أخبار عاجلة

غفوة … تكفي

– أنا لا أطمع بالكثير.. هي أشياء صغيرة ، ولكنها تعني الكثير لي .. كنت أريده أن يرش رمل أيامي المالح بحلو الفرح .. وان يسند تعبي على زنده .. فقط ، هذا ما كنت أريده .. وهذا ما كنت أود أن أقول له حين جمعتنا جدران غرفة واحدة .. ولكنه غيبني بصمته .. وغاب عني!

كانت هي والطفلة مسجيتان في أرض الغرفة التي تفوح برائحة الرطوبة كنخلتين زهدهما صاحبهما فتضاءلت احداهما ونخرت الثانية . كانت الطفلة صغيرة ، ساكنة الى أقاصي السكون ، لا يتحرك فيها الا عينان مدورتان حائرتان . وكانت هي جسدا عصر بأيد حديدية ، ويدا ما أن ترتفع حتى يسقطها الوهن ، ووجها أصفر بعينين صغيرتين غائرتين ، يزيد في غورهما عظام وجنتين حاد البروز.

كان الضوء في الغرفة باهتا ، يتهدل من مصباح اسودت زجاجته ، وكان يبدو المصباح وهو مشنوق على الجدار المتهالك كأنه والجدار وجدا معا منذ اول ما وجدا.

خصلا كان الضوء يمر عبر فضاء الغرفة ، تمشطها نسمة ليل باردة ، تدخل من نافذة يتيمة ضاقت حتى كادت تصبح كوة ، كأنها في الأصل وجدت لتدل أن هذا0المكان بيت وليس قبرا. كانت الغرفة بما تحوي وما لا تحوي بائسة ، وكانت وهي تثرثر مع نفسها تحاول أن تبعث دهاء في عروق الغرفة .

– آه لو أنك تتكلمين .. لكنت شاركتني تحطيم صمت هذا الليل .. ولكنك لا تفعلين .. عيناك تحيطانني بدفء أفهم معناه .. ولكني كلما حدقت فيهما رأيت بؤسي ! آه ايتها المسكينة .

مدت نظرها بعيدا لدقائق ، ثم لاح على وجهها وميض من وجد ضالته .

– اسمعي .. سأحكي لك حكاية .. ولكن خابية الحكايات خوت .. لقد قصصتها عليك جميعها.. ابتداء من قصة الشاطر حسن ، وانتهاء بقصة نص نصيص .. أعجبتك قصة نص نصيص أليس كذلك ؟؟ قرأت ذلك في قسمات وجهك .. سأحكي لك حكايتي أنا..أنت تعرفين الكثير منها. ولكني سأفردها كلها بين يديك الليلة .

بدت عليها سمات قوة ، ونزت من جبينها حبيبات عرق تركتها تسح على الوسادة الموسخة .

– سأقرأ لك دفتر أيامي من الألف الى الياء.. الألف فيه يوم ولدتني أمي.. يوم امتزج صراخي بصراخ آخر.. في ذلك اليوم بدأت الأقدار لعبتها معي.. ماتت أمي.

سمت قليلا ثم قالت وهي ترخي لنظرها الحبل ليمتد ابعد:

–   ومضت أيامي وخيط من الشقاء يصل اليوم باليوم . لقد وزع كنزه الجمال وتجاهلني.. وزعت ثروتها السعادة ونسيتني.. كان ما يسمونه فرحا يمر كالبرق في تعرجات حياتي.. ولم يكن يمهلني حتى لأفرح بمروره ولو كالبرق … لقد عريت من طفولتي يوم عريت من أمي!

وعدا بي مهر الأسى.. ومر بي على محطة زوجة الأب .. وصار يسابق عمري.. ومر بي على محطات زوجات الأخوة .. كانت محطاتي كلها بلا مستقبلين ! وأوصلني الى محطة ظننت فيها الخلاص .. محطة فيها أبوك .. ظننت حين أقبل أن الدنيا أقبلت معه بابتسامتها، وألقها وبهائها.. فتحت صدري ، ومددت يدي لمصافحتها .. ولكنها كانت تخبي، لي الدموع في كفها!

كان صوتها قد بدأ يخفت شيئا فشيئا حتى انطفأ.. فخرج من الصغيرة صوت يشبه كل شيء الا

الكلام !

– تريدينني أن أكمل .. حسنا يا عزيزتي .. أنت لا تعرفين الكثير عن تفاصيل قصتي مع أبيك – تنهدت بألم ثم أردفت – يوم أقبل أبوك رقصت السعادة في قلبي المعتق بالحزن ، وعلا صدى زغاريدها.. هرولت الى مرآتي.. أخرجت لها لساني أنا هذه المرة .. مازلت جميلة .. مازال العرسان يطرقون بابي.. مازال في الأمل رمق . لوت مرآتي شفتيها وتبسمت ابتسامة غريبة لم أدرك كنهها حينذاك .. ولكني أشحت عنها نظري وتفكيري.

كنت أريد أن أزج الماضي بمرارته في صندوق ، أقفله وأرميه في غياهب البحر.. كنت أريد للضحكة أن تدخل حياتي، تجتث الألم وتزرع الأماني.. لكن الضحكة كانت كطفل لم يكتمل نموه .. لقد خرت صريعة ضعفها!

مسحت دمعها بظاهر كفها فيما كانت تغشاها الصغيرة بنظرة رثاء .. وكان الهواء يرتطم بأغصان السرو في الخارج فيحدث صوتا كناي ينوح .

– افترقنا على حافة الندم .. ولكنه قبل أن يفارقني كان قد زرعك في أحشائي، فولدتك بعد تسعة أشهر طفلة .. معاقة .

كانت النظرة الحزينة قد بدأت تنزف على وجه الصغيرة .

– أنا لم أكن أدري حقيقة مشاعره نحو زوجته السابقة .

حين أقبل وأمه يخطبانني ، قالت أمه "انه لا يحبها. إنها امرأة وأدت معاني الحب والعفاف والطهر»، وهو لم يقل شيئا، وأنا لم أفتش في كلامها.. كانت السعادة تطير بي بعيدا عن مستوى الرؤية .

أخبرني صمته الساخن يوم جمعتنا جدران غرفة واحدة أن حبها قد ملكه ، وان تسلط امه وضعفه اجبراه على طلاقها، وحين جاء يخطبني لم يكن يسوقه الا هما. ولكنه تسلق جذع ضعفه ، وقفز الى نهر حبه ، فطلقني وعاد اليها.

أخذت الصغيرة تغوص بنظرتها الشفوقة فيها، وكانت الريح في الخارج قد بدأت تشتد ويصدر عنها صوت جنائزي.

وقالت هي بصوت ينتحب

–   ضاقت علي الحياة واتسع أفق مأساتي.. العذاب مصلوب في صدري .. لا مناص ! .. حين غادرني أبوك أقبل السرطان ، ولو كان في السرطان خير ما اقترب مني، ولا عشق دمي، كلهم تخلوا عني، فلماذا هو يقيم معي؟

وأردفت وهي تمضغ الياس :

– يقولون صبرا ؟ (صبرت صبر الخشب تحت الماشير )*….يقولون أملا؟ ….أشعلت الأمل حتى آخر عود …ولكن عبث … كل ما أقوم به عبث .. كلما شرعت قلبي وقف النواح بالباب ..لماذا الدموع  خبز يومي ؟..لماذا لا تنام هذه  الظلمة ؟ فغفوة صغيرة تكفي لأعدو الى نهار الأغنيات .. أنا لا أطمع بالكثير .. حتى شعري الأبيض أخصبه من جروحي .. ولم أكن أريد منه الكثير ..حتى لو عاد إليها.. انا لا أمانع . كل ما أريده أن يسند تعبي على زنده .. فقط.
 
انتصار السعدي(قاصة من الامارات العربية المتحدة)

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …