أخبار عاجلة

عرائس الواقع وما وراء الواقع

صدرت للكاتب أحمد زغلول المشيطي، أخيرا مجموعة قصصية متميزة بعنوان «عرائس من ورق» عن دار «شرقيات» – القاهرة 1995.

وأحمد زغلول المشيطي من أبرز الكتاب الذين رسخت أقدامهم في الثمانينات . وهو من كتاب ما أسميه «تيار النظرة»،  بلغته التي تبدو« محايدة» وشديدة الزهد ما أندر التوشية اللفظية فيها، وما أشد صرامتها.

وهو، في هذا القصص ، يتناول الواقع الداخلي النفسي، كما يتناول الواقع الخارجي، على السواء.

إن تفصيلات هذا الواقع الظاهري، بكل خشونتها وتحددها ووضوحها القاطع ، بكل أرضيتها – إن صحت الكلمة – وانفصالها عن الرؤى أو التشظيات الشعرية أو شبه السيريالية هي التي تكون كتلة النصر الذي أجد أنه يخالف اتجاه الكتاب عامة فهو الاستثناء الوحيد على أكثر من مستوى – في هذا الكتاب وهو نص «ثلاثة عصافير خضراء» الذي يتفرد بشيئين ، واقعيته الأرضية الصريحة ، من ناحية ، على طول القصة ، ثم كسر هذه الواقعية بإيماءة – مجرد إيماءة – تنتمي الى عائم السحرية والفانتازيا، دون إفصاح، دون تقرير، بل يكاد، يكون ذلك دون أية إشارة .

هنا نجد لأول وآخر مرة في هذا الكتاب شخوصا لهم أسماء، وحرف محددة ، كما نجد وقائع واضحة ،وطريقة في الحكي مألوفة ومجربة ومحنكة ، كل ذلك يسير على سنن مطروقة بل عادية «قرأناها وشهدناهاالف مرة، حتى الفقرة الأخيرة التي تحكي عن «الشي الغريب»

هنا نجد الأسطى عبده الأيمجي، وابنه الولد أسعد، والمخبر الذي اسمه مختار الملقب بالونش، والدسوقي المخبر، والبيه ضابط المباحث ، والبيه المأمور، والحناوي المرشد، كما نجد حمادة البقال ، والولد حسونة التخين ابن الشهاري بائع السمك ، وحسن البيسي ماسح الأحذية وزوجته زوبة التمورجية، وحسن مرجان الكاتب العمومي، كما نجد أهل الحارة ، موقع الأحداث، مع القسم ، ومقهى «بصل» وهكذا وهكذا، بالتفصيل الواضح .

وهنا – كالمعتاد في قصص لا نهاية لها مكتوبة ومعاشة، ومرئية في أفلام ومسرحيات كثيرة – يضرب الواد ماسح الأحذية فيجن ويحال للمروستان ، ويضرب الولد أسعد – دون ذنب – ويمتهن ، وهو الولد الخجول كالبنات ، الذي يذاكر في كتابه امام دكان أبيه ، الذي يمض أيامه في حاله ، هادئا لا به ولا عليه، وبعد أن تقع على الواد أسعد محنة الضرب والامتهان ، يختفي. ولكن العصفورين الأخضرين في القفص المعلق أعلى باب الدكان قد صارا ثلاثة عصافير لا يعرف أهل الحارة من أين ومتى جاء العصفور الثالث . وفي صباحات وأماس عديدة سمع صوت شقشقة كالأنين، أنين طويل شجي في صباحات وأماسي حارتنا «ص 41».

اختفى الولد أسعد إذن، وظهر العصفور الثالث الفنتازي الغريب، أفلت الولد أسعد من قفص الواقع إذن بالدخول في قفص الفانتازيا. لكن الكاتب يومي، الى ذلك مجرد إيماء،  ولا يقوله .

إذا كان الإفلات من عالم القهر في هذه القصة يأتي عن طريق الجنون، عند حسن البيسي ماسح الأحذية ، أو عن طريق الفانتازيا اذ يستحيل الإنسان الطيب المقهور الى عصفور أخضر من « عصافير الجنة» الفانتازية، فقد شهدنا الرد على قهر العالم عند البكاء في الحلم (موج ) أو الصراخ (عرائس من ورق) أو الجنون المهدر والإيروطيقية المهددة (حفرة) أو الجنون خروجا من استحالة الحب (وجوه) او الجموح العارم (حصان) أو الصعود الذي هو سقوط حر في تفتحا وانفساح (سقوط حر) كما سوف نراه في تعدد الاحتمالات ووضع هذا الواقع نفسه موضع الشك (لعلهم) أو في لمحة صفو من التضامن الأخوي بين الناس الغرباء (مسافة) أو في الضحك (مواجهة) أو في صرخة احتجاج مرة اخرى، ولكنها هذه المرة احتجاج على جرح لا يبرأ (جرح).

