على بعد انتظارٍ وآخر

للمأربية .. منذ صار أبي جديراً بالرحيلِ إلى قتالٍ طارئٍ
لمْ يرجعِ الباقون حتى الآن،
 لكنّي سأذكرُ -بالنيابة عنه- كيف التفّ حولَ يقينِها العاجيِّ
حاوَلَ أنْ يقولَ «اخترتُ….»
لمْ تمهلْهُ طلقةُ بندقيتهِ الأخيرةُ، وهي تعْبُرُ طائشاً سمّاهُ قلْبَهْ
أهداهُ -حسب الشائعات- لها، فلم أحزنْ، وكذّبْتُ البقيّةَ..
غيرَ أني قلتُ: لم تمهلْهُ ماذا اختارَ..
فالتفتَتْ لأسكتَ ، ثم كان الليلُ.
هل أحرى بقارئتي الوحيدةِ أنْ تُعيدَ -نيابةً عني وعنه-
قصيدةً ستطولُ،
 هذا ما أحاولُ أجتديهِ الآنَ
لكنّا اتّفقنا -منذ صار أبي جديراً بانتظار المأربية-
  أنْ نواربَ خلف هذا البابِ، حتى يرجعَ الباقون.
قارئتي الوحيدةُ لم تكن أنثى ولن،
أدري بهذا إذ أكون قد اقتربْتُ من القصيدة
أو كما قد يفعل الشعراء أحياناً بقارئهم,,
وأدري أنها لا شيءَ يعنيها، لأسألَ:
أيّ شيءٍ لم يرُقْكِ: قصيدتي؟ الليلُ؟ انتظارُ المأربيةِ؟
كلّ هذا الحشوِ إنْ لم يستحقّكِ فاتركيه..
ومرةً حاولْتُ، أذكرُ حينها ما كان منْ أمرِ المحاولةِ..
اغربوا عن وجهها يا أيها الشعراءُ
مرهقةٌ كقارئتي هيَ الأرضُ، اغربوا
 كي نستريحَ ويرجعَ الباقون!
كان أبي جديراً…
ثم لا أدري،، الحكايةُ ربما لم تكتمل
أو لم تقُلْ شيئاً أكيداً بعدُ،
 ولأكتبْ:
«يدٌ لا تستطيع خليقةٌ بالشِّعر»
 أبدأُ هكذا
لا بأس فيما سوف أسرُدُ حينها
للمأربية من حماقاتٍ ستغفرُها وأكثر..
«ثم كان البدءُ.. باسمِ المأربيةِ  كان يا ما كان»
قارئتي ستلعنُ باسمِ كلِّ نساءِ هذا العالمِ
–         استسلمْنَ طوعاً للحداثيّين-
 فكرةَ أنها امرأةٌ سواهنّ اكتفتْ بقصيدةٍ لن تنتهي..
 
هيَ لم تكنْ أنثى
تماماً منذ صار أبي جديراً بالرحيل سألْتُها
هل تستحقّين الذي لا أستحق الآنَ؟
لم تترُكْ طفولتَها سريعاً مثلما هي عادةُ الإغواءِ،
آثرَتِ الحديثَ -ولو قليلاً- عن يدينِ ستكبرانِ وتقطفانِ الوردَ
قلْتُ لِمَنْ
والمأربيةُ حوصِرَتْ
وأبي هناك يقاتلُ الغرباءَ عنها
ثم قد لا يرجعُ الباقون، فاقتربي لنلحقَ بالنضالِ الفذِّ
فاقتربَتْ بعيداً
مرّتِ الذكرى 
وجاء العامُ تلوَ العامِ وهْيَ هناك لم تبرحْ طفولتَها
ولم أبرحْ سؤاليَ
صار أشبهَ ما يكون بنا معاً
هذا السؤالُ هناك حيث تسمرتْ في الدرب أولُ خطوِنا
 
للمأربية..
ريثما ستعودُ قارئتي وقد خلعَتْ طفولتها
  أكون قدِ انتهيتُ من التفاصيلِ المملةِ من كتاب المأربية.
لن نواربَ خلفَ هذا البابِ أكثرَ
كلُّ شيءٍ جاهزٌ
فَدَنَتْ -كما يبدو- لنلحقَ بالنضالِ،
كأنها ستقولُ شيئاً ما
ولكن «هل يداكِ يداكِ؟؟»
فانطفأ السؤالُ كأنه الذنْبُ، انطفأْتُ أنا
كشيءٍ زاد عن حاجاتِ هذا الصمت
وفاتَ أوانُ أنْ أتدارَكَ الأشياءَ وهي تفرُّ من حولي 
«الأوانُ يفوتُ دوما»ً
هكذا قالت..
 
سأذكر بعدَها أنّ الهلاليّين مرّوا من أمامي مسرعين إلى بطوليّاتهم
يتناخبون النصرَ،
مرّوا مسرعين فلم يروني
ربما لم يأبهوا بقصيدتي حتّى
وأنّا داهمتْنا حكمةُ القدماء «لا تثِقوا بدربٍ واحدٍ»
فمضتْ دروبٌ تستعيرُ طريقةً في السير تشبهنا تماماً
حين ضيّعْنا الخطى.
ولسوف أذكر أنّ عودَ ثقابٍ اتّقدتْهُ
سوف يكون آخرَ ما سأذكر عن يدين ستكبران وتقطفان الورد.
قارئتي ستمعِنُ في التلاشي
كلما أمعنْتُ في المعنى
ولحظةَ قلتُ أوشكنا
التفَتُّ فلم أجد شيئا.
وللقدماء حكمتُهم
هنالك عند قارعةِ الطريقِ، ولي بأني شاحبٌ كالعريِ
خنتُ دمي
وخنتُ اللهَ والأشياءَ حولي
خنتُ قارئتي
وأسلمْتُ الخطى للمأربية.
 
 
كان قبرُ أبي على بعدِ انتظارٍٍ في القصيدة أو أقلَّ
هتفْتُ :
لن آوي إلى وطنٍ ليعصمني من الوطنِ،
 التجأْتُ ومأربيته إلى الكُهّانِ:
ماذا قد يقول أبي
وقد رجعتَْ قوافلُنا بدون أبي
وكيف يموت من رحلوا
ولم يتحمّلوا أوجاعَهم معهم
ولا قالوا وداعاً
كيف هاجَ على لسانِهِم المخاضُ
وكيف أقفرَتِ الوصيةُ قبل أن يَعِدوا بطلقٍ واضحٍ
هم حين راحوا واثقين بنصرهم
 تركوا هزيمتَهم معلقةً على الأبوابِ
قالوا سوف نرجعُ ، وحدهُنَّ عجائزُ الحيِّ التحفْنَ بكاءَهُنَّ
ورحْنَ في صمتٍ ينحْنَ على فراش الموت.
 من قالوا سنرجع لم يعودوا أيّها الكُهّان
جمهوريّةٌ هِيَ، قيل لي
فعلام هذا الإنطفاءُ المرُّ في عينيكَ يا «صرواح»*
أم أصبحْتَ وحدك في النضال وفي القضية..؟
قيل لي :
كانت جراحُ «القردعيّ»* تنمّ عن وطنٍ وذاكرةٍ وأكثرَ،
هل صحيحٌ ما تقول الأمهاتُ على لسان الذاهبين
 ولم يعودوا بعدُ حتى الآن
عن شهداءَ ما زالوا هنالك في مكانٍ ما
وأنهمُ ارتعاشتُنا مع المطَرِ،
التفاتتُنا إلى الزهَرِ،
المسافاتُ الخِصابُ،
الغيمةُ، الخبزُ، الثيابُ المدرسيُّ، الفسحةُ، الإغفاءةُ،
 الدرسُ، الحكايا، الأغنياتُ…
وأنّهمْ هُمْ
ما تزال خطاهم الأولى تحفّ
كأنها أجراسُ ماءٍ في ضمير الصخر.
قد تكفي القصيدةُ، وهي تُلقى دونما خوفٍ ولا وجلٍ
ولا أيدٍ تصفّقُ كي يهبّوا دفعةً من كلِّ شيءٍ
واثقين بنصرِهم.
 
للمأربية..
هذاْ قبرُ أبي على بعدِ انتظارٍ منكِ، يصلح لانتظارٍ آخرَ
اقتربي أوِ ابتعدي
معادلةً أوِ امرأةً
مدائنَ أو نساءً كنتِ
يا لِسذاجةِ العُشّاقِ لحظةَ لا تكونُ سِواكِ ليلاهُمْ
ويا لكِ
كلما اقترفوكِ ذاكرةً وأجيالاً صبوْتِ كبائعاتِ هوىً
ونهدْتِ أكثرَ، أكثرَ:
امرأةٌ بفائضِ شهوةٍ  ودمٍ  تجيد البذلَ والإرداءَ،
أتفهُ من سذاجةِ عاشقِيكِ يدٌ تحاولُ أنْ تؤثِّثَ حتفَها
بقصيدةٍ لن تنتهي
إلا إلى حتْفٍ أخيرٍ فيكِ، يا امرأةً من القتلى
ويا مرضاً توارثْناهُ كالأحقادِ جيلاً بعد آخرَ،
منذ لا أدري
وأنتِ هناك تحترفين عُرْيَك
مرةً وطناً
ومراتٍ سريراً جاهزاً  للوطْءِ
كم قبرٍ تزوّجَ منكِ حتى الآن
قبرٌ واحدٌ يكفي
لأصرخَ: لن أكونَ أنا الوحيدَ
ولستُ أولَ من يخون أباه فيك..
وأنتِ أنتِ!
أكان حقّاً
أنكِ اللغةُ التي لا تستحقٌّ الفضحَ
هاأنذا اقترفْتُكِ فكرةً
ونسيتُ حتى كيف أبدأُها
ولا كيف انتهيتُ بها
هباءً أم قصيدة..

• صرواح : جبل يقع في محافظة مأرب
• الشهيد علي ناصر القردعي: أحد ثوار ثورة 48م تولى قتل الإمام يحيى وأعدم في سجن حجة.

نشوان محسن دماج
شاعر من اليمن   

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …