فرانسيسكو برينيس الحائز على جائزة سرفانتس تمضي أعماله من الجسدي للمتافيزيقي متطلعًا للتفرد والخلود

ترجمة وتقديم: خالد الريسوني

في الثامنة والثمانين ما يزال الشاعر فرانسيسكو برينيس يستقطب القراء والمعجبين بشعره؛ بل ويحصد الجوائز، فقد نال خلال الأيام القليلة الماضية جائزة سيرفانتس لعام 2020، أهم جائزة للآداب في اللغة الإسبانية، التي تمنحها وزارة الثقافة الإسبانية. ويعدّ برينيس (أوليفا، بلنسية، 1932) أصغر شعراء الجيل الخمسينيّ، شاعر البوح الشفيف والحميمي بامتياز خلافًا لكثيرين من شعراء جيله. في تقديم لباكو برينيس قالوا عنه إنه «سيد الشعر الإسباني الحالي، وأستاذ نال الاعتراف من قبل كل الأجيال التي أعقبته»، وتتميز أعماله الشعرية بأنها «تمضي من الجسدي إلى الميتافيزيقي والروحي»، مؤكدة «تطلّعه إلى الجمال والتفرّد والخلود».
لقد كرست جائزة سرفانتس مؤخرًا حضوره الشعريّ مقابل السردي، حيث خلّف برينيس في لائحة المتوَّجين شاعرين آخرين حصلا على الجائزة في دورتيها السابقتين: الشاعر الإسباني الكتلاني جوان مارغريت في 2019 والأروغوايانية إيدا فيتالي (2018). وقد تمّ أيضا كسر القاعدة والعرف غير المكتوب للمرة الثانية هذا القرن، في التناوب بين الفائزين الإسبان والأمريكيين اللاتينيين، إذ كانت إيدا فيتالي قد خلفت سيرخيو راميريث وكلاهما أمريكي لاتيني، والآن يخلف فرانسيسكو برينيس، جوان مارغريت وكلاهما إسباني.
ينتمي برينيس إلى ما يطلق عليه بجيل أطفال الحرب أو الجيل الخمسينيّ، الذي كانت الجماعة التي تشكله تشتمل أسماء أساسيّة في المشهد الشعري الإسباني، وهم بين آخرين: خوسيه أغوستين غويتيسولو، وخوسيه أنخيل بالينتي، وكلاوديو رودريغيث، وأنخيل غونثاليس، وخايمي خيل دي بييدما، وخوسيه مانويل كاباييرو بونالد، وكارلوس بارال… وهو عضو في الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية إذ يشغل المقعد X منذ عام 2006، وحاصل على دكتوراه فخرية من جامعة بوليتكنيكا ببلنسية، وسبق له أن كان قارئًا للأدب الإسباني في جامعة كامبريدج وأستاذًا للغة الإسبانية في جامعة أكسفورد.
يقدم الشاعر منذ ديوانه الأول «الجذوات» عالمه الشعري، أو لنقل تجليات شعرية العالم من خلال تلاشي الحياة التي تخضع لقوة الزمن العنيدة. ومن المثير للاهتمام أن الصوت السردي المهيمن في هذا الديوان هو صوت رجل عجوز يروي تجربته عن العالم. بهذا المعنى، فهو قريب في جوهره من ديوان «الساحل الأخير» (1995) فكل ديوان يمثّل عملية بحث مختلفة في التعبير، حيث يُترجم رصد تفاصيل الزمن حضور الموت. وهو ما اعتبره النقاد أقرب إلى كتابة «وصية أو وداع».
منذ وقت مبكر اعتبر الشاعر عمله مُغلقًا ونهائيا؛ فقد اعتاد أن يفصل إصدارات دواوينه بفترات زمنية طويلة، ولأنه يؤكد أن كل نصٍّ من نصوصه يبدو وكأنه تتويج ليس فقط بسبب تيماته؛ بل وأيضًا طريقته في التناول. يقول برينيس: «إن اعتبار عمل من أعمالي أقرب إلى الوصية والوداع ينسحب على كل دواويني الشعرية، بما في ذلك «الجذوات»، فالبطل الشعريّ لهذا العمل عجوز. وهكذا، كان بالإمكان أن يصير كتابي الأول هو الأخير أيضا، أي العمل الذي تركته مكتوبًا؛ لأن لحظة الوداع الحقيقيّ قد حلّت، كان سيكون الكتاب الأول هو الأخير، وحينئذ سيتم إغلاق الدائرة». وعلى هذا الأساس، تشكّل أعمال برينيس وحدة متكاملة فيما بينها، كل قصيدة وكل كتاب يعطي معنى للكتب الأخرى.
إن التيمة المهيمنة في أعمال الشاعر أساسا هي، التفكك التدريجي للحياة وللزمن، تمامًا مثلما يتلاشى الضوء مع مقدم الليل. المساء، وبعده الغسق، والجلاء المعتم، إنها الاستعارة الأساسية لهذه الصيرورة وتحديدا بسبب ذلك، فإن هذا الملمح حاسم في أعماله… هو شاعر رثائي بامتياز، وإن كان يتغنى بالحياة ويحتفي بها وبأضوائها أيضًا، احتفاء بالطبيعة وبالحرية وبالذاكرة وبالذكرى العاشقة، هكذا يكون جد قريب من وثنية شعراء مثل كافافيس، الذين يحتفون بعبق أزمنة أخرى، ويتعرفون عليها في الهواء بمجرد الانتهاء من القصيدة.
انتقل برينيس من التأمل الحسي إلى التأمل الفكري، مروراً بالسخرية. ربما صار شعره، الذي كان يتميّز بإيقاعات بطيئة الأشكال، بعدئذ وخاصة في «خريف الورود» و»الساحل الأخير»، أميل إلى الخفة في خطاب سريع ومحموم يعشق بشكل مطلق العالم ووروده المتألقة التي تستقطب الروح، معترفا بشكل معتدل بسحر الليل ووجوده.
لقد كان لبرينيس احتضان من قبل الجوائز الأدبية التي رافقته خلال مساره الأدبيّ منذ جائزة أدونيس التي افتتح بها حصاده عام 1959 عن ديوانه: «الجذوات»، جائزة النقد للشعر عن ديوانه: «كلمات في العتمة (1967)، وجائزة الأدب البلنسي (1967)، كما نال جائزة الشعر الوطنية عن: «خريف الورود» (1987)، وجائزة فاستينرات عن: «الساحل الأخير» (1998)، ثم الجائزة الوطنية للآداب الإسبانية (1999)، فجائزة فديريكو غارسيا لوركا للشعر (2007) وجائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيري الأمريكي (2010).
أصدر فرانسيسكو برينيس عام 2016 عملًا شعريًّا عنونه بـ: «حديقة غائمة»، وهو يشتمل على مختارات شعرية لأفضل قصائده إلى جانب قصائد أخرى غير منشورة، وفي 2017 «ما بين عدمين»، ويتضمن عشر قصائد غير منشورة، وأكثر من مائة قصيدة أخرى اختارها أصدقاؤه وقراؤه والدارسون العارفون بتجربته وأعماله.
وقد تشكلت لجنة التحكيم التي توّجته بجائزة سيرفانتس من رئيس الأكاديمية الملكية للغة الإسبانية، والفائزين الأخيرين بالجائزة: الشاعر جوان مارغريت 2020 والشاعرة إيدا فيتالي 2019، وتاتيانا ألفارادو تيودوريكا عضو الأكاديمية البوليفية للغة ممثلة لأكاديميات اللغة لأمريكا والفلبين، كما ضمت ممثلا عن الإدارة العامة للكتاب ودعم القراءة بإسبانيا، وممثلا عن فيدرالية عمداء الجامعات الإسبانية، وممثلا عن اتحاد جامعات أمريكا اللاتينية، وممثلين للصحافة الثقافية بإسبانيا وأمريكا اللاتينية، وممثلا عن الجمعية الدولية للهسبانيين، والمدير العام لمعهد سرفانتيس الشاعر لويس غارسيا مونتيرو.
من أعراف وتقاليد الجائزة أنها تسلم للفائز في 23 أبريل، اليوم العالمي للكتاب، التاريخ المفترض لوفاة ميغيل دي سرفانتس في قاعة الاحتفالات بجامعة «قلعة النهر» مسقط رأس مبدع الكيخوطي، علما بأن الجائزة الأخيرة لم تسلم بعد بسبب الوباء.
عن شعر برينيس ورحلة الوجود والمعرفة
يمكن قراءة شعر برينيس باعتباره رحلة الوجود ذهابًا وإيابًا، وتتضمن هذه الرحلة أساسًا التعرف على الأمكنة منذ مسقط الرأس ووصولًا إلى المدن المختلفة الكبرى، رحلة يتمّ عبرها اكتشاف معنى الحب، الحب كأسطورة يتم تمجيدها، وأيضا كسراب آسر، ينتهي به المطاف إلى الإخفاق والفشل والتلاشي، والنأي الذي ترسمه المسافة ثم الموت، وفي مواجهة الفراغ الذي يتركه الحب وآثاره العميقة تدنو الذات أكثر من حالات الإحساس بالعجز الذي يحدث كردة فعل، وتصير العودة إلى المكان الأصل استنجادا بالذاكرة وبالأسماء التي تحفظ طهرها ونقاءها، أسماء تتبدى في العديد القصائد بتواتر يجعلها ملجأً يحتمي به الشاعر من فظاعة الأشياء وتعفنها، هنا يصير زمن الطفولة ظلا وارفا. لكن الطفولة ليست فقط باعتبارها زمنا مميزًا لكونه يشكل انطباعات الذات الأولى والخالدة عن العالم، وبيتًا للبراءة وأصل النشوء في حماية أسرة متضامنة ومتكافلة، بل مكانًا يجعل الذات وأمكنتها أسطورة تتحدد بتلقي اسم إلكا المعادل لجنة فردوس، حيث يمتدّ كل شيء ويستديم في خلوده وهو يقاوم معنى الموت. مع تبدد الزمن يصير الفردوس المكاني أيضًا تحت أثر الظلال التي تجلبها الحياة، ولكن حتى كتابه «الساحل الأخير»، بقي الشاعر فرانسيسكو برينيس متمسّكًا بالوجود، الحصن الوحيد المتبقي الذي يجعل المرء يؤمن بأبديةٍ ما يحققها الشعر عبر الكلمات على الأقل، حتى وإن لم يحققها فعليا في الحياة.
تلك هي الضفّة التي يجنح إليها شعر فرانسيسكو برينيس في رحلته الأكثر تعقيدًا وألمًا، إنه بمعنى ما، يعلمنا الحياة مختزلة في هشاشة الحب وأشيائه الحميمة، ولهذا السبب بالذات، لا نُفاجأ من أن خيبة أمل توجد منبتة بشكل حيوي مبنيّ على أرضية تلك الهشاشة التي يمكن أن تقود في النهاية إلى الإحساس بالإخفاق وبخيبة أمل مطلقة، بل وحتى التأثير على الجذور العميقة للحياة ذاتها. ولهذا السبب بالتحديد تفقد مصداقيتها بشكل محزن. ومع ذلك، فثمة خيبات أمل هائلة وعميقة، قد تسهم في خلق صورة عدمية هادئة وخافتة الصوت، قد تنتهي إلى إصابة فردوس الطفولة الطاهر والنقي بلوثات تفسده كعالم يشيده الشاعر لتمكين الحلم وترسيخه كوجود. هذا لا يحدث طبعا، لكن من الجليّ أن اللحظة التي ترسخ الساحل الأخير كقمة تضعنا إزاء صراع بين الخلاص الكامل للطفولة وما يقتضيه الفردوس كتعبير عن ضمان السكينة ونعيم الخلود، وبين تلوث الوجود الروحي بخيبات الأمل، التي تأتي أحيانًا لتفسد تلك الأماكن المميزة بمراراتها. ثمة مقاومة حقيقية تمنح شعر برينيس مصداقية وأصالة أصيلين مع ما يتسبب فيه من تقلبات مستمرة ومتناقضة، مع تكريس لرؤى وعواطف الطفولة المتأبدة والخالدة، التي تتم استعادتها دائما بطريقة بارعة وآسرة وساحرة، وذات عمق إنساني.
رحلة الوجود هي بشكل ما رحلة المعرفة، والشعر باعتباره أداة لاستيعاب العالم والوجود يعتمد على الذاكرة وقدرتها الخارقة على الانتقاء ليشكل منها ثروته المتدفقة والزاخرة بالتجارب والتأملات الشعرية التي تشير إليها دائمًا لحظات الفرح الحميمة وخيبات الأمل والنسيان باعتبارها أداة لتحقيق التجاوز، عن سعادة مفقودة في رحلة السفر التي تبدأ بخطوة أولى منذ زمن الطفولة كمنطلق مليء بالصفاء والطهر والسكينة. كل رحلة هي مصدر للمحبة وللتأملات والذكريات، مع كون تأرجحها بين القتامة والصفاء؛ لكنّها دائما ستفشل في تعطيل قوة تجديد الذات لمسارات الحياة التي تمتلكها لأنها تفتح الأبواب على إمكانية استعادة حلم الفردوس المفقود، فردوس الطفولة المضيئة. حتى ولو كان ذلك مجرد انعكاس لوهم ما أو حلمٍ ما؛ لأن ذلك المكان والزمان المقدسان لا يزالان يحافظان على صورة مثالية للحياة، ولهذا السبب تحتوي الذاكرة دائما على أمل جديد ومخلص، بمعنى أنها تقدم على الأقل كمالًا طاهرًا ليس فنيًا ولكنه حيوي تمامًا. بعبارة أخرى، لا يتعلق الأمر باستعادة الحياة من خلال الشعر، الحياة كتحفة فنية يمكن جعلها مستديمة ومطلقة وحيوية من خلال الكلمات وهذا ما يحققه شعر فرانسيسكو برينيس في سفره منذ أول أعماله «الجذوات» وحتى آخرها «الساحل الأخير»، مع احتفاء خاص بالموت باعتباره حقيقة وجودية لا يمكن إلا أن تعمق اغتراب الذات وانكسارها التراجيدي على أرضية الواقع، في بداية الألفية الثانية سألت برينيس عن معنى هذا الحضور المبكر للموت في شعره، وهو بعد لم يتجاوز ربيعه العشرين، فكان جوابه: «منذ قبل ذلك، منذ أن كنت في سن الخامسة عشرة، في قصائد لم تنشر تغنيت بالموت، لقد كتبت وعمري سبع عشرة سنة قصيدة جسدت فيها مراحل العمر الثلاث: مرحلة عمري أي مرحلة الفتوة، ومرحلة النضج ثم مرحلة الشيخوخة، لقد كان الموت بالنسبة لي هاجسا متسلطا، وقد كان يتحقق هذا كلما انشغلت بكتابة الشعر، لكن ليس في حياتي اليومية، الآن صار حضور الموت في حياتي أكبر وأعمق لسبب بسيط جدا، أولا لأني لا أمتلك الآتي، الآتي بالنسبة لي هو حاضر ممتد ومتواصل ولا شيء أكثر، ولأن الكثيرين من حولي يموتون، وحين يموت شخص ما عزيز وقريب منك، من حيث الأثر المباشر، تموت أنت أيضا، وهذا شيء مستديم وثابت، وهو ما يتبقى…»

شاهد أيضاً

زغرودة من أجْل الحِكِمدَار

محمود قرني إنه يوم الجمعة الذي لا أحبُّ منه إلا صوت أمي أُهاتِفُها عادةً منتصف …