فكأن الكتاب كله كتاب الرد على قهر كامن وأصيل في عالم هش وثقيل الوطأة في آن معا، ليس القهر مسلمة نهائية – مع وجوده بل رزوحه بالتأكيد – لكن هناك دائما رد عليه ، من غير استسلام .

إن صيغة الاحتمال الدائمة ، الموضوعة باستمرار أمام العدوان ، هي أحد الردود التي نجدها في قصة «لعلهم»، «لعل» وحدها توحي بالتشكك والاسترابة وعدم الاستكانة الى قرار.

ولكن من هم الذين تقع عليهم شباك الاحتمالات واسعة الخروم الواهية تلك؟ من هم الذين لعلهم يأتون، أو لا يأتون ؟

هل هم – أيضا – كائنات فانتازية ، مع كل تفصيلات مجيئهم – المحتمل أو عدم مجيئهم – المحتمل . في العربة الدودج القديمة ، وطريق دخولهم وسيرهم في البلد، وجلوسهم على المقهى، أو وقوفهم أمام المبنى الخرساني غير المكتمل (فكل شيء هنا غير مكتمل)، وهل هم معادون أم أصدقاء؟ هل اتجاههم الى البيت بمقصد عدواني أم لتجميع ما تبعثر من زمن؟

لا إجابة ، كما نتوقع، لأن الاحتمالات كثيرة وغير محسومة .

ولكن هذه الكائنات غير المسماة هي كائنات العدوان غير المبررة، وغير المفسرة في قصة «مواجهة» فهل هم أنفسهم الذين «اقتحموا الباب وهاجموه بالسكاكين» في قصة «مسافة»؟ هل هم الذين اقتحموا الشقة الآمنة – التي كانت آمنة – بمطاوي قرن الغزال أو بالعصي العادية ، أو بها جميعا، «يتحلقون حولها في دائرة» في قصة «حفرة»؟ أم هم أنفسهم الذين «ذبحوها في مقاعد الحفلة الأخيرة» في قصة «سقوط حر»؟ وأخيرا هل هم أنفسهم الذين «أسقطوه فوق البلاط، وداسوا على بطنه ، وانطلقوا الى الحجرات يكسرون ويفتشون »؟ في «جرح» وهل هو جرح قديم من فعلهم أم جرح آخر، من عدوان آخر، ذلك الجرح الذي لا يرد عليه الا بأنه «مستغرق في الضحك»؟ أو بأن يكشف عنه صارخا: «هل رأيتم»؟.

لكنهم في النهاية ، «ديخرجون واحدا واحدا».

هل انهزموا؟ هل انجابت غاشيتهم؟ أم أنهم خرجوا، واحدا واحدا، لكي يعودوا من جديد؟.

لا إجابة كما أصبحنا نتوقع من كل أساليب ورؤى القص الحداثي الآن .

في خلال تطوافنا بهذا العالم القصصي لم يكن من الممكن أن تفوتنا تلك التيمات المترددة فيه باستمرار الى جانب تيمة القمع أو القهر الرازح ، والرد عليه ، كل مرة ، بطريقة أو بأخرى، فإن هذا العالم ، كما رأينا، مغلق أصم وصامت مقفل مسدود، الأبواب تصطفق كلها في وجهه (ص 14).

وهو عالم – كأقل ما يقال – غير نظيف ، رائحة البول تهب بها الريح ، والقطط تعبث بأكوام الزبالة ، والماعز تجري صوب أكوام القمامة (ص 13) ورائحة عفنة تفوح من بين الفخذين (ص 50).

وفي مواجهة هذا الانسداد والانغلاق والصد، في مواجهة هذه القذارة والنفايات والروائح العطنة هناك العري – شفرة للتطهر والنقاء، «حلمت أنك كنت عارية أمام مرآة» (ص 9). «وقف عاريا تحت مياه الدش الباردة» (ص 17) أو «وقف عاريا حافيا فوق بلاط الصالة» ( ص 53) أو «وقف عريانا خفيفا» إذ «رأى السماء تنفتح» (ص 33).

