فريدريش نيتشه حب القدر هو جبلتي العميقة

1

سيكون المرء عادلا تجاه هذا الكتاب إذا ما كان يتألم لمصير الموسيقى تألمه من جرح مفتوح. ما الذي يؤلمني بالذات إن كنت متألما لمصير الموسيقى? يؤلمني تنكر الموسيقى لطابعها الإثباتي المشع , بحيث غدت موسيقى انحطاط وكفت عن كونها ناي ديونيزوس … وإذا ما كان للمرء إحساس تجاه قضية الموسيقى كما لو كانت قضيته الخاصة; أي كقصة معاناته, فإنه سيجد هذا المؤلف كثير المداراة ولينا فوق كل  الحدود .أن يظل  الواحد في مثل هذه الحالة مرحا وقادرا على السخرية من النفس بطيبة خاطر في الوقت الذي يستهزئ فيه بالآخرين – المصارحة بالحقيقة بفم ضاحك- ridendo dicere severum في حين تكون كل  أنواع الشدة مبررة بفعل الواقع المضحك (verum dicere)- فذلك هو عين الإنسانية. من يمكن أن يساوره شك  بالنهاية في مقدرتي, أنا المدفعي  العريق, على الخروج بعدة وعتاد من أسلحتي الثقيلة على فاغنر? … لقد احتفظت لنفسي بكل  ما هو حاسم في هذه القضية; فأنا قد أحببت فاغنر.- وبالنهاية هنالك, طبقا للمهمة التي أخذتها على عاتقي والطريق المتبعة في أدائها, هجوم على »مجهول« ماكر ليس لأحد سواي أن يتكه ن بهويته بسهولة -أوه, إن  لدي  عددا من »المجهولين« الذين علي  أن أكشف القناع عنهم غير هذا الـcagliostro الموسيقي. وأكثر من ذلك فأنا اريد في الحقيقة شن  هجوم على هذه الأمة الألمانية التي تزداد كل  يوم فتورا في مجال المسائل الفكرية وفقرا في الغرائز; أمة أكثر فأكثر استقامة, تتغذي من كل  المتناقضات بشهية متزايدة تحسد عليها, وتزدرد ,دون تمييز ودون أي  شعور بعسر هضم, »الإيمان« كما العلموية, »المحبة المسيحية« مع معاداة السامية, إرادة السيطرة (إرادة »الرايخ«) وévangile des humbles (إنجيل الضعفاء). هذا اللاموقف بين المتناقضات! ياله من حياد مع ديو»نكران للذات«! ويا لهذا الصواب البلعومي الألماني الذي يساوي بين الأشياء كلها ويستطيب كل  الأشياء !… إن  الألمان مثاليون, ليس في ذلك شك…

خلال زيارتي الأخيرة إلى ألمانيا وجدت الذوق الألماني مجتهدا أي  جهد من أجل وضع مساواة بين فاغنر وبواق Saeckingen (»ولقد كنت شخصيا شاهدا في لا يبزخ على تأسيس جمعية ** Liszt كتكريم لأحد الموسيقي ين الأكثر نزاهة وأكثر ألمانية -بالمعنى القديم لكلمة ألماني, وليس بمعنى ألمان الرايخ – وهو المايسترو Heinrich Schuetz, لكن  الغاية الحقيقية من وراء ذلك كانت في الواقع رعاية ونشر الموسيقى الكنسية الليستسة listiger Kirchenmusik) … إن  الألمان مثاليون, ليس في ذلك أدنى شك .. .

 2

والآن, لا شيء يمكن أن يمنعني من أن أكون فظا غليظا, وأن أصارح الألمان ببعض الحقائق القاسية; وإلا  فمن ترى سيقوم بذلك? أعني بذلك عهرهم في مجال العلم التاريخي. ولا يقف الأمر عند حد  أن  المؤرخين الألمان قد افتقدوا كليا الرؤية الواسعة لمسار الثقافة وقيمها حتى غدوا بموجب ذلك مجرد مهر جين في خدعة السياسة (أو الكنيسة), بل إن هم أبطلوا تلك الرؤية كليا. على المرء أن يكون »ألمانيا« أولا, أن يكون »عرقا«, وبعدها يمكن أن يقع البت  في كل  القيم واللاقيم في المجال التاريخي  – هكذا تم  تحديد القيم! (الانتساب) الألماني هو الحجة, و»ألمانيا, ألمانيا فوق كل  شيء« هو المبدأ, والجرمان هم »نظام القيم العالمي« داخل التاريخ; حاملو راية الحرية بالنظر إلى الإمبراطورية الرومانية, معيدو إرساء الأخلاق و»أمر الوجوب القطعي« بالنسبة للقرن الثامن عشر … هنالك كتابة للتاريخ من وجهة نظر ألمانية رايخية, بل ومعادية للسامية أيضا في ما أخشى, -هنالك كتابة للتاريخ بلاطية, والسيد فون ترايتشكه Von Treitschke  لا يخجل …

مؤخرا راجت على أعمدة الصحف الألمانية مقولة خرقاء في مجال العلم التاريخي لعالم الإستيطيقا الشوابي Vischer الذي توفي في الأثناء, جملة في هيأة »حقيقة« على كل  ألماني أن يتلق اها بالموافقة: »إن  النهضة وحركة الإصلاح الديني تكونان معا كلا موحدا: الإنبعاث الجمالي والإنبعاث القي مي«. إزاء مثل هذه المقولات ينفد صبري, وأشعر بالرغبة  – رغبة أحس  بها مثل واجب- في أن اصارح الألمان بكل  ما ارتكبوه من جرائم. إنهم يتحملون مسؤولية كل الجرائم الكبرى التي ارتكبت خلال أربعة قرون من الزمن! … يعود ذلك دوما إلى السبب ذاته, وهو الجبن المتأصل فيهم; جبنهم تجاه الواقع الذي هو جبنهم أمام الحقيقة, والسبب في ذلك هو عدم الصدق الذي تحول إلى غريزة لديهم: أي »مثالي تهم« …

لقد حرم الألمان أوروبا من جني ثمار العصر التاريخي العظيم الأخير; عصر النهضة, وبددوا محتواه في اللحظة التي كانت »المنظومة القيمية الجديدة« والقيم المستجيبة إثباتيا للحياة والضامنة للمستقبل تحقق انتصارها على قيم الانحطاط النقيضة في عقر دارها متوغلة حتى أعماق غرائز الجالسين في تلك الدار. لقد أعاد لوثر, ذلك الراهب الكارثة ترميم الكنيسة, بل وأشنع من ذلك بألف مرة, أعاد تثبيتها في اللحظة التي كانت فيها متقهقرة… المسيحية, تلك الديانة التي تحولت نفيا لإرادة الحياة…! لوثر, ذلك الراهب »الفظيع« الذي, لفظاعته, انقض  على الكنيسة – وبالتالي! أعاد تثبيتها… إنه بوسع الكاثوليكيين أن يجدوا مبررا كي يحتفلوا بلوثر ويؤلفوا مسرحيات المدائح اللوثرية (تكريما له): لوثر, و»الإنبعاث الجديد للقيم«!

لقد تمكن الألمان في مناسبتين, وذلك عندما تحقق عبر جهود جبارة وشجاعة هائلة الوصول إلى نمط تفكير علمي  بأتم  معنى الكلمة, نزيه ودون التباس, في إيجاد سبل ملتوية للعودة إلى »المثال« القديم وإجراء مصالحة بين الحقيقة و»المثال«, وهي في الحقيقة صيغ لإثبات الحق  في رفض العلم, والحق  في الكذب. لايبنتز وكانط! هذان القيدان الكبيران اللذان يعرقلان مسيرة النزاهة الفكرية بأوروبا !

وأخيرا, عندما برزت في الفترة الفاصلة بين قرنين من الانحطاط قوة ضاربة force majeure من العبقرية والإرادة, قوية بما فيه الكفاية لتجعل من أوروبا كيانا موحدا; أي وحدة سياسية واقتصادية قادرة على تسيير العالم بكليته, تمكن الألمان بـ»حروبهم التحررية« من حرمان أوروبا من التقاط الدلالة, بل الطابع الخارق لظهور نابليون … إن هم يتحم لون بذلك مسؤولية كل  ما حدث من بعد, وكل  ما يوجد اليوم; القومية: المرض الأكثر تنافيا مع العقل والثقافة, هذا العصاب القومي nevrose nationale الذي تعاني منه أوروبا; تخليد الدويلات الصغيرة, والسياسات الصغيرة. لقد حادوا بأوروبا عن محتواها وعقلها, وقادوها إلى طريق مسدودة – هل هناك من يعرف مخرجا من هذا المأزق سواي; مهمة كبيرة بما فيه الكفاية لإعادة الربط بين الشعوب?

 3

وبالنهاية, لم لا أعبر صراحة عن ريبتي وتوجسي?

سيحاول الألمان, فيما يخصني أنا أيضا, أن يفعلوا ما بوسعهم لكي يتمخض قدر هائل عن فأر. وإلى حد  الآن فهم قد ورطوا أنفسهم معي على أية حال, وإني لأشك  في أن يفعلوا أفضل من ذلك في المستقبل .- آه, لكم أشتهي أن أكون مرسل سوء هنا!

قرائي وجمهوري الطبيعي  الآن هم روسيون واسكندنافيون وفرنسيون – هل سيتزايد عددهم أكثر فأكثر? – أما الألمان فإن  حضورهم داخل تاريخ المعرفة قد تم  دوما عن طريق كوكبة من الأسماء ذات الطابع الملتبس, وهم لم ينتجوا سوى مزي في عملة »عديمي الوعي« (ينطبق هذا النعت على فيختة, وشوبنهاور, وهيغل, وشلايرماخر مثلما ينطبق على كانط ولايبنتز; إن هم جميعا ليسوا شيئا آخر غير »شلايرماخر«); ولن يحصل لهم أبدا شرف أن يكون أول عقل مستقيم في تاريخ الفكر; العقل الذي تتمكن الحقيقة بواسطته من محاكمة أربعة آلاف سنة من التزييف, متماهيا مع العقل الألماني. العقل الألماني هو الهواء الفاسد بالنسبة لي: إنني أتنفس بصعوبة بجوار هذه القذارة النفسية المتحولة غريزة والتي تنضح بها كل  كلمة وكل  هيأة لدى الألمان. لم يكن لهم أبدا أن يعرفوا قرنا من المحاسبة القاسية للنفس مثل القرن السابع عشر لدى الفرنسيين – إن  شخصيات من نوع ديكارت ولاروشفوكو لتعد  أرقى مائة مرة في مجال النزاهة الفكرية من أفضل أفاضل الألمان- وإلى يومنا هذا لم ينشأ من بينهم خبير نفساني  واحد, في حين يعد  علم النفس مقياسا لـنقاوة أو عدم نقاوة عرق بشري  ما … ومن أين يمكن أن يكون للمرء عمق إن لم يكن على الأقل  نقيا? لدى الألمان, كما لدى النساء, لا يدرك أي  عمق; إذ ليس هنالك من عمق, ذلك كل  ما في الأمر. ومع ذلك فهم ليسوا حتى ذوي سطح; ما يسمى »عميقا« لدى الألمان هي بالضبط غريزة اللانقاوة تجاه النفس التي أتكلم عنها هنا: إن هم يريدون عدم الوضوح مع النفس. هل يسمح لي بأن أقترح اعتماد عبارة »ألماني« عملة عالمية لتصريف هذا التدهور النفساني? في الوقت الراهن, على سبيل المثال, يعلن قيصر ألمانيا أن  »واجبه كمسيحي« يقتضي منه تحرير العبيد في إفريقيا: هذا الكلام نسميه نحن الأوربيين الآخرين بكل  بساطة: »ألماني«… هل استطاع الألمان أن ينتجوا كتابا واحدا ذا عمق? إن هم يفتقرون حتى إلى مجرد فكرة عما يمكن أن يكون عمقا في كتاب. لقد تعرفت على علماء كثيرين يعتبرون كنط عميقا, وإنني لأخشى أن يكون في البلاط البروسي اعتقاد بأن  السيد فون ترايتشكة أيضا عميق. لكنني عندما أنوه بستندال كخبير نفساني  عميق, يحدث لي أن أسمع من بين الأساتذة الجامعي ين من يطلب مني أن أكرر له نطق اسمه…

 4

لم لا أمضي حتى المنتهى? فأنا أحب  عمليات الكنس الكلي . وإنه لمن دواعي الفخر لدي  أن تكون لي سمعة محتقر الألمان par excellence – بامتياز .

كنت قد عبرت مبكرا, وأنا في السادسة والعشرين من عمري, عن ريبتي تجاه الطبع الألماني (المعاينات غير المعاصرة- III). الألمان بالنسبة لي شيء لا يطاق. وعندما أحاول أن أتمثل نوعا من البشر يمثل النقيض لكل  طباعي الغريزية يبرز لي في الحين وجه الألماني. إن  أول شيء أحاول أن أستشفه عندما اجري فحصا دقيقا على شخص ما هو إذا ما كان يمتلك حسا بالمسافة, وإذا ما كان قادرا في كل  موضع على تمييز المستويات والدرجات والتراتب القائم بين البشر; إذ ذلك هو ما يجعل منه رجلا شريفا gentillhomme . أما إذا ما كان على غير هذا فهو من أولئك الذين تورطوا دون رجعة في الانتماء إلى فصيلة الصدور الرحبة; أوه, أولئك الوديعين, لينو العريكة الذين يكونون الحثالة! لكن  الألمان أيضا حثالة. إن هم وديعون لينو العريكة .

إن  المرء يحط  من نفسه بمخالطة الألمان; فالألماني يساوي بين كل  الأشياء … وإذا ما طرحت  جانبا علاقاتي مع بعض الفنانين, وبدرجة أولى ريشارد فاغنر, فسأجد أنني لم أعش ساعة واحدة ممتعة مع الألمان. … ولو افترضنا أن  أعمق العقول على مدى آلاف السنين يحل  بين الألمان فإن  أية (retterin des Capitols إوزة عبيطة حمقاء )(سيعن  لها أن  روحها القميئة لا تقل  في أسوأ الحالات قيمة عن منزلته … أنني لا أطيق هذا الجنس الذي لا تروق معاشرته, هذا الجنس الذي لا حس  لديه بالفوارق nuances – يا لبؤسي أنا الفارقة nuance -, الذي لا عقل في قدميه ولا يستطيع حتى المشي … وبالنهاية ليس للألمان أقدام, بل قوائم … ليس للألمان فكرة عن مدى دناءتهم, وإن  هذا لأرقى تعبير عن الدناءة – إنهم لا يخجلون حتى من كونهم مجرد ألمان … يريدون أن تكون لهم كلمة في كل  أمر, ويعتقدون أن  لهم دورا محددا; بل أنني أخشى أن يكونوا قد تدبروا قرارا ما بشأني) …

حياتي بكل يتها كانت الدليل القاطع على هذه المقولات … لكن, عبثا بحثت طوال حياتي عن شيء من الكياسة ومن رهافة الحس  تجاهي. أجل, وجدت ذلك لدى اليهود, لكن ولا مرة واحدة لدى الألمان .

إنه من خصائص طبعي أن أكون لي نا ولطيفا تجاه جميع الناس -إنه حقي , أن لا اقيم فوارق- لكن  هذا لا يمنعني من أن أظل  يقظا مفتوح العينين. لا أستثني في ذلك أحدا, وأقل  من أستثني هم أصدقائي, وأتمنى بالنهاية ألا يكون ذلك قد نال من إنسانيتي تجاههم! هنالك خمس أو ست  مسائل جعلت منها قضايا شرف بالنسبة لي.- مع ذلك كنت أتقبل كل  رسالة موجهة لي في السنوات الأخيرة كنوع من الصلافة Cynisme تجاهي: هناك أكثر صلافة في اللطافة مما في أي  نوع من الحقد علي . وعلى أية حال أنا لا أتوانى البتة في مصارحة كل  صديق بأن أقول له وجها لوجه إنه لم ير أبدا من موجب لإرهاق نفسه بتناول واحدة من كتاباتي بالدراسة; فأنا ادرك من خلال أبسط العلامات أنهم لا يعرفون حتى ما الذي يوجد داخلها. أما في ما يتعلق بزرادشتي بصفة خاصة, فمن من أصدقائي استطاع أن يرى فيه شيئا أكثر من غرور غير مباح, وعديم الفعالية من حسن الحظ  ?… عشر سنوات ولا أحد من أصدقائي حركه وخز الضمير كي ينهض للدفاع عن اسمي الذي ظل  مغمورا بالصمت واللامبالاة. واحد أجنبي  فقط, دانماركي, كان لديه ما يكفي من رهافة الطبع ومن الشجاعة كي يكون أول من استشاط غيظا من سلوك أصدقائي المزعومين … وأنني أتساءل: داخل أية جامعة ألمانية يمكن أن نتصور إلقاء محاضرات حول فلسفتي أمرا ممكنا مثلما فعل الدكتور جورج براندس خلال الربيع الماضي في جامعة كوبنهاغن مقيما بذلك الدليل على إنه فعلا خبير نفساني  بحق. أما أنا فلم أكن لأتألم البتة من جراء كل  هذا, فالأمور ذات الطابع الضروري لا تؤلمني: amor fati (حب القدر) هو جبلتي العميقة. لكن  هذا لا ينفي كوني أحب  السخرية أيضا, بما في ذلك السخرية الكونية. هكذا بعثت إلى الوجود كتاب »قضية فاغنر« سنتين قبل صاعقة »قلب القيم« المدمرة التي سترج  الأرض بكل يتها: فرصة أخرى للألمان كي يخطئوا في شأني مرة أخرى وينالوا بذلك الخلود! إن  لديهم متسعا من الوقت بعد! -هل أفلحوا?

أمر رائع أيها السادة الألمان! تهاني  …

منذ قليل كتبت لي صديقة قديمة بأنها تضحك مني الآن … وهذا في ظرف أحمل فيه عبء مسؤولية جسيمة – حيث ما من كلمة بوسعها أن تكون رقيقة بالقدر المطلوب تجاهي, وما من نظرة لتعبر عن المهابة التي أستحق . فأنا أحمل على كتفي  قدر الإنسانية.

لم أنا قدر

****

 1

-قلب كل  القيم: تلك هي صيغتي المبجلة للتعبير عن أرقى وعي ذاتي للإنسانية قد تحول لحما وعبقرية لدي . قدري هو الذي أراد لي أن أكون أول إنسان مستقيم, وأن أعي نفسي كنقيض لأكاذيب الآلاف من السنين … أنني أول من اكتشف الحقيقة لأنني استطعت أن أرى إلى الكذب ككذب -اشتممته … عبقريتي في أنفي …اناقض كما ليس لأحد أن يناقض, ومع ذلك فأنا النقيض لكل  عقل ناف . أنني رسول. بشرى سعيدة ليس له من مثيل, ولي خبرة بمهمات على درجة من السمو  يعجز عن وصفها الكلام; ابتداء من ي أنا غدت هناك مجددا آمال. ومع ذلك فأنا رجل الط امة والقدر المحتوم, ذلك إنه عندما تدخل الحقيقة في صراع مع أباطيل الآلاف من السنين يشهد العالم ارتجاجات وتوترات  زلازل وتحول  جبال وأودية كما لا يخيل للمرء حتى في الأحلام. عندها يكون مفهوم السياسة قد انحل  كليا في حرب العقول, وكل البنى السلطوية قد راحت شظايا في الفضاء; إذ كل ها متأسسة على الكذب. ستكون هناك حروب لم تشهد الأرض مثيلا لها في ما مضى.

الآن فقط, وابتداء مني أنا أصبحت هناك سياسة عظيمة على وجه الأرض.

 2

أتريدون عبارة تترجم عن هذا القدر المتحول إنسان ا? توجد مثل هذه العبارة في زرادشت:

وكل  من يريد أن يكون مبدعا في الخير وفي الشر , عليه أن يكون أولا

مدمرا, وأن يحطم القيم .

كذا هو الشر  الأعظم جزء من الخير الأعظم: لكن  ذلك هو الخلق.

أنني أفظع إنسان من بين ما و جد إلى حد  الآن; لكن هذا لا ينفي أنني سأكون الأكثر إحسان ا. أعرف لذة في التدمير تتناسب وطاقاتي التدميرية; وأنا في كلا الأمرين خاضع لطبيعتي الديونيزية التي لا تفصل بين فعل النفي والاستجابة الإثباتية. أنني اللا أخلاقي الأول; لذلك فأنا المدمر بامتياز par excellence .

 3

لا أحد سألني, وكان على المرء أن يسألني عم  يعنيه على لساني; أي على لسان اللا أخلاقي الأول, اسم زرادشت: ما كان يمثل الطابع الفريد الهائل لهذه الشخصية الفارسية عبر التاريخ هو بالضبط نقيض هذا الذي نحن بصدده الآن. لقد رأى زرادشت في الصراع القائم بين الخير والشر  الدولاب المحرك للأشياء; إن  ترجمة الأخلاق ميتافيزيقيا على أنها طاقة, وسبب, وهدف في حد  ذاته, لهي من صنيعه. لكن  هذا السؤال بإمكانه أن يكون في حد  ذاته جواب ا. لقد ابتدع زرادشت هذا الخطأ الشنيع; الأخلاق, وبالتالي كان عليه أن يكون أول من يعترف بهذا الخطأ. ليس فقط لكونه يملك أطول وأكثر تجربة من كل  المفك رين -فالتاريخ بكل يته هو التفنيد التجريبي لمقولة »النظام الكوني للقيم« المزعومة- الأهم  (هنا) هو أن  زرادشت أكثر مصداقية من أي  مفكر آخر, فتعاليمه, وتعاليمه وحدها, تعتمد الحقيقة قيمة أعلى; بما يعني أن ها النقيض لجبن »المثاليين« الذين يعمدون إلى الفرار أمام الحقيقة. إن  زرادشت يمتلك من الشجاعة ما يفوق شجاعة كل  المفكرين مجتمعين. التكلم بالحقائق وإتقان الرماية; تلك هي الفضيلة الفارسية. – هل فهمتموني? تجاوز الأخلاق لذاتها من منطلق الصدق, وتجاوز الأخلاقي  لذاته ليحل  في نقيضه – في  أنا – ذلك هو ما يعنيه اسم زرادشت على لساني.

 4

تنطوي عبارة اللا أخلاقي لدي  في الواقع على عمليتي نفي اثنتين. في العملية الأولى أنفي نموذجا من الناس كان يعتبر إلى حد  الآن هو الأرقى; الخيرون وذوو النوايا الخيرة, وأصحاب الأعمال الخيرة; ومن الناحية الثانية أنفي نوعا من الأخلاق التي فرضت صلاحيتها ونفوذها على أن ها الأخلاق في ذاتها; أخلاق الإنحطاط, وبتعبير ملموس الأخلاق المسيحية. قد يكون مباحا اعتبار عملية النفي الثانية محددة, ذلك أن  التقدير المبالغ فيه الذي يمنح إلى الخير وإرادة الخيري عد  بالنسبة لي من نتائج الانحطاط وعرض ضعف ومما لا يتلاءم وحياة إثباتية مندفعة إلى التطور: في الإستجابة الإثباتية يكون النقض والتدمير شرطين أساسيين.

سأتوقف أولا عند سيكولوجية الخير. كي نقدر قيمة نموذج ما من البشر, علينا أن نحدد الثمن الذي يدفعه من أجل البقاء; أي أن نتعرف على شروط وجوده. إن  شرط الوجود لدى الخيرين هو الكذب: بتعبير آخر الإصرار على عدم الرغبة في رؤية الكيفية التي يتكون عليها الواقع في الأساس; أي لا على ذلك المنحى الذي يجعله يستدعي في كل  آونة حضور الغرائز الخيرة, وأقل  من ذلك وفقا للمنحى الذي يغدو بموجبه في متناول أيدي قصيري النظر وأصحاب النوايا الطيبة. أن ينظر إلى أوضاع البؤس بجميع أصنافها كاعتراض وكشيء ينبغي في جميع الأحوال إزالته, فتلك هي عين الحماقة, وإذا ما حسبنا لها الحساب الأقصى فهي كارثة كبرى من حيث النتائج المنجرة عنها; قدر  أعمى على درجة من الغباء تعادل حماقة إرادة إزالة الطقس الرديء – رأفة بالفقراء مثلا …

داخل الانتظام الكبير الذي يسير عليه العالم ككل  تمثل شناعات الواقع (على مستوى المشاعر والغرائز, وإرادة السلطة), وبدرجة تستعصي على الحصر, عنصرا أكثر ضرورة من أي  شكل من أشكال السعادة الصغيرة; »الخير« المزعوم. وإنه لينبغي أن يكون المرء متسامحا جدا كي يمنح هذا الأخير حتى مجرد الحق  في الوجود, علما وإنه محدد في وجوده بشرط غريزة الكذب .وستأتي المناسبة التي سأبي ن فيها بالحجة والدليل العواقب الشنيعة فوق كل  الحدود التي سيعرفها التاريخ من جراء التفاؤل; ذلك الوهم الذي ابتدعه خيال الـhomines optimi (الإنسان المتفائل). يقول زرادشت الذي كان أول من أدرك أن  المتفائل على نفس المستوى من الانحطاط كالمتشائم, بل وأكثر ضررا منه: »الخيرون لا ينطقون بالحقيقة أبدا. سواحل  وهمية  ويقينيات خاطئة  يعل مكم الخيرون; داخل أكاذيب الخيرين و لدتم, وفيها كان مأواكم. كل  شيء غدا في عمقه الدفين مشوها معوجا على أيدي الخيرين. «

من حسن الحظ  أن  الحياة ليست متأسسة وفقا لتلك الغرائز التي تجد فيها دابة القطيع سعادتها الضي قة. إن  المطالبة بأن يغدو الكل  »إنسانا خيرا«, دابة قطيع, أزرق العينين, خيرالنوايا, »روحا جميلة«, أو غيرانيا, كما يتمنى ذلك السيد هربرت سبنسر, فذلك معناه أن يسلب الوجود  عظمة  طبعه; أي خصاء الإنسانية والنزول بها إلى مستوى chinoiserie بائس. وقد حصلت تلك المحاولة بالفعل !.. وذلك بالضبط ما سم ي بالأخلاق … وفقا لهذا المعنى يدعو زرادشت الخيرين »حثالة البشر« حينا و»بداية النهاية« حينا آخر, وفي كل  الأحوال يعتبرهم الصنف الأكثر ضررا من بين البشر, ذلك أن هم يفرضون وجودهم على حساب الحقيقة كما على حساب المستقبل :

الخيرون لا يستطيعون إبداعا, إن هم دوما بداية النهاية .

يصلبون من يكتب قيما جديدة على ألواح جديدة, يضحون بالمستقبل فداء

لأنفسهم; يصلبون كل  مستقبل للإنسان.

الخيرون – بداية النهاية كانوا على الدوام …

ومهما عظمت مضار  المفترين على العالم, فمضار  الخيرين تظل  أشد  الأضرار مضرة .-

زرادشت, أول خبير بنفسية الخيرين, هو -بالتالي- صديق للأشرار.

إذا ما ارتقى صنف المنحطين من البشر إلى مرتبة الصنف الأعلى, فإن  ذلك لا يمكن أن يحصل إلا  على حساب الصنف النقيض; صنف الأقوياء والممتلئين ثقة في الحياة. وعندما تشع  دابة القطيع ببريق الفضيلة الأكثر نقاء , يرى إنسان الإستثناء نفسه مندحرا إلى منزلة الشريرين. وعندما يسطو الكذب على عبارة الحقيقة بهدف توظيفها لخدمة منظوره, يجد ما هو صادق بالفعل نفسه محشورا ضمن أسوأ الأسماء. لا يدع زرادشت مجالا لأي  شك ; يقول إن  معرفته بالخيرين و»أفضل الناس« هي التي تسببت في ذلك الذعر الذي لديه تجاه الإنسان, وإنه استمد من ذلك النفور جناحين »من أجل التحليق في أفق مستقبل بعيد«. وهو لا يخفي أن  نموذجه البشري  نموذج فوق بشري  نسبيا, وهو مقارنة بالخيرين تحديدا فوق-بشري  بالفعل, وإن  الخيرين والعادلين سيسمون إنسانه الأرقى شيطانا…

أيها الناس الراقون الذين التقت بهم عيناي, هذه مظنتي فيكم, وضحكتي السرية :أنني أحرز ذلك; ستسمون إنساني الأرقى شيطان ا!

وإن كم غريبون كل  الغربة في عمق أرواحكم عن العظماء; بحيث سيبدو لكم فظيعا في طيبته هذا الإنسان الأرقى …

في هذا الموضع, وليس في سواه, ينبغي علينا أن نجد منطلقا لفهم ما الذي يريده زرادشت :هذا النموذج الذي تصوره (الإنسان الأرقى) يتمثل الواقع كما هو: إنه يمتلك ما يكفي من القوة لهذا الغرض; وهذا الواقع ليس غريبا عنه, ولا هو(الإنسان الأرقى) ببعيد عنه: إنه هو ذاته, وهو ما يزال يحمل في داخله كل  فظاعاته وإشكالاته; بهذه الكيفية فقط يمكن للإنسان أن يكون ذا عظمة …

 6

غير أن ني, ولغرض آخر, اخترت لنفسي عبارة اللا أخلاقي كعلامة مميزة وعنوان شرف; وأنا فخور بأن تكون لي هذه العبارة التي تضعني في موضع المواجهة مع البشرية بكل يتها …

ما من أحد قد أحس  إلى حد  الآن بالأخلاق المسيحية كشيء واقع دون منزلته مثل هذا الشعور يقتضي ارتفاعا معينا, ونظرة بعيدة وعمقا نفسيا وغورا خارقا للعادة. فالأخلاق المسيحية كانت دوما كيركا الساحرة بالنسبة لكل  المفكرين; كل هم كانوا مسخرين لخدمتها – من هبط قبلي إلى تلك الكهوف التي تتصاعد منها الأنفاس السامة لذلك النوع من المثل -الإفتراء على العالم? ومن كان له حتى أن يتخيل وجود مثل هذه الكهوف? بل ومن كان من بين الفلاسفة خبيرا نفسانيا قبلي, وليس بالأحرى نقيضا لهذا; أي »دج الاراقيا« و»مثاليا«? كلا , لم يكن هناك علم نفس من قبلي. أن يكون الواحد بادئا, مدشنا, فذلك ما يمكن أن يغدو لعنة, وهو على أية حال قدر; ذلك أن  الأو ل يستخف  ويحتقر لكونه أولا …إن  القرف من الإنسان الخطر الذي يتربص بي …

 7

أفهمتموني? إن  الذي يقصيني ويضعني على هامش بقية البشرية بأسرها هو كوني اكتشفت حقيقة الأخلاق المسيحية. لذلك كنت بحاجة إلى كلمة تكون حاملة لمعنى تحد   موجه لكل  شخص. ألا يكون هناك من فتح عينيه على هذا الأمر من قبل, فذلك بالنسبة لي هو الرجس الأكبر الذي تحمل البشرية وزر خطيئته; إن ها مغالطة الذات وقد تحولت غريزة, وإرادة تعام  مبدئية عن كل  ما يحدث, عن كل  سببية وكل  واقع; إنه التزوير الذي يطال النفس البشرية حد  الإجرام .إن  التعامي عن حقيقة المسيحية لهو الإجرام بحق ; الإجرام في حق  الحياة. تستوي في هذا الأمر آلاف السنين, وكل  الشعوب -أو لها وآخرها-, الفلاسفة والعجائز -عدا خمس أو ست  لحظات استثنائية من مجمل التاريخ, وأنا سابعها.

ليس الخطأ كخطأ هو ما يستثيرني في هذا كله; وليست آلاف السنين من انعدام »النوايا الصادقة« والانضباط المعنوي والاستقامة والشجاعة الفكرية هي ما يفشيه انتصار هذه الأخلاق, بل الإفتقار  إلى الروح الطبيعية, وواقع  الحال المفزع الذي يتمثل في كون »اللاطبيعي« هو الذي حظي بنيل آيات التكريم الأكبر وغدا سيفا مسلولا فوق رأس الإنسانية في هيأة »أمر وجوب قطعي«. أن يحصل التباس للجميع في هذا الأمر; لا كأفراد, ولا كشعب, بل كإنسانية في مجملها !! أن يتعلم الإنسان احتقار أولى غرائز الحياة, وأن تبتدع أكذوبة »الروح« و»العقل« من أجل سحق الجسد, وأن يعلم النظر إلى أول شروط الحياة; إلى الجنس على إنه دنس, وأن يسعى لاختلاق مبدأ للشر  داخل أعمق الشروط الضرورية للنمو :الأنانية الصارمة (إن  عبارة الأنانية في حد  ذاتها تحمل معنى الافتراء); وأن يرى الإنسان بالمقابل في العلامات المميزة للانحطاط ولمناقضة الغرائز الطبيعية, وفي الغيرانية وفقدان نقطة الإرتكاز, وفي »الانسلاخ عن الذات« و»حب  ذوي القربى« القيمة الأسمى -ماذا أقول? بل القيمة في ذاتها!!…

أيعقل أن تكون الإنسانية بصدد الانحطاط? أم تراها كانت منحطة دوما? الثابت في الأمر هو أنها ظلت لا تلقن سوى قيم الانحطاط كقيم أسمى. إن أخلاقيات »نكران الذات« هي أخلاق الانحطاط بامتياز; حالة  »أنا أهلك« مترجمة  إلى أمر وجوب: »عليكم جميعا أن تهلكوا«-وليس فقط على مستوى صيغة الأمر المبدئية !… هذه الأخلاق الوحيدة التي ظلت تلقن حتى الآن; أخلاق التجرد من الذات.

ومع ذلك يظل  الاحتمال واردا بأن ليست الإنسانية بكل يتها مصابة بالانحلال, بل فقط ذلك الرهط الطفيلي من البشر; رهط القساوسة الذي استطاع بواسطة الأخلاق أن ينتحل له صفة مقرر القيم, والذي استشف  في الأخلاق المسيحية وسيلة لممارسة السلطة. وفي الواقع, هذه هي رؤيتي: إن  المعلمين وقادة البشرية في مجملهم لاهوتيون, وهم أيضا منحطون في مجملهم; من هنا كان انقلاب القيم إلى معاداة للحياة. ومن هنا كانت الأخلاق … تعريف الأخلاق: الأخلاق هي الحساسية المرضية للمنحط  مع النية الخفية في الانتقام من الحياة – وقد تم  ذلك بنجاح. إن نيا ولي أهمية لهذا التعريف.

 8

أفهمتموني? لم أقل كلمة واحدة هنا لم يكن زرادشت قد نطق بها منذ خمس سنوات. لقد كان الكشف عن الأخلاق المسيحية حدثا دون مثيل; كارثة حقيقية. وإن  من ينير العقول حول هذه المسألة يعد  une force majeure, قدرا: إنه يشرخ تاريخ الإنسانية شطرين. يعيش الإنسان قبله, ويعيش بعده. ..

لقد وقعت صاعقة الحقيقة بالضبط على ذلك الذي كان يحتل  المنزلة الأعلى: لينظر كل  من أدرك ما الذي وقع تدميره هنا, إن كان ما يزال هناك شيء في قبضته. فكلما ظل  يدعى حقيقة حتى الآن قد تم  الكشف عنه كأكبر أشكال الكذب ضررا, وأكثرها مكرا وتسترا, وعرفت دعوى »إصلاح« البشرية على أنها حيلة ماكرة تهدف إلى إفراغ الحياة من مادتها الحيوية ذاتها وإصابتها بفقر الدم: الأخلاق كامتصاص الدماء vampirismus … إن  من يكتشف حقيقة الأخلاق سيكون في الآن ذاته قد اكتشف لا قيمة كل  القيم التي اعتقد فيها من قبل, أو التي ما زال يعتقد فيها, ولن يرى ما يستحق  التقدير في كل  أولئك الذين أحيطوا بأسمى آيات التقدير, ولا في أولئك الذين كرسوا فصيلة مقدسة من بين البشر. سيرى فيهم رهطا من المخلوقات المشوهة الأكثر شؤما; مشؤومة لأنها ظلت تمارس سحرا وغواية. .. لقد ابتدعت فكرة الآلهة كمفهوم نقيض للحياة; داخلها ج مع كل  ما هو مضر , سام  ومفتر , وكل العداوة القاتلة للحياة, في كل موحد مثير للفزع. وابتدعت فكرة »الماوراء«, و»العالم الحقيقي« من أجل تجريد العالم الواقعي  الوحيد الموجود من كل  قيمة; كيلا يحتفظ لواقعنا الأرضي  بأي  هدف ولا أية معقولية, وأية مهمة! وابتدعت فكرة »الروح« و»العقل« وأخيرا »الروح الخالدة« بهدف تحقير الجسد, وإصابته بالمرض –بـ»القداسة«-, ولكي تقابل مسائل الحياة التي تستحق  العناية الجدية مثل المأكل والمسكن ونظام الغذاء العقلي, ومعالجة الأمراض, والنظافة وما يتعلق بأحوال الطقس بعدم اكتراث أحمق مفزع! »خلاص الروح« عوضا عن الصحة; أعني بذلك بوتقة الحمق الدائري folie circulaire ما بين التشنج التكفيري (من الكف ارة) وهستيريا الخلاص! لقد ابت دع مفهوم ؛الخطيئة« في الوقت الذي ابتكر فيه ما يناسبها من أدوات التعذيب, وابتدع مفهوم »الإرادة الحرة« بهدف تشويش الغرائز, وجعل الريبة تجاهها طبيعة ثانية! إن  فكرة »الغيرانية« و»نكران الذات« هي العلامة المميزة لـلإنحطاط: الإنجذاب إلى ما هو مهلك, وفقدان القدرة على تمييز ما هو نافع, وهي التدمير الذاتي متحو لا عنوان فضيلة, »واجبا«, و»قداسة«, وصفة  »ألوهية« في الإنسان! وأخيرا, وهذا هو الأكثر شناعة في الأمر, تتضمن فكرة الإنسان »الخير« انحيازا إلى كل  ما هو ضعيف, مريض وفاشل, وكل  شقي  بذاته: كل  ما ينبغي أن ينهار ويضمحل  ; يصلب قانون الانتقاء, وضد  كل  من هو إثباتي , وكل  متعلق بالمستقبل, ضامن للمستقبل يصاغ مثل أعلى مناقض للإنسان الفخور والمتفو ق?? – ويدعى عندها هذا الإنسان شريرا…

ولقد تم  الإعتقاد في كل  هذا كأخلاق!  Ecrasez l  infame! – سحقا للشائن الدنيء

 9

أفهمتموني? – ديونيزوس ضد  المصلوب …

* انظر إنجيل يوحنا; الإصحاح 19: »فخرج بيلاطس أيضا خارجا وقال لهم ها أنا اخرجه إليكم لتعلموا أني لست أجد فيه علة واحدة. فخرج يسوع خارجا وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لهم بيلاطس هو ذا الإنسان. « /انظر أيضا لوحة هورينوموس بوش الشهيرة التي تحمل نفس الاسم وحيث يظهر المسيح متقدما نحو الصليب.

* كاغلياسترو: البارون أليس اندرو, واسمه الحقيقي جوزيب ي بالزامو, مغامر وكيميائي إيطالي من القرن الثامن عشر (1743-1795). حقق شهرة في كامل أوروبا بتعاطي الكيمياء وادعائه إتيان المعجزات والإشتغال بصنع الذهب. حكم عليه بالإعدام في روما كدجال وزنديق. لعب دورا أساسيا في »قضية العقد« التي أثارت فضيحة كبرى ضد  الملكة آن ماري أنطوانيت. تحو ل إلى شخصية أدبية في أعمال كل  من شيللر (1789) وغوتة (1791) كما في إحدى أوبيرات يوهان شتراوس الإبن (1875).-(م)

* أوبرا فاسلر المستوحاة من قصيدة لشيفل Scheffel كان لها رواج شعبي في ألمانيا أنذاك .-(م)

* يعمد نيتشه هنا إلى عملية تلاعب بالألفاظ مستعملا نعت listig الذي يوهم على مستوى النطق بإنه نسبة لـ Liszt, لكن  حذف حرف Z يجعله يعني المحتال والماكر الخبيث. -(م)

* هاينرش فون ترايتشكة (1834-1896) مؤرخ ألماني ذو نزعة قومية ويعد ممثل فكر الرايخ البروسي للقرن التاسع عشر.

* يعتمد نيتشه هنا أيضا تلاعبا على المعنى المزدوج لعبارة Schleiermacher التي هي في الآن نفسه إسم  لأحد الفلاسفة الألمان, لكن ها تعني أيضا (لغة): صانع / أو مصمم الحجب.

( die Retterin des Capitols حرفيا تعني منقذة الكابيتول. يشير نيتشه هنا إلى حادثة تاريخية شهيرة تتمثل في محاولة الغال مهاجمة كابيتول روما ليلا وكان أن أيقظ نعيق الإوز  الرومان الذين هب والرد  الهجوم وإنقاذ الكابيتول. منذ ذلك الوقت غدت طيور الإوز  فصيلة مباركة بالنسبة للرومان وسم وها بـ»منقذة الكابيتول«.

* يعود التعبير عن هذا الهاجس في العديد من المواضع, وبتعابير مختلفة; لكأن  نيتشه كان شبه متأكد من عملية الإحتواء التي ستجري على فكره بطريقة تشبه السطو بما يتبع ذلك من تزييف وتزوير; عمل قد شرعت فيه أخته إليزابيت فورستر وهو ما يزال بعد على قيد الحياة.

* هذه الفقرة الأخيرة (بين المعقفين) مفقودة في النسخ المتداولة, ويثبتها كول يومونتناري في الطبعة الدراسية النقدية.

* (فصلان من الكتاب: ترجمة تصدر قريبا عن منشورات الجمل)
ترجمة: علي مصباح
كاتب من تونس يقيم في ألمانيا

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …