدْتُ إلى بَيْتي أَحْملُ صَحن كَباب ولَتر عَرق “راكي” هَدية مِن السيّدة التي تَنْتَظر عَوْدة زَوْجها بلهفَة.
7
تطْواف مُملّ في المَدينة كُنْتُ أَعْبر فيه كُلّ طَريْق بحذر.
حَرَكة سير المَرْكَبات البطيئة والزحام وتَلوّث الفَضاء
والحَوادث المرورية والسلوكيّات الفَظيْعَة لَدى بَعض أَصْحاب الشاحنات. كُنْتُ أَتَحَدَّثُ بالهاتف مَعَ رَبّ عَملي الذي تَقاعَد قَبل سَنَة، وَعَبَرْتُ الشارع مِن دون أن أَنْتبه الى الإشارة الحَمْراء. مَرَّت سَيَّارة مُسْرعة جدّاً وَكادت أَن تدْهسني. ماذا لَو كُنْت انْتَبهْتُ للإشارة؟ البَعْض مِن النَّاس يَعْبر مِن أسْلَم مَوضع ولا يَنْتَظر تَلقّي الإيعازات. المَتاجر التي دَخلْتها وَخلْت انَّني سأَتَبضَّعُ مُشْتَريات مِن صنْع السَحَرة، كانَ أَغْلَبها يَخْلو مِن البضائع الجَديْدَة. بتأثير مِن الرطوبة والهَواء الملوَّث أَشْتَريْتُ قناع أحَد آلهة الصَّيْد المَحلَّيين بنصف دينار وَذَهَبْتُ الى الغابَة. كَمَّية كَبيْرَة مِن السَّمَك وَريش الطَّيْر، عُدتُ إلى البَيْت أحْملها وَسَوَّى الله بَيْني وَبَيْن الملوك.
8
أريدُ أَن أغَيِّرُ مَكان سَكَني الآن بَعْد أَن فَقَدْت سَلْوَتي في رحْلات الصَيد. الأَغْراض في البَيْت لَيْسَت كَثيرة وبامْكاني طَلَب المَعونة مِن صَديق إِذا انْتَقَلْتُ الى شقَّة أُخْرى. أَسْتأجرُ شاحنة صَغيرة مِن مَحطَّة الوقود وأَبْحَث عَن الصَديق الذي لَديه رخْصة قيادة السَيَّارة. حَياتي التَعيْسَة أَمْضَيْتها كلّها في الترْحال وَلَم أَعْقد الهدْنَة مَعَ مالكي العقارات.
وَصَلَتْني قَبل أَيَّام هَدية تافهة مِن امرأة كحولية، عَرَفْتها في الماضي وانْحَرَفْتُ عَنْها بسبب سلوكها المشين. سَكَنَت مَعي فَتْرة لا بأس بها وَعانَيْتُ مِن مَهارتها في تَكْسير أَواني المَطْبخ وإزْعاج الجيران بَعد كُلّ جَلْسَة شَراب. بعْتُ القلادة النَحاسية التي وَصَلتْني واشْتَرَيْتُ ربْطَة خُبز وكيلو بَطاطا. قارورة النَبيذ التي اسْتَدنْتها مِن جارَتي لَم تَكْفِني وَبَقَيْتُ لا أنا “صاح وَلا سَكْران”. كُلّ شَيء رَغَبْتُ أَن أَناله انْشَقّ وابْتَعَد عَنّي، والهَدايا تَعْني مُبادَلة بذور الإفْلاس مَعَ المُحْبَطين.
9
ازْدَحَم البار وأَلزَمني جَمال الفَتاة الساقية على التَخَلَّي عَن الحشْمَة. كان هُناك بَعض الذين لا تَظْهَرُ عَلى وجوههم عَلامة الارتياب مِن العشْق. بَعْدَ أَن أَنْهَيْت شَراب القَدَح الخامس مِن البيْرَة، دَنَت مِنِّي وَقالَت:
“أَراك تَنظر إِليَّ كَمَن يَحْتاج الى الشَفَقة، لا تَتَشَظَّى واحْذر المعايَنة الطِّبيَّة الخاطئة في المَرَّة القادمة”.
قوس قُزَح وَنَداوَة الرغْبَة افْتَرَقا عَنّي وانْعَزَلْتُ داخل ذاتي، أَتَلَهَّفُ في الحصول على شَظية مِن اللهب الذي تَذْخره هذه الفَتاة. على الطاولة المُقابلة كان رَجل وامرَأة يُثَرثران عَن التقاطهما صورة مَعَ مُمثّلة أَفلام. حاولا بَعْد أَن سَكرا التَواضع وَحَدَّثَتْني المَرأة حَول الكَبت وَما تُعانيه في علاقتها مَعَ شَريكها الذي لا يَحْتاج الى الجماع. أعْلَمْتها انَّني رُبَّما تَعَطَّلَت الآن آلتي وَلَيْس بامكاني التَعاطف مَعها.
راحَت تُهَلْوس وَرَفَضَت أَن نَغْدو أَصْدقاء.
10
بَعْدَ عَوْدَتنا الى البَيت أكْمَلْنا الشَراب بنفس الاسلوب الذي اخْتَلَفْنا عَلَيْه في البار. لَم نَتَحَدَّث عَن المَنْهَج الاقتصادي لأنَّنا بصراحة لا نَمْتَلك خزانة، والثَرْوَة يُمْكن تَبادلها مَع الآخرين. حَياتنا اعْتيادية وَلَم نَرْتَكب الأفْعال الشائنة. يَقولُ الطَبيب انَّهُ سَيَسْمَح لَنا بالعَوْدة الى الريف، واشْتَرَط عَلَيْنا أن لا نمارس الجنس وأن َنَتحاشى لَدْغَة الأفْعى. الجنس نَهاية متعادلة للعب مَع الطَبيعَة. لَو كُنَّا اسْتَجَبْنا لنَصيْحَة هذا الأْحْمق السمين، لَبَدَت لَنا حَقيْقَة المَرض صَعْبة الفهم.
قالَت لي بَعْد أن رَأت خراف الهلال تَثْغو في أصص الزهور الموضوعة على النافذة، أنَّ أُمّها احْتَفَلَت بأوَّل “ظهور للطَمث” عنْدها. “كان عُمْري 14 أو 15 سَنة وَكُنْتُ أدْهَنُ أخْشاب تابوت أبي” قالت لي.
اسْتَرخى كُلّ مِنّا وَلَم نُحاول الاتصال بمدراء
المَصارف. بالنسْبَة لي فأنا أضْجرُ مِن طريقتهم في اثارة الفتْنَة بَيْني وَبَيْن الذين يُشدِّدون على تَجنّب العَيْش في اللاوعي.
11
التَعايش في مَديْنَة يَخْطأ الفَرْد فيها الهَدَف مَعَ الحشود الغَريبة، مُمْكن تَصْنيْفه على انَّهُ رَغْبة بإزْعاج الملاحدة الذين دَأبوا على الانْقاص مِن وزن الأوْراق المُتَيَبِّسَة للسَأم. بَعْد الغروب عدْتُ مِن النزْهَة اليَوْمية والتَقَيْت في مَدْخل العمارة بَعض الجيْران. شكايتهم هي نَفْسها ولا تَتَغيَّر. كلابهم لا تَحْميهم مِن ابر الدموع التي قُيِّدت في مَعاصمهم. في علم اجْتماع الحُبّ لا يوجد تعارض بَيْن الحُلم بالخلود وَبَين عتاب المَرأة المَحْبوبة على إخْلافها الوَعد. زَوْجَتي لَيْسَت مِن النساء اللواتي يُؤنِّبهنَّ عَذاب الضَمير، وَهْيَ تَقفُ بانتظاري على الدَوام وَتَخْرق الهدْنة التي عَقَدْتها مَعها في الجماع. أقولُ لَها ببراءة المُغْتاظ مِن حَجب اسْمه في سجلِّ القُربان:” أَنا بَعْلكِ الغَيور ولا
أريد اشْهار العلاقة بَيْننا للآخرين”. صَدَمَتْني وَهيَ تجيب :”رَغَبْتُ في تبْيان مَحَبَّتي لَكَ ومقاسَمتك إرث أَبي”.
التَمَسْتُ مِنْها الكَفّ عَن اللغو وخَرَجْتُ أشارك روَّاد الحانة مضاعَفتهم لمعايَنة كَوارث الحَياة.
12
هَل بامْكاني تَقْليص وَقْت المَوت الذي يَتَخلَّل الأَشْجار الخائنة في الطَبيْعَة؟ قَطَفْتُ ورقة صَبَّار وَذَهَبْتُ الى الحانة، أَنوح على نَفْسي وَعَلى الغير، وعلى الرَغم مِن أنَّ مُمْتَلكاتي نَفيْسَة وغالية الثَمَن. المشط والكأْس والتبغ والقَميص المُخَرَّم. رَغَبْتُ بمقايَضتها بقارورة فودكا وصَحن حُمّص مَسْلوق. ماذا تَبَقَّى لي الآن وأَنا أَتَرَقَّبُ مَجيء أسَد المَوت المَجْروح؟ لَو كُنْتُ تَوَجَّهْتُ الى تأليف كتاب عَن العَجائز الذين ينادون أوْلادهم القَتْلى، لحزْتُ الصِّيت عِنْد الآلهة كلّها.
13
رَكَنَّا السيّارة في مرآب المَطْعَم وَقَبْل الغَداء التَقيْنا الصديق المَيت الذي حَلَّت روحه بجسد غَزال. كانت مَعنا ريْشَة لا يسْتهان بتَعقّبها للذين أضاعوا الطَريق. زَوْجَتي تَقول انَّها تشْعر بالوحْدة ويضايقها بكاء الحَيوانات في الغابة. هراء أعْرفه لكنَّني لا أمْتلك الصراحة في التشاور معها حَول ما “يسرف في محاباته” للغُرَباء. هَل أنْعَتها بالجُبن؟ أثْناء الأكل حاوَل كلّ مِنِّا اظْهار الرَغْبة التي تَتَقلَّبُ وَتمدّ شعاعها. أحد السُقاة خَلَّف أثْناء مروره مِن طاولتنا، ذكرى مُتَفحِّمة لبقايا شَيء دَفنَّاه. هَل رَغَب في الاسْتحواذ على خصْلَة مِن شَعَر رأس ضَيْفنا الغَزال؟ يكْثَر في أحاديث الحُب الجدال وأفْظَع ما في شِباكه، ذهاب العاشق والعاشقة الى النَوم بلا اتّصال
مَعَ طيور المَراعي. كُلّ نافذة أفْتحها للاسْتدْلال على غَيْمة، تَمْتلىء بالجثث وَيَتكلّسُ عطر النزهات الطويلة للظَبي.
14
لَديَّ رزْمَة رسائل تَجَمَّدَتْ ولَم أجب عَلَيْها.
لا شَأن لي بتَملّق الآخرين والتَلَطّف اليهم، وارتكاب الخَطأ عادة دأبْتُ عَليْها لئلا أسبِّب لنَفْسي الألم. انْفَجَر البُركان وَكُنْتُ في أَوَّل شَبابي أحْلَمُ بالرِحْلة الى بَيْروت، وعلى الرَغم
مِن أن العَيْش فيها لَم يَكُن بمأمنٍ مِن ما حاوَلْتُ الهروب مِنْه. أحْرَقْتُ صور الدَهاليز والنَوافذ الرَتيبة لحَياتي ولَم أرْغَب في الذهاب إلى المُخْتَبرات لإطالة أمد العُمر. التَهَمَت نيران القَنابل الأوراق المَدْفونة للشباب والشيوخ، ولا أحد عَرف أين سَهَروا بَعْد نَهاية الحَريق.
لَو كُنْتُ قَد حَصَلْتُ على منْحَة دراسية أو مَعونة مِن الدولة، لأنْفَقْتها على الأكل والشَراب في بَلَدٍ أجْنَبي. ماضي حَياتي يُغطّيه رَماد مَداخن وَحُمِّى تَئزُّ مُخْتَبئة تَحْت جَليد الحُلم، ولا يُمكنني الآن أن أهشِّم ريش الشموع بالفأس. الألم وَنقيْضه لَهما شَكْل التمْثال، لَحقا بي ولَم أنْدم على إضاعة أيّ مفْتاح يوصلني الى الصَيادلة. هَل أنْتَحل الأعْذار للذين ماتوا ولَم أجِب على رسائلهم؟ صافَحْتهم مِن قبل وَكانَت لي نَفس انْفعالاتهم. مَرَّتِ الغيوم فاسْتَلْقيْتُ على مرآة المَرض وَنَجوتُ مِن النَوم على ارْجوحة في المُسْتَشْفى.


نصيف الناصري *

شاهد أيضاً

شرفة المكان

طالب المعمري (على سبيل الوداع) يذبل نهارك و يموت على شرفة المكان جمرة شمس في …