ان ما يستدعي مثل هذه التأويلات – بالضرورة – هو في تصوري وجازة تلك النصوص ، مما يعني أنها محملة – وأحيانا مثقلة – بالإيماءات المتضمنة والاشارات المقنعة ، فلسنا هنا بإزاء حدوتة تفسر نفسها بنفسها أو حكاية لا حاجة بها للتأويل ، بل نحن بإزاء نصوص تحمل شحنة من التأثير مباشرة أو حميمة دون ضرورة للفهم – بالمعنى التقليدي المنطقي للفهم – ولكنها أيضا، بمجرد وجازتها واستعصائها على نقل «معنى» مباشر تدعوك للتأمل ولأن تجد – على الفور تقريبا – مفاتيح للتأويل ، وقد لا يكون هذا التأويل بالضرورة نهائيا وقاطعا ومغلقا على ذاته ومدورا باحكام شأنه في ذلك شأن النص نفسه – ولكنه يقوم مقام قراءة قد تكون أعون على تذوق النص ومماسته ، إذ أن شعرية هذه النصوص تتطلب معاودة قراءتها ومعاودة معايشتها، لا أظنها تستنفد بمجرد قراءة – يعني مطالعة – أولى تمر على سطح النص مرورا عابرا عرضيا.

إن هذه الوجازة القائمة على حذف مقصود أو  ملهم سواء، هي من سمات الغالب المتميز من قص الثمانينات وما بعدها، باعتبار هذا القص ظاهرة فرعية ، أو موجة في تيار متدافع الأمواج من ظاهرة الحساسية الجديدة التي قطعت أوامرها، أسلوبيا ورؤيويا، مع تقنيات ومضامين حساسية تقليدية سادت المشهد القصصي والروائي حتى بداية أو منتصف الستينات إذ قامت بنقلة حاسمة في ذلك المجال ، (تبعها الشعر في السبعينات ولا أريد – مرة أخرى ولا نهائية – أن أكرس التقسيم العقدي العشري للظواهر الأدبية فذلك مجرد مصطلح شائع يتعدى التقسيمات السنوية العددية الى محاولة رصد ظواهر كلية متماوجة ومتمازجة . ومتعدية ومتحدية، الأطر والحواجز سابقة التجهيز.

الوجازة عند أحمد زغلول المشيطي إذ تقوم ، إذن على الحذف ، والاستهانة بالتسلسل الزمني «الاقليدي» (إن صحت الاستعارة) ونفي التعليلات والتفسيرات المباشرة اجتماعية كانت أو نفسية أو حتى فلسفية ، وجازة شعرية أساسا يمكن أن نتبين فيها خصيصتين أساسيتين : الإيروطيقية المتضمنة المقنعة ، فا لرؤية هنا شهوية وجسدانية ، لكنها أميل الى تجريد غير حسي وغير عضوي في الغالب ، وهي الإيروطيقية التي يواجه النص بها قهر العالم وشراسته وقذارته، إيروطيقية تتبدى في الحلم ، وفي العري، وفي التطهر الطقسي تقريبا، كل ذلك بلمسات فرشاة سريعة ، قد تكون عجينتها كثيفة لكن ضرباتها خاطفة ومساحة رقعتها أو بقعتها – محدودة غير منداحة ، ليست فيها فرشاة الألوان العريضة .

ومن الممكن أن نرى، أو نلمس ، حس الفجيعة واللوعة هنا، طافيا على السطح ونفاذا، أما عند عبدالحكيم حيدر – وهو منحاز للوجازة النصية – فإن ذلك الحس نفسه ترده عين صاحية ، في حيادية أكثر، أما عند يحيى الطاهر عبدالله فان الشعرية فيه أغلب، وعند محمد المخزنجي نجد التجريد أكبر.

وصحيح أن أحمد زغلول المشيطي يتراوح أسلوبه بين الحيادية والتورط ، ولكننا عنده نجد – أكثر مما نجد عند غيره من أصحاب النص الوجيز- طبقتين واضحتين ،على الأقل ، كما أسلفت ، هما المكتوم المكبوت من ناحية ، والسافر المعلن من ناحية أخرى.

إن الحبكة المتواترة في هذه القصص – إذا أعطينا «الحبكة» معنى خاصا مخالفا تماما للحبكة القصصية التقليدية القائمة على التشويق ثم لحظة التنوير النهائية الى آخر هذه التقنية التي أظنها قد استنفدت إمكاناتها تماما – هي حبكة علاقة غير مفسرة وغير موضوعة في سياق اجتماعي أو نفسي محدد الملامح ، بين رجل وامرأة ، مهددين ، أو محبوطين ، أو مضروبين بالفعل ، فهي دائما علاقة حزينة مؤلمة حينا وفاجعة حينا آخر، هناك الحزن الصغير على الضفة الأخرى للنهر، أو على الضفة الأخرى لعلاقة حب حلمي بين رجل وامرأة في عالم مغلق (موج) وهناك هجران أو خذلان أو صد غير مفسر في (عرائس من ورق)، وهناك تهديد بالقتل في صمت يبدو لا نهائيا (حفرة) وهناك أيد ناهشة تنتزع اللحم من ظهر حبيبة قالت لرجلها أحبك ، وانكمشت في صدره المفتوح (وجوه) وهناك البنت المنتهكة (هل هي مومس ، ضحية مقهورة) التي تذبح عارية وتصرخ كبقرة فوق بلاط الترسو في صالة السينما المظلمة، والرجل يقف لا يعرف ماذا يفعل ، إلا أنه يصعد جبلا من حجارة سوف يسقط منه في حركة تجمع بين الصعود والهبوط (سقوط حر) وهكذا تتنوع تجليات تلك الحبكة في النصوص جميعا، فيما عدا القصة الاستثناء التي تعرف والتي نفتقد فيها تلك الحبكة القائمة على علاقة بين رجل وامرأة ، لتحل محلها حبكة تقليدية قائمة على القمع البوليسي وتنحل العقدة بالمخرج الفانتازي الذي يشقشق كأنما يند عنه أنين طويل وشجي.

تتراوح بنية هذه النصوص بين منهج «القصة – القصيدة» كأوضح ما يكون في ثلاثة نصوص هي «موج» و«حصان» و «لعلهم»، وإن كانت الشعرية تتخلل بل تسري في النصوص جميعا، بقدر يقل أو يكثر، اللهم إلا في ذلك الاستثناء الوحيد «ثلاثة عصافير خضراء» الذي تفجؤنا شعريته الفانتازية في فقرته الأخيرة وحدها، وبين منهج القصة السردية الحداثية التكوين .

أما في تلك القصص القصائد الثلاث المتميزة فان الإيقاع الشعري أفعل وأنفذ، سواء كان ذلك في تركيب الجملة ، وتتابع الجمل، وموسيقية تقطيع الحدث النص. الذي يطل مع ذلك سرديا ولا ينتهي الى شعرية صرف بحتة ، أي يطل السرد فيه أوليا وليس الإيقاع .

أما سائر النصوص فهي في تقديري قصص كاملة بحقها، لا بمعنى مسبق مألوف ، بل في سياق الحداثة القصصية (اذا سمحنا لكلمة الحداثة هذه أن تتخذ دلالة واسعة وغير مصطلحية بالضرورة ).

ومن ثم ففضلأ عن الخصائص التي ألمحت اليها فلعل من المجدي – جماليا – أن نتأمل ، لحظة في استخدام الكاتب لضمائر القص . (نعم إن الجمالية مجدية وإن كان ذلك بغير المعنى البراجماتي الضيق !).

إن غالب القصص تأتي على لسان راوية يتحدث عن مروي عنك ، بضمين الغائب المفرد: «هو»، باستثناء حالتين ففي «وجوه» يأتي ضمير المخاطب المفرد: و«أنت هناك» أما في «سقوط حر» فإن ضميري الغائب والمتكلم يأتيان في تموج متصل .

ولكنني أرى أن استخدام ضمير الغائب ليس إلا قناعا شفيقا أو حيلة لا تكاد تنطلي على أحد، إن «هو» في تلك النصوص كلها إنما هو «أنا»، هو ضمير المتكلم دائما، لأنه مستبطن ، لأنه داخلي يتخذ هيئة الخارجي، وهو مع أنا مستبطن وجواني ليس فيه ما يقترن عادة بتيار الوعي الشهير من تهويمات معقلنة أو عفوية (إن كان في الفن عفوية على الإطلاق، وهو مشكوك فيه جدا على الأقل )، وليست فيه حرارة اللصوق بالذات وتورط الغوص في دخائلها. كأن هنا حيادا للذات عن الذات نفسها ، وانفصالا عنها، وتجريدا لها، وكأن الذات تتخذ على الرغم منها بعض سمات العالم الخارجي، كما تتخذ الضحية أحيانا بعض ملامح الجلاد، ولكن الذات هنا مع ذلك تتخلى عن ثقلها، وتركن الى نوع من الهشاشة التي في عرائس الورق ، لأن العالم هنا، هش بلاستيكي، على الرغم من أنا عالم القهر الرازح .

هذا كاتب متمكن وقدير، قد استطاع أن يطوع اداته لرؤيته تطويعا نفاذا وملهما.
 
 
ادوار الخراط (روائي وناقد مصري)